تَجَنَّبِ العُزلَةَ فَهي مُؤذِيَةٌ
تَجَنَّبُ السُّقوطَ في فَخِّ العُزلَةِ
في دَأَبِ الحَياةِ وَغَوائِلِ صُروفِها اليوم، قد يميلُ الإنسانُ إلى الانكفاءِ على ذاتِه، يظنُّها حصناً منيعاً يَقيهِ صخبَ الدُّنيا وأذى البشر، وما هي في حقيقتِها إلا سجنٌ مُعتِمٌ، تذوي فيه الروحُ ويَخبو بَريقُها. إنَّ العزلةَ، حين تتجاوزُ حدَّ الخلوةِ البنَّاءةِ للتَفَكُر أو المُذاكَرة و التعَلُم، تتحوَّلُ إلى داءٍ عضالٍ يَنهشُ كِيانَ المرءِ بصمتٍ مُطبِق.
يُصوَّرُ لَنا في هذا العَصرِ، وتُساقُ إلَينا المَقالاتُ والرُؤى، أنَّ في الانزواءِ عَنِ الخَلْقِ ضَرْباً مِنَ النُّبْلِ، وفي التَقَوقُعِ حَولَ الذّاتِ غايةَ الكَمالِ. يُزَيَّنُ لِلمرءِ أنْ يَكونَ جَزيرةً مُنقطعةً، لا تَصِلُها سُفُنُ المُخالَطَةِ ولا تَعتريها أمواجُ العَلاقاتِ. ويُرفَعُ لِواءُ “الاعتِمادِ على النّفسِ” حتّى يَبلُغَ حَدَّ الوَهْمِ، وكأنَّ الفَضيلةَ كُلَّ الفَضيلةِ في الاستِغناءِ المُطلَقِ عَنِ الآخَرينَ. تُبشِّرُنا هذِهِ الدَعواتُ بأنَّ القُوّةَ تَكمُنُ في أن يَكتَفيَ المَرءُ بِذاتِهِ، وأن يَكونَ هُوَ سَنَدَ نَفسِهِ الأوحدَ، وكَأَنَّ كُلَّ استعانةٍ بِغَيرِهِ نَقْصٌ، وكُلَّ مُشاركةٍ ضَعْفٌ.
بَيْدَ أنَّ في هذا التّرويجِ المُبالَغِ فيهِ لِلفردانيّةِ، مُخالفةً صَريحةً لِلفِطرةِ التي جُبِلَ عَليها الإنسانُ. إنَّنا، في جَوهَرِ تَكوينِنا، كائِناتٌ تَحتاجُ إلى الأُنسِ كَما تَحتاجُ إلى الماءِ والهَواءِ. قالَ الأوَّلُونَ: “الإنسانُ مَدَنِيٌّ بِطبعِهِ”، لا تَستقيمُ حَياتُهُ إلا بِالتَكافُلِ، ولا تَصفُو رُوحُهُ إلا بِنَديمٍ يُؤانِسُهُ وصَديقٍ يُعاضِدُهُ. قد يُقدَّرُ لِلمرءِ أن يَسيرَ في دُروبِ العُمرِ فَترةً بِلا أَنيسٍ يُؤازِرُهُ، أو خَليلٍ يُقاسِمُهُ شَطرَ روحِهِ، ولا غَضاضةَ في ذلِكَ، فَما هِيَ إلا مَرحلةٌ يَتعلَّمُ فيها المَرءُ كَيفَ يَقِفُ على ساقِهِ وَحيداً.
ولكِنَّ الجَفاءَ كُلَّ الجَفاءِ، أن يَطرُقَ بابَكَ قَلبٌ يَستأهِلُ الوُدَّ، وأن تَنساقَ إليكَ روحٌ تَبحَثُ فيكَ عَن سَكَنٍ، فَتُقابِلَ هذا السَّعيَ بِصَدٍّ، وتَتَذَرَّعَ بِأنَّكَ في غِنىً عَنِ الخَلائِقِ، وأنَّ في ذاتِكَ كِفايَتَكَ. نَعَم، إنَّ الاكتفاءَ بِالذّاتِ ضَرورةٌ لِفتْرة مُعيْنة تُهذِّبُ النَّفسَ وتَصقُلُها، ولكِنَّهُ اكتفاءُ المُتَأهِّبِ وليس اكتفاءُ المُستَغني. إنَّهُ أشْبَهُ ما يِكُونُ كَالاستراحةِ في واحةٍ وَسطَ الطَّريقِ، لفترة وجِيزة ولَيْسَ كَالبَقاءِ فيها دَهرَ الدّاهِرينَ، يُمكنُ أن تَرَاها كخُلوةٌ مُؤقَّتةٌ تَستَعِدُّ فيها الرُّوحُ لِتِلكَ اللُّقيا العَظيمةِ، حِينَ يَأتيكَ مَن يَستَحِقُّ أن تَخلَعَ لأجلِهِ رِداءَ الوَحدةِ، وتَفتَحَ لَهُ مَغاليقَ قَلبِكَ لِتُشارِكَهُ ما تَبَقّى مِنَ الحَياةِ.
أمّا أن يَتَّخِذَ المَرءُ مِن نَفسِهِ نَديمَهُ الأوحَدَ مَدى العُمرِ، وأن يُقيمَ حَولَ ذاتِهِ أَسواراً لا تُختَرَقُ، فَتِلكَ لَعَمري هِيَ الوَحشةُ المُطبِقةُ، وذلِكَ هُوَ المَسلَكُ إلى جُنونِ الرُّوحِ مَعَ مُرُوْرِ الوَقْت.
إنَّ القَلبَ الذي يُصرُّ على الانغلاقِ الأَبَديِّ، هُوَ قَلبٌ يَحكُمُ على نَفسِهِ بِالجَفافِ. فَكَما تَفسُدُ المياهُ إذ رَكَدَت، وكَما يَصدأُ المَعدِنُ إذ هُجِرَ، كَذلِكَ القَلبُ؛ إنَّهُ يَفقِدُ إنسانيَّتَهُ، وتَعتَريهِ القَسوةُ لأنَّهُ باردٌ بِعُزلَتِهِ، حتّى يَغدُوَ صَخراً أَصَمَّ، لا يَلينُ لِمَودَّةٍ، ولا يَهتَزُّ لِرَحمَةٍ. إنَّ هذا الانقطاعَ الذي يُسوَّقُ لَهُ على أنَّهُ قُوّةٌ، لَهُوَ في حَقيقتِهِ ضَريبةٌ باهِظةٌ تُدفَعُ مِن رَصيدِ الطُمأنينةِ. فالذي يَعتادُ العُزلةَ حتّى يَأْلَفَها، يَبتَكِرُ لِنَفسِهِ صَومَعةً مِنَ الجَليدِ؛ قَد تَحميهِ مِن بَعضِ أَذى النّاسِ، ولكِنَّها تَحرِمُهُ أيضاً مِن دِفءِ مَوَدَّتِهِم.
أمّا أن تَنأى بِنَفسِكَ عَمَّن يُؤذيكَ، وأن تُقصِيَ مَن يُعَكِّرُ عَليكَ صَفوَ الأيامِ، فَنِعْمَ ما تَفعَلُ. إنَّهُ ضَربٌ مِن صِيانَةِ الرُّوحِ، واجتِثاثٌ لِلأشواكِ قَبلَ أن تَدمِيَ القَدَمَ. هَذا النَّأيُ تَطهيرٌ وَليْسَ جَفاءٌ. ولكِن حَذارِ يَا عَزِيزيِ أن يَتَحوَّلَ هذا الاجتِثاثُ الخاصُّ إلى قَطيعةٍ عامّةٍ، وأن يَغدُوَ نَفيُ المُؤذي سَبباً لِنَفيِ العالَمِ أَجمَع. لا تُغلِق كُلَّ الأبوابِ لأنَّ باباً واحِداً كانَ مَصدرَ رِيحٍ سامّةٍ.
نَعَم، خَصِّص لِنَفسِكَ ساعَاتٍ تَخلو فيها إليها. اتَّخِذ لَكَ مِنَ الوَقتِ مِحراباً تُراجِعُ فيهِ ذاتُك، وتَرُمُّ فيهِ شَعَثَ القَلبِ، وتَستَجمِعُ فيهِ شَتاتَ الفِكرِ. هذِهِ “العُزلةُ” خُلوةٌ لِلتَّرميمِ، بَدَلاً مِن أن تَكُون سِجنٌ لِلتَّعذيبِ. بَيْدَ أنَّ الخَطَرَ كُلَّ الخَطَرِ في إطالةِ المَكثِ في هَذا المِحرابِ حتّى يَستَحيلَ قَبراً لِلرُّوحِ. إيّاكَ أن تُطيلَها، فَإنَّكَ إن فَعَلتَ، هَلَكتَ في نَفسِكَ.
وهُنا مَكمَنُ الدّاءِ العُضالِ. أَلَم نَدعُ اللهَ مُستَجيرينَ بِهِ قائلينَ: “وقِنا شَرَّ أَنفُسِنا”؟ فَما هُوَ “شَرُّ النَّفسِ” هذا الذي نَستَعيذُ مِنهُ؟ إنَّهُ ما يَنبُتُ في أرضِ هذِهِ العُزلةِ المُفرِطةِ. شَرُّ نَفسِكَ هُوَ هذا الرُّكودُ؛ أن تَأْسَنَ رُوحُكَ كَماءٍ لا يَجري، فَتَفقِدَ قُدرَتَها على العَطاءِ والتَلَقّي. هُوَ الكِبرُ الخَفِيُّ الذي يَتَسَرَّبُ إليكَ وأنتَ تَرى اكتفاءَكَ المَوهومَ، فَتَزدَري الآخَرينَ وتَظُنُّ أنَّكَ في غِنىً عَن مَخلوقٍ. هُوَ أن تَفقِدَ المِرآةَ؛ فالإنسانُ مِرآةُ أخيهِ، فإذا اعتَزَلتَ الجَميعَ، لَم يَبقَ لَكَ إلا أن تَرى نَفسَكَ في نَفسِكَ، فَتَعظُمُ في عَينِكَ صِغائِرُكَ، وتَتَضَخَّمُ ذاتُكَ حتّى تَحجُبَ عَنكَ الحَقَّ.
شَرُّ نَفسِكَ هُوَ أن تُصبِحَ سَجّانَها، تَغذُو على أَوهامِكَ، وتُحاوِرُ صَداكَ، وتَفقِدَ اللِّينَ الذي لا يأتِي إلا بِالاحتكاكِ بِقُلوبِ البَشَرِ. تِلكَ هِيَ الهَلاكَةُ بِالنَّفسِ، حِينَ تَصيرُ النَّفسُ هِيَ الصَّنَمَ الأكبَرَ الذي يُعبَدُ مِن دونِ اللهِ، وهِيَ العالَمَ الأوحَدَ الذي لا عالَمَ سِواهُ.
ولا يَقِفُ أَثَرُها السَّلبيُّ عندَ حُدودِ النَّفسِ، بل يَتعدَّاهُ إلى العقلِ والجَسَد. فالعقلُ الذي لا يَجدُ مَن يُحاورُهُ ويُثيرُ كوامِنَهُ، يَأكلُ نفسَهُ بالتفكيرِ الزائدِ، ويَقعُ فريسةً لدوَّاماتِ القلقِ والسوداوية. والجَسَدُ، مِرآةُ الرُّوح، يُصيبُهُ ما يُصيبُها مِن خُمولٍ ووَهَن، فَتَفتُرُ هِمَّتُهُ وتَثقُلُ خُطاهُ، كأنَّما يَحمِلُ عِبءَ الدُّنيا وَحدَهُ.
لستُ أدعُوْكَ هنا يِاعَزِيزي إلى الانغماسِ المُطلَقِ في الضَّجيجِ و العَلاقات، فالنَّفسُ تحتاجُ إلى ساعاتِ خُلوةٍ تُراجِعُ فيها حِساباتِها وتُرتِّبُ أوراقَها. ولكنَّ المِحذارَ هو مِن ذلك الانقطاعِ التامِّ الذي يَقطَعُ حِبالَ المَودَّةِ ويُطفِئُ شُعلةَ الأُنس. فاحذر، أيُّها الإنسان، مِن سَرابِ العزلةِ؛ فإنَّها مَهلَكَةٌ مُزخرَفَة. إنَّ الحياةَ الحَقَّةَ تَكمُنُ في التوازُنِ بينَ الذَّاتِ والآخر، وفي أن تَكونَ نَجماً في مَجرَّةٍ، لكَ ضوؤُكَ الخاصُّ، ولكنَّكَ لا تَكتَمِلُ إلا بِمَن حَولَك. اكسِر قُيودَ الوَحدةِ، ومُدَّ جُسورَ التَّواصُل، ففي الأُنسِ حياةٌ، وفي العطاءِ غِنَى، وفي الاجتماعِ قوَّةٌ لا تُضاهَى.
وخِتامُ القَولِ يا عَزيزي، وَصَفوَةُ ما نَرمي إليهِ، أنَّ المَرءَ بِخَليلِهِ. فَإِذا ما سِرتَ في مَنازِلِ العُمرِ، فَتَفَحَّص جَيِّداً مَن تُصاحِبُ، وتَخَيَّر لِرُوحِكَ خَيرَ الرِّفاقِ. اِصطَفِ ذلِكَ الذي يُجالِسُكَ فَيُثري فِكرَكَ وَتُثري فِكرَهُ، تُطارِحُهُ الرأيَ وَيُطارِحُكَ، وتَخوضانِ مَعاً في غَوامِضِ العُلومِ وَمُعضِلاتِ الحَياةِ، فَلا تَجِدُ مِنهُ ضَيقاً في صَدرٍ، بَل سِعَةً في أُفُقٍ وَنُضجاً في بَصيرةٍ.
تَحَرَّ أَخيرَ الصُّحبَةِ وأَفضَلَها، فَإِنَّ صُحبَةَ الصالِحينَ مِرآةٌ تُصلِحُ ما اعوَجَّ مِنكَ، وتُقَوِّمُ ما نَدَّ مِن طِباعِكَ، حتّى تَستَقيمَ بِالقُربِ مِنهُم كَما يَستَقيمُ الغُصنُ بِجوارِ الدَّعامَةِ. والصَّلاحُ، يا عَزِيزي، أوجُهٌ مُتَعَدِّدةٌ. لَيسَ الصالِحُ ذلِكَ العابِسَ المُنقَطِعَ، بَل هُوَ “طَيِّبُ المَعشَرِ، لَيِّنُ وطَيِّبُ الطِينة، هَيِّنُ الطِّباعِ”. وأَعظَمُ سِماتِهِ أنَّهُ أَبعَدُ ما يَكونُ عَنِ الكِبرِ؛ ذلِكَ الدّاءِ الذي يَسري في النُّفوسِ كَسَريانِ النّارِ في الهَشيمِ اليوم.
وَما أَكثَرَ ما نَرى في زَمانِنا هذا مِن أُناسٍ قد تَضَخَّمَت في أعيُنِهِم ذَواتُهُم! يَرى أَحَدُهُم نَفسَهُ شَيئاً عَظيماً، ويَنتَفِشُ كَبراً، ويَظُنُّ أنَّهُ مِحورُ الكَونِ الذي تَدورُ حَولَهُ الأَفلاكُ، وما هُوَ في ميزانِ الحَقِّ بِشَيءٍ. وهذا وَجهٌ بَغيضٌ مِن وُجوهِ الكِبرِ الخَفِيِّ، وهوَ بابٌ لَو فَتَحناهُ لَطالَ بِنا المَقامُ، ولَنا فيهِ، بِمَشيئةِ اللهِ، مَقالٌ نُفَصِّلُ فيهِ القَولَ ونَكشِفُ عَن أَستارِهِ.
يمكنك متابعتنا ايضاً على قناتنا على اليوتيوب من هنا









لأول مرة يُرعبني عنوان مقالة؛ أشعر وكأنني حين أنتهي من قراءتها، لن أنظر إلى عزلتي بالنظرة ذاتها. فكرة أن تتبدّل علاقتي بما كنت أظنه ملاذي الهادئ تبث في داخلي شيئًا يشبه الفزع.
كأن الكلمات القادمة ستهزّ يقيني الهادئ بأن العزلة أمان، وتكشف لي وجهها الآخر الموحش. إنّ مجرد احتمال أن أفقد تلك السكينة التي كنت أستمدها منها يثير في نفسي خوفًا لا أستطيع تسميته، خوفًا من أن أرى نفسي عارية من عالمي الصامت الذي آوي إليه كلما ضاقت بي الأصوات
أنا إنتقائية جدا في الأشخاص الذين أدخلهم حياتي ولا أسمح لمن هب و دب أن يتطفل او يتدخل في حياتي ، و أحب مجالسةو مصاحبة الأشخاص الذين يشبهونني فقط او الذي أرتاح معهم و كلامهم راقي ، غير ذلك أجلس وحدي