أين ينتهي جوعنا العاطفي ؟
مقامُ الاستغناء.. مَن تَرَكَ مَلَك
إسمح لي ياعزيزي أن أبوح لك بحقيقةٍ قد تأخذك على حين غرةٍ في بادئ الأمر، بيد أنها متى اتخذت من حنايا روحك مستقراً، سَكَبت على أيامك كلها بَرْد اليقين، وتوجت مساعيك براحة الأبد. إننا في دروب هذه الحياة المكتظة نلهث خلف غاياتٍ شتى؛ نركض خلف طيف الحب، ونُمنّي النفس ببريق المال، وننشد السعادة في كل زاوية، وقد نلتمس الأمان في كثرة المعارف وتشعب الصداقات.
غير أن هذه المساعي المتناثرة، على تباين ظواهرها، تنضوي جميعها تحت لواءٍ واحد، وتلتقي عند مصبٍ خفيٍّ نطلق عليه “الجوع العاطفي”. فكل غايةٍ ترهق روحك في طلبها، هي في جوهرها الأصيل نزعةٌ عاطفيةٌ تبحث عن الارتواء. فأنت حين تفني أيامك في ركضٍ محمومٍ نحو تكديس الثروات، لا تطلب الورق والذهب لذاتهما، بل تفعل ذلك لأن عاطفتك تهمس في روعك، وتنسج لك وهماً بأن الحياة لا تبتسم ولا تتسع إلا لمن كثر ماله، وأن هذا البريق المادي هو الدرب الأوحد لمعانقة السعادة المشتهاة. إننا في حقيقة الأمر لا نبحث عن الأشياء المادية كأشياء، بل نتضور جوعاً لتلك المشاعر العميقة التي نتوهم أن هذه الأشياء ستمسك بأيدينا إليها.
إن هذا الجوع العاطفي الذي يسكن زوايا قلبك، وهذا العطش الدائم للحب والاهتمام، وللأمان والسكينة، لن يملأه أبداً شريك حياة، ولا أبناء، ولا نجاحات مبهرة، ولا أموال الدنيا كلها. فكل مباهج الوجود هذه قد تتبدى لعطشك كسرابٍ بقيعة، تحسبه زلالاً يطفئ حرقة السنين، بيد أنك ما إن تدركه وتضمه بين كفيك، حتى تلقى خواءً موحشاً ما برح معتكفاً في غيابات الصدر، وتوقن في لجّة أساك أن مطاف البحث أبعد ما يكون عن منتهاه. عندئذٍ، تسمر في سكونٍ تضطرم فيه حيرة التساؤلات، وتناجي طويّتك بصوتٍ يملؤه الذهول: لمَ لا يزال فؤادي يئن من طوى الجوع؟ والسر المكنون يا عزيزي، أنك وقفت تستمطر الريّ من غير غيومه، وترتجي النور في غير موطنه.
وما إن تبلغ مرابع هذه الرغبات، وتضع رحالك في ساحاتها التي لطالما طال شوقك إليها، حتى تنجلي أمام بصيرتك حقيقةٌ صادمة؛ ستكتشف أن تلك المشاعر التي أفنيت سنوات عمرك الطوال راكضاً خلفها، لم تكن سوى قبض الريح. ستدرك حينها، وفي غمرة صمتك، أنك قد ألبست الأشياء حجماً يفوق حقيقتها، ونفخت في صورتها حتى بدت لك طوق نجاة، بينما لا تزال تقف في مكانك، تتجرع مرارة الخواء ولم تذق طعم السعادة المنشودة بعد. ولست أقصد بحديثي هذا بريق المال فحسب، بل أعني كل غايةٍ دنيوية، وكل وهمٍ زُيّن في عينيك، وخُيّل إليك ذات يوم أنه سيكون الينبوع الذي يروي ظمأ روحك ويهبك السعادة المطلقة.
عند تلك اللحظة الفارقة، ستسأل نفسك والأسى يعتصر قلبك أين الخلل إذن؟ لقد نلت ما تمنيت، وحصدت ما سعيت إليه، فلماذا لا يزال هذا الثقب الخفي يبتلع كل ضوء في داخلي؟
فأْذَنْ لي يا عزيزي أن أُشرع أبواب الإجابة لتساؤلاتك التي طالما أدركتَ مدى شغفي بها، فالفضول المحمود هو الشرارة الأولى التي توقد قناديل المعرفة. والجواب الحق يا ياعزيزي يكمن في الحقيقة الجلية التي طالما أسدلنا عليها ستائر الغفلة؛ ألا وهي أن الروح العلوية لا تسد جوعها بفتات طعام الجسد، وأن القلب لا يروي ظمأه أبداً من ماء الطين الفاني. إن كل ما كنت تلهث خلفه في بريق الثروات، أو في الوصال والعلاقات، أو في الأمجاد واعتلاء المقامات، لم يكن قط غايةً في ذاته؛ بل كان توقاً دفيناً لمعانقة الأمان، وحنيناً للطمأنينة، وبحثاً عن سكينةٍ راسخة لا تزلزلها عواصف الأيام.
وهذه المعاني العظيمة، أسمى من أن تُودع في أشياء تفنى، أو تُعلق بأشخاصٍ يرحلون وتتبدل أحوالهم. إنها نفحاتٌ علوية لا تُستمد إلا من خالقها وموجدها. فمهما جمعت من حطام الدنيا، سيظل قلبك متمرداً، قلقاً، يفتقد بوصلته، حتى يعود إلى مداره الصحيح، ويستكين في كنف الله. وحين تتصل بمصدرك الحق، ستتضاءل في عينيك كل تلك الرغبات التي كانت تبدو لك جبالاً، وتصبح السعادة حالةً داخلية تسري في عروقك، لا تنتظر سبباً من الخارج لتشرق، ولا تخشى زوال نعمة لتنطفئ، بل تكتفي باليقين الطاهر بأنك قد وجدت مستقرك في رحاب من يملك خزائن كل شيء.
لطالما ترنم الفلاسفة بأنشودة السعادة عبر العصور، وأسهبوا في تتبع مساراتها، ولعلنا نأخذ بعين الإعتبار رؤية أفلاطون حين اعتبر السعادة محض “حالةٍ عقلية”. والجوهر الكامن خلف هذا المعنى العميق، هو أنك لن تظفر بكنز السعادة خارج حدود ذاتك، بل ستجده مخبوءاً في أروقة وعيك وطريقة إدراكك للأشياء. وهذا السر البديع يتجلى ساطعاً أمام ناظريك حين تتأمل بسطاء الناس، أولئك الذين يحيون في كنف الرضا وتغمرهم سعادةٌ طافحةٌ نعجب من فيضها، ونقف حيارى أمام منابعها الخفية، متسائلين كيف تسنى لهم أن ينعموا بكل هذا الحبور والصفاء وسط قسوة الحياة وشح أسبابها المادية؟
وهنا نعود إلى نقطة البدء وتكتمل الدائرة؛ فالسعادة العقلية التي أشار إليها الحكماء، تبلغ أوج كمالها وتمامها حين يتوج هذا العقل بمعرفة خالقه واللجوء إليه. حينها، يتناغم العقل مع الروح، ويغدو الرضا هو العدسة الصافية التي تبصر بها العالم، وتصبح الطمأنينة هي الهواء الذي تتنفسه. فتبتسم للحياة بقلبٍ ممتلئ، لأنك أدركت أخيراً أن السعادة الحقيقية هي أن تعيش حراً من قيود التوق إلى الأشياء، غنياً بالله، مستغنياً به عما سواه.
إن تأملنا في تجليات الخالق في آياته حين يقول سبحانه وتعالى “وألقيت عليك محبة مني”، وحين يفيض بفضله قائلاً: “وحناناً من لدنا”، وحين ينزل برده وسلامه: “هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين”، وحين يتوج ذلك كله بقوله: “سلامٌ قولاً من رب رحيم”، فسندرك أن الحب، والحنان، والسكينة، والطمأنينة، والسلام، كل تلك المشاعر النفيسة التي يلهث الإنسان خلف طيفها حتى تنقضي أيام عمره، إنما تنبثق من ينبوعٍ واحد، ومصدرها الأول والأوحد هو الله جل جلاله. بيد أن الإنسان في غمرة نسيانه، يولي وجهه شطر البشر، يستمطر غمامهم وكأنهم هم المنبع، متناسياً أنهم مثله، فقراء إلى من يغدق عليهم.
غير أنك متى أويت إلى ركنك الداخلي، واقتربت من ربك بخطىً ثابتة، وأشبعت روحك من هذا المصدر العظيم، سينبلج في أعماقك فجرٌ مدهش، وتغمرك حالةٌ من الإشباع العاطفي العميق الذي لم تعهد له مثيلاً في سالف أيامك. لن يكتفي قلبك بالامتلاء حد الارتواء بالحب والحنان والأمان فحسب، بل ستتحول أنت ذاتك إلى مشكاةٍ تشع نوراً ودفئاً على من حولك.
ستعرف حينئذٍ معنى الحب المتجرد من أثقال التعلق، الحب الذي لا يشوبه خوفٌ من فراق، ولا يكدّره قلقٌ من فقد. إنه حبٌّ سامٍ يختلف جذرياً عن ذلك النمط المحدود والمشروط الذي ألفناه في دروب البشر. فإذا ما امتلأ قلبك بنور الله، غدا رقيقاً ليناً، يفيض حناناً ورحمةً على الخلائق، لا طمعاً في أخذٍ أو احتياجاً لعطاء، بل فيضاً من الامتلاء، وسكوناً وطمأنينةً بالخالق الأكرم.
وفي تلك المنزلة، متى دنا منك الناس، لامست أرواحهم نفحاتٌ خفية يعزّ على الكلمات تفسيرها، فيجدون في كنفك راحةً لا تُوصف، وأماناً يطوق أرواحهم، وطمأنينةً تسري في عروقهم، وكأن لسان حال قلبك يهمس لهم في صمتٍ بليغ: “أنتم هنا في مأمن”. فلتدرك هذه الحقيقة الجلية: إن المشاعر كلها مردها إلى الله، ومتى امتلأت بها من ينبوعها الصافي، تجلت انعكاساتها في واقعك طواعية، فستلقى الحب والاهتمام والحنان، لكنك هذه المرة لن تتلقفها بلهفة الجائع، بل ستستقبلها بسكينة روحٍ عرفت مقام ربها. هنالك، يتجلى التحول الأعظم في مسيرتك، فبدل أن تظل متسولاً في دروب العلاقات ترجو فتات العواطف، سيغدو مجرد حضورك في حياة الآخرين عطاءً محضاً. قد تكون بلسماً لقلبٍ أضناه القلق، ومواساةً لروحٍ أثقلها الحزن، وملاذاً يمنح الطمأنينة بغير حروف.
وكل هذا المزيج من الوعي والتبصر يُمضي بنا بخطىً وئيدة نحو الشق الثاني من أطوار الرقي الإنساني وتكامل الشخصية؛ فمتى ألفيتَ روحك قد ترفعت عن مناجاة الخلق، وقصرت فاقتها وافتقارها على الخالق وحده دون سواه من البشر، تكون قد غرست في حديقة ذاتك بذرةً نفيسةً تُعرف بـ “الاستغناء”. وهي، من أجلّ الصفات وأعظم الخصال التي يمكن للمرء أن يتزين بحليتها في رحلة حياته.
فالاستغناء يا عزيزي ليس تكبراً على الناس ولا جفاءً وانعزالاً عن دروبهم، بل هو تحررٌ داخليٌّ مجيد من سطوة انتظارهم، ومن قيد الحاجة المذلة إليهم. حين تستغني بالله، تنكسر في قلبك أصنام الترقب؛ فلا يوجعك غياب، ولا يرهقك انتظار، ولا يزلزل كيانك تغير القلوب أو تبدل الوجوه. تصبح سيد نفسك، تمشي بين الخلائق بروحٍ خفيفةٍ وخطوةٍ واثقة، تمنحهم من فيض ما أودع الله فيك من رحمة ومودة، ولا تستجدي منهم قطرةً تسد بها رمق عاطفتك.
إن المستغني بالله إنسانٌ عزيزُ الجانب، صلبُ العود، لا تُذله رغبة، ولا تستعبده حاجة. يرى في معية الله كفايةً عظمى تغنيه عن زحام العالمين، وتملأ يمينه بما يفوق كنوز الأرض مجتمعة. وما إن تبلغ هذه المنزلة الرفيعة، حتى تنجلي عن بصيرتك غشاوة الوهم، لتكتشف أنك باستغنائك لم تفقد أحداً من الناس، بل كسبت ذاتك الحقيقية التي طالما أضعتها في زحامهم، ووجدت الله الذي هو غاية الغايات وملاذ الأرواح، ومن وجد الله حقاً. فماذا عساه أن يفقد؟
وحين تستغني يأتي اليك كل شيء، كما قال احد الصالحين: كلُّ ما تجاهلتُه جاءني طوعًا، وكلُّ ما طاردتُه أفلتَ من يدي، الحياةُ تجودُ على منِ استغنى، وتُذِلُّ من تعلَّقَ وتشبَّث. تبردُ نارُ النفسِ بالاستغناء، فاستغنِ يا ولدي، فمَن تركَ مَلَك.
وما أعجب صنيع هذه الحياة بقلوبنا يا عزيزي؛ فكلُّ ما زهدتَ فيه وأشحتَ بوجهك عنه، أتاك طائعاً يجرُّ أذياله، وكلُّ ما أدميتَ قدميك في مطاردته واللهث خلفه، تسرّب من بين أصابعك كما يتسرّب الماء فالحياةُ تفيضُ بعطاياها وتجودُ بكامل زينتها على مَن استغنى عنها واستعلى بقلبه على فتنتها، بينما تذيقُ مرارةَ الهوان وتُذلُّ مَن تعلَّقَ بأهدابها وتشبَّثَ بوهم البقاء فيها.
وحتى لا يلتبس عليك الأمر يا عزيزي، أو تذهب بك الظنون مذهباً يُجانب الصواب، فإننا في حديثنا هذا لا نبخس الأشياء أقدارها، ولا ننتقص من شأن أي قيمةٍ إنسانيةٍ أو حاجةٍ شعوريةٍ أودعها الخالق في فطرتنا. فالمال، بلا ريب، عصبٌ تسير به عجلة الأيام وضرورةٌ من ضرورات العيش، والحبُّ نفحةٌ روحيةٌ تكسو الوجود بهاءً ورونقاً، والبنون هم قرة العين وزينة الحياة الدنيا المبهجة.
بيد أن الغاية القصوى التي نروم إيصالها، والمعنى الذي نود أن يستقر في يقينك، هو ألا نجعل من هذه النعم، على جلال قدرها، أوتاداً نُعلّق عليها خيام سعادتنا المطلقة. فإن نحن رهنّا طمأنينة قلوبنا بأشياء تفنى، أو بأشخاصٍ تتقلب بهم الأحوال، نكون قد أودعنا أثمن ما نملك في غير مأمنه، وعلّقنا آمالنا في مهب الريح، وضربنا في تيهٍ لن نبلغ فيه غايةً ولن ندرك فيه قراراً أبداً.
فالأشياءُ يا عزيزي خُلقت لنستعين بها لا لتستعبدنا، والأشخاص وُجدوا لنؤنس بهم وحشتنا لا لنقيد أرواحنا في سجون التعلق بهم. عش أيامك، واستمتع بما آتاك الله من طيبات، وأحبب من شئت فإنك يوماً مفارقه، واجمع من خيري الدنيا ما يقيم صلبك ويعز مقامك، ولكن أبقِ مفاتيح قلبك في حصن روحك، ولا تسلم بوصلة سعادتك إلا لمن لا يغيب ولا ينام. حينها فقط، ستتذوق طعم السعادة الصافية، وتستمتع بكل تفاصيل الحياة دون خوفٍ من فقدانها، وتعيش في قلب هذا العالم الصاخب بنسمةٍ من هدوء وصفاء السماء.






"رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ"
"وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ"
نعم، الرضا هو الفوز العظيم في كتاب الله تعالى.
شكرا لك اخي، المقال في غاية الإبداع 🤍.
اول ما جاني اشعار مقالك قرأته، مستحيل نفوت كتاباتك جزاك الله خيرا 💕