أساسيات الكتابة
سلسلة كيف تَكتُب: تمهيد لعالم الكتابة (الجزء الأول)
في كل مرةٍ أكتُبُ فيها، كنتُ أكتب لأُخرِسَ صخب ذاكرتي، متوهّمًا أن الكتابة هي ممري إلى الخلاص، فإذا بالحروف تفضحني والكلمات تنقلب ضدي، وإذا بما أردت طمسه يخرج من بين السطور أكثر حياةً وصلابة. كأنني، كلّما سعيت إلى النسيان، وجدتني أوثق ما لا أريد، وأغرسه في ورقي غرسًا، ليبقى شاهدًا على جرحٍ ظننتُ أنني أدفنُه فإذا بي أخلّدُه.
ومع كل سطرٍ جديد، أدرك أنني لا أكتب لأتخلّص، بل أكتبُ لأستدعي، لأفتح الأبواب على مصاريعها. فالذاكرة ماكرة، كلّما حاولتَ إسكاتها ارتفعت نبرتها تارةً أخرى، وكلّما طمستَ ملامحها عادت أوضح من ذي قبل. إنّها تعرف كيف تنتقم؛ تنام طويلًا، ثم تصحو مع القلم، لتجلس أمامك بملامحها القديمة التي حاولت أن تُنكرها.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت أتعلم أن الكتابة ليست عدوًّا للذاكرة، بل وسيطًا بينها وبين القلب. فالكتابة لا تمحو الألم كما كُنت أرجو، لكنها تمنحه لغةً ليتنفّس. قد لا تعفيني من أوجاعي، لكنها تمنحها معنى، وكأنها تقول لي: "لن أحررك مما تحمله، لكنني سأجعلك تراه بوضوح، وستتعلّم كيف تعيش معه دون أن يكسرك، بل وربما لِتعالجه".
و هكذا غدت الكتابة مرآة لا تنكسر، وَجرحًا لا يلتئم، لكنّه لأوّل مرّة يُضيء؛ يُضيء كما لو لم تمسسّه آلة جارحة، بل كما لو انبثق من داخله نورٌ خفيّ كان ينتظر لحظة الانكسار ليخرج ليقول ها أنا ذا. وما كنتُ أظنّه هزيمة أمام الذاكرة، صار تدريجيًّا شكلاً من أشكال التصالح معها أو حتى شكلاً من أشكال العلاج. فربما لم تُخلق الكتابة لتكون باب نسيان تطوي كل ورقة خلَّفتها ورائك، بل لتكون طريق إدراك، ولتكشف أن ما نهرب منه هو بالذات ما يصنعنا.
كانت هذه مجرد مقدمة، أما الغرض الحقيقي منها فسوف نكتشفه معًا في الفقرات القادمة. أرجو أن لا تغفل عن مُطالعة قائمة المصادر أسفل المقال، فهي امتداد ضروري للفكرة وقد تثري فهمك. كما ستجد في نهاية المقال تحدي و هدية بسيطة مني إليك ياعزيزي، أرجو أن تساعدك على تحويل ما قرأته إلى ممارسة عملية، فالنصوص وحدها لا تكفي ما لم تضعها على محك التجربة.
سنُوجّه تركيزنا في هذا المقال نحو أساسيات الكتابة؛ وقد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تشكّل أعمدة قوية لا يمكن الاستغناء عنها. وما أهدف إليه هنا هو إعطاء هذه الأساسيات حقها الكامل، عبر مسارين رئيسيين: أولاً، عبر تجربتي الشخصية معها، وثانياً، من خلال ما مارسه أعظم الكُتّاب في هذا المجال، لذلك سيكون المقال مطولاً وقد جزأته لك ليتسنى لك مطالعته على أوقات متفرقة.
وغايتي من هذا المسار المزدوج أيضاً تتمثل في أمرين: أولاً، أن تنظر إلى الكُتّاب العِظام كمعلمين ومرشدين يمكننا التعلم منهم. فهم يوفرون علينا سنوات طويلة من التجربة، ويقدمون لنا خبراتهم على طبق من ذهب، بحيث يمكننا الاستفادة منها مباشرة دون أن نضطر لتكرار كل تجربة بأنفسنا، بالإضافة الى أن تتعلم ليس فقط من نصوصهم، بل من طرق تفكيرهم، وأساليبهم في الملاحظة، وبنيتهم للقصص والأفكار. القراءة الواعية لهم تمنحك رؤية أوسع، وتكشف لك أسرار بناء النصوص وحياة الشخصيات، وتعلمك كيف تُحوّل الأفكار البسيطة إلى أعمال مؤثرة وخلّاقة.
وثانياً، أن تعتبرني قريبًا منك، صديقًا وأخًا يشاركك الطريق كما أعتدنا في رحلاتنا السابقة. فالنفس بطبيعتها تميل إلى مقارنة ذاتها بمن هم في مثل عُمُرها أو مستوى قربها، وقد ترى الكُتّاب الكِبار والعِظام بعين بعيدي المنال، فتشعر بالتهيب أو الاستسلام للفارق بينهم وبينك. أما إذا قلت لك إن صديقك أو أخاك يمارس هذه الأساليب، فستجد أن التحدي يصبح أكثر واقعية، وأكثر قابلية للتحقيق، بل وقد تشعر بأنك بإمكانك أن تكون أفضل منه، ومن هنا يصبح التفوق أمرًا ممكنًا.
لذلك، هذا المقال لا ينبغي أن يضعني أمامك ككاتب متفوق ابداً، بل يضعنا معًا في موضع التلاميذ، ننهل من تجارب الحياة وخبرات الكُتّاب العِظام، مع فارق مهم ألا وهو أن طموحي أن تصبح أنت أفضل مني. فدور الأخ والصديق الحقيقي ليس أن يطلب منك أن تكون نسخة عنه، بل أن يرشدك إلى الطريق الذي يجعلك تتجاوز مستواه. ومن هذا المنطلق، سأشاركك تجربتي وتجارب أعظم الكُتّاب، لتندمج بينهما المعرفة والخبرة، فتنسج لنفسك مسارًا فريدًا، يقوي قدراتك، يعمّق بصيرتك، ويزيد من قدرتك على الإبداع والابتكار، ليصبح نصك أكثر صلابة ووضوحًا، وأكثر تأثيرًا في القلوب قبل العقول. وسنخوض ايضاً تحدي وتدريب في هذا المقال.
الأساس الأول: معرفة الهدف
إعلم ياعزيزي أن أغلب الناس يحملون في أعماقهم بذرةً من موهبة الكتابة والسرد، وهذا أمر طبيعي؛ فالإنسان منذ طفولته ينمو على النصوص، بين ما يتلقاه في كتبه المدرسية، وما يتلوه من النصوص الدينية، وما يطالعُه في الكتب والمصادر المختلفة. وهذه البذرة لا تبقى جامدة، بل تنتظر تربتها الخصبة، الممارسة، والوعي، والإصرار.
وقد تعترض ياعزيزي قائلاً أن هذا أمر بديهي؛ كل مهارة تحتاج إلى ممارسة حتى تزدهر، والكتابة ليست استثناءً. لكن وبالرغم من ذلك، فما يحدث غالبًا هو أننا نُدرك هذه الحقيقة، ومع ذلك نتوقف، ويفتر حماسنا، ونفقد الاستمرارية بين حينٍ وآخر. وهذا ما يدفعني إلى طرح سؤالٍ مهم عليك، لماذا وهو لماذا بالرغم من أن الكتابة لا تتطلب إلا الممارسة المستمرة، لا نتقنها، ولا نستمر في ممارستها بانتظام؟
واسمح لي أن أجيبك مُدعياً بأن السبب ربما يكمن في أن الأهداف التي نضعها لأنفسنا والتي غالبًا ما تكون هشة أو مشوّهة الغاية. فمن يكتب بدافع الشهرة وحدها، يخبو شغفه سريعًا، ومن يحدد لنفسه هدفًا ضخمًا يفوق قدراته، يُنهك نفسه قبل أن يبدأ، ومن يسعى وراء الإعجاب اللحظي يجد أثر جهده يتلاشى أسرع مما توقع.
ولذلك، يكمن الحل الأول في إعادة صياغة الهدف وجعله متينًا وواقعيًا وهو أن تكتب لتتطور، لتفهم نفسك، ولتنقل تجربتك بصدق، بدلاً من أن تنال تصفيقًا مؤقتًا. عندما تصبح الكتابة غاية في حد ذاتها، وليس وسيلة لتحقيق شيء خارجي، يتحول الالتزام بالممارسة إلى فعل طبيعي، والشغف يتجدد مع كل نص تُنجزه، مهما كان حجمه صغيرًا، ولذلك، دائمًا عندما يحصل الكاتب على شهرة واسعة، يُتوقع منه أن يقدم إجابة على أهم سؤال يمكن أن يُطرح عليه: لماذا تكتب؟ هذا السؤال هو مفتاح لفهم دوافع الكاتب وأهدافه، وما الذي يحرك قلمه حقًا.
إذن ياعزيزي، فالكتابة في جوهرها هي فعل طبيعي قبل أن تكون وسيلة لتحقيق مكاسب خارجية. إن افضل ما تحققه هي أن تكون مرآة للذات، ومتنفس للفكر، وطريقة لفهم أنفسنا و العالم من حولنا. لذلك، فإن الخطوة الأولى لبناء عادة راسخة هي أن نجعل غايتها عضوية وبسيطة، أن نكتب لنتنفس، لنتفكر، لنفهم أنفسنا بشكل أعمق أو حتى لنمارس هواية قد تُدرب الذهن والنفس على مهارات عديدة.
أما الأهداف الثانوية، مثل الربح أو الشهرة أو المباهاة، فهي أهداف زائلة أو بطيئة التحقيق؛ فاعتمادنا عليها كأساس للكتابة سيجعلنا مثقلين على المدى الطويل، ويحول العملية الإبداعية إلى عبء أكثر من أن تكون متعة أو سعيًا للمعنى. لنحللها معًا على سبيل المثال:
الربح لن يتحقق إلا بعد سنوات طويلة من الصقل والتجربة وتوفيق الله قبل كل هذا، فإن لم يأتِ سريعًا خاب الظن بالهدف وتركنا الكتابة محبطين.
الشهرة بدورها تحتاج وقتًا ومثابرة غير عادية، فإن لم نلمس أثرها المباشر ضعفت عزيمتنا وتوقفنا.
المباهاة أو جذب إعجاب الآخرين قد يحقق صدى لحظيًا، لكنه لا يُغذّي الدافع الداخلي، وسرعان ما يذبل مع نسيان الناس.
وعلى هذا، فمن أراد للكتابة أن تستمر وتثمر، فعليه أن يتبناها بوصفها عادة أصيلة لا تُعلّق على مردودٍ خارجي ومن ثم تأتي النتائج الأخرى إن أتت، كثمار جانبية لا كغايات أساسية.
الأساس الثاني: خطوات ما قبل الكتابة
كما ذكرتُ لك سابقًا ياعزيزي، في مقالة المقدمة لهذه السلسلة الكتابة بلا أسرار مزيفة ، فقد بدأت رحلتي مع الكتابة عبر حبي العميق للدفاتر الأنيقة، واليوم أشاركك بعضًا منها دون أن أستعرض جميعها. فكل دفتر يخدم غرضًا محددًا، هناك ما خصصته للكتابة العامة، وهناك ما أفرغ فيه الأفكار المتفرقة، وهناك دفاتر للشعر، وأخرى للرواية، ودفاتر للتحليلات الدقيقة، وأخرى للتحليلات الأدبية، ومنها ماهو للمذاكرة، ودفاتر لتدوين الملاحظات في الكتب العربية، وأخرى للغات الأجنبية، ودفاتر اليوميات، وهكذا.
بالنسبة لي، كان هذا جزءًا من استراتيجيتي لتصنيف الفكر وتنظيم الممارسة، بحيث أصبح لكل نوع من الكتابة مكانه المخصص، مما يتيح لي العودة إليها بسهولة، ومتابعة تطوري في كل مجال بشكل واضح. ومن هذه التجربة، يمكن لأي شخص أن يتعلم أهمية تخصيص مساحة محددة لكل نوع من الكتابة لتعميق الانغماس في كل أسلوب ومجال على حدة.
بالطبع ياعزيزي، يمكنك استخدام كل هذا بشكل رقمي أيضًا، لكن الأهم من ذلك، وهو ما أنصحك به بشدة، هو أن تخصص لكل نوع من أعمالك دفترًا مستقلًا. على سبيل المثال، دفتر للأفكار العامة التي تخطر على بالك بين الحين والآخر، وآخر للملاحظات اليومية، وثالث للإبداعات الأدبية مثل الشعر أو الرواية، ورابع للتحليلات والمشاريع الخاصة. هذا الترتيب يساعد عقلك على التنظيم ويمنح كل فكرة أو مشروع مساحة خاصة للتطور والنمو، بعيدًا عن الخلط أو التشويش. مع الوقت، ستجد أن هذه العادة تحسن من جودة إنتاجك وتجعلك أكثر وضوحًا في أفكارك وأعمالك في العموم وليس في الكتابة فقط.
النقطة الثالثة: إحرص دائمًا على أن تخصص مكانًا مناسبًا لعينيك ولعقلك للكتابة. هذا المكان ليس ثابتًا بالضرورة، بل قد يتغير مع مرور السنين وتبدل الظروف. أحيانًا يكون غرفتك الخاصة في بيت العائلة، وأحيانًا أخرى قد يكون ركنًا في سكنك الجامعي إن كنت طالبًا، وربما يتحول إلى مقعد في مقهى، أو حتى زاوية في مكتبة عامة. شخصيًا، وجدت نفسي في إحدى السنوات أكتب على مقعد قطار بشكل أسبوعي، والضجيج من حولي يتحول إلى خلفية موسيقية تفتح لي أبواب الخيال.

المهم ليس فخامة المكان، بل قدرته على أن يمنحك الراحة والتركيز. فالمكان المناسب يزرع في ذهنك إشارة خفية بأن “الآن وقت الكتابة”، حتى لو لم يكن مثاليًا. ومع الوقت، قد تكتشف أن تعدد الأمكنة التي كتبت فيها يترك أثرًا جميلاً في نصوصك، وكأن كل مكان يضيف إليها نكهة خاصة من روحه، أذكر أنّه في إحدى السنوات التي فقدت فيها قدرتي على القراءة أو الكتابة، لجأت إلى طريقة مختلفة لأبقي جذوة هذه المهام مشتعلة بداخلي.
قمت بتزيين كل ما يحيط بمكتبي بما خطته يدي من كلمات ورسومات، حتى غطّت الأوراق والجمل والرسوم كل زاوية من الجدار، فلم يعد للحائط وجود يُرى. كان ذلك أشبه بخلق عالمٍ موازٍ ألوذ إليه، جدارًا من عملي الخاص يذكّرني بأن الكتابة وإن غابت لحظة، فإنها لم تنطفئ داخلي حقًا. في الحقيقة.
لم تلتقط الصورة سوى جزء بسيط من الحائط، بينما كانت حوائط الغرفة بأكملها غارقة في ذات المشهد؛ أوراق معلّقة، عبارات متناثرة، ورسومات تغطي كل مساحة متاحة. كنت كأنني أبني متحفًا صغيرًا لذاكرتي وأفكاري، أو خريطة سرية تقودني إلى نفسي من جديد. في تلك السنوات، كنت أقرأ الكثير من القصص المصورة، ولذلك وجدت نفسي أرسم الشخصيات باستمرار، أحاول إستحضار ملامحها وحركاتها وأحاسيسها على الورق. كانت طريقة لفهم الشخصيات وطريقة السرد، وممارسة الإبداع بشكل يومي.
بالإضافة إلى ذلك، كنت أعلق على جدار غرفتي الإنجازات الصغيرة والكبيرة، مثل الشهادات الجديدة، أو الإنجازات العلمية، أو حتى التذكيرات بالمهام اليومية. كل شيء كان له مكانه، وكل تذكرة أو شهادة كانت تشبه حجرًا صغيرًا في بناء عالم شخصي غارق بالتحديات والطموحات.
ومع مرور الوقت، أدركت أن هذه العادة كانت وسيلة لإبقاء العلاقة حية بيني وبين شخصي الثاني. تأتي عليَّ أيام كثيرة أشعر فيها بالكسل أو بانعدام الطاقة، وأجد نفسي أقول: "لا طاقة اليوم لأي شيء." ولكن عندها، تأتي هذه الرسوم، الشهادات، الملاحظات، لتعيد إشعال شرارة الحماس بداخلي، وتدفعني للعودة إلى العمل والإبداع مرة أخرى.
دائمًا ما كنت أغيّر ترتيب المكتب والكتب خلفي، وحتى الكتب الموجودة بجانبي (كتب قراءة الشهر)، كل ذلك لكي لا تعتاد عيناي على نفس المشهد. وعندما شعرت أن العينين اعتادت المشهد مرة أخرى، نزعت كل الرسومات التي علقتها، مكتفيًا بالآيات القرآنية التي خططتها مسبقًا وخصوصاً آيات السكينة، وببعض العبارات التي شعرت أنها تحمل أعمق أثر وأبقى حضورًا في نفسي.
كنت أرغب في ترك حولي ما يذكّرني بالمعنى أكثر من الشكل، وما يوقظ بداخلي السكينة أكثر من الفوضى. لذلك خططت آيات قرآنية تحمل في معناها الطمأنينة والسكينة، صممتها بعناية، ثم قمت بتبريزها وتعليق الكثير منها أمامي. ومنذ ذلك الحين، وجدت نفسي أتنفّس في ذلك المكان راحة خاصة لم تمنحني إيّاها أي رسمة أو لوحة من قبل.
أشار كاتب مثل راي برادبري على سبيل المثال في أحد كتبه عن الكتابة إلى نصيحة لفتتني جداً، وكانت كالآتي، ضع مكتبك في زاوية الغرفة، كتذكير دائم بأن الحياة ليست في خدمة الفن، بل إن الفن هو الذي يمنح الحياة معناها. حينها يصبح الفن أشبه بمركز ثقل خفيّ، يلتف حوله كل شيء دون أن يبتلع الحياة أو يطغى عليها.
وهذا المفهوم، وإن بدا حديثًا، نجد جذوره الأساسية في العمارة الإسلامية الأولى؛ إذ كان البيت العربي التقليدي يتنفس من منتصفه الداخلي، وهي مساحة توضع في قلب المنزل، فيلتف البناء بأسره حولها وتدخلها أشعة الشمس. من هناك يدخل ضوء النهار، ومن هناك يتجدد هواء المكان. حتى اليوم، ما زلنا نرى هذا الطراز جليًا في البيوت الدمشقية، حيث يكون الفناء الداخلي مركزًا للحياة اليومية، والفن يشبه هذا الفناء تمامًا فكما أن الحديقة الداخلية لم تكن مجرد عنصر جمالي، بل ضرورة حياتية، فإن الفن أيضًا هو ما يمنح الوجود نكهته ومعناه.
إذن، لنلخّص ما قلناه في أربع نقاط أساسية:
خصّص دفترًا للكتابة، واجعل لكل نوع من كتاباتك دفترًا مستقلًا، فالتنظيم هنا هو مفتاح وضوح الأفكار. إذا لم تتمكن من ذلك، فلا بأس، لكن حاول تخصيص دفتر واحد على الأقل للكتابة فقط.
المكان ليس جوهر القضية، المهم أن يكون مريحًا لعينيك ولذهنك، فذلك ما يمنحك صفاءً أثناء الكتابة.
إذا اعتدت على المشهد حتى صار روتينًا مملًا، فلا تهجر العادة نفسها، بل اكتفِ بتغيير المشهد أو الإطار الذي تكتب فيه؛ اترك لنفسك فسحة للتجديد دائماً.
عند شروعك في الكتابة، حاول أن تكون في عزلة مؤقتة؛ فالعزلة تمنح النص مساحته الأولى ليولد بلا تشويش أو تداخل مع أصوات الخارج.
وبهذه النقاط، يصبح لديك أساس عملي لعلاقة أوضح وأقوى مع الكتابة قبل أن تشرُع فيها، دفترك منظّم، مكانك مريح، مشهدك متجدد، وعزلتك صديقة ولادة للأفكار.
الأساس الثالث: ممارسة الكتابة نفسها
النقطة الأولى: المنظور
لدينا مساران محتملان عند الكتابة، إما أن تكتب لنفسك، وإما أن تكتب لتصل كلماتك إلى قارئ محدد أو جمهور أوسع. إن كنت تكتب لنفسك، فالأفق مفتوح بلا قيود تُذكر، حيث تُجرب وتخطئ وتعيد من دون حساب. أما إن كنت تكتب للآخرين، فهنا نتوقف قليلًا لنفكر في الخيارات والأساليب.
من أبرز هذه الخيارات زاوية السرد أو المنظور. على سبيل المثال، المنظور الأول؛ "أنا" أو "نحن". وهو الأسلوب الذي أستعمله كثيرًا في كتاباتي، لأنه يمنح النص حرارة وصدقًا، ويقرّب الكاتب من القارئ فيشعر وكأنه يسمع التجربة مباشرة من صاحبها. كما أنه يُمكّن القارئ من العيش داخل التجربة، كأنه يسير على نفس الأرض التي يسير عليها الكاتب.
لكن لهذا الأسلوب أيضًا حدوده وقيوده؛ فهو محصور برؤية شخصية واحدة، ما قد يُصعّب على الكاتب تصوير أحداث أو مشاهد تقع خارج وعي المتكلم. لهذا السبب، حاولت في هذا المقال أن أكسر ذلك القيد، وأن أفتح زوايا نظر متعددة عبر الاستعانة برؤى وتجارب كُتّاب آخرين.
وهناك أيضًا المنظور الثاني إذ يخاطب فيه الكاتب القارئ مباشرة بضمير المخاطب: أنت. ومن أبرز مميزاته أنه يخلق حالة من التفاعل المباشر، وكأن القارئ نفسه هو من يعيش التجربة أو يقوم بالفعل، حتى ليبدو كأنه البطل الحقيقي للنص. على سبيل المثال: "تفتح الباب ببطء، وتشعر بقشعريرة تسري في جسدك." لكن لهذا الأسلوب بعض العيوب أيضًا؛ إذ قد يشعر القارئ بالملل أو النفور إن أُفرط في استخدامه، خاصة في النصوص الطويلة، لأنه قد يبدو مصطنعًا أو مرهقًا، كما لو كان يفرض على القارئ مشاعر وتصرفات لم يخترها بنفسه.
لهذا السبب نجد أن المنظور الثاني غالبًا ما يُستخدم بمهارة في النصوص القصيرة، أو القصص التفاعلية، أو النصوص التعليمية والإرشادية، حيث يكون الغرض الأساسي إشراك القارئ بشكل فوري في الحدث أو التجربة. أما في الروايات الطويلة، فيُفضَّل استخدامه بجرعات محسوبة، أو دمجه مع أساليب أخرى لتجنب الإرهاق والافتعال.
وبين هذه الاختيارات، على الكاتب أن يسأل نفسه دائمًا؛ أي زاوية تخدم النص والمعنى أكثر؟ فاختيار المنظور ليس مجرد تقنية شكلية، بل قرار استراتيجي يحدد عمق الأثر في القارئ، شخصياً، أستخدم المناظير الثلاثة في مقال واحد ولا بأس بذلك.
وهنالك ايضاً المنظور الثالث والذي يقوم على أن يروي الكاتب القصة بضمير الغائب: هو، هي، هم. وهذا المنظور هو الأكثر شيوعًا في السرد الأدبي لأنه يمنح الكاتب مساحة واسعة للتحرك. و من أبرز مميزاته أنه يفتح المجال أمام الكاتب للانتقال بين عدة شخصيات وأحداث، فلا يظل محصورًا في وعي واحد فقط.
ويمكن أن يظهر في صورتين أساسيتين: محدود، حيث نرى العالم من خلال شخصية واحدة فقط، وكلي المعرفة، حيث يعرف الراوي كل ما يدور في عقول الشخصيات وأعماقها. إذا لم يُكتب هذا الأسلوب بالذات بمهارة، فقد يُفقد القارئ شيئًا من القرب العاطفي، ويشعر وكأنه يراقب المشهد من الخارج بدلًا من أن يعيشه من الداخل.
قد تتسائل ياعزيزي لماذا أقول لك كل هذا، واسمح لي أن أُجيبك بأن كل أسلوب يعكس جانبًا من شخصية الكاتب بطريقة أو بأخرى. من يُدرك بعضاً من العُمق النفسي سيُدرك تماماً اجزاء متفرقة من شخصية الكاتب بناء على المنظور الذي استخدمه وطريقة سرده. ومن المهم أن تدرك أن لكل غرض أدبي أسلوبًا يناسبه. فإذا كنت ترغب في التعبير عن المشاعر بعمق وحيوية، فربما يكون المنظور الثالث هو الخيار الأمثل وهو الأسلوب الذي لجأ إليه كِبار الكتّاب العالميين مثل دوستويفسكي.
المنظور الثالث بالنسبة لي أراه بمثابة كاميرا حرارية تكشف ما هو خفي، تلتقط حرارة العواطف وخفايا العقول، وتسمح لك بأن تتجول بحرية داخل الشخصيات، ترى ما يفكرون فيه، وما يتقلبون بسببه، وما يخفونه حتى عن أنفسهم. وهكذا، تشعر وكأنك حاضر بينهم، تسمع أنفاسهم وتراقب حركاتهم كجزء من النسيج الداخلي للعمل.
فيما يلي تمرينًا عمليًا يُدرّبنا على هذه المهارة أكثر فأكثر، لنختبر بأنفسنا كيف يُغيّر المنظور الثالث طريقة بناء المشهد والشخصيات. وتذكّر يا عزيزي أن الانطباع الأولي للكاتب عن شخصياته قد يكون مضللًا مثل انطباع القارئ تمامًا، وأن التوقف عن الكتابة لمجرد صعوبتها هو خطأ قاتل، لأن النصوص العظيمة كثيرًا ما تُصنع من قلب المقاومة.
تمرين بسيط:
لنفترض أنك اخترت المنظور الثالث مثلًا، وأردت أن تكتب عن موقف بسيط لكنه حقيقي، كأنك استيقظت هذا الصباح على غير عادتك، فاليوم ليس يومًا عاديًا، بل يوم منتظر منذ زمن: ستسافر لأول مرة مع إخوتك إلى بلد تحبونه جميعًا. فقررت أن تُحوّل هذه التجربة إلى مشهد قصصي.
تخيّل أن الشخصيات الأساسية أربعة: ثلاثة هم إخوتك، وأنت الرابع. لنمنحهم أسماء: عائشة، ليلى، محمد، وأنت حمزة. كيف يمكن أن يظهر هذا المشهد لو كتبته بالمنظور الثالث؟
لو كنت أنا من سيكتب، فسأبدأ بالفعل الأول: الاستيقاظ.
استيقظتُ اليوم باكرًا على غير عادتي، وما إن فتحتُ عيني حتى شعرتُ بتيار من النشوة يمر في عروقي. آه… كم انتظرتُ هذا اليوم! كأنني أقف على قمة حياتي الآن.
ثم أصف المشاعر مباشرة:
كان إحساسي أشبه برجل يرى عروسه في ليلة زفافه لأول مرة، أو بطفل يعانق أمه بعد غياب طويل. كل شيء من حولي بدا أكبر من تفاصيله الصغيرة، لأنني رأيته بعين طالما حلمتُ أن تُبصر العالم الخارجي.
ثم أتعَمّق في السبب:
منذ طفولتي وأنا أعدّ السفر أعظم أحلامي. كنت أرى فيه جنة الدنيا من شوارع جديدة،و وجوه مختلفة، لهجات لم أسمعها من قبل، وجمالًا يخالطه قبح واقعي، لكنّه قبحٌ لا يُنقص من لذة الاكتشاف.
بعد أن أرسم ملامح المشاعر، أنتقل بسلاسة إلى الشخصيات الأخرى:
على غير عادتها، لم تتأخر ليلى في ارتداء ملابسها اليوم، وقد أعدّت حقيبة صغيرة بعناية، حقيبة تختلف عن حقائبها المعتادة المليئة بالتفاصيل. بدا في عينيها بريق غريب، وكأنها تحاول أن تُخفي خوفًا صغيرًا خلف ابتسامة مرتجلة. لعلها كانت تفكر: هل سيبقى كل شيء كما هو حين نعود؟
ثم أُدخل القارئ إلى عقلها:
كنت أراها تُقلّب أغراضها أكثر من مرة، لأنها كانت تُحاول أن تُطمئن نفسها أن الرحلة لن تفلت من يديها.
وبنفس السلاسة أتحرك بين الشخصيات الأخرى (عائشة، محمد…) بحيث أفتح نافذة على كل واحد منهم من خلال تصرفاته ونظراته، حتى يشعر القارئ أنني لست وحدي الذي أستعد، بل نحن أربعة قلوب تخفق في إيقاع واحد، لكل منها نغمة مختلفة.
يصبح الشكل النهائي بالمنظور الثالث كالتالي:
استيقظ حمزة باكرًا في ذلك اليوم، قبل أن يرن المنبّه حتى. كان قلبه يسبق عينيه إلى اليقظة، كأن الروح قد قررت أن اليوم لا يحتمل أي تأجيل. أطلق تنهيدة طويلة وهمس لنفسه: آآآآآآآه كم انتظرت هذا اليوم. شعر وكأنه يلمس قمة حياته في تلك اللحظة؛ فاليوم ليس عاديًا، إنه اليوم الذي سيخرج فيه مع إخوته في أول رحلة سفر، إلى بلد أحبوه طويلًا من بعيد.
كان إحساسه عميقًا، كإحساس عريس يرى عروسه في ليلة زفافه لأول مرة، أو كطفل يحتضن أمه بعد فراق طويل. هذه الرحلة بمثابة فتح بوابة جديدة للعالم، عالم طالما حلم أن يراه منذ صغره، بكل ما فيه من جمال وقبح، من وجوه وأصوات ولهجات. كان السفر بالنسبة له جنة الدنيا الموعودة، والآن أصبح على بُعد ساعات قليلة منها.
التفت حمزة إلى أخته ليلى، فابتسم في دهشة خفيفة. على غير عادتها، كانت جاهزة في وقتها، بل إنها أعدّت حقيبة صغيرة بعناية، مختلفة عن فوضويتها المعتادة. بدا في عينيها بريق لم يره منذ زمن؛ بريق يشبه توق طفلة تريد أن تثبت للجميع أنها تستطيع أن تكون منظمة إن أرادت. كان في حركتها خفة، وفي صمتها تركيز عميق، وكأنها تخشى أن تضيع لحظة من هذا اليوم المنتظر.
وعائشة، أختهم الكبرى، بدت أكثر اتزانًا من الجميع. جلست على طرف السرير تقلب جواز السفر بين يديها كأنها تمارس طقسًا خاصًا بها. لكن في عينيها كان هناك شيء آخر، خليط من القلق والحنان، فهي دائمًا الحارس الصامت لإخوتها تعمل بمثابة أم لهم، حتى في لحظات الفرح. كانت تفكر فيما لم يقله أحد: هل جهزوا كل شيء؟ هل نسوا أوراقًا أو تفاصيل صغيرة قد تُفسد الرحلة؟ ومع ذلك، كانت ملامحها مطمئنة، تحمل ثقةً تُسري الراحة في نفوسهم جميعًا.
أما محمد، الأخ الأصغر، فقد كان مشغولًا بتجربة الكاميرا الجديدة التي اشتراها خصيصًا لهذه الرحلة. كان يلتقط صورًا عشوائية لغرفته، لوجهه في المرآة، ولحقيبته المفتوحة، وكأن كل تفصيلة تستحق أن تُوثّق. يا للمعة عينيه، ترى لمعة عينيه فيُخيل لك أن هذه ليست فرحة، بل نشوة باكتشاف العالم من خلال عدسته. لا تعرف هل يرى العالم بعدسة كايمرته ام عدسج عينيه، محمد لم يكن يرى الرحلة مجرد انتقال جغرافي، بل فرصة لرؤية كل شيء بعين جديدة، كما لو أنه سيكتب حكايته الخاصة بعدسته.
وبينهم، جلس حمزة يتأمل، قلبه يخفق من شدّة الفرح. أدرك في تلك اللحظة أن السفر ليس مجرد مغادرة مكان إلى آخر، بل هو مغادرة حالة إلى أخرى: من الانتظار إلى الاكتشاف، من الأحلام إلى التجربة. ولأول مرة، شعر أن الحياة قد فتحت ذراعيها له ولإخوته، ليعيشوا معًا ما سيكون لاحقًا ذكرى لا تُنسى.
كل هذا من نسج الخيال، ماذا تلاحظ ياعزيزي؟
المشاعر والانتقال، نحن الآن نتنتقل بين الشخصيات بكل مرونة وكأننا غير مرئيين، وانت ياعزيزي قد تكون تخيلت المشهد وحتى شكل الأشخاص. في سياق آخر عندما يريد الكاتب إقحامك معه بالكامل يصف لك مظهر الغرفة ومظهر الشخصيات، والذي بالطبع له دلالة نفسية عظيمة.
الآن ياعزيزي و لكي تكون في الصورة بشكل كامل، هذا قالب حتى يمكنك تطبيقه في نصوصوك القادمة. لنحلل ما كتبناه في الأعلى لكي يتسنى لك رؤية الداخل او ماوراء النص، وهي على مثابة اسئلة قد تسألها بشكل خفي والجواب يكون النص:
البداية – الحدث أو الفعل الأول
ما هو الفعل الذي يبدأ القصة؟ (مثل الاستيقاظ، دخول الغرفة، رؤية شيء معين. الخ)
مثال: "استيقظتُ باكرًا اليوم، قبل أن يرن المنبّه."
المشاعر الأولية
كيف شعرت فور وقوع الحدث؟
مثال: "شعرت بسعادة غامرة وكأنني على قمة حياتي."
السبب أو العمق
لماذا شعرت هكذا؟ ما الخلفية أو الدافع الداخلي؟
مثال: "لطالما حلمت برؤية هذا المكان منذ طفولتي، واليوم سأراه لأول مرة."
التعمق وربط المشاعر بشيء شخصي
استخدم تشبيه أو استعارة لزيادة قوة التعبير.
مثال: "أشعر وكأنني طفل يرى والدته بعد غياب طويل." هذا بالمناسبة قد يدل ان الكاتب لديه صفة الحنان بشكل كبير،
انتقال إلى الشخصيات الأخرى
من هم الآخرون في المشهد؟
صف تصرفاتهم، مظهرهم، وسلوكهم. كما فعلت مع نفسك او الشخصية الأولى
مثال: "ليلى على غير عادتها لم تتأخر اليوم، وقد أعدت حقيبة صغيرة بعناية."
الدخول إلى عقل كل شخصية
ما شعورها الداخلي؟ ما الذي يختبره القارئ من خلال تصرفاتها أو نظراتها؟
مثال: "في عينيها بريق من الحماس والانضباط، كأنها تحاول إثبات شيء لنفسها."
التفاعل بين الشخصيات والمشهد العام
كيف يتفاعل الجميع مع الحدث؟ كيف ينعكس شعورك عليهم أو شعورهم عليك؟
مثال: "محمد منشغل بالكاميرا، بينما أختنا عائشة تبدو قلقة ولكن مطمئنة."
التأمل الشخصي / الخاتمة المؤقتة للمشهد
كيف تشعر بعد هذه اللحظة؟ ما الاستنتاج أو الانطباع النهائي؟
مثال: "أدركت أن هذا اليوم ليس مجرد رحلة، بل بداية تجربة جديدة مليئة بالاكتشاف والبهجة."
النقطة الثانية: الترتيب الكِتابي:
إعلم يا عزيزي أن كل نص، أيًّا كان شكله أو غايته، لا يكتمل إلا بثلاثة أعمدة أساسية:
١- مقدمة: تمهّد الطريق للقارئ وتفتح له الباب على الفكرة.
٢- المتن / صُلب الموضوع: حيث تُعرض الأفكار، وتتفرع التفاصيل، وتُبنى الحجج والصور.
٣- الخاتمة أو النتيجة: وهي المحطة الأخيرة، التي يُلخَّص فيها الجوهر ويُترك الأثر الباقي.
وبغير هذه العناصر الثلاثة، يصبح النص كالبناء الذي فُقدت أعمدته؛ قائمًا على فراغ لا على أساس.
القاعدة الذهبية التي يجب أن تتبعها دائمًا هي ربط العناصر الثلاثة ببعضها البعض: المقدمة، المتن، والخاتمة. فالنص المتماسك ليس مجرد تجميع لجمل وأفكار منفصلة، بل سلسلة مترابطة من الأحداث والمعلومات والمشاعر.
السؤال الآن: كيف نفعل ذلك؟
المقدمة تُمهّد للمتن: يجب أن تطرح فيها الفكرة الأساسية أو المشكلة بطريقة تشد القارئ وتجعله مستعدًا لاستكشاف التفاصيل. يمكنك أن تبدأ نصك بعدة طرق تبقي القارئ مشدودًا منذ اللحظة الأولى، قد تبدأ بسؤال يثير فضول القارئ ويجبره على البحث عن الإجابة في السطور التالية. وقد تبدأ بعبارة مثيرة تشعل الفضول أو تحرك المشاعر، وتجعل القارئ يترقب ما سيأتي. أو قد تبدأ بتصريح جريء يضع الفكرة الأساسية نصب عيني القارئ مباشرة، دون مواربة. او قد تبدأ بعبارة عاطفية تشد عاطفة القارئ.
الجملة الأولى أو الجزء الأول من المقدمة يُعرف في اللغة الإنجليزية بجملة أحببت تسميتها: الـ Hook، والتي تُترجم حرفيًا إلى "الخُطاف"، كما في صنارة الصياد التي تُستخدم لصيد السمك. وترجمتها بالعربية الجملة الجاذبة. وتعمل كأداة جذب قوية تجعل القارئ "يعلق" على النص منذ اللحظة الأولى. مثلما لا يستطيع السمك مقاومة الطُعم الموضوع بعناية على الصنارة، فإن القارئ ينجذب إلى فكرة أو عبارة مثيرة، سؤال مشوق، أو تصريح جريء يفتحه فضولًا لمتابعة القراءة.
وبالتالي، على الكاتب أن يختار الخُطاف بعناية: كلمة أو جملة تثير الانتباه، تعكس جوهر الموضوع وهذا هو الأهم، وتؤسس لنبرة النص بأكمله. فالخُطاف الجيد هو ما يجعل القارئ يستمر حتى النهاية، بينما الخُطاف الضعيف قد يفقده اهتمامه في ثوانٍ معدودة.
والقاعدة هنا هي: أيًّا كان أسلوب البداية، يجب أن يكون مرتبطًا بالفكرة الرئيسية للنص، ويُمهّد بسلاسة للمتن، بحيث يشعر القارئ أن كل كلمة في المقدمة هي بوابة لما سيكتشفه لاحقًا. وبالممارسة، ستتعلم اختيار البداية التي تناسب غرضك وجمهورك وطبيعة الموضوع، فلكل نص نبضه الخاص وطريقته في الاستيقاظ أمام القارئ.
المتن يتوسع على ما بدأته المقدمة: كل فقرة، كل مثال، وكل حجة يجب أن يكون لها صلة واضحة بالمقدمة، بحيث يشعر القارئ أن كل خطوة تخدم الفكرة الرئيسية. في المتن. بالطبع، يختلف الأسلوب حسب نوع النص، لكن شخصيًا أفضّل دائمًا استخدام الأمثلة الداعمة في المقالات التعليمية، لأنها تجعل القارئ يفهم الفكرة بشكل ملموس وواقعي، بدلًا من الاكتفاء بالتصريحات النظرية.
ويكون قالب النص عادةً كالتالي:
١- تصريح: تبدأ بطرح فكرة أو رأي واضح، على سبيل المثال: "التخطيط الجيد يوفّر الوقت ويقلل التوتر."
٢- مثال: تليها جملة أو موقف يوضح الفكرة عمليًا: "إذا رتبت مهامك اليومية مسبقًا، ستجد نفسك تنجز أكثر خلال اليوم مقارنة بالعشوائية."
٣- دعم المثال بالشرح أو التعليق: أختم بتوضيح كيف يثبت المثال التصريح أو بإضافة تعليق يربط بينهما: "هذا يثبت أن التنظيم لا يساعد فقط على الإنتاجية، بل يحسن أيضًا شعورك بالراحة النفسية." و بالطبع، يمكن أن تتوسع هذه الجمل الثلاثة لتصبح فقرة كاملة أو حتى صفحة كاملة، حسب طبيعة التصريح وعمق المثال والشروح المضافة. فالتصريح يضع الفكرة الأساسية، والمثال يربطها بالواقع، والدعم بالشرح أو التعليق يضيف الأبعاد والتفاصيل اللازمة لتوضيح الفكرة للقارئ.الخاتمة تربط كل شيء معًا: هنا لا تُقدّم معلومات جديدة، بل تُعيد صياغة الفكرة الأساسية بإيجاز، وتبرز النتيجة أو الدرس المستفاد، مع الحفاظ على خيط التواصل الذي بدأته في المقدمة واستمَرَ في المتن. الربط يجعل النص يعيش ككيان واحد متكامل، بدل أن يكون مجرد قطع متفرقة. بدون هذا الربط، قد يشعر القارئ أن النص مشتت، أو أنه يُقرأ بدون نهاية واضحة.
عشرة نصائح من تجربتي الشخصية ومن الكُتاب العالميين:
أهم قواعد الكتابة الصحيحة والفعّالة هي البساطة والصدق في اختيار الكلمات. لا تُثقل النص بالكلمات المتكلّفة أو المزخرفة؛ بل استخدم الكلمة المفهومة. فالاسم والفعل هما العمود الفقري لأي جملة؛ عليهما يقوم المعنى، ومن دونهما يصبح النص ضعيفًا ومبهمًا.
عندما يحين وقت مراجعة النص، عليك أن تراجعه فعليًا، لكن هذا لا يحدث أبدًا أثناء مرحلة الكتابة نفسها ابداً. المراجعة يجب أن تأتي فقط بعد أن تنتهي من الكتابة بالكامل. فمراجعة النص أثناء الكتابة تشوش أفكارك، وتحدّ من إبداعك، وتجعل ذهنك محصورًا في تصحيح ما كتبته بدلًا من الانغماس في التعبير بحرية. اكتب أولًا بحرية، دون قيود، ودع القلم يسرد كل ما في ذهنك، ثم عد لاحقًا لترتيب النصوص، وتصحيح الأخطاء، وصقل الأسلوب. بهذه الطريقة، تضمن أن تكون كتابتك أكثر أصالة وانسيابية، وأن تصل إلى جوهر فكرتك دون تشويش أو انقطاع في تدفق الأفكار.
تذكر ياعزيزي دائماً أن الأسلوب هو الشكل وليس المضمون، وقد يراودك سؤال جوهري وهل هناك فرق بينهما المضمون يحتوي على عدة عناصر مثل الفكرة الأساسية، الأحداث، الحقائق، ما تريد أن تقوله للقارئ.
مثال عملي: لو كتبت ياعزيزي: "مات الرجل." المضمون هنا: خبر وفاة رجل.
أما إن كنا نتحدث عن الشكل فنحن نتحدث عن الكيفية والتي تتضمن عدة عناصر منها طريقة عرض المضمون، اللغة التي تختارها (رسمية، أدبية، عامية)، طول الجُمل، الإيقاع الموسيقي للنص، نعم لأن الكتابة عبارة عن آلة عزف اكثر من كونها كتابة مُجردة، بالإضافة الى التكرار، الصور البلاغية، النغمة والتي نقصد بها نغمة حزينة، متفائلة وما إلى ذلك. فحينها بدلاً من أن نقول : "مات الرجل" يمكننا القول
انطفأ الرجل كشمعة في آخر الليل. (أسلوب مجازي شعري).
توفي الرجل بهدوء أثناء نومه. (أسلوب خبري بسيط).
سقط الرجل فجأة، وتوقفت حياته عند تلك اللحظة. (أسلوب درامي).
المضمون واحد (وفاة رجل)، لكن الأسلوب هو الذي يصنع الأثر المختلف في القارئ.
عندما تكتب لجمهور معين، لا تكتب وأنت منفصل عنهم وكأنك تخاطب ورقًا جامدًا، بل تخيل القارئ أمامك بكل تفاصيله؛ أسئلته التي قد يطرحها، ونقده الذي قد يوجهه، وطريقته في التفكير، وعقله بما يحمله من خلفيات ومعارف. تخيل أيضًا أعمارهم المختلفة، فخطابك للطفل ليس كخطابك للشاب، وكلامك مع المثقف ليس ككلامك مع القارئ العادي ، نصحني من قبل أستاذ أكاديمي مشهور برتبة بروفيسور، وكان يشرف على أبحاث كبيرة، نصحني ذات يوم أستاذ أكاديمي بارز، بروفيسور يشرف على أبحاث علمية رفيعة، فقال لي: "حين تكتب أو تشرح أو تلقي عرضًا تقديميًا، اجعل في حسبانك دائمًا أن من أمامك لا يعرف شيئًا عن الموضوع، وأنه يجهله تمامًا." فاستوقفتني عبارته وسألته: "ألا يُعدّ هذا انتقاصًا أو إساءة للمستمع أو القارئ؟" ابتسم وقال: "أبدًا، بل على العكس. هذا يعينك على أن تكون أكثر وضوحًا ودقة، ويدفعك إلى أن تفكك الأفكار وتعرضها خطوة بخطوة. فما تراه أنت بديهيًا، قد يكون عند غيرك غامضًا يحتاج إلى ضوء وتبسيط." ومنذ تلك النصيحة، صرت أنظر للشرح أو الكتابة أو العرض التقديمي على أنه جسر للتواصل. فالمعرفة ليست ما نخزنه نحن في عقولنا، بل ما ننجح في نقله إلى الآخرين بوضوح وبساطة، دون تعقيد ولا مبالغة في الافتراضات. وهنا يكمن جوهر التعليم وهو أن تجعل المعقّد سهلاً، والمألوف مثيرًا للجديد، وأن تحول الغموض إلى نور يفهمه الجميع.
القاعدة الأهم في الكتابة لجمهور، أنت لا تعثر على جمهورك، جمهورك هو الذي يعثر عليك، كل ماعليم فعله هو أن تتميز بأسلوبك الخاص.
قال أحد الكُتّاب العظام: "دع الآخرين يدخلون في عمليتك، ثم دعهم يسرقون منك." وهذا بالضبط ما أفعله اليوم في هذه السلسلة؛ أفتح نافذة للقارئ ليرى كيف أعمل وأفكر، بدل أن أحتفظ بطريقة عملي سرًا كما لو كانت وصفة سرية. كثيرون قد يرون أن هذا خطأ أو تهديد، وكأن الكتابة أشبه بخلطة سرية إذا انكشفت ضاع جمهور الكاتب أو تشتت أثره. لكن الحقيقة غير ذلك تمامًا. إن حبس المعرفة خوفًا من المنافسة ليس سوى أنانية مموهة بكلمات منمقة. فالمعرفة حين تُشارك تتكاثر بقدر ما تُبذل. وما يميز الكاتب ليس مجرد طريقته، بل صوته، نظرته، وزاوية الضوء التي يضعها على الحياة. أما الطريقة، فهي دعوة للجميع ليبدعوا بطريقتهم الخاصة. تذكر ياعزيزي أن الكاتب الحقيقي لا يخسر جمهوره بالصدق والانفتاح، بل يكسب احترامًا أكبر، لأنه يترك خلفه أثرًا ممتدًا، يتجاوز الأنا الضيقة إلى إرث من العطاء المشترك.
لا تقلق بشأن أن يكون كل ما تنشره مثاليًا أو مكتملًا على الوجه الذي تتصوره. فالكمال غاية مستحيلة، وحتى أعظم الكُتّاب والفنانين لا يقدمون دائمًا قمم إنتاجهم. كما قال الكاتب ثيودور ستيرجن: "تسعون بالمئة من كل شيء تافه." المغزى أن ما تصنعه ليس كله لؤلؤًا مصقولًا، لكنك لا تصل إلى تلك اللآلئ إلا بعد المرور عبر طبقات مما هو عادي أو متوسط. المهم أن تستمر في النشر والممارسة، فالتاريخ لا يتذكر كم من المحاولات لم تكن مثالية.
مؤثراتك ومصادرك ليست تفاصيل ثانوية ابداً، بل هي جزء أصيل من هويتك الإبداعية، وتستحق أن تُشارك مع الآخرين. فهي تكشف للناس كيف تفكر، وما الذي يشكّل رؤيتك، ومن أين تستمد طريقتك في الفهم أو التعبير. إعلم ياعزيزي عندما تشارك هذه المؤثرات، فإنك لا تمنح القارئ أو المستمع فرصة لمعرفة ما وراء عملك فحسب، بل تفتح أمامه أبوابًا جديدة يكتشفها بنفسه. قد يكون كتابًا قرأته، أو فكرة ألهمتك، أو شخصية تركت أثرًا. إخفاء هذه الجذور لا يجعلك أكثر تميزًا، بل يحرم الآخرين من تتبع الخيوط التي قد تُلهمهم هم أيضًا. فالإبداع في جوهره سلسلة ممتدة، نعطي ونأخذ فيها، ونضيف خطوة صغيرة في طريق طويل بدأ قبلنا وسيستمر بعدنا. تذكر ياعزيزي اننا إخوة في الإنسانية وفي العِرق العربي.
إذا أردت أن تكون كاتبًا بحق، فعليك أن تكون قارئًا أولًا. فالكتابة لا تولد من فراغ، بل تتغذى على النصوص التي قرأتها، والأصوات التي سمعتها، والتجارب التي تركت أثرها في داخلك. القارئ الجيد هو من يكتسب حساسية اللغة، واتساع الفكرة، وعمق الرؤية، ليعيد صياغة كل ذلك في شكل جديد يحمل بصمته الخاصة.
إذا رغبت أن يكون لك معجبون ومتابعون، فكن أنت نفسك معجبًا أولًا. أعجب بجهود الآخرين، تعلم منهم، أشكرهم، وتذوّق جمال ما يقدمون. فالإعجاب ليس ضعفًا ولا تبعية، بل هو انفتاح يثريك ويجعلك أكثر إنسانية. ومن لا يعرف كيف يقدّر الآخرين، لن يعرف أحد كيف يقدّره هو. إذا كنت تروج لنفسك فقط، فأنت تفعل ذلك بشكل خاطئ. فالترويج الحقيقي لا يعني أن تجعل ذاتك محور كل شيء، بل أن تقدم قيمة يشعر بها الآخرون. الناس لا يتذكرون كم مدحت نفسك، بل يتذكرون ما أضفت إليهم، فكرة ألهمتهم، معرفة وسّعت أفقهم، أو حتى لمسة إنسانية خففت عنهم. كن إنساناً.
خِتاماً ياعزيزي، إذا كنت قارئًا نهمًا للروايات، فستدرك بسرعة أن الكاتب الحقيقي يبدأ قراءته قبل أن يبدأ الكتابة؛ فالكاتب الجيد هو أولًا قارئ حقيقي، ينهل من تجارب الآخرين وأفكارهم. وستلاحظ عند قراءة الروايات أن معظمها يرتكز على فكرة رئيسية واحدة، تتطور من البداية إلى النهاية، سواء عبر رحلة شخصية واحدة أو مجموعة من الشخصيات. هذه الفكرة هي القلب النابض للرواية، بينما الحبكة والأحداث ما هي إلا أذرع تحمل هذه الفكرة، تساعد على كشف طبقات الشخصيات، وتوضح تطورها، وتبرز صراعها الداخلي والخارجي.
الكاتب الناجح ببساطة ياعزيزي يعرف كيف يجعل الفكرة محورية، ويخلق عالمًا يسمح للشخصيات بالنمو والتغير بشكل طبيعي، دون أن تشعر القارئ بأن هناك فراغات أو أحداثًا عشوائية. كل فصل، وكل مشهد، وكل حوار يجب أن يساهم في كشف جانب جديد من الشخصيات أو دفع الفكرة الرئيسية للأمام. وهكذا، تصبح الرواية وحدة متكاملة، حيث تتشابك الأحداث مع تطور الشخصيات لتوصل القارئ في النهاية إلى تجربة ممتعة ومفيدة وملهمة.
لذلك، إذا أردت أن تصبح كاتبًا حقيقيًا، وليس مجرد كاتب يكتب كلامًا على الورق، فليس هناك طريق مختصر سوى طريقين: القراءة المكثفة والكتابة المستمرة. لا وجود لإختصارات هنا، فحتى الكتب التي قد تبدو ضعيفة أو سيئة تحمل في داخلها دروسًا ثمينة لأخطاء الكاتب نفسه، أحيانًا أكثر قيمة من أفضل الكتب.
قد تتساءل الآن ياعزيزي، إذا أردت أن أبدأ رحلتي ككاتب، من أين أبدأ؟ هذا هو التحدي الذي سأخوضه معك ابتداءً من اليوم.
سنبدأ بروتين يومي بسيط: قراءة نوع واحد من الأدب يوميًا، سواء كانت رواية، قصة قصيرة، شعر، أو مسرحية. إلى جانب القراءة، سنمارس الكتابة اليومية، سواء كانت مذكرات أو خواطر أو أي نص تود كتابته.
مع مرور الأيام، سنلاحظ أنا وانت الفرق، ستصبح أكثر وعيًا بأسلوبك، أكثر ثقة في التعبير، وأكثر قدرة على خلق نصوص تمتلك روحًا وحياة.
تذكر ياعزيزي أن هذه الرحلة اليومية هي خطوة صغيرة وثابتة نحو تطوير نفسك ككاتب وقارئ ومُفكر ايضاً.
أما عن المقدمة، فهذه كانت إجابتي عن السؤال: لماذا أحببت الكتابة؟ وهذا ما أرجوه منك يا عزيزي، أن تخوض أنت أيضًا تجربة الإجابة على هذا السؤال. اعتبرها تمرينًا بسيطًا، لكنه في نفس الوقت عميق القيمة لك ولي في آنٍ معًا، لأن الكتابة الحقيقية قد تنبع من سؤال واحد فقط مثل هذا السؤال "لماذا أكتب؟"
هذه المرة أعددت لك كتيبًا مخصصًا لهذا التمرين، كهدية مني إليك، وهو أقل ما يمكنني تقديمه لك. شاركني تجربتك يا عزيزي، ويمكنك تحميل الكتيب مباشرة من هنا لتبدأ رحلتك الكتابية، الرابط مباشر لقوقل درايف مع التحميل.
المصادر:
100 Ways to Improve Your Writing by Gary Provost
Show Your Work!: 10 Ways to Share Your Creativity and Get Discovered by Austin Kleon
You Are a Writer (So Start Acting Like One) by Jeff Goins
On Writing: A Memoir of The Craft by Stephen King
يمكنك ايضاً أيضًا متابعة القناة على يوتيوب، حيث سيكون المقطع القادم، بمشيئة الله، عن التعفن الدماغي وكيفية التخلص منه بطرق عملية وفعّالة. انقر على الرباط التالي لفتح قناة اليوتيوب.


















جزاكم الله خير على هذا المقال، استفدتُ منه أكثر ما كُنت أتوقع!، وقد قبلت التحدي بإذن الله متحمس لرؤية التطور.
الله على الإبداع تسلم ايدك يا أشرف. حرفيا مقال أقل ما يقال عنه عظيم! استفدت جدًا وممتنة لوقتك وجهودك الرائعة. الجزء اللي كتبته كأنه بداية رواية عجبني جدًا، دخلت مع الشخصيات وحسيت إني محتاجة أعرف باقي الأحداث و اسافر معاهم🫂. بصراحة أسلوبك جذبني جدًا، فأتمنى تبدأ تفكر فعلًا في كتابة روايات، لأن عندك الموهبة والخيال اللي يخلي القارئ ينجذب لعالمك الأدبي ويحس إنه واحد من أبطاله