لِماذا نغرق في حبّ من يوجعنا؟
إعتزل من يؤذيك
يبدو أن بيننا من أوتي نصيبًا خاصًا من الموهبة، لكنها موهبة غريبة الطبع، إذ تدفعه مرارًا إلى الوقوع في شِباك علاقات عرجاء لا تروي الروح ولا تشبع الفؤاد. في كل مرة، نبدأ تلك العلاقات عادةً محمّلين بالظنّ الحَسَن، تملؤنا أماني مشرقة، غير أنّ الزمن يكشف لنا ما لم نكن نريد أن نراه مثل فتور في العاطفة، غياب للمودّة، قحط في القرب الروحي، وربما تصل الى فراق أو حتى فراقٌ هجره قبيح.
ولئن كانت البدايات وعودًا زاهية، فإن النهايات لا تحتمل مكابرة؛ وقد تَعرِف النهاية من بداية العلاقة حتى إن أوهمت نفسك مراراً وتكراراً بعكس ذلك. إذ يدرك العاقل يوماً ما أنّ عليه أن ينفض يده سريعًا، فلا يظلّ أسير وهمٍ ينهش قلبه. فالشريك الذي يذيقنا مرارة الإهمال أو يدير لنا ظهره في أشد اللحظات إحتياجاً ليس جديرًا بفرصة نمنحها له، ولا حتى باستعادة اللحظة الأولى التي جمعها القدر بنا.
إعلم ياعزيزي إن الخلاص في مثل هذه المسارات المظلمة ليس خيانةً لذكريات جمعتك بشريكك، بل هو إنقاذ لروحك من التيه، وصونٌ لقلبك من الذبول، وتأكيدٌ بأن الكرامة أثمن من التعلق بأيدٍ لا تريد أن تمسك بنا. ثم إعلم أنّ بعض العلاقات، مهما امتدّ عمرها، قد لا تحمل سوى خواء مكرور، وأيام متراكمة لا تزيدنا إلا إنهاكًا. لذلك ياعزيزي، إنها ليست المدة الزمنية ما يمنح العلاقة معناها، بل ما يُكتب في صفحاتها من صفات وسِمات. لذلك أحب أن أشبه العلاقات بالكتب، ليست قيمتها بعدد صفحاتها بل بما تُخلّفه كلماتها فينا من أثر.
لكن فريقًا آخر منّا يسلك طريقًا مغايرًا؛ يسلك طريقاً يُظهر الألوان الخفية للنفس. في كل مرة تراه يهمس لنفسه أن "الأمل في هذا الشخص باقٍ لا ينطفئ أبدًا"، فيحول خيبات القلب إلى وعود مؤجلة. ومن ثم تراه تارةً اخرى يقول: صحيح أنّ الشريك خان التوقعات الآن، لكن ربما يتبدل للأفضل غدًا. نعم، لقد جفّت لمسته وتصلّبت ألفاظه، وتغيرت مبادئه لكنه اعتذر ووعد بالتغيير، وكأن شيئًا لم يكن. فنؤمن أن التحسّن قاب قوسين أو أدنى، وأن الأفق سيزهر ذات يوم رغم كل الغيوم المتراكمة. ومن بعيد، يبدو تمسّكنا به إيمانًا عجيبًا لا يخلو من الطابع الديني؛ عقيدة مبنية على الرجاء أكثر من الحقائق، وإصرار على التمسّك بصورة لا وجود لها إلا في خيالنا.
من هذا الأفق تتدافع اسئلة عديدة في أذهاننا كأنها أسرار عصيّة على الفهم كلما أردنا أن نفهم: لماذا يبدو لكلٍّ منّا مخطط داخلي، أشبه ببصمة نفسية، يوجّه انجذابنا لأشخاص بعينهم دون غيرهم؟ ما الذي يجعلنا نذوب عشقًا في إنسان يراه أصدقاؤنا عادياً او حتى غير جديراً، بينما يعجزون هم عن فهم سر إنجذابنا لهذا الشخص؟ ولماذا قد يحدث العكس؛ فنجد أنفسنا باردين تجاه من يفتتن به غيرنا؟
غير أنّ السؤال الأعظم يظل يلاحقنا: كيف نفسّر أننا نثق بمن جرّبنا خذلانه مرارًا؟ ما الذي يدفعنا لأن ننسج حبال الأمل وهو لا يكف عن قطعها؟ لماذا نقتنع، بنوع من السذاجة الممزوجة بالرجاء، أنّ حوارًا إضافيًا، أو رسالة مكتوبة، أو حتى اعتذارًا متكرراً قادر على إصلاح ما تهدّم جذوره منذ زمن ؟
والأشد إيلامًا أن القلب يظل متمسكًا بمن يؤذيه، فيغدو الحب مشوبًا بوجع، كأننا نزرع الورد في أرض جرداء لا زرع فيها ولا ماء، ونبتهج بزهرة يتيمة ثم نغضّ الطرف عن الأشواك التي لا تكف عن وخزنا. وهنا تتجلّى المفارقة العظمى بأن أكثر من يؤلمنا هم أكثر من نحب، وكأن الألم ضريبة لهذا التعلّق، وكأن المحبة تُخرج أوهن مواضعنا إلى الضوء، فتتاح للآخر فرصة أن يطعن حيث نكون عراة بلا درع ولا سلاح، وكأن الإنسان كلّما اقترب منك، كلّما ازدادت معرفته بِمواطن ضعفك، فصار قادرًا على النفاذ إلى جراحنا بأدقّ سهام. هكذا يغدو القرب سلاحًا ذو حدّين حين يمنح الحب، لكنه يحمل أيضًا قدرة على الفتك لا يملكها الغريب.
وما أعظم مرارة الجرح حين يأتي من أقرب الناس إلينا؛ فطعنتهم لا تمرّ مرور الخاطر على السطح، بل تغور عميقة في مواضع الروح التي لا يُطالها دواء. والمؤلم حقًا ليس شدّة الضربة وحدها، بل انتظارنا المتكرر ليدٍ نعتقد أنها ستُضمّد ما سبّبته، فنظلّ عالقين بين الألم والرجاء، والأمل بأن يكون المنقذ هو ذاته من كان السبب في النزف.
وهنا يظهر التناقض المأساوي إذ نرجو الرحمة من مصدر الجرح، والحنان من اليد التي دفعت بنا إلى السقوط. فنظل أسرى دائرة موصدة، لا نملك منها خلاصًا إلا بالشجاعة التي تكسر الانتظار، وتدرك أنّ من أسقطنا لا يجوز أن نعلّق عليه أمل النهوض.
ومن هنا يا عزيزي، نخطو معًا، أنا وأنت، في محاولة فهم هذا اللغز العسير: لماذا نتمسك بمن لا يريدنا حقًّا؟ ولماذا نُفرط في حبّ من يؤذينا مرارًا وتكرارًا؟ هل هي هُوّة الخوف من الوحدة التي تجعلنا نفضّل الإنكسار رفيقًا على الفراغ الموحش؟ أو لربما يكون جزءٌ كبير مما نشعر به هو حبُّ الشعور ذاته؛ بأن نكون محبوبين من أحدهم، فالإنسان في جوهره كائنُ تعلقٍ واحتياج للانتماء والاعتراف والحب. فهو لا يحب فقط الشخص بحد ذاته، بل يحب الحضور الذي يمنحه هذا الآخر في حياته، الإحساس بالأهمية، والقيمة التي تُترجم في الاهتمام وردود الأفعال والكلام الطيب.
أو لربما تقول لنفسك أن نحب من نعرفهم، حتى لو كنتَ تعرفهم بسوية ضئيلة أو مشوّهة، أفضل من أن نحب من لا نعرفهم، أو من تبدو صورتهم بعيدة أو غامضة. إذ أن المعرفة، مهما كانت ناقصة، تخلق وهم السيطرة والألفة، فنهرب من المجهول إلى مألوف إعتدنا عليه، نعم قد يكون مؤلمًا لكنه أقل قسوة من المجهول الذي لا نملك مقودَه. فهل نحب الآخر فعلاً؟ أم أننا نعشق الأمان الذي يمنحه وجوده، ولو كان مصحوبًا بالألم؟
إسمح لي يا عزيزي، أن أشاركك بعضًا من الأسباب التي تدفعنا إلى هذا الدوران المفرغ في دوامة العلاقات المؤلمة. وطبعًا، هذه الأسباب ليست مطلقة أو شاملة، فلكل فرد منها دوافعه الخاصة التي تُبنى على تجاربه الحياتية وفرديته، إلا أن نقطة الثقل تبقى دائمًا في نشأتنا النفسية منذ الطفولة، والتي تترك أثرًا عميقًا في طريقة ارتباطنا بالآخرين.
في هذا المقال، أهدف إلى تحقيق أمرين رئيسين: الأول هو محاولة فهم الأسباب النفسية التي تقف وراء هذه الدوافع العميقة، فحينما نتمكن من إدراكها بوضوح، يفتح ذلك الباب لفهم أوسع لسلوكياتنا العاطفية فنسيطر عليها. أما الهدف الثاني، وهو جزء من التربية، فيتعلق بمدى اتقاننا لتربية أطفالنا على مبادئ النضج العاطفي، بحيث ننتج بتوفيق الله وهدايته أجيالًا تعرف أن جوهر الحب الحقيقي يبدأ من منح الآخر كرامة تتجاوز كرامتنا الفطرية. هذا هو الأساس الذي سنشرح معانيه وأبعاده في السطور القادمة، لتكون منهجًا يُرسخ في خطواتنا تجاه بناء علاقات صحية وناضجة تقوم على الاحترام والتقدير قبل كل شيء.
وآمل ألا أقدم لك مجرد مخطط نظري، بل أن أفتح أمامك بابًا واسعًا إلى مجال جديد من الوعي والتفكير، يمكنك أن تخطو داخله بخطى ثابتة وثقة. كما آمل أن تأخذها على نحو دعوة لاكتساب فهم أعمق لأنفسنا، ثم لمن نحب، لنبني بذلك علاقات أكثر نضجًا وصدقًا، تنبع من احترام متبادل ومنح متبادل للكرامة، فتكون محطاتنا العاطفية بداية طريق نحو صحة نفسية وحب حقيقي يحمل الحياة في أبهى صورها.
بدايةً، يا عزيزي، يعلم كلٌّ منا أن كثيرًا من المجتمعات الإنسانية اليوم تعاني من عُلل نفسية متزايدة تتغلغل في نسيج الحياة اليومية. ومن هذا الواقع تؤكد الحاجة إلى فهم أن الجميع ينجب أطفالًا، لكن ليس الجميع يمتلك القدرة أو التأهيل اللازم لتربية وإعداد هؤلاء الأطفال إعدادًا سليمًا. فغالبًا ما يرتبط سلوك الكثير من المجرمين ومَن يعانون من اضطرابات نفسية بأسباب عميقة الجذور، يكون للوالدين مثل الأم والأب دور رئيسي فيها.
بطبيعة الحال، وبعد توفيق الله وهدايته لكلاً من الأباء والطفل، يمكن للأباء أن يؤهلوا أبناءهم ليصبحوا أشخاصًا مثاليين، صالحين، بل على أقل تقدير، أشخاصًا أقل ضررًا وأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع المجتمع. وفي المقابل، قد يتسبب نقص التأهيل، الإهمال، أو حتى سوء التربية في أن ينتج الوالدان أشخاصًا قد يصبحون مجرمين، مؤذين، أو غير صالحين اجتماعيًا بطرق مختلفة.
ولا أقصد بكلمة "غير أسوياء" بالضرورة المرض النفسي أو السلوك الإجرامي، بل قد يشمل الأمر درجات مختلفة من السلوك مثل الإهمال، قلة الاهتمام، اللامبالاة، أو حتى أو عدم توفير البيئة الصحية اللازمة لنمو الطفل نفسيًا وعاطفيًا بشكل سليم. ففي مثل هذه الحالات، يمضي الطفل غالبًا في مسار يشبه طريق والديه أو يتأثر بشكل مباشر بمظاهر خللهم وعدم توازنهم.
كمدخلٍ إلى الأسباب النفسية التي تفسّر هذا السلوك، يمكن القول إن جذره الأعمق يكمن في أن كثيراً من الناس، لم يُهَيَّؤوا منذ طفولتهم لأن يكونوا أصحاب أمل واختيار حرّ في هذه الحياة. فقد ينشأ الطفل في بيئة يكون فيها الإيمان بالوالدين أمراً مسلَّماً به، بغضّ النظر عن طبيعة سلوكهما أو مستوى نضجهما. ولم يكن في وسعه، وهو طفل لم يتجاوز السابعة بعد، أن يعترف أو حتى يدرك أن والديه قد يكونان غافلين عن أصول التربية والتنشئة السليمة. وهكذا تلقّى ما زُرِع فيه بلا مساءلة، فكبر وجذور وعيه مقيدة بما وُهِب له، وليس بما اختاره بنفسه.
وحين حُرم من المساحة التي تتيح له أن يختبر الاختيار كقدرة شخصية، بدلاً من أن يكون مجرد انعكاس لتصورات الكبار من حوله، بدأ يتشكّل داخله فراغ عاطفي عميق. هذا الفراغ سرعان ما سيتحوّل في مراحل لاحقة إلى هشاشة أمام الإحباط، وانجذابٍ إلى سلوكيات تخدّر الألم عوضاً عن مواجهته، بل وإلى التماهي مع من يعيد ممارسة سلوكيات والديه القاسية نفسها عليه. وهكذا غدت التجارب المبكرة التي لم يعِها في طفولته لبناتٍ خفية صاغت شخصيته ورسمت توجهاته حين انتقل إلى المراهقة ثم الرشد.
وحين كان صغيراً، وجد نفسه محكوماً بمصير يشترك فيه جميع أطفال الآباء الجرحى وغير الناضجين: فالأب قد يغيب فلا يراه إلا مرة في الشهر، أو يحضر ليضربه ويعنفه، فلا يبقى للطفل سوى أن يلقي باللوم على نفسه، مقنعاً ذاته بأن الخلل كامن فيه، ثم يختلق التفسيرات المعقدة والوهمية كي يبرّر السلوكيات المؤذية التي يتلقاها بلا حول منه ولا قوة.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الطفل إلى مترقِّب لفتاتٍ عاطفية ضئيلة، كالغريق الذي يتشبث بخشبة صغيرة. فالأب أو الأم قد يقضيان نهاراً كاملاً في الغضب والصرامة والقسوة، ثم، وقبيل الليل، يكسران القاعدة فينطقان بكلمة طيبة أو يمنحانه عناقاً يذيب كل ذلك الجفاء. كان هذا المزج المربك بين الحنان والرهبة لعبته المعقدة، لعبة جمعت الخوف بالإثارة والألم بالرجاء. وعلى هذا النشيد المتناقض بُنيت بذور إدمانه العاطفي، ذلك الإدمان الذي يعيش على الانتظار الدائم للحظة عطفٍ تأتي متأخرة، لكنها تأتي من قلب العاصفة، ومن نهاياتها تحديداً.
قد يبدو الأمر معقداً في بادئ النظر، غير أنني سأحاول تبسيطه لك يا عزيزي. إن الطفل ينشأ على السلوك العاطفي لوالديه، فيتشرّب ما يقدَّم له ويعوض، بطريقته الخاصة، ذلك النقص الذي لم يُقدم له. وكما ذكرنا في مقالٍ سابق، فإن أغلب المشاكل النفسية تنشأ في الصغر، وهي وإن غابت عن الذاكرة الشعورية حين يكبر الإنسان، فإن العقل الباطن يعيها جيداً ويخزن بصماتها.
لنفترض ياعزيزي أن هناك طفل يطلب من والده أن يلعب في الحديقة، فيرفض الوالد رفضاً قاطعاً دون أن يبرّر السبب، مكتفياً بقول جاف “لا تعني لا”. هذا التكرار يترجم داخلياً، في ذهن الطفل، إلى عِناد يتجذر مع الزمن، عنادٍ قد يظهر في مواقف لاحقة، وغالباً على أمور خاطئة، لأنه لم يتعلم بصيرة التمييز، بل تشرّب فقط رد الفعل المكابر، وهذا ما سيضيع عليه فرص كثيرة للتعلم والنضج في الكِبر.
ولو افترضنا أن كلاً من الأب والأم يعملان طوال النهار والليل، فلا يرون أبناءهم إلا اضطراراً في العطل الأسبوعية، فإن الأطفال أو حتى المراهقين يكبرون وهم يفتقدون منازل الدفء، فلا يجدون من ينصت إليهم أو يمنحهم الحنان. ويُترجم هذا الغياب، في وعي الطفل، إلى عطشٍ داخلي شديد للعاطفة.
فإن كان الطفل ولداً، فسيحتاج إلى الحضور الذكوري الذي يمنحه صور القوة، والمسؤولية وإلى الوجود الأنثوي المتجسّد في الأم بما يحمله من رقة وعاطفة. أما إن كانت طفلة، فإنها تحتاج إلى والدين يبادلانها نفس السلوك، بالإضافة الى المجاملات والمدح والكلام الطيب، لأن هذه الروافد تُسهم في بناء عاطفتها الأنثوية ورؤيتها لنفسها.
فإذا غاب الأبوان بحكم انشغالهما، فإن الفجوة تتسع، وتجد الفتاة نفسها أمام طريقين: الأول أن تعوّض هذا النقص من خارج دائرة العائلة، فتقع في حب من يمدحها ويغدق عليها كلاماً جميلاً، وهذا طبيعي لأنها لم تشهد حباً مشابهاً في المنزل. وهنا تكمن الخطورة، فإن لم يمنح الوالدان البنتَ حناناً ووقتاً، سيمنحه أحدهم، ولا تدري أكانت نيته طيبة أم مريضة. أمّا الطريق الثاني، فهو أن تنغلق تماماً عن عاطفتها، فتصبح بليدة المشاعر، تائهة، تنتظر من يوجّهها، ويشاركها بعض العطف، حتى لو كان شخصاً سيئاً، فهي ستتشبث به هرباً من شعور الهجران، كيلا يُعيد تكرار خذلان والديها لها.
والأمر ذاته ينطبق على الولد، إذ هو بدوره أمام طريقين؛ أولهما أن يبحث عن بديل لملء الفراغ وخصوصاً من الناحية الذكورية. فإن رأى أقرانه منشغلين بمسارات الحياة المختلفة، قد يسلك طريقهم كيفما كان، حتى لو كان طريقاً مظلماً محفوفاً بالوحشة. أما ثانيهما، فهو أن يُلقي على نفسه ثوب المسؤولية مبكراً، فيبدو رجلاً قبل أوانه، لكنه في داخله هشّ وضعيف، يسهل على الناس تمزيقه كيف شاؤوا. ولا أحد يدري إلى أين قد تؤول به تلك الهشاشة.
ونحن هنا لا نتحدث عن وفاة الوالدين، بل عن غيابهما وانشغالهما بأولويات يعدّانها أعظم شأناً من أبنائهما. فالوفاة حالة مختلفة تماماً، إذ إنها تقطع خيط الأمل نهائياً، فيجد الطفل نفسه وجهاً لوجه أمام الحقيقة، فلا خيار أمامه سوى أن ينضج قسراً ويتحمل المسؤولية. أما الغياب، أو الإهمال، فقصته أشد ألماً، لأنه يترك الباب موارباً للأمل؛ يظل الطفل معلقاً بتوقع عودة الاهتمام، مترقباً لمسة حنان قد لا تأتي أبداً.
وفي المقابل، كثيراً ما يتعجب الوالدان حين يكبر أبناؤهم متعجبين: لماذا أولادنا مشغولون عنا؟ لكن، هل يستوي الأب والأم اللذان أخلصا حياتهما لتربية أبنائهما، مع الأب والأم اللذين جعلوا أولوياتهم في مكان آخر متذرعين بحجة تأمين المستقبل؟ ومن قال إن المستقبل يُختزل في المادة وحدها؟ قد تُكدّس المال لابنك وتترك له رصيداً وفيراً، لكنك لم تترك في ذاكرته صورة حية منك ولم تعلمه كيف لا يعاني في هذه الحياة، لم تبنِ بينك وبينه لحظة وجدانية حقيقية، فلا يدعوك بعد مماتك بدعوة صادقة تخرج من قلب ممتن. فماذا استفاد الأب الذي جمع المال وخسر الذكرى؟
هل سألت نفسك يا عزيزي، لماذا قال الله تعالى في سورة الإسراء: {وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}، ولم يأتِ القول مجرداً: وقل رب ارحمهما فقط؟ إن اقتران الرحمة بالتربية هو ربط مباشر بين حنان الوالدين ورعايتهما في الصغر وبين استحقاقهما للرحمة والدعاء في الكبر. إن يكن الأب والأم متقين الله في تربية أبنائهم، مانحين لهم وقتهم، مصغين بآذانهم، حاضرين بقلوبهم، فلا شك أنك ستجد أبناءهم امتداداً صالحاً لهم، لا في كبرهم فحسب بل ما عاشوا الدهر كلّه، وحتى بعد مماتهم. فثمرة التربية الصالحة لا تنقطع بانقضاء العمر، وإنما تبقى دعاءً جارياً، وذكراً عطراً، وعملاً مستمراً يُكتب لهم في ميزان الحسنات أبداً، تطبيقاً لقوله تعالى ايضاً {هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ}.
فالرحمة في الآية جاءت تقديراً لفعل التربية، لأنها تُشكّل كيان الطفل منذ نعومة أظفاره. ولم تُقرَن الرحمة بالتنشئة، لأن التنشئة مجرد عملية طبيعية وحيوية تقوم بها جميع الكائنات الحية، أما التربية فهي غرس القيم، وصناعة الوعي، وبناء الإنسان على بصيرة وهداية.
جاء رجل إلى أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكو ولده وما رآه منه من عقوقٍ وجفاء، فاستمع إليه سيدنا عمر وهو يفيض ألماً من خيبة أبٍ تجاه ابنه. فما كان من الفاروق إلا أن استدعى الغلام وأنّبه على عقوقه لأبيه، مذكّراً إياه بحقه وواجبه. غير أنّ الولد لم يسكت، فقد كان يحمل في صدره كلاماً يتمنّى أن يُسمع، فقال: “يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟” فأجابه سيدنا عمر: “بلى.” فسأل الغلام: “وما هي يا أمير المؤمنين؟” قال: “أن يُحسن اختيار أمه، وأن يُحسن تسميته، وأن يعلّمه القرآن.” عندها انتفض الولد وقال بمرارة: "أما أمي، فزنجية كانت لمجوسي قبل أن يأخذها أبي، وأما اسمي فقد سمّاني جعلاً (أي خنفساء)، وأما القرآن فلم يعلّمني منه حرفاً واحداً!" فتحوّلت دفة الموقف من لوم الغلام إلى لوم والده، فأدرك سيدنا عمر الحقيقة، والتفت إلى الرجل قائلاً: “جئت تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقّك.”
الآن يا عزيزي، لنعد إلى صُلب موضوعنا: يكبر الطفل وهو غارق في حالة من التوتر والترقّب القلق، حتى يعتاد فكرة أن الحب ليس عطفاً مستمرًا، بل انتظارًا مؤلمًا ينهكه حتى وأنه قد يبرر كل هذا السلوك قبل تبرير أهله. يصبح الحب عنده عودة من شخصٍ خذله، يُبدي لطفه لحظة ثم يتوارى زمنًا طويلاً، كما لو كان الحب لعبة حظٍ عشوائية لا تمنح استقرارًا قط، بل بريقًا زائفًا يتلاشى كلما همّ بالاقتراب. ولم يخطر بباله أن الحب قد يكون شيئاً آخر تماماً؛ أبسط، أنبل، أهدأ، وأبعد ما يكون عن العذاب، بل هو تبادل ثابت من الاحترام واللطف المتواصل.
لذلك ستجد دائماً أن من يتمسك بحب الشخص المؤذي لديه أسباب تتلخص في دوائر مترابطة. فمنها أن يكون الأب والأم مشغولين بشؤون أخرى كثيرة عن أبنائهم، وهذا الانشغال غالباً ما يكون انشغالاً عاطفياً بامتياز؛ إذ لا يمنحون أبناءهم وقتاً كافياً، ولا كلاماً طيباً محفزاً، ولا دعماً مستمراً. بل قد يستخفون بطموحات أبنائهم، ويكثرون من لومهم وانتقادهم، إلى جانب سلوكيات أخرى عديدة تُشعر الأبناء بالعجز أو عدم الاستحقاق، فتتشكل لديهم حاجة ملحة للتعلق بأي شكل من أشكال الحب، حتى وإن كان مؤذياً.
لذلك لا تتعجب ياصديقي عندما أخبرك أن صورة والديك في طفولتك تشكل نموذجاً أولياً للعلاقات والعاطفة فيما بعد، سواء كانت تلك الصورة مشبعة بالأمان والحنان، أم مليئة بالتوتر والاختلال. وعندما تكبر، يبحث عقلك الباطن عن أشخاص يُعيدون إليه تلك المشاعر القديمة، حتى وإن كانت مؤلمة أو مضطربة، لأن النفس تفتقد إلى إغلاق تلك الدوائر العاطفية المفتوحة في الطفولة.
ولذا قد تجد نفسك تنجذب إلى شركاء يكرّرون أنماطاً من السلوك كنت تعرفها منذ طفولتك بل وأعتدت عليها. إن كل ما تعلمته من والديك يمتد إلى مفاهيم أعمق وأكثر جوهرية مثل ماذا يعني أن تكون رجلاً أو امرأة و ما هو الحب حقاً. فالطفل عاجز بطبيعته، فعقله الصغير مشغول أساساً بسؤال حيوي واحد هو: “ما الذي يبقيني على قيد الحياة؟” وكل ما يتعلق بالأب أو الأم، سواء كان إيجابياً أو سلبياً، يُخزن في عقلك كجزء من معادلة البقاء. وهذا التكرار هو محاولة غير واعية لإعادة حلّ الصراعات القديمة، أو لإكمال ما لم يكتمل في علاقة الوالدين. إذن، فهم هذه الآلية هو الخطوة الأولى نحو التحرر من نمط العلاقات المؤذية، ومنح النفس فرصة لبناء علاقات صحية قائمة على الحب والاحترام المتبادل بوعي وحكمة.
إذا غمره والديه بالحنان، والعطف، والمدح، ترسخ هذا الشرط في داخله على أنه مفتاح للبقاء، فسيلجأ في حياته البالغة إلى البحث عن نفس الصفات في الناس الذين يلتقي بهم وهذا هو الطبيعي. أما إن كان البيت مليئاً بالصراخ، أو الاكتئاب، أو الغضب، فهذه المشاعر والصور السلبية ستغدو محفورة في ذاكرته اللاواعية، وينجذب إليها حتى وإن كانت مؤذية.
سيرتبط في نفسه اعتقاد أن الحب لا يكون إلا على هذا الشكل، لأنه قد شاهد والديه على سبيل المثال يتبادلان المشاكل والشتائم يومياً، وقد تصل الأمور إلى ضرب مبرح أو إلى انتقاص في قيمة الطرف الآخر، سواء كانت الأم أو الأب. ومع ذلك، لم ينفصلا، بل استمرا معاً لسنوات طويلة، فيُفسر هو هذا الاستمرار على أنه دلالة على أن الحب يجب أن يكون بهذه الطريقة، وإلا لما بقيا معاً رغم كل ذلك العذاب.
وهنا تكمن المشكلة العميقة، فالنفس تظل أسيرة هذه الدوائر العاطفية المؤلمة، وتظل تفتقد الخلاص الحقيقي منها عبر فهم أن الحب لا يجب أن يكون معاناة مستمرة، بل احترام وتقدير ونقاء متبادل. إذا كانت العلاقة بين الأم والأب مضطربة، ومع ذلك يستمران في العيش معاً خوفاً من هدم البيت، فإن هذا الأمر لا يُعمّر البيت حقاً، بل قد يكون سبباً في تفكيكه وتدميره بشكل أبطأ وأشد ضرراً.
فالبيت لا يبنى فقط بالحضور الجسدي، بل بالتفاهم والاحترام والإصلاح المستمر بين الزوجين. ومن الأفضل أن يسعيا لإصلاح الخلافات بينهما، لأن ذلك هو السبيل الحقيقي لعمران البيت وازدهاره، بدلاً من تراكم الشقوق التي تصنع جدراناً مهتزة تسقط في النهاية عليهم اولاً وحتى قبل اولادهم.
ثم هناك جانب آخر مهم ألا وهو أننا كلنا كبشر حُرِمنا أو قمِعنا في جانب من جوانب شخصياتنا. فربما لقّنوا الصبي منذ نعومة أظفاره: “لا تبكِ، لا تُظهر ضعفك”، وللفتاة قيل: “كوني هادئة، لا تقاطعي الكبار”، فأصبحنا في النهاية نماذج غير متوازنة؛ كلنا إما صارمون وأقوياء إلى حد التطرف، أو صامتون ومطيعون بلا مساحة للجانب الآخر من ذاتنا.
ولذلك، ينشأ داخلنا فراغ داخلي ومتناقض، يدفعنا لاحقاً إلى الانجذاب إلى أولئك الذين يمتلكون الصفات الناقصة فينا، فتنشد النفس المنطوية الصامتة من يظهر الجرأة والعفوية، ويجذب المكبوت من يعبّر عن حرية المشاعر بلا حجاب.
لكن الحل لا يكمن في محاولة الترقيع أو التعويض فقط، بل في مواجهة هذا النقص والاعتراف به بصدق ووعي، ثم السعي لبناء التوازن الداخلي. ورجاءً ياعزيزي، هذه ليست كلمات مبتذلة، بل هي الحقيقة بعينها، فكلما أدركنا تلك الزوايا المظلومة في أنفسنا، وطورناها بعناية وحب، أصبحنا أكثر قدرة على إقامة علاقات متينة قائمة على التفاهم الحقيقي والقبول الكامل، بعيداً عن التكرار غير الواعٍ لأنماط الماضي والانجذاب لعلاقات تعيد تشكيل الندوب بدلاً من شفاءها.
نعم، في البداية نشعر أنهم “يكملوننا”، وأن وجودهم يسد فجوة غامضة في أرواحنا، فنفتن بما يفيض منهم من حضورٍ وسمات. غير أنّ ما أسرنا في البدء يتحول بعد أشهرٍ إلى ما ينهكنا فثقتهم بالنفس تُغدو غرورًا جريحًا، وعاطفتهم الندّية تنقلب إلى دراما خانقة.
والخلاصة أنّنا نميل، في أحيان كثيرة، إلى حبّ من يملك القدرة على إيذائنا، لأنهم في حقيقة الأمر يعكسون أنماطًا راسخة في أعماق طفولتنا، ويجسّدون أجزاءً من ذواتنا التي أنكرناها ونفيناها بعيدًا، فإذا بنا نعود إليها على صورة الآخر، كأننا نحاول أن نلتئم من خلال الانكسار ذاته.
قد تتساءل يا عزيزي، ما هو الحل بعد كل هذا؟ وهل هناك فرصة حقيقية للتعافي والشفاء من هذه التأثيرات، أم أن الأمر قد تُرك للتسليم بها لأنها محفورة في جذر التنشئة منذ الطفولة؟
الحقيقة المؤكدة ياعزيزي هي أن لا شيء في النفس البشرية محكوم عليه بالجمود الأبدي. نعم، قد تكون تلك الجذور عميقة ومتجذرة، لكنها ليست سجنًا لا مفر منه. بوعي وإرادة، وبالعمل الجاد على فهم الذات ومعالجة الجروح الداخلية، يمكن تحقيق التعافي والتغيير. فالنفس تمتلك قدرة هائلة على التكيف والنمو، وتحرير نفسها من أنماط السلوك العاطفي المؤذية (إذا ابصَرَت وأردَات)، وبناء علاقات صحية متجددة قائمة على الوعي والاحترام المتبادل.
وهنا يتجلّى دورنا في هذا المقال وهو أن نهزّ ما بداخلنا من غفلة، فننتبه جيدًا حين نختار من نحب، ونتعلّم أن المحبة وعي قبل أن تكون انجذابًا. إن مهمتنا أن نؤسس لوعيٍ أعمق يجنّبنا تكرار الأخطاء، وأن نُربي جيلًا أكثر توازنًا، أكثر تصالحًا مع ذاته، ليكون صورة أصفى وأجمل مما كنّا عليه. لا تعوض نقصك من الخارج، بل عوض نقصك منك وفيك وإليك ثم دع الأيام تمضي وسيأتي اليك من تستحقه ويستحقك.
ولذلك فإن الخطوة الأولى على هذا الطريق هي الوعي. تأمّل سلوك والديك: كيف كانوا يعبّرون عن مشاعرهم؟ بأي صورة أبدوا الحب أو حجبوه؟ ثم قارن هذه البصمات بما رأيته في شركائك السابقين، ستلحظ تشابهًا يكاد يكون صدى يتكرر عبر الزمن. وأمعن النظر في لحظاتك الخاصة حين وقعت في الحب متى بالتحديد شعرت بذلك الانجذاب الجارف؟ ستجد أن خلفه نمطًا قديمًا متجذرًا في أعماقك، يعيدك من حيث لا تدري إلى بدايات تكوّنك الأولى إن تذكرتها بالطبع.
ولا تتوقف عند حدود الملاحظة فحسب، بل سر نحو إعادة التوازن في داخلك. أعرف أنك ستسألني ياعزيزي بكيف؟ لن اقول لك لابد أن تحب نفسك، ولكن سأقول لك أنك كلما امتلئت من داخلك كلما قل احتياجك لأحدهم، وهذا لا يعني انه لا يجدر بك الحب، بل يعني ان تنتقِ من تحب. وكلما سعيت إلى تجسيد الصفات التي تبهرُك في الآخرين سواء كانت عاطفةً صافية، أو عفويةً نقيّة، أو حضورًا كاملاً قلّت حاجتك لأن “يكملك” أحد. حينها تصبح أكثر اكتمالًا بذاتك، وأقدر على أن تعيش الحب كفيض يتدفق منك وإليك، بدلاً من أن يكون كإفتقار، بل وحينها تتقن ما يعرف ب "فن الحب"، بالطبع لمن يستحق.
علينا أن نعترف بما لم تسمح لنا طفولتنا أن نراه بوضوح، ليس كل الناس جديرين بالبقاء في حياتنا. قد يبدون عاديين أو حتى طيبين في الظاهر، لكن جوهرهم مؤذٍ، أو من الممكن جداً أن يكون طيب القلب ولكن سلوكه مؤذٍ، قادر على إتلاف حياة من يقترب منهم. وليس من مسؤوليتنا أن نخترع أعذارًا طويلة تبرّر أفعالهم، أو أن نتعمّق في تحليل نفسياتهم أكثر مما يفعلون هم بأنفسهم؛ فالمقياس الحقيقي ليس دوافعهم، بل أفعالهم الملموسة وتأثيرها علينا.
وختاماً، تذكّر يا عزيزي، أن من يجعلك ترى طيبة قلبك ضعفًا أو سذاجة، إنما يكشف عن قسوته وليس عن حقيقتك. وحين تقبل بالبقاء معه بعد ذلك، فأنت تمنحه إذنًا غير مباشر بأن يستنزفك، وتحوّل نقاءك إلى سذاجة فعلًا. الطريق الأصدق أن تغادر بلا تردد، لأن حماية قلبك أكرم من أي علاقة تبخس قيمتك.
وإذا وجدنا أنفسنا في هذا المأزق، فالحقيقة الجارحة التي يجب أن نواجهها هي: من أساء إلينا لن يتغيّر، مهما بالغنا في التعلق بالوهم. إن هذا الأمل اللامحدود ليس سوى ميراث من طفولةٍ اضطررنا فيها إلى الوثوق بأشخاص لم يكونوا أهلًا للثقة. لذلك ليس أمامنا سوى معيار واحد بسيط يحسم بقاؤنا في علاقة ما: هل هذا الشخص لطيف معنا حقًا؟ هل يحبنا قولاً وفعلاً؟
لسنا في حاجة إلى صبرٍ مرتجف يرهق أرواحنا، بل إلى شجاعةٍ حاسمة تقول بثبات: كفى. أنت بحاجة ماسة ان تتعلم كيف تقول "لا"، وفعلياً هذا ليس إحراج ولا نقص من نفسك بل هو إحترام للطرف الثاني قبل أن تحترم نفسك. نحن بحاجة إلى وعيٍ ناضج يدرك أن الاستنزاف لا يرقى إلى منزلة التضحية، وأن التعلّق بأملٍ فيمن لا يبرهن على صدقه ليس فضيلة كما نتوهم، بل غفلة بطيئة تلتهم أعمارنا قطعة بعد أخرى.
لذلك ياعزيزي، لا ينبغي أن تتحدث عن الحُب، بل أن تتحدث بحُب؛ وهنالك فرق شاسع بين من يقول لك أنه يحبك طوال اليوم ومن يتصرف بحبٍ معك، فالكاذبون بارعون في صناعة كلام الهوى. لذلك لا ينبغي ايضاً أن تتحدث عن العَدل، بل أن تتحدث بعَدل؛ إذ لا يُتقن الحديث عن العَدل من لم يَقم به سوى الظالمين. وكذلك الصدق، لا قيمة لحديثٍ عنه ما لم يخرج الكلام من قلبٍ صادق.
والأمانة لا تُعرف بشعاراتٍ ولا خطب، بل تُعرف حين تضع المال في يد أمينٍ لا يطمع. والإخلاص لا يُقاس بوفرة الحديث، بل بالقدرة على الوفاء في الغياب قبل الحضور وهو أشد مراتب الحب في السراء. والرحمة ليست كلماتٍ تُقال في المجالس هنا وهناك، بل أفعالًا تُجسّد حين تجد الضعيف بين يديك. فالكل متواضع ما لم يجد الثراء الفاحش بين يديه، فالقيم الحقيقية لا تُثبتها الألسن، بل تشهد لها المواقف، ولا مكان للنوايا الطيبة إذا كان الفعل متسخاً.
بإمكانك أيضًا ياعزيزي متابعة القناة على اليوتيوب، حيث نُشِر ثالث مقطع وهو يتناول فكرة التعفن الدماغي.



















"إعلم ياعزيزي إن الخلاص في مثل هذه المسارات المظلمة ليس خيانةً لذكريات جمعتك بشريكك، بل هو إنقاذ لروحك من التيه، وصونٌ لقلبك من الذبول، وتأكيدٌ بأن الكرامة أثمن من التعلق بأيدٍ لا تريد أن تمسك بنا. ثم إعلم أنّ بعض العلاقات، مهما امتدّ عمرها، قد لا تحمل سوى خواء مكرور، وأيام متراكمة لا تزيدنا إلا إنهاكًا. لذلك ياعزيزي، إنها ليست المدة الزمنية ما يمنح العلاقة معناها، بل ما يُكتب في صفحاتها من صفات وسِمات. لذلك أحب أن أشبه العلاقات بالكتب، ليست قيمتها بعدد صفحاتها بل بما تُخلّفه كلماتها فينا من أثر."
هذا الاقتباس أثار انتباهي،فالتخلص من هذه العلاقات المرهقة هو إنقاذ للروح ويحتاج قوة في الشخصية واتزانا نفسيا وعاطفيا ،كي لا تضعف وتبقى ثابتا على مبدأ "الكرامة والاحترام والراحة النفسية أولا" ، إلا أنه في واقعنا نرى العديد من النماذج التي تبرز لنا أن انقاذ الروح من هذه العلاقات المرهقة لا يكون أمرا سهلا واحيانا صعبا رغم وعي الشخص بتدهور نفسيته وشخصيته بسبب الطرف الآخر ، وكمثال لذلك (نظرا لأنني فتاة سأذكر مثالا من صفوف النساء وهذا ليس فيه انحياز او تطرف او اتهام للجنس الآخر بأنه دائما هو الطرف السيء في العلاقة بل فقط أعبر عما شاهدته مرارا وتكرارا ) العديد من النساء دخلوا في علاقات سامة ، يعانين فيها من كل الجوانب وتؤثر سلبا عليهن وترهقهن، إلا أن الخطير في الأمر أنك قد تجد أن المرأة على وعي تام بما يحدث لها وتدرك تماما أنها تتعرض لسوء معاملة في كل شيء وتتعرض لضغوطات عديدة ترهقها وترهق من حولها ، وعندما تقرر إنقاذ نفسها وروحها من الذبول هنا يأتي الطرف الآخر الذي يتقمص دور الضحية دائما وفي كل المواقف ويلعب على عاطفتها ويجعلها تشعر بأنها مذنبة عندما قررت التفكير في نفسها ، وأنها ستخون الذكريات واللحظات الجميلة التي أصلا كانت معدودة على رؤوس الأصابع، وهنا تكمن أهمية الشخصية القوية والمتزنة والواعية بما عليها من واجبات وما يجب أن تتوفر عليه من حقوق والتي ستمكن المرأة من الثبات على قرارها لأنه لم يكن قرارا ناتجا عن غضب او قلق او سوء تفاهم بسيط كما يدعي شريكها من أجل إقناعها بالبقاء والاستمرار ، بل هو قرار كان نتيجة لوعيها وملاحظاتها الدائمة ورغبتها في أن تعيش حياة كريمة وسوية ، لذلك أرى أنه عندما تكون في أي علاقة يجب عليك أن تراقب تصرفات شريكك بعقلك بعيدا عن العاطفة وذلك لكي تستطيع تحليل وفهم شخصيته وبالتالي ستفهم سيرورة العلاقة كيف ستكون وكيف ستنتهي ، ولا تنسى أيضا أن تراقب ذاتك وكل تصرف ينبثق منك تحت مسمى العاطفة والحب ، فمثلا إذا شعرت بغيرة شديدة تجاه شريكك، إسأل نفسك أولا وراجع تصرفك، هل فعلا هذه الغيرة كانت في محلها؟ أم فقط اعتدت على سلب حرية من حولك ؟ أم أنك دائما ترغب في تملك من هم في محيطك ؟ وعند إجابتك لهذه الأسئلة ستعرف الكثير عن نفسك وشريكك ، فإذا كان الموقف لا يستدعي "الغيرة" فهنا يجب أن تبدأ رحلة البحث في جذور نفسك عن ما يجعلك دائما ترغب في الحد من حرية شريكك وتسعى لتملكه ، ربما تكون مخلفات علاقات سابقة فشلت فيها او مواقف عشتها في طفولتك .... اذن اصلاح ما بداخلنا يعود بالنفع علينا وعلى من هم حولنا .
في الأخير لا يسععني إلا ان اقول أنه مقال رائع كالعادة، يحمل في طياته أفكارا عديدة لا بد وأنها لامست العديد من القراء في جوانب ما ، وأزالت الغبار عن أشياء كنا نتجاهلها ولا نريد الاعتراف بها .👏
وصف جميل
و رسومات أجمل
أبدعتِ بوركت يداكِ