تشريح الخذلان: لماذا يرفض الدماغ التخلي عمن يوجعنا؟
المخدر الرومانسي: ماذا يحدث في أدمغتنا حين نفترق؟
كل شاعر تقريباً كتب عن الفراق بوصفه ألماً يمزّق الصدر. هذه ليست مبالغة شعرية كما كنا نظن. العلم اليوم يقول إن القلب المكسور له بصمة حقيقية داخل الدماغ، وأن هذه البصمة تشبه، بشكل مقلق، ما يحدث في دماغ شخص يحاول التخلص من إدمان. قال الشعراء منذ فجر القصيدة إن الفراق أشدّ من السيف وقعاً، وإن القلب حين يُخذل يذبل كما تذبل شجرة قُطع عنها الماء. ظننّا ذلك يوماً ضرباً من المبالغة التي يُغرم بها أهل الكلام، حتى جاء العلم يُصدّق الشعراء ويُخجل من شكّك فيهم.
قبل أن نلجَ معاً في تفاصيل هذه السطور، حريّ بي أن أُهمس في أُذنك، يا عزيزي القارئ، بأن ما بين يديك اليوم ينسلخ عمّا ألفته من مقالاتٍ سابقة؛ فهذا النص ليس محض تأملاتٍ وجدانية، ولا خواطرَ نثرية تذروها رياح العاطفة، بل هو في جوهره قراءةٌ تحليلية غائرة في صميمِ بحثٍ علميٍّ أساسيّ. إننا هنا نضع مجهر العلم على منصة البيان، مستندين إلى دراساتٍ رصينة، وتجاربَ عصبيةٍ مُحكمة ومنشورة، ولذلك هي محاولةٌ جادة لنخلط بين صرامة المعامل ورهافة الحرف، سابرين أغوار الدماغ البشري، لعلنا نصل إلى اليقين الذي يروي ظمأ العقل، ويفسر تلك الشقوق الخفية في جدران الروح.
وقد نستهل مقالنا بتساؤل جوهري لدينا: لماذا ندمن الحب حتى بعد الفراق؟ قد يكون مقالي هذا مكملاً لمقال سابق طرحناه بعنوان:
ولكن هذه المرة سيكون مقالي هذا علمياً اكثر، اي انه يرتكز ويستند على أبحاث علمية تجيب عن هذا التساؤل. ولكي نلج في صلب الموضوع مباشرة فقد جرّب باحثون وضع أشخاص “منفصلين حديثاً” داخل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي، وعرضوا عليهم صورة شريكهم السابق الذي افترقوا عنه. والنتيجة لم تكن مفاجئة فقط، بل كانت شبه مربكة إذ تنشطت في الدماغ نفس المناطق التي تتفاعل مع الألم الجسدي الحقيقي، ومناطق أخرى تتولى “حساب الخسارة”، وتضيء بقوة منطقتان معروفتان في علم الإدمان هما المنطقة السقيفية البطنية والنواة المتكئة، وهما بالضبط المناطق التي تُشعل عند المدمن حين يشتهي جرعته.
وهنا تكمن المفارقة التي تفسّر جزءاً كبيراً من عذاب الفراق: هناك فرق بين “أن تحب شيئاً” و”أن ترغب فيه”. بمعنى آخر، الشريك السابق قد لا يجلب أي متعة حقيقية بعد الآن، بل ربما أصبح مصدر إحراج وأذى، ومع هذا يستمر الدماغ في “الرغبة” به بعناد أعمى، تماماً كما يظل المدمن يلاحق مادة توقفت منذ زمن عن منحه أي نشوة. الرغبة هنا انفصلت عن المتعة، وبقيت وحدها تقود السلوك.
أعلمُ يا عزيزي أن في جعبتك سيلاً من التساؤلات، وسنفيض عليك بما يشفي غليل معظمها. بيد أننا سنترك نزرًا منها معلقاً في أفق الانتظار؛ لنوقد فيك شعلة الشغف، إيماناً منا بأن الفكر الأصيل يولد من الفضول، ويزدهر في دروب البحث والتنقيب.
لدينا ما يعرف بالرفض الرومانسي وهو حالة يُرفض فيها الحب أو الاهتمام أو الرغبة في إقامة علاقة عاطفية من قِبل شخص تجاه شخص آخر، رغم وجود رغبة أو مشاعر رومانسية لدى الطرف المرفوض.
ولفهم بعض الأنظمة العصبية المرتبطة بحالة الرغبة الطبيعية الشديدة التي يثيرها الرفض الرومانسي، استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لدراسة 10 نساء و5 رجال تعرضوا حديثًا للرفض من شريك عاطفي، لكنهم أفادوا بأنهم ما زالوا في حالة حب شديدة. كان متوسط المدة بين حدوث الرفض الأولي وانضمام المشاركين إلى الدراسة 63 يومًا.
حصل جميع المشاركين على درجات مرتفعة في مقياس الحب العاطفي (Passionate Love Scale)، وأفادوا جميعًا بأنهم يقضون معظم ساعات يقظتهم في التفكير بالشخص الذي رفضهم، كما كانوا جميعًا يتمنون عودة الشريك الذي تركهم إلى العلاقة. كان المشاركون ايضاً يشاهدون بالتناوب صورة للشريك الذي رفضهم وصورة لشخص مألوف ومحايد عاطفيًا، وتتخلل ذلك مهمة لتشتيت الانتباه.
وعندما كانوا ينظرون إلى صورة الشخص الذي رفضهم أثناء وجودهم داخل جهاز التصوير، ظهرت لديهم مشاعر مختلفة، منها:
الشغف الرومانسي.
اليأس.
الذكريات السعيدة والمؤلمة.
التفكير المتكرر في سبب حدوث الانفصال.
التقييم الذهني لما كسبوه وما خسروه نتيجة التجربة.
وقد ارتبط النظر إلى الشخص الرافض بتنشيط عدة مناطق من نظام المكافأة في الدماغ، من بينها:
المنطقة السقيفية البطنية (VTA): المرتبطة بمشاعر الحب الرومانسي الشديد.
الشاحبة البطنية (Ventral Pallidum): المرتبطة بمشاعر التعلّق.
القشرة الجزيرية (Insular Cortex): المرتبطة بالألم الجسدي.
القشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate): المرتبطة بالألم الجسدي والضيق المصاحب له.
النواة المتكئة (Nucleus Accumbens).
القشرة الجبهية الحجاجية/الجبهية الأمامية (Orbitofrontal/Prefrontal Cortex): المرتبطة بتقييم المكاسب والخسائر، وكذلك بالرغبة الملحّة والإدمان.
وقد ارتبط النشاط في عدد من هذه المناطق بالرغبة الشديدة في تعاطي مخدر الكوكايين وغيره من المخدرات.
لفهم تأثير تنشيط الجانب الأيمن من المنطقة السقيفية البطنية (VTA) في العلاقات السعيدة في مراحلها المبكرة وفي حالات الرفض الرومانسي، من المهم التمييز دائماً بين جانبين من جوانب المكافأة: وهما الإعجاب أي الأثر الممتع أو اللذة التي يمنحها الشيء، والرغبة أي الدافعية والحافز للحصول على الشيء، أو ما يسمى بالبروز الحافزي.
والسلوك الذي يدفع الشخص إلى الاقتراب من إنسان أو مادة يرغب فيها قد يحدث حتى دون أن تكون التجربة ممتعة بالفعل، بمعنى آخر قد يرغب شخصان في التقرب لبعضهما البعض بدون مشاعر ممتعة فعلياً، وهذا أمر شائع في الإدمان بكل أنواعه اذ ان النشوة تكون في البدايات في اعلى صورها ثم تنخفض بالتدريج الى ان تكاد تنعدم. فقد تستمر لدى الشخص رغبة قوية في مادة أو سلوك إدماني، ويستمر في السعي إليها واستخدامها، حتى عندما لا تعود تمنحه النشوة السابقة، بل أصبح السلوك نفسه يؤدي إلى نتائج سلبية، مثل الإضرار بالصحة أو الحياة المهنية أو العلاقات الاجتماعية. وينطبق الأمر نفسه على الشخص الذي تعرض للرفض العاطفي.
فهو لا يزال يريد شريكه السابق، ويشعر بدافعية للتقرب منه والتواصل معه، حتى لو كان التواصل معه يؤدي إلى نتائج سلبية، وحتى لو لم يعد ممتعًا، بل أصبح مصدرًا للحزن والألم. وهكذا فإن الرغبة لا تعني بالضرورة المتعة بل قد تعني مزيداً من الألم.
وهنا ندخل في مرحلة اخرى وهي ما تُعرف بالتعلق، فبالنسبة إلى الأشخاص الذين يستمرون في العلاقة بعد تجاوز المرحلة المبكرة والمكثفة من الحب الرومانسي، تبدأ مجموعة ثانية مهمة من المشاعر بالظهور، وهي المشاعر المرتبطة بالتعلّق. وفي الدراسات التي أجريت على أشخاص يعيشون علاقات حب سعيدة، وجد الباحثون أن الأشخاص الذين كانت علاقاتهم أطول، أي من 8 إلى 17 شهرًا مقارنة بـ1 إلى 8 أشهر، بدأوا يظهرون نشاطًا في الشاحبة البطنية، وهي كما ذكرنا سابقاً منطقة ترتبط بالتعلّق في الدراسات التي أجريت حديثاً. ولكن في الوقت نفسه، استمر النشاط في: المنطقة السقيفية البطنية و النواة المذنبة وهما المنطقتان المرتبطتان بالحب الرومانسي العاطفي الشديد.
وبالتالي، ومع مرور الوقت، تبدأ مشاعر التعلّق في الظهور إلى جانب مشاعر الحب الرومانسي الشديد وقد يشكل هذان النظامان العصبيان الأساسيان، اللذان يرتبط أحدهما بالحب الرومانسي والآخر بالتعلّق، الأساس البيولوجي لتكوين الروابط الزوجية البشرية، كما قد يوفران السياق التطوري الذي نشأت فيه إدمانات الحب.
السؤال الأهم ما الذي دفعنا لكل هذا في البداية؟ الأنظمة العصبية المرتبطة بمشاعر الحب الرومانسي الشديد والتعلّق بالشريك تطورت اغلبها بالتزامن مع استعداد الإنسان لتكوين روابط زوجية اي ان وظيفتها الأساسية كانت لتحفيز اختيار الشريك، ودفع الأفراد إلى البقاء مع شريكهم مدة كافية للتكاثر وتربية الأبناء خلال مرحلة الطفولة المبكرة، بوصفهما فريقًا واحدًا. وبحسب هذه الفرضية، فإن الأنظمة العصبية المسؤولة عن الحب الرومانسي والتعلّق هي أنظمة مرتبطة بالبقاء ولها جذور تطورية غريزية إذ يُعد تكوين الروابط الزوجية سمة بارزة في الإنسان.
ولنرجع الى البداية تماماً فالتعلّق في أساسه تطور على هيئة نظام فطري بهدف تعزيز بقاء الصغار ويحفّز هذا النظام الرضع على البحث عن الراحة والأمان من مقدم الرعاية الأساسي، والذي يكون عادةً الأم. ويرى الباحثون حاليًا أن نظام التعلّق القائم على أساس بيولوجي يستمر في العمل طوال حياة الإنسان، ويشكل الأساس للتعلّق بين الشريكين المرتبطين بعلاقة زوجية، بهدف تربية الأبناء.
وهذا يأخذنا بدوره الى الشق الثاني الا وهو الحب الرومانسي. لطالما تسائل الكثير ماذا يحدث للمُحب بعد أن وقع في حب احدهم؟ هل تتغير سماته على سبيل المثال؟ وهذا تساؤل تكمن الإجابة عليه في فهم نظام الثدييات بأكمله والذي يعد الإنسان جزءاً اصيلاً منه، فمثل البشر، تُظهر جميع الطيور والثدييات تفضيلًا للشريك مثل:
تركّز طاقة التودد على شركاء محتملين محددين.
تتجاهل الآخرين أو تتجنبهم لتجعل الأولوية لشريكهم فقط.
تظهر سلوكيات تهدف إلى الفوز بالشريك المفضل والاحتفاظ به.
كما أن معظم السمات الأساسية المرتبطة بالحب الرومانسي لدى البشر توجد أيضًا في الانجذاب أثناء التودد لدى الثدييات، ومنها:
زيادة الطاقة.
التركيز الشديد.
المتابعة شبه الوسواسية.
الإيماءات الودّية.
حماية الشريك والغيرة عليه.
الدافعية للفوز بالشريك المفضل والاحتفاظ به طوال الفترة اللازمة للعيش وتربية الأبناء وفقًا لطبيعة الإنسان.
وبالتالي فإن نظام الدماغ المسؤول عن الحب الرومانسي البشري يشترك في العديد من الخصائص البيولوجية مع الأنظمة العصبية الخاصة بالتودد والانجذاب لدى الثدييات. وهذا بدوره يأخذنا الى تساؤل آخر ألا وهو لكم من الوقت قد يستمر الحب الرومانسي في ابهى صوره؟
إسمح لي ياعزيزي ان أخبرك بأنه في معظم أنواع الثدييات، يستمر انجذاب التودد لفترة قصيرة فقط:
دقائق أو ساعات أو أيام أو أسابيع.
أما لدى الإنسان، فقد يستمر الحب الرومانسي الشديد في مراحله المبكرة:
12–18 شهرًا أو حتى فترة أطول.
ولذلك ربما أصبحت هذه الآلية العصبية الخاصة بالتودد لدى الثدييات أكثر قوة واستمرارًا خلال التاريخ التطوري المبكر للبشر، بالتزامن مع تطور الروابط الزوجية، حتى أصبحت في النهاية ما نعرفه اليوم باسم الإدمان الرومانسي الإيجابي أو السلبي لدى الرجال والنساء عبر الثقافات، لذلك كان اجدادنا يمازوحن بعضهم البعض قائلين عن اولادهم او حتى احفادهم بأن الإبن اذا طار عقله فالزواج هو انسب حل له، إذ بالفعل يمكن للعلاقات الاجتماعية عالية الجودة، بما فيها العلاقات الرومانسية، أن تكون مفيدة للغاية للأشخاص الذين يتعافون من الإدمان. وفي علم النفس، توجد اليات محتملة لهذا التأثير أو ما يسمى في علاج إدمان المخدرات بـ: استبدال المكافأة (Reward Replacement)
فعندما يتوقف الشخص عن مادة أو سلوك إدماني، قد يستبدل هذا الإدمان بنوع آخر من السلوكيات التي تمنحه المكافأة ولهذا السبب يعرف المعالجون المتخصصون في علاج الإدمان أهمية إشراك المرضى في معززات أو مكافآت جديدة، وبشكل خاص المكافآت الصحية، مثل:
الأنشطة الرياضية.
الهوايات الجديدة.
توسيع العلاقات الاجتماعية.
تكوين تفاعلات اجتماعية جديدة.
وهنا ياعزيزي قد يتراود الى ذهنك سؤال آخر الا وهو هل يمكن للحب الرومانسي في مراحله المبكرة أن يوفر مكافأة بديلة للأشخاص الذين يعانون من تعاطي المواد أو من إدمان سلوكي؟
لدراسة هذا السؤال، وضع أحد الباحثون عددًا من المدخنين الصينيين الذين حُرموا من النيكوتين طوال الليل داخل جهاز تصوير الدماغ. وكان هؤلاء الأشخاص قد وقعوا حديثًا في الحب بشكل شديد. وأثناء تجربة التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، شاهد المشاركون صورًا متجاورة:
صورة ليد تمسك بسيجارة مشتعلة، وهي المحفز المرتبط بالتدخين.
أو صورة لقلم، وهي الصورة الضابطة.
وبجانبها:
صورة الشخص الذي وقعوا حديثًا في حبه.
أو صورة شخص مألوف.
وكان الأشخاص المألوفون غير مدخنين، حتى لا تكون صورهم بحد ذاتها محفزات مرتبطة بالسجائر. وكانت النتيجة أنه لدى المشاركين الذين كانوا متوسطي الاعتماد على النيكوتين، عندما ظهرت صورة السيجارة بجانب صورة الشخص المحبوب، لوحظ نشاط أقل في المناطق المرتبطة بالاستجابة لمحفزات السجائر مقارنةً بالحالة التي ظهرت فيها صورة السيجارة بجانب صورة الشخص المألوف.
كما ظهر نشاط أكبر في النواة المذنبة التي عرفناها سابقاً أثناء التجارب التي تضمنت صور الشخص المحبوب مقارنةً بصورة الشخص المألوف. وكل هذا يجيبنا على تساؤلنا السابق على أن الحب الرومانسي نعم يمكن اعتباره إدمانًا طبيعيًا قويًا وقديمًا جدًا؛ لأنه يستطيع، في ظروف معينة، تعديل نشاط الدماغ المرتبط بإدمان أكثر حداثة، وهو إدمان النيكوتين.
لطالما أسديتُ نصيحةً خالصةً لكلّ من تجرّع مرارة الفراق، أو كابد لوعة الانفصال، أو فُجع برحيل عزيزٍ غادر دنيانا الفانية؛ ألا وهي الانغماس في مشاغلَ تأخذ بالألباب وتصرف العقل عن غياهب التفكير وصخب الذكريات، وذلك عبر ارتياد آفاقٍ رحبة من الهوايات، وخوض غمار تجارب جديدة تُسلي الخاطر، وترمّم ما تصدّع من الروح وهذا ما يُعرف في علم النفس بـ Self-Expansion — توسيع الذات،وهو في الاساس إحدى الدوافع الإنسانية الأساسية التي يرغب الإنسان فيها في توسيع مفهوم الفرد عن ذاته و يعمل كبديل للمكافأة في علاج الإدمان، بما في ذلك إدمان الحب، ويحدث ذلك من خلال الانخراط في :
تجارب جديدة.
تجارب مثيرة للاهتمام.
تجارب مليئة بالتحدي.
تجارب مثيرة بطريقة أخرى.
والهدف هنا هو اكتساب موارد ووجهات نظر جديدة يمكنها:
تعزيز مفهوم الفرد عن ذاته.
زيادة قدراته.
توفير مشاعر إيجابية.
توفير الإحساس بالمكافأة.
ينبع توسيع الذات من دافعية الاقتراب؛ ولذلك قد يكون مفيدًا عند محاولة الإقلاع عن مادة أو تقليل استخدامها أو التخلص من إدمان سلوكي. والسبب أنه يوفر تجربة بديلة + مكافأة + تشتيتًا عن السلوك الإدماني وقد ثبت أن توسيع الذات في سياق الحب الرومانسي يقلل الإحساس بالألم الجسدي، ويبدو أن ذلك يحدث من خلال آلية للمكافأة وليس مجرد التشتيت وهذا بدوره يشير إلى إمكانية استخدامه أيضًا للمساعدة في التعامل مع الألم الناتج عن الانسحاب بعد الرفض الرومانسي، كما يمكن أن يكون توسيع الذات مفيدًا عند الإقلاع عن أي نوع من الإدمان، لأنه يسهم في تغيير مفهوم الشخص عن ذاته، فبدلًا من أن يرى الشخص نفسه على أنه: مُستَغل أو مدمن يمكن أن يبدأ في رؤية نفسه على أنه:
كاتب.
موسيقي.
رياضي.
أو أي هوية أخرى تنشأ من تجربة جديدة توسّع ذاته.
وبذلك يتحول مفهوم الذات إلى اتجاه جديد وأكثر صحة.
هناك ظاهرة معرفية أخرى قد تساعد في تخفيف الإدمان الرومانسي، وهي ما تعرف بـ إدماج الآخر في الذات Inclusion of the Other in the Self (IOS)
وتحدث هذه العملية عندما تتغير تمثيلات الفرد عن ذاته بحيث تبدأ في دمج جوانب من شخصية الشريك الرومانسي فيه، فيصبح تفكيرهم متقارب، نمط حياتهم متشابه، سلوكهم المعرفي متقارب الى حد كبير، بل وتتحول لهجتهم لتصبح لهجة واحدة وقد تم تطوير مقياس لقياس هذه العملية المعرفية ومع مرور الوقت، تبدأ وجهات نظر الشريك، هويته، موارده، فكره، سلوكه، أخلاقه في الاندماج مع مفهوم الفرد عن ذاته وبالتالي تصبح الحدود بين: «أنا» و«الشريك» أقل وضوحًا، فعلى سبيل المثال، يبدأ الأشخاص في استخدام ضمائر الجمع بشكل أكبر، مثل: «نحن» و«لنا» كما يصبحون أبطأ في التمييز بين ممتلكات الشريك أو صفاته وبين ممتلكاتهم وصفاتهم الخاصة وهذا النمو في مفهوم الذات يمكن أن ينتج عنه موارد إضافية، مشاعر إيجابية، فوائد نفسية مما يجعل الفرد يتقدم في حياته وينمو بشكل أفضل.
وقد وجد الباحثون بالفعل أن تنشيط نظام المكافأة عبر المنطقة السقيفية البطنية (VTA) ارتبط بدرجات الشخص في مقياس إدماج الآخر في الذات وهذا بدوره يشير إلى أن قدرًا معتدلًا من التعريف الإيجابي بالآخر أو بمجموعة اجتماعية قد يكون علاجيًا، لأنه:
يعزز الصورة الإيجابية للذات.
يوفر مصدرًا بديلًا للمكافأة.
يمكن أن يساعد في تعويض المادة أو السلوك الإدماني الذي تخلى عنه الشخص.
هذا بدوره يسهم ايما إسهام في ان يقودنا الى بعض الاستراتيجيات لمساعدة للأشخاص الذين يعانون من الرفض العاطفي او حتى الإدمان بصوره المختلفة، وعند النظر إلى بيانات الحب الرومانسي وتعاطي المواد معًا، تظهر بعض الأساليب التي تمتلك أساسًا قويًا بشكل خاص مثل : إزالة جميع محفزات الشخص السابق، أي أن يقوم بإزالة جميع التذكارات المعقولة المرتبطة بالشخص الذي تركه، مثل:
البطاقات.
الرسائل.
الأغاني.
الصور.
التذكارات.
وكذلك تجنب التواصل مع الشريك الرافض والسبب أن التذكيرات والتواصل مع الشريك يمكن أن تعمل كمحفزات تؤدي إلى الرغبة الملحّة، ومن المرجح أن تحافظ على نشاط الدوائر الدماغية المرتبطة بالشغف الرومانسي، وبالتالي تعيق عملية التعافي طويلة المدى.
إحدى الساليب تكمن ايضاً في إعادة اكتشاف الذات بعد الانفصال إذ تشير أبحاث توسيع الذات إلى أن الانفصال يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية، مثل النمو الشخصي، المشاعر الإيجابية، إعادة اكتشاف الذات. خصوصًا عندما تكون العلاقة السابقة قد وفرت فرصًا محدودة لتوسيع الذات، ثم ينخرط الشخص بعد الانفصال في إعادة اكتشاف ذاته. ولعل احدى الأساليب الفعالة في التعافي من الرفض العاطفي هي تكوين الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية إذ يمكن للتواصل القريب والإيجابي مع صديق أو مجموعة من الأصدقاء أن يكون مصدرًا للمكافأة بل وقد يساعد أيضًا في استبدال الرغبة في المادة أو الشريك الذي رفض الشخص، فالنظر إلى صورة صديق مقرّب ينشّط النواة المتكئة المرتبطة بالمكافأة، كما ينشّط النظر إلى صورة صديق مقرّب المادة الرمادية حول المسال (Periaqueductal Gray)، المرتبطة بمستقبلات الأوكسيتوسين وبالهدوء الناتج عن التعلّق وهذا يشير إلى أن العلاجات الجماعية، قد تنجح جزئيًا لأن ديناميكيات المجموعة تنشّط أنظمة المكافأة والتعلّق في الدماغ. وقد تكون المشاركة في البرامج الجماعية مفيدة أيضًا للأشخاص الذين تعرضوا للرفض العاطفي، وللأشخاص المدمنين على مواد مثل الكحول، وكذلك للأشخاص الذين يعانون من إدمان سلوكي مثل المقامرة.
لربما أحد اعظم الاساليب في التعافي من الرفض العاطفي هو البقاء مشغولًا، اذ تشير البيانات إلى أن الأشخاص الذين تعرضوا للرفض العاطفي ينبغي أن يحافظوا على انشغالهم لتشتيت أنفسهم وقد يكون النشاط البدني مفيدًا بشكل خاص لأنه يحسن المزاج كما أنه يحفز نشاط الدوبامين في النواة المتكئة، مما يساعد على إنتاج الشعور بالمتعة ويرفع النشاط البدني أيضًا مستويات β-Endorphin — بيتا إندورفين بالإضافة الى Endocannabinoids — الإندوكانابينويدات وهما مادتان تساعدان على
تقليل الألم، زيادة الهدوء، تعزيز الشعور بالعافية، كما أن تجربة نوع جديد من الرياضة يمكن أن تكون بحد ذاتها تجربة لتوسيع الذات وبسبب هذه الفوائد، يرى بعض الأطباء النفسيين أن ممارسة الرياضة، سواء الهوائية أو اللاهوائية، قد تكون فعالة في علاج الاكتئاب بقدر العلاج النفسي أو الأدوية المضادة للاكتئاب. دائما ما أنصح بالأنشطة التي تساهم في توسيع الذات مثل الهوايات، الرياضة و التجارب الروحية أن تكون مفيدة في حالات الإدمان والانكسار العاطفي، لأنها توفر مكافأة + فوائد لمفهوم الذات + تشتيتًا. ومن المهم جداً ألا يكون لدى الشخص مصدر واحد فقط لتوسيع الذات فإذا اختفى أحد المصادر مثل فراق الشريك يمكن للمصادر الأخرى أن تخفف أثر الخسارة ومن الأفضل أن تكون مصادر توسيع الذات متعددة ومتنوعة وفي مجالات مختلفة من الحياة، مثل: الهوايات، العمل، الأصدقاء، العائلة، العمل التطوعي، المجموعات الروحية، الاهتمامات الأكاديمية، كما ينبغي أن يمتلك الشخص شبكات اجتماعية قوية يمكنه اللجوء إليها عند الحاجة، مثل الانفصال و محاولة الإقلاع عن الإدمان.
ودائماً ما احذر من ضرورة ممارسة توسيع الذات بطريقة صحية، مع الانتباه إلى السلوكيات الخطرة المحتملة، ومن أمثلتها محاولة الوقوع في الحب مع شخص جديد مباشرة بعد فقدان الشريك، اكتساب عادات غير صحية، استبدال إدمان بإدمان آخر عند محاولة الإقلاع.
ونصل هنا إلى التساؤل الأخير والأكثر عمقاً وإلحاحاً: كيف للروح المثقلة أن تتحرر، وكيف يمكن التخفيف من وطأة الأعراض السلبية لما يُعرف بـ «إدمان الحب»؟
للتخفيف من غلواء هذا التعلّق الجارف، ولملمة شتات النفس، يُنصح من وقع في شِراك هذا الوجد بأن يسلك السبل التالية:
إخماد شرارة الذكريات: وذلك باقتلاع وإزالة كافة المحفزات التي تنفخ في رماد الشوق، وتزيد من اشتعال المشاعر وتأججها تجاه الطرف الآخر.
نسج عادات حديثة: عبر بناء روتين يومي مغاير، ينتشل النفس من رتابة الفراغ الذي قد تتسرب منه رياح الحنين والأسى.
تجديد ينابيع التواصل: من خلال الانفتاح على لقاء أشخاص جدد، يثرون التجربة الإنسانية ويمنحون الروح متنفساً آخر بعيداً عن دائرة الماضي.
استنبات شغف جديد: بتبني اهتمامات وهوايات تزرع بذور الأمل، وتُزهر في النفس آفاقاً أرحب تلهيها عن الالتفات للوراء.
التدرّع بالصبر أمام زحف الأيام: وهو تقبّل فكرة الانتظار والمكابدة، والصبر على مضض الليالي التي تداهم فيها العقل تلك الأفكار المتطفلة والرغبة الملحّة للعودة.
ترياق الزمن وتوسيع مدارك الذات
إن السر وراء أهمية عامل الوقت يكمن في كونه طبيباً صامتاً؛ فجذوة التعلّق بالشريك الرومانسي السابق تخبو رويداً رويداً، وتتلاشى حدتها وتبرد نارها كلما تعاقب الليل والنهار.
إلى جانب ذلك، تبرز أهمية المقاربات العلاجية العميقة التي تهدف إلى الارتقاء بالنفس، وتحديداً تلك التي ترتكز على:
توسيع الذاتو وهو كما ذكرنا سلفاً مفهوم يعتمد على إثراء الهوية الشخصية وتمددها بخبرات وتصورات أوسع، تخرج الفرد من ضيق التعلّق بشخص واحد إلى سعة الحياة.
إدماج أرواح جديدة في الكينونة: من خلال إدخال أشخاص جدد ضمن النسيج المفاهيمي للفرد عن نفسه، مما يعيد ترميم نظرته للحياة ويعزز من قيمته الذاتية المستقلة.






