كَيف تُسخِّرُ الأقدارُ لصالِحكََ بالدُعاء
بيتٌ أمامَهُ نهرُ اليقين
ياعزيزي، أسألُ اللهَ أن يُطوِّعَ لكَ الأقدارَ، وأن يلينَ في راحتيكَ صِعابُ الوجودِ، فتسيرَ إليكَ الأيامُ بِوَجهِها السَّمحِ الرَّضيّ. وأن تُزهرَ دروبُ مسعاكَ، فتُقطَفَ لكَ ثمارُ أمنياتِكَ يانعةً دانيةً، وتذوقَ من كؤوسِ القدرِ حلاوتَها الصافية. وأن تتسابقَ إلى بابِكَ البشائرُ، وتتوالى على ثغرِكَ الضحكاتُ حتى لا تعرفَ للدمعِ سبيلاً إلا من فرطِ الفرح. وأن تظلَّ خطوتُكَ ثابتةً راسخةً وإن تعثّرتْ بكَ السُّبُل، وقامتُكَ شامخةً لا تحنيها عواصفُ الزمن، فتصافحَ البهجةَ بكفِّ اليقينِ وتضمَّها إلى صدرِكَ ضمَّةَ المُشتاقِ الأبديّ. وأن تستوطنَ الطمأنينةُ فؤادَكَ، وتجري السكينةُ في عروقِكَ مجرى الدمِ، فلا تُفارقكَ المسَرَّةُ ما امتدَّ بكَ العُمرُ، بل تألفَها وتألفكَ، حتى تصيرا كياناً واحداً لا ينفصم.
وأن تُشرِقَ شمسُ الأملِ في سمائِكَ، فلا تعرفَ لليأسِ غُروبًا، وأن يُنسجَ لطفُ اللهِ حولَكَ سياجًا منيعًا، فلا يمسَّكَ سوءٌ ولا يغشاكَ همٌّ. وأن تَجريَ ينابيعُ الحكمةِ على لسانِكَ، وتتجلّى في محيّاكَ أنوارُ القَبول، فيأنسُ بقربِكَ كلُّ جليسٍ، ويطمئنُّ بصحبتِكَ كلُّ رفيق. وأن تجدَ في كلِّ وادٍ ظلًا وارفًا، وفي كلِّ طريقٍ رفيقًا صالحًا، وأن تكونَ خطواتُكَ حيثُ البركةُ تحلُّ، ووجهتُكَ حيثُ الخيرُ يستقرّ. وأن يكونَ مُبتدأُ يومِكَ بشرى، وخاتمةُ ليلِكَ رضوان، وما بينهما رحمةٌ واسعةٌ من اللهِ ونعيمٌ مقيم.
وإليكَ يا عزيزي أُرسِلُ كلماتي هذه، لا أخطُّها بحبرِ القلمِ فحسب، بل بمدادِ قلبٍ يخاطبُكَ خطابَ المُحبِّ الصادقِ، وعطْفِ الأخِ الشقيقِ، ووفاءِ الصديقِ الذي وإن لم تَرَهُ عينُكَ يومًا ولم تجمعكما دروبُ الحياةِ، فإنَّ لي في اللهِ يقينًا بأنَّ الأقدارَ قد ساقتنا لبعضِنا بعضًا، وأنَّ في عوالمِ الغيبِ بيننا وشائجُ لا تُقطَع.
ومن صُلبِ هذا اليقينِ، أهديكَ هذا المقالَ عن الدُّعاء؛ الحبلُ المَتينُ الممتدُّ بين الأرضِ والسماء. وقد جعلتُ فاتحة مقالي هذا دعاءً خالصًا لك، فكانت أولى حروفي تضرُّعًا لأجلكَ، وأولى كلماتي رجاءً يطوفُ حولَك، لعلّها تكونُ ساعةَ إجابةٍ، فيصلُكَ من اللهِ جبرٌ يُدهِشُك، ويغمرُكَ لطفٌ يُحييك.
أتَحزَنُ وربُّكَ هو الله؟
أتضيقُ واللهُ ربُّكَ وملاذُكَ؟! فَسبحانَهُ! يدبِّرُ أمرَكَ وأنتَ في لُجَجِ القلقِ تُصارعُ أمواجَه. يدبِّرُ أمرَكَ وأنتَ غريقٌ في بحرِ هواجسِكَ وتتلاطمُ بكَ الأفكار. يدبِّرُ أمرَكَ وأنتَ أسيرُ مخاوفِكَ، ترتقبُ وقوعَ ما تخشاهُ وتتوجَّسُ من ظلالِ الغدِ. يدبِّرُ أمرَكَ وأنتَ حبيسُ عجزِكَ، قد كبَّلتكَ يدُ اليأسِ وظننتَ أن لا مخرج. يدبِّرُ كلَّ ذلك لأنهُ الأعلمُ بكَ منكَ، والأرحمُ بحالِكَ من أمِّكَ التي ولدتك. فما تراهُ جبلاً شاهقًا من الصِّعاب، هو عندَ اللهِ هباء. وما تستعظمهُ في دنياكَ من كروب، هو في ملكوتِهِ صغير. وما تحسبُهُ بابًا مُوصَدًا لا يُفتَح، هو على اللهِ هيِّن. فما عليكَ إلا أن تُلقي على أعتابِهِ رحلَكَ، وأن تقرعَ بابَهُ بقلبٍ مُوقنٍ بالفتح، وأن تمدَّ إليهِ يدًا لا ترجو سواه. وهو الكفيلُ بحكمتِهِ أن يُصلِحَ ما فسد، وأن يُقيمَ ما اعوجَّ، وأن يُبدلَ حُزنَكَ سرورًا لا ينقطع.
أَعلمُ تماماً ياعزيزي أن كُلُّنا نرفعُ إلى اللهِ أكفَّ الضَّراعةِ، ونُودِعُ في رحابِهِ حاجاتِنا. ومنَّا مَن يُحيي ليلهُ قائمًا، يُناجي ربَّهُ في جُنحِ الظلام، وتتسابقُ عبراتُهُ مع دعواتهِ، لا يفتُرُ لسانُهُ ولا يملُّ قلبُهُ، تمضي بهِ الشهورُ تلوَ الشهور وهو على حالهِ تلك. ولكن، وهنا مَكمَنُ الاختبار، على الرَّغمِ من يقينٍ يُضيءُ قلبك، وإيمانٍ راسخٍ كالجبال، قد يتسلَّلُ إلى نفسِك هاجسٌ خفيٌّ، وصوتٌ يُوسوسُ في صدرك: لعلَّ الدُّعاءَ لم يُرفَع، أو أنَّ الإجابةَ قد تأبَّتْ وتأخَّرتْ.
ولستُ بدعًا من الناسِ في هذا، فقد مررتُ ولازلتُ أمُرُ بِهذا الدربِ وعبرتُ ذلك المضيق. لبثتُ ما يناهزُ أشهرٍ أو سنواتٍ أو تزيد، أقفُ ببابِ الرجاءِ لا أبرحُهُ. وكانت لي قائمةٌ من الأماني تزدحمُ بها دفاتري، بيدَ أنَّ أُمنيةً واحدةً منها استحوذت على كلِّ دعائي، وأمسَت قِبلةَ رجائي، فصببتُ لأجلِها كلَّ لهفتي، وخصصتُ لها جُلَّ وقتي، أُلحُّ بها على اللهِ في كلِّ سجدةٍ وخلوة.
وفي غمرةِ هذا الإلحاح، كانت رُؤى الليلِ تأتيني مُبشِّرةً، كأنها رسائلُ تُطَمْئِنُ الفؤادَ وتُسَكِّنُ الروح. ولكن كنتُ أعودُ وأسائلُ نفسي في صحوي، إذا كانت بشائرُ الفجرِ تلوحُ في منامي، فلمَ طالَ هذا الليلُ؟ وإذا كانت رياحُ الإجابةِ تُداعبُ روحي، فلمَ لمْ تُبحرْ سفينتي بعد؟ ومرَّتِ الأيامُ ثقيلةً، تحملُ ذاتَ السؤالِ الذي لا يجدُ لهُ جوابًا.
وأَقرُّ لك ياعزيزي أنَّ اليأسَ كادَ أن يتملَّكَني وانا في الوقاع شخصٌ لا يُحبُ اليأسَ أبداً، فدخلتُ في عتابٍ مع نفسي، وتسلَّلَ إلى قلبي حزنٌ عميق، وحسبتُ أنَّ بابَ القبولِ قد أُوصِدَ دونَ دعواتي. وفي غمرةِ هذا الفتورِ، ورغمَ انطفاءِ قناديلِ الحماسِ في صدري، ظلَّتْ لي صلةٌ لم تنقطع؛ كنتُ أتشبَّثُ بأورادي من الأدعية والقرآن، كأنها آخرُ حبلِان للنجاة. و كانت دائماً آيتان بعينهما تتردَّدُ في عقلي وهي قوله تعالى في سورة غافر ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ والآية الثانية هي قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ كانت هذه الآيتان دَائِماً مَا تدُورُ في خُلدي، تُلِحُّ عليَّ إلحاحًا عجيبًا. كنتُ أسائلُ نفسي“لمَ هذهِ الآيةُ بالذات؟ لمَ يعودُ صداها إليَّ كلَّ حينٍ مع أني قد أمرُّ عليها دون تركيزٍ كبير؟”.
فلمَّا عُدتُ إليها بقلبٍ حاضرٍ وعقلٍ متفكِّر، انكشفَ لي السِّرُّ! كانت هي الرسالةَ التي ساقها اللهُ إليَّ ليُغيِّرَ مجرى تفكيري، ويُبدِّدَ ظلماتِ يأسي. ولقد تزامنَ ذلك مع إبحاري في سِيَرِ الأنبياءِ وقصصهم، فتوقفتُ طويلاً عندَ قصةِ الخليلِ سيدنا إبراهيمَ عليه السلام، حينَ أُلقيَ في قلبِ النارِ المتأجِّجة. في تلك اللحظةِ التي تنقطعُ فيها كلُّ الأسبابِ الأرضية، ماذا قال؟ لم يصرخ، ولم يجزع، بل نطقَ بكلماتٍ هزَّت أركانَ الكون، قالها بثقةٍ تامةٍ ويقينٍ مُطلق: “حسبي اللهُ ونعمَ الوكيل”.
فماذا كانَ الجوابُ من ربِّ العزة؟ جاءَ الأمرُ الإلهيُّ ليُغيِّرَ قانونًا كونيًا راسخًا، فخُرقَتْ نواميسُ الطبيعةِ لأجلِ عبدٍ وثقَ بربِّه. قال اللهُ تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. تحوَّلَتِ النارُ المحرقةُ إلى بردٍ وسلام، ليس لشيءٍ إلا ليقينِ رجلٍ واحدٍ بأنَّ اللهَ كافيه وآويه.
وحين نظرتُ إلى قصة سيدنا يوسفَ عليه السلام، وقد أُلقيَ في غيابةِ الجُبِّ وحيدًا مظلومًا، ثم أُودِعَ السجنَ بهتانًا وزورًا؟ أُغلِقَت دونهُ كلُّ أبوابِ الأرض، وسُدَّت في وجههِ كلُّ السُّبُل، لكنَّ بابَ الله ظلَّ لهُ مفتوحًا. فمن عتمةِ السجنِ، ناجى ربَّهُ بقلبٍ راضٍ مستسلم: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾. ما كانت تلك الكلماتُ إلا صيغةً أخرى لـ “حسبي اللهُ ونعم الوكيل”، خرجت من فؤادٍ اختارَ اللهَ على كلِّ شيء، فكانت تلك اللحظةُ هي بدايةَ التحوُّلِ من ظُلمةِ البئرِ إلى عزِّ العرش.
ثم انظر إلى سدنا موسى عليه السلام، والبحرُ الهادرُ أمامهُ، وجيشُ فرعونَ الجرَّارُ خلفه. صرخَ قومُهُ بيأسٍ مطلق: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ!﴾، فكلُّ أسبابِ النجاةِ قد انقطعت. لكنَّ قلبَ سيدنا موسى عليه السلام المتَّصلَ باللهِ لم يهتز، بل نطقَ بلسانِ اليقينِ كلمةً هزَّت أركانَ الوجود: ﴿كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وهناك، عند التقاءِ اليأسِ باليقين، انشقَّ البحرُ، ووُلِدَ المستحيل.
ولا تعجبْ ياعزيزي إن وجدتَ ذاتَ النورِ في صبرِ سيدنا أيوبَ عليه السلام، حين سُلِبَ منهُ كلُّ شيءٍ؛ الصحةُ والمالُ والأهل، ولم يبقَ لهُ سندٌ إلا الله. لم يضجر، ولم يتبرَّم، بل ناجى ربَّهُ بأدبٍ عجيبٍ ولطفٍ منقطعِ النظير ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. لم يسألْ رفعَ البلاءِ بقدرِ ما أعلنَ صفاءَ التوكُّل، فجاءهُ الغوثُ والشفاءُ جزاءَ صبرهِ الجميل.
وها هو سيدنا يونسُ عليه السلام في لُجَّةِ الظلمات؛ ظلمةُ الليلِ، وظلمةُ البحرِ، وظلمةُ بطنِ الحوت، أدركَ أنهُ لا منجى ولا ملجأ من اللهِ إلا إليه، فلهجَ لسانهُ بتسبيحةِ النجاة: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فكانت هذه الكلماتُ مفتاحًا قُدَّ بهِ قفلُ المستحيل.
وحتى السيدة مريمُ الطاهرةُ، حين آواها المخاضُ إلى جذعِ نخلةٍ وحيدةً لا معينَ لها، بلغَ بها الكربُ منتهاه، فقالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾. وفي قمةِ انكسارها، أتاها النداءُ الإلهيُّ يُطمئنها: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
وخاتمُ هذه السلسلةِ النورانيةِ وسيدُها، نبيُّنا محمدٌ ﷺ، الذي كانت حياتهُ كلها تجسيدًا لهذا المعنى. حين ردَّهُ أهلُ الطائفِ بالحجارةِ حتى أدموا قدميهِ الشريفتين، لم يشكُ لأحدٍ من الخلق، بل رفعَ شكواهُ إلى الخالقِ: “اللهمَّ إليكَ أشكو ضعفَ قوتي، وقلَّةَ حيلتي...”. وحين أحاطَ بهِ المشركونَ في الغار، فزعَ صاحبُهُ، فقالَ لهُ بلسانِ الثقةِ المطلقة: “يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟”.
ولعلَّه الآن يدورُ في خَلَدِكَ يا عزيزي، فتقولُ في نفسك وما قصصُ الأنبياء إلا أخبارُ القِمَمِ الشاهقةِ من خَلقِ الله؛ أنبياءٌ ورُسُلٌ، اصطفاهم اللهُ واختارهم، فكانوا أهلاً لنصرِهِ ومعجزاتِه. أمَّا نحنُ، فما نحنُ إلا أُناسُ عاديين في قافلةِ البشر، وذرَّاتٌ تائهةٌ في زحامِ المليارات، فكيفَ نُقاسُ بهم؟ وكيف نرجو ما رجَوه؟
ولكن، مهلًا يا رفيقَ الدرب! أوَتظنُّ أنَّ اللهَ الذي أجابَ سيدنا إبراهيمَ في قلبِ النارِ، وسمعَ نداءَ سيدنا يونسَ في بطنِ الحوت، وفتحَ البحرَ لسيدنا لموسى لم يستجبِ اليوم لأنينِكَ أنت؟ يا عزيزي، إنَّ الإلهَ واحد. ربُّ الأنبياءِ هو ربُّكَ. والذي تجلَّت قدرتُهُ في المعجزاتِ الخارقة، هو ذاتُهُ الذي تتجلَّى رحمتُهُ في جبرِ القلوبِ المنكسرة، ومسحِ دموعِ الحائرين. إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى مقاماتِ الناسِ ومناصبهم، بل ينظرُ إلى ما وقَرَ في قلوبهم من صدقِ التوجُّهِ وكمالِ اليقين.
إنَّ قُربَ اللهِ لا يُنالُ بمقامِ النبوَّةِ فحسب، بل يُنالُ بصدقِ العبوديَّةِ وحرارةِ الدعاء. فما ارتفعَ دعاءُ سيدنا إبراهيمَ لأنهُ نبيٌّ فقط، بل لأنهُ عبدٌ ألقى كلَّ حمولِهِ عندَ بابِ ربِّه وقالَ بملءِ يقينِهِ: “حسبي الله”. وأنتَ، حين تقولها بصدقِكَ كلِّه، وبقلبٍ ليس فيهِ سوى التسليم لأمر الله، يستجيب الله لك من فوقِ سابعِ سماء، ولو كنتَ في عينِ نفسِكَ أضعفَ خلقِهِ وأقلَّهم شأنًا. فاللهُ ليسَ ربَّ الأنبياءِ وحدهم، بل هو “رَبُّ الْعَالَمِينَ”.
وهل يُعجِزُهُ أمرُكَ أنت؟ وهل يتعَاظَمُ عليهِ سُؤلُكَ؟ وهو الذي يدبّرُ شؤونَ هذا الكونِ الفسيح، ويُحصي أنفاسَ الملياراتِ من خلقهِ، ويعلمُ ما تُكِنُّهُ الصدورُ وما تُخفيهِ السرائر. أتظنُّهُ يغفلُ عن دعوةٍ واحدةٍ ترتفعُ من بينِ ملياري مُسلمٍ يلهجونَ باسمهِ كلَّ يوم؟ بل إنَّهُ يعلمُ ما في نفسِكَ قبلَ أن ينطقَ بهِ لسانُك!
افتح عينَ قلبِكَ، وانظر في صفحةِ الكونِ المفتوحةِ أمامك. تأمَّل في دقَّةِ الصُّنعِ وعظمةِ الخلق، من أصغرِ ذرَّةٍ إلى أبعدِ مجرَّة. فباللهِ عليك، بعدَ هذا التأمُّلِ، هل يبقى في قلبِكَ مثقالُ ذرَّةٍ من شكٍّ أنَّ دعوتَكَ الصغيرةَ، وأمنيتَكَ الخفيَّةَ، قد تكونُ أمرًا عسيرًا على الخالقِ العظيمِ الجبَّارِ الحكيمِ السميعِ البصير؟
لقد قطعَ اللهُ على نفسِهِ وعدًا حقًّا حينَ قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فدعوتُكَ، بالمعنى اليقينيِّ للكلمة، قد أُذِنَ لها بالسَّيرِ إليك. هي قادمةٌ لا محالة، قد تهيَّأت في عالمِ الغيبِ وتنتظرُ أوانَ ظهورِها في عالمِ الشهادة. إِعلمْ ياعزيزي، أنَّكَ حينَ ترفعُ يديكَ إلى السماء، فإنَّكَ لا تطرقُ بابًا من أبوابِ الحاجاتِ فحسب، بل تلجُ بابًا عظيمًا من أبوابِ التوفيقِ والقُرب.
فقد يُسبغُ اللهُ على عبدٍ من عبادهِ النِّعمَ تترى، ويُغدقُ عليهِ من الخيراتِ ما يشاء، دونَ أن يطلبَ العبدُ أو يسأل. وحينئذٍ، لَجديرٌ بالمرءِ أن يقفَ مع نفسهِ وقفةَ محاسبةٍ وتأمُّل؛ خشيةَ أن يكونَ ذلك من بابِ الاستدراجِ الذي يُملي اللهُ بهِ للغافلين. أما الدعاء، فإنَّ فعلَهُ نفسَهُ توفيقٌ من الله، وهبةٌ ربَّانيةٌ، لا يُساقُ إلا لمن أرادَ اللهُ بهِ خيرًا. فليسَ كلُّ لسانٍ يُطلَقُ بالمناجاة، وليسَ كلُّ قلبٍ يُؤذَنُ لهُ بالشكوى والطلب. فإذا وجدتَّ في نفسِكَ حرقةَ السؤال، وفي قلبِكَ لهفةَ الطلب، وفي روحِكَ انكسارَ المحتاج، فاعلمْ أنَّ اللهَ قد أذِنَ لكَ أن تناجيه، وأنَّهُ يريدُ أن يسمعَ صوتَك. فأيقِظْ في وجدانِكَ الشعورَ بالافتقارِ الكاملِ إليه، فإنَّ هذا الإذنَ بحدِّ ذاتهِ برهانٌ ساطعٌ على أنَّ اللهَ معكَ ولم يتخلَّ عنك.
فانظرْ بعينِ البصيرةِ إلى كمْ من الخلائقِ تمرُّ عليهمُ الأيامُ وتطويهمُ السنون، وقد جفَّتْ ألسنتُهم عن ذِكرِه، وأُغلِقَت قلوبُهم عن دعائه، يعيشونَ في غفلةٍ سادرة، كأن لا حاجةَ لهم بمن خلقهم ورزقهم. وتلكَ واللهِ هي الخسارةُ الكبرى، والحرمانُ الذي لا حرمانَ بعده. أما أنت، فقد اختارَكَ لتكونَ من السائلين، وتلكَ واللهِ بدايةُ العطاء.
نعم، وقد يطولُ بكَ ليلُ الانتظار، وتتأبَّى عليكَ أبوابُ الإجابةِ حينًا من الدهر، فلا يَدخُلنَّ قلبَكَ يأسٌ، ولا يتسلَّلْ إلى نفسِكَ حزن. فواللهِ إنَّ في التأخيرِ حكمةً بالغةً ولطفًا خفيًّا. فإنَّ ربَّكَ الذي يسمعُ همسَ دعائِك، هو الذي يعلمُ الوقتَ الأنسبَ لعطائه، وما التأخيرُ إلا تهيئةٌ وإعدادٌ، وما المنعُ إلا حمايةٌ ورعاية.
فلعلَّكَ تسألُهُ اليومَ سعةَ الرزقِ ووفرةَ المال، فيؤخِّرُ عنكَ الإجابةَ ليُعِدَّكَ لحملِ هذهِ الأمانةِ الثقيلة. ليُعلِّمَكَ كيفَ تكونُ على المالِ خازنًا أمينًا وليس عبدًا أسيرًا. ليصقلَ نفسَكَ حتى إذا ما جاءكَ الرزقُ، لم يُطغِكَ غناه، ولم يُنسِكَ مصدرَه، ولم تَشغَلْكَ لذَّتُه عن لذَّةِ القربِ منه. يؤخِّرُهُ حتى تكونَ أهلاً لأن تكونَ يدًا تُعطي بدلاً من أن تكونَ صندوقًا يأخذ فقط، فتجبُرَ بهِ كسرَ فقيرٍ، وتُسعِدَ بهِ قلبَ حزينٍ، وتكونَ سببًا في إحياءِ أرواحٍ قد أضناها العَوَزُ والحاجة. فيكونُ تأخيرُ العطاءِ هو عينُ العطاء، ويكونُ المنعُ هو قمَّةَ الكرمِ والجود. فثِقْ بتدبيرهِ، وارضَ باختيارهِ، فإنَّهُ أرحمُ بكَ من نفسِكَ على نفسِك.
وقد تقفُ ببابِهِ طويلاً، تسألُهُ شريكَ العُمرِ، وتُلحُّ عليهِ بقلبٍ مُتَيَّمٍ بإسمٍ بعينهِ، أو صورةٍ لا تفارقُ خيالَك. تُناجيهِ أن يجمعَكَ بمن تهواهُ الروحُ وتألفُهُ النفس، فتمرُّ الأيامُ والأشهرُ ولا ترى لإجابتِكَ أثرًا. فلا تجزعْ إن طالَ عليكَ الأمد، ولا تظننَّ باللهِ ظنَّ السَّوءِ. فما أخَّرَ عنكَ ما طلبتَ إلا ليُعطيَكَ ما تستحقُّ وما هو خيرٌ لك.
فلعلَّ في تأخيرِ الإجابةِ صيانةً لقلبِكَ من تعلُّقٍ خاطئ، وحمايةً لروحِكَ من دربٍ شاقٍّ كنتَ تظنُّهُ النعيم. ولعلَّهُ سبحانهُ يُهذِّبُ فيكَ خصالاً ويُعِدُّ فيكَ صفاتٍ، حتى تكونَ أهلاً لمن هو خيرٌ لكَ منه، أو لتكونَ أنتَ خيرًا لمن ادَّخرهُ القدرُ لكَ في علمِ الغيب. أو لَرُبَّما كانَ الميقاتُ لم يحنُ بعد، ولم تتهيَّأ في لوحِ القدرِ أسبابُ اللقاءِ الأجمل.
فلو أنَّ اللهَ عَجَّلَ لكَ الإجابةَ في تلكَ الساعة، واستجابَ لكَ على عَجَلٍ منكَ ولهفة، لربما كانَ ذلك الوصالُ الذي رجوتَهُ بدايةَ شقاءٍ لم تكن لهُ في الحُسبان. لربما وجدتُما نفسيكُما معًا في وجهِ عاصفةٍ هوجاءَ من صروفِ الدهر، لا يملكُ أحدُكُما للآخرِ سندًا أو عونًا، فتذوي المحبَّةُ في قسوةِ الأيام، ويخبو الشوقُ في ضيقِ الحال، وتتحوَّلُ حلاوةُ اللقاءِ إلى مرارةِ الحسرةِ والندم. فأخَّرَ عنكَ سبحانَهُ ما تُريد، ليَحفظَ لكَ جمالَ ما تُريد. ويُمسِكُ عنكَ عطاءَهُ الآن، لأنهُ يرى ما لا ترى، فيُعِدُّ لكما معًا طريقًا ممهَّدًا، وظرفًا أيسر، وحالاً أصلح. ليهبَكَ إياهُ في أوانٍ يليقُ بهِ وبك، فتكونُ الفرحةُ كاملةً لا يشوبُها كدر، والنعمةُ تامةً لا يتبعُها ندم. فما ألطفَهُ من تدبير، وما أرحمَهُ من تأخير! فاصبرْ صبرًا جميلاً، وسلِّمْ لهُ الأمرَ كلَّه، فإنَّهُ يُدبِّرُ لكَ لقاءً يفوقُ كلَّ ما رسمتَهُ في خيالِكَ، مع روحٍ تُشبهُ روحَكَ، وقلبٍ يكونُ لكَ سكنًا وأمانًا، في وقتٍ هو الأنسبُ والأجملُ والأكثرُ بركة. فما عندَ اللهِ خيرٌ وأبقى.
ولربما وقفتَ على أعتابِهِ تسألهُ بابًا من أبوابِ الرزق؛ وظيفةً تضمنُ لكَ كفافَ يومِك، أو تجارةً تفتحُ عليكَ آفاقَ الغنى. فتُطيلُ الدعاءَ، وتُلحُّ في المسألة، ثمَّ تنظرُ فلا تجدُ إلا أبوابًا مُوصَدَةً، وطرقًا مسدودة. فلا يضيقنَّ صدرُكَ ياعزيزي، ولا يظننَّ قلبُكَ أنَّ خزائنَ اللهِ قد نفدت. فما أخَّرَ عنكَ هذا البابَ إلا ليفتحَ لكَ ما هو أوسعُ منهُ وأكثرُ بركة. لعلَّكَ لو نلتَ تلكَ الوظيفةَ في حينها، لكانت قيدًا يحبسُ طموحَك، أو سقفًا يحدُّ من إمكاناتِك، أو لعلَّهُ سبحانهُ قد رأى أنَّ عُدَّتَكَ لم تكتمل بعد، وأنَّ مهارتَكَ لم تُصقل على النحوِ الذي يؤهِّلُكَ لتلكَ المنزلة.
فلو قُدِّرَ لكَ أن تنالَها حينئذٍ، لوقفتَ مواقفَ تُنقَشُ في ذاكرتِكَ كالجرحِ الغائر؛ حيثُ تراكَ العيونُ قاصرًا، وتلوكُكَ الألسنُ بالهمزِ واللَّمز، لأنَّكَ لم تبلغْ شأوَهم في الإتقان. وكنتَ ستُسِرُّها في نفسِكَ، فتتجرَّعُ مرارةَ الصَّغارِ وحدَك. وتلكَ مواقفُ تُثقِلُ كاهلَ الروح، وتُطفئُ جذوةَ العزمِ في الفؤاد، وتُضعضعُ أركانَ ثقتِكَ بنفسِك، فتتركُ في شخصيتِكَ ندبةً غائرةً من الخوفِ والتردُّد.
فكانَ المنعُ إعدادًا، والتأخيرُ صقلًا وحماية، حتى إذا ما دخلتَ الميدانَ، دخلتَهُ فارسًا مُقتدرًا، وليس ناشئًا يتعثَّرُ فيخجل. فسبحانَ من يمنعُ ليُعطي، ويؤخِّرُ ليُقدِّم، ويدبِّرُ الأمرَ بلطفٍ لا تدركُهُ العقول. فأخَّرها عنكَ ليُطلقَ سراحَ مواهبَ لم تكن لتعرفَها عن نفسِك.
ولعلَّكَ لو بدأتَ تلك التجارةَ حين طلبتَها، لكنتَ كمن يَبذرُ في أرضٍ سبخة، أو يُبحرُ بقاربٍ صغيرٍ في ليلةٍ عاصفة، فتضيعَ جهودُكَ هباءً ويذهبَ مالُكَ سُدى. فأخَّرها عنكَ رحمةً بك، حتى تستويَ على سوقِك، وتكتسبَ من الحكمةِ والخبرةِ ما يجعلكَ ربَّانًا ماهرًا لسفينتِك، فتُبحرَ بها إلى شواطئِ النجاحِ بأمانٍ واقتدار. إنَّهُ لا يمنعُكَ ياعزيزي إلا ليُعطيَك، ولا يؤخِّرُ إلا ليُقدِّمَ لكَ الأفضل، ولا يُغلِقُ في وجهِكَ بابًا إلا وقد أعدَّ لكَ مفاتيحَ قصرٍ فسيح. فما عليكَ إلا أن تُحسِنَ السعيَ، وتُحسنَ الظنَّ بربِّكَ، فإنَّ أرزاقَهُ تأتي في أوانها الذي هو خيرُ الأوقات.
فما أرجوهُ منكَ اليومَ، وما أُريدُهُ لقلبِكَ، هو أن تنظرَ إلى نفسِكَ نظرةَ المخلوقِ الذي استُودِعَ اللحظةَ، وحُجِبَ عنهُ ما بعدها ولو بقَدرِ طَرفةِ عين، فأنتِ لا تعرفُ ماذا ينتظركَ بعد ثَانيةٍ من الآن، وأن تستيقنَ أنَّ اللهَ هو مُقلِّبُ الأيامِ وخالقُ الزمان، الذي لا يجري عليهِ زمان. فهو يعلمُ ما كانَ وما سيكون، وقد خَطَّ في لوحِهِ المحفوظِ مسارَ حياتِكَ منذُ الأزلِ وإلى أن تلقاه.
فكن على يقينٍ تامٍّ بأنَّ عينَ اللهِ ترعاكَ في سيرِك، وأنَّهُ لا يغيبُ عنهُ سعيكَ ولا يضيعُ عندهُ جهدُك. وأنَّ في حكمتِهِ البالغةِ أوقاتًا قدَّرها لإجابتِك، هي خيرُ الأوقاتِ وأنسبُها لك، وإن كنتَ في عجلةٍ من أمرِك. فإذا ما وقفتَ بينَ يديهِ داعيًا، فقفْ وقفةَ العبدِ بينَ يدي الملِك. ابدأ دعاءَكَ بالثناءِ عليهِ وتمجيده، فإنَّهُ يحبُّ الثناءَ الجميل.
أرأيتَ لو قيلَ لكَ أنَّكَ الليلةَ ملاقٍ محبوبًا وعروسكَ الذي طالَ انتظارُك له؟ ألم تكنْ لتنتقيَ لهُ أجملَ ثيابِكَ، وتُهيِّئَ لهُ أعذبَ كلماتِكَ، وتتزيَّنَ لهُ بأبهى حُلَلِك؟ فما بالُكَ إذنْ بالأدبِ مع خالقِكَ وخالقِ ذاكَ المحبوب؟ ما بالُكَ بمن أوجدَ الأكوانَ والأفلاكَ، وخلق الإنسَ والجانَّ، وأرسلَ الأنبياءَ والمرسلين؟ ما بالُكَ بجبَّارِ السماواتِ السبعِ والأرضين، وما بينهما وما تحتَ الثرى، فما بالُكَ بالواحدِ الأحد، الفردِ الصمد، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والذي ﴿لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؟ إنَّهُ أحقُّ من تُزيَّنَ لهُ الكلمات، وأولى من تُقدَّمَ لهُ عباراتُ الإجلالِ والتعظيم، قبلَ أن تبثَّهُ حاجتَك.
فابدأْ إذنْ مسألتَكَ بالثناءِ عليه، وادخلْ إلى رحابِهِ من بابِ التعظيمِ ليس من بابِ الحاجةِ فحسب. ثمَّ إذا دعوتَ، فادعُ دعاءَ المُوقِنِ بالإجابة، بدلاً من دعاءَ المُجرِّبِ لعلَّ وعسى. وأُقسمُ لكَ باللهِ، وأقولها عن تجاربٍ عديدة ذاقَها قلبي، وليس عن روايةٍ سمعتْها أُذني؛ لقد دعوتُ اللهَ كثيراً، وكانت لي دعواتٌ بعينها، بلغَ بها اليقينُ في نفسي مبلغًا عجيبًا، حتى إنني كنتُ لا أنتظرُ الإجابةَ نفسَها، بل أنتظرُ خبرَ وصولِها! لم يكنِ الأمرُ سؤالاً “هل سيستجيب؟”، بل كانَ يقيناً راسخاً بأنَّ الإجابةَ قد قُضيَت وانتهت في ملكوتِ السماء، وما تبقَّى ليسَ إلا مسألةَ وقتٍ ليظهرَ أثرُها في عالمِ الأرض، وهذا هو المقامُ الذي أُريدُ من نفسي دائماً أن تبلُغَه وأريدها لك. أريدُكَ أن تنتقلَ من قلقِ السَّائلِ إلى طمأنينةِ الواثق، وأن تدعوَهُ وأنتَ ترى بعينِ قلبِكَ أنَّ عطاءَهُ قادمٌ لا محالة، وأنَّ كلَّ ما عليكَ هو أن تُحسنَ استقبالَهُ بالصبرِ الجميلِ والرضا التام.
أختتم هذا المقال ياعزيزي بقصة في هذا الشأن حكاها أحدُ الأشخاص الصالحين فيقول:
كانت زوجتي، في كلِّ يومٍ من أيامِ رمضان، تلمُّ شملَ صغارِنا حولَها قُبيلَ أذانِ المغرب، ثم ترفعُ كفَّيها إلى السماء وتدعو بقلبٍ حاضر: “يا ربّاه، هبْ لنا بيتًا نملكُهُ، يجري من أمامِهِ نهر.” فيردِّدُ الصغارُ خلفَها ببراءةٍ ويقين: “يا ربّاه، هبْ لنا بيتًا نملكُهُ، يجري من أمامِهِ نهر.” وكنتُ أنظرُ إليها وأبتسمُ متعجباً، وأقولُ لها في رفق: “بيتٌ نملكهُ، ولعلَّ في هذا مقنعٌ، أمَّا أن يجريَ أمامَهُ نهرٌ، فكيفَ السبيلُ إلى ذلكَ ونحنُ في قلبِ صحراء؟!” فكانت تُجيبُني بيقينٍ لا يتزعزع، وتتلو قولَ ربِّها: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. ثم تقول: “سأدعوهُ بما تشتهي نفسي، وهو الكريمُ القادرُ على كلِّ شيء.”
فأُسرُّها في نفسي: ونعمَ بالله، إنَّهُ على كلِّ شيءٍ قدير، ولكنَّ المنطقَ يقولُ إنَّ الأمرَ ضربٌ من المحال! ومضى الشهرُ كلُّهُ وهي على حالِها تلك، لا يفترُ لسانُها عن الدعاء، وصغارُنا يؤمِّنون خلفَها بقلوبٍ طاهرة... آمين... آمين. فلما انقضى رمضان، أتيتُها باسمًا أُداعبُها: “أينَ البيتُ؟ وأينَ النهر؟” فكان ردُّها سهماً من نور، قالت بثقةٍ تامة: “سَيُؤتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، لن يُخيِّبَ اللهُ رجائي!” يُقسمُ الرجلُ فيقول: “واللهِ، لقد كانَ يقينُها من القوةِ بحيثُ خُيِّلَ إليَّ أنَّ جدرانَ البيتِ قد قامت أمامي.”
وما كادت تُتمُّ صيامَ الستِ من شوال، حتى وقعَ العجب! بينما كنتُ أهمُّ بالخروجِ إلى صلاةِ العصر، استوقفني رجلٌ من أهلِ الثراءِ والفضلِ في مدينتنا، كنتُ أراهُ دوماً في المسجد. فسلَّمَ عليَّ بحرارة، وبعدَ سؤالِهِ عن الحال، قالَ لي كلامًا لم يَدُرْ لي ببال: “إنَّ لي منزلاً، نصفُهُ لوالدي والنصفُ الآخرُ قد استغنينا عنه، فقد وسَّعَ اللهُ علينا من فضله. فهل لكَ أن تأخذَهُ وتسكنَ فيهِ مع أهلكَ دونَ مقابل؟”
يقول: فأصابتني قشعريرةٌ سرت في أوصالي، وتجمَّدت الكلماتُ على شفتي، وطافت بذاكرتي صورةُ زوجتي وهي تدعو! فلمَّا أخبرتُها بالنبأ، لم تملك إلا أن تقولَ من أعمقِ أعماقِ قلبها: “يا ربِّ لكَ الحمد، يا ربِّ لكَ الحمد.” أخذنا البيت، ولكن استحيينا أن نسكنَهُ بلا ثمن، فجمعنا ما استطعنا من مالٍ، وكان سبعةَ آلافِ ريالٍ فقط، وقدَّمناها للرجلِ شاكرين. وكنتُ أقولُ في نفسي حينها: “من صدقَ اللهَ صدقَه، ومن أيقنَ بالإجابةِ نالَها.” وهكذا، بعد رمضانَ بأسابيعَ قليلة، امتلكنا منزلاً في حيٍّ راقٍ.
ثمَّ إنَّ زوجتي استدركت قائلةً: “استوقفني أمرٌ!” قلتُ: “وما هو؟” قالت: “سألنا اللهَ بيتًا أمامَهُ نهر، فهذا هو البيتُ، ولكن... أينَ النهر؟!” فضحكتُ، ولكنَّ ضحكي هذه المرةَ كانَ مشوبًا باليقينِ والترقُّب. فلجأت زوجتي إلى أحدِ أهلِ العلم، وسألتهُ بجدِّيةٍ تامة: “يا شيخ، أليسَ اللهُ يقول: ﴿ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؟” قال الشيخ: “بلى.” قالت: “لقد سألتُ اللهَ شهراً كاملاً أن يهبَني منزلاً أمامَهُ نهر، وها هو المنزل، فأينَ النهر؟”
فاستعجبَ الشيخُ من دعائِها، ثمَّ ازدادَ عجبًا من يقينِها الذي لا يلين! فسألها: “وماذا يوجدُ قُبالةَ بابِ بيتِكِ الجديد؟” قالت: “مسجدٌ..” فتهلَّلَ وجهُ الشيخِ وقال: “يا ابنتي، أبشري، فهذا واللهِ هو النهر!” واستشهدَ بقولِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “أرأيتُمْ لو أنَّ نهرًا بِبابِ أحدِكُمْ، يغتسلُ مِنْهُ كلَّ يومٍ خمسَ مرَّاتٍ، هل يَبقى مِن درَنِهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يَبقى مِن درَنِهِ شيءٌ. قالَ: فذلِكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخمسِ، يَمحو اللَّهُ بِهنَّ الخطايا.”
والحكمةُ من ذلك ياعزيزي: إنَّ أعظمَ أبوابِ الفرجِ، وأسرعَ أسبابِ النجاة، وأنجعَ دواءٍ لكلِّ داء. هو الدعاء. إنَّهُ السلاحُ الذي تقلَّدهُ الأنبياء، والكنزُ الذي حازَهُ الصالحون، عبرَ العصور. فإن كنتَ في غمرةِ الدعاءِ، فاسمع لنداءِ قلبي هذا، وتشبَّثْ بحبلِ الثقةِ باللهِ، فهو الحبلُ الذي لا ينقطع. ارمِ عنكَ التسويف، ولا تقلْ: “سأدعو غدًا”، أو “أؤجِّلُ حاجتي إلى قيامِ الليل”. بل الآن، في كلِّ صلاةٍ، في كلِّ سجدةٍ، ارفع يديك. ابدأْ بالثناءِ على اللهِ بما هو أهلُه، وصلِّ على نبيِّهِ ومصطفاه، ثمَّ بُثَّهُ حاجتَك. أسألُ اللهَ العليَّ العظيم، الذي ساقَكَ لتقرأَ هذهِ الكلمات، أن يريك الإجابة، وأن يأتيكَ بسُؤلِكَ بقدر صبرك وأكثر.
إليكَ إلهَ الخلقِ أرفعُ رغبتي وإنْ كنتُ يا ذا المنِّ والجودِ مُجرما
ولـمَّـا قسا قلبي وضاقتْ مذاهبي جعلْتُ الرَّجا مني لِعفوكَ سُلَّما
تعاظمني ذنبي فلـمَّـا قرنْتُهُ بعفوِكَ ربي كانَ عفوُكَ أعظما
يمكنك متابعتنا ايضاً على قناتنا على اليوتيوب من هنا




















دعوتُ الله ثلاث سنوات، وفي كل مرة كنتُ أفرغ فيها أو أتذكّر ما أريد، كان دعائي أن أحصل في آخر سنة دراسية لي على تسعينات. كنتُ كلما تذكّرتها دعوت الله، حتى تيقّنت أنني سأبلغ ما أرجو إن سعيت له.
وحين وصلت لعامي الأخير، تكاثفت عليّ الأمور والدروس والحياة، وكلما مازحني أحدهم قائلًا إنني لن أحصل على ما أريد، كنت أردّ عليه بثقة: أنا دعوت الله، فلا شأن لك.
لكن حين سكنني بعض الشك في العشر الأواخر من رمضان، وهم يصلّون في المساجد، همست لنفسي: ماذا لو لم يكن جهدي كافيًا؟ ماذا لو لم أحصل على ما أرغب به؟
فكان ردّ الله أعظم من ظنّي، إذ تليت أمام المسجد الآية:
"وأن سعيه سوف يُرى"،
فأسكنت قلبي وزادتني يقينًا.
ثم جاءت أيام الاختبارات، ورأيت الأسئلة التي رزقني الله بها، فشعرت أن الله معي، وأنه يهديني.
وبعدها جاءت الإجازة الطويلة، وامتلأ قلبي بالخوف والأفكار، لكن لساني لم يتوقف عن الدعاء.
وحين اقترب الموعد، تملكني التوتر والقلق والخوف، لكن في داخلي كان أمل كبير. قلت لهم بثقة: أنا دعوت الله، فكيف يردّني خائبًا؟
وعندما وسوس لي الشيطان، تذكّرت فضل الله واستغفرت لسوء ظنّي.
وحين أخيرًا نزلت النتائج، أعطاني الله ما سألت، بل وأفضل مما سألت، فوجدت نفسي أبكي...
لأنني في تلك اللحظة أدركت أنه لا مجيب إلا الله، ولا قادر سواه، وأن لذة القرب منه لا يشبهها شيء.
وكأنها رسائل من الله إليك… سبحانه ماعبدناه حق عبادته