ماذا تقرأ في العام الجديد؟
ابرز ترشيحات العام (الجزء الأول)
الكثيرُ منَّا يقرأ، وكثيرٌ لا يقرأ، وكثيرٌ يودُّ أن يقرأ ولكن لا يجدُ مُتَّسعاً من الوقت. ولهذا، فلكلِّ عقلٍ وشخصٍ ذائقةٌ فنيةٌ وأدبية، إن لم تعرفْها فلا يعني أنَّها ليست موجودة، بل هي في أعماقِك حتى لو لم تصلْ إليها اليوم. هي أشبهُ ما يكون بالبِذرةِ الكامنةِ تحتَ الثرى، تنتظرُ “الغيثَ” المناسبَ لتُزهر، وهذا الغيثُ هو الكتابُ الذي يُشبهك.
وهذه نصيحتي لك اليوم ياعزيزي التي نستهل بها عامنا الجديد ومقالنا هذا، لا تجعلْ سؤالكَ هذا العام “كم سأقرأ؟” بل “ماذا يلمسُ وتراً في روحي؟”. إنَّ ناظراً إلى رفوفِ مكتبتكَ التي جمعتْ بين أدبِ الروسِ الثقيلِ وبين سيرِ العظماء، يُدرك أن القراءةَ ليست مجردَ تحصيلٍ للمعرفة، بل هي مرآةٌ عاكسة لشخصك.
واعلمْ ياعزيزي أنَّ اختياركَ للكتاب هو إفصاحٌ صامتٌ عن مكنونِ ذاتك؛ فإن عُرِفَ ما تقرأ، عُرِفَ كيفَ تفكّر، ومن خلالِ نوعِ زادكَ المعرفي تنجلي ملامحُ عقلكَ وخبايا شخصِك للعيان. فالذي يميلُ إلى رصانةِ التاريخِ ليس كالذي يهيمُ في خيالِ الرواية، والذي يبحثُ عن فلسفةِ المعنى يختلفُ عمَّن يكتفي بظاهرِ اللفظ. كتبُكَ هي خرائطُ تدلُّ على تضاريسِ عقلك.

ولذلك، إياكَ أن تخون ذائقتكَ، فاقرأ ما يُناسبُ مقاسَ روحِك، لا ما يلقى رواجاً بين الناس. لا تكنْ صدىً لضجيجِ “الأكثر مبيعاً” إنْ لم يكنْ فيها ما يخاطبُ وجدانك، ولا تزدحمْ بموائدِ الكتبِ التي لا تشبعُ نهمكَ الخاص. كنْ انتقائياً، شجاعاً في خياراتك، وابحثْ عمَّا يُكملُ نقصكَ ويُجيبُ أسئلتكَ الحائرة؛ فالقراءةُ رحلةٌ للداخلِ قبل أن تكونَ نافذةً للخارج، وأنتَ وحدكَ من يملكُ بوصلةَ هذا الإبحار.
ومِن هذا المُنطلق، آثرتُ أن يكونَ هذا المقالُ فاتحةً لثلاثيةٍ معرفية، وعتبةً أولى في سلسلة تتألفُ من ثلاثةِ مقالات؛ خُصِّصَ كلُّ واحدٍ منها ليتناول صنفٍ محددٍ من الكتب، ويغرفَ من معينِ علمٍ بذاته، لتكتملَ بذلك دائرةُ الفهمِ والوعي. وجاءَ تقسيمُ هذه السلسلةِ على النحوِ الآتي:
إن أحببت الإنسلن الذي يكمن بداخلك، فابحثْ عن تلكَ التي تُخاطبُ فيكَ “الإنسان”. فإذا كنتَ ممَّن تستهويهم خبايا النفسِ وصراعاتُ الضمير، فملاذك في الأدبِ الروسي (كدوستويفسكي وتولستوي)، حيثُ لا تُقرأ الروايةُ للأحداث، بل للغوصِ في دهاليزِ النفسِ البشريةِ المعذبة.
والأهمُ من ذلك، أنَّكَ حينَ تعرفُ تقلّبات النفسِ البشرية ممَّا تقرأ، فأنتَ في الحقيقةِ تقي نفسكَ من شرارِ تقلّباتكَ القادمة. ستعلمُ حينها ياعزيزي أنَّ مُجرَّدَ الفكرةِ قد تكونُ نافذةً مُشرعةً لأبشعِ الأفعالِ إن لم يُحكَمْ زمامُها، وستمتلكُ بصيرَةً تجعلكَ تفكّرُ بطريقةٍ مختلفةٍ، مستقلةٍ عمَّن حولك. وحينها فقط، ستدركُ القانونَ الأعظمَ للوجودوهو أنَّ لكلِّ فعلٍ عاقبةً تتبعهُ كظلِّه، ولكلِّ عاقبةٍ مآلٌ ومستقر؛ فإمَّا هاويةٌ سحيقةٌ تُردي صاحبَها، وإمَّا قمةٌ شمَّاءُ ترفعهُ مكاناً عليّاً. وفي هذا الصدد ياعزيزي أرجو ان لا تتعدى الروايات التالية :
الإخوة كرامزوف لدويستوفيسكي
الجريمة والعقاب لدويستوفيسكي
الحرب والسلام لتولستوي
وحذارِ ياعزيزي أن تنساقَ خلفَ دعاوى التسطيح التي راجت في زماننا، فتبخسَ الفلسفةَ حقها أو تستخفَ بوزنها؛ فما الفلسفةُ في جوهرها إلا محضُ الحكمة، وعينُ التبصر. وما أطلّ حكيمٌ على مسرحِ التاريخ، في أي عصرٍ، إلا وكان يتسربلُ بفلسفةٍ خاصة، ورؤيةٍ وجوديةٍ متفردة. بل إن الأديان والشرائع السماوية ذاتها تنطوي في أعماقها على فلسفاتٍ كبرى تُنظم علاقة الإنسان بالوجود.
ولنا في الفلسفة الإسلامية خيرُ مثالٍ ونبراس؛ إذ إنها تتخذ من “السلام” قطبَ رحاها ومحورَ ارتكازها. إنه السلامُ النابعُ من أغوارِ النفس البشرية، ذلك لأن سلامَ الداخلِ هو الركيزةُ الأولى لكل ما عداه. وهنا تكمنُ الحقيقةُ الخالدة التي تنص على أن النفسَ هي مرآةُ الروح التي تترددُ بين مسارين لا ثالث لهما: إما أن تدسّيها الغفلةُ فتفسد، وإما أن تتعهدها بالتزكيةِ فتطهرَ، وتسمو، وتصفو لتلقى الناس ثم بارئها بقلبٍ سليم.
نوِّع مشاربَك بين الفلسفةِ التي تُثيرُ الشكَّ لليقين، وبين السيرِ الذاتيةِ التي تمنحُكَ أعماراً فوقَ عُمرك. لا تيأسْ إن لم تجدْ شغفَك في الكتابِ الأولِ أو العاشر؛ فلكلِّ روحٍ كتابٌ هو “تَوْأمُها” الورقي، ومتى ما وجدْتَه، ستدركُ حينها أنَّ الوقتَ لم يكنْ ضيقاً، بل كانَ الشوقُ هو الغائب. وفي هذا الصدد أُرشح لك الكتب التالية:
المنقذ من الضلال لأبو حامد الغزالي
حي بن يقظان لابن طفيل
فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال لإبن رشد
قصة الفلسفة لويل ديورانت
هكذا تكلم زرادشت لفريدريك نيتشه.
ومتى ما ارتويتَ من مَعين الفلسفة، وتشرّبتَ الحكمة، فإن من تمام الأدب مع النفس أن تنكبَّ على فهم خباياها لتبصرَ عيوبك فتقوّمها، وتعرفَ شرورَ ذاتك فتقيَ الناسَ أذاها. وهنا يتجلّى الدورُ الجوهري لعلم النفس؛ فهو ليس حيلةً للتسلّط على العباد أو التلاعبِ بعقولهم، بل هو سراجٌ يضيء لك طبائعَ البشر، لتتواءمَ معهم وتحسنَ صحبتهم. فحذارِ أن تطلبَ هذا العلم لغايةٍ تصرفك عن مكارم الأخلاق؛ فكل معرفةٍ تزيدك دهاءً وتنقصك فضيلةً، هي في الحقيقة جهلٌ لا علمٌ ينتفع به.
وفي هذا الصدد لا تتجاويز هذه الترشيحات التالية:
أدب الدنيا والدين لأبو الحسن الماوردي
الذكاء العاطفي لدانيال جولمان
شجاعة أن تكون غير محبوب لإيشيرو كيشيمي
Saving Normal by Allen Frances
وفي الختام ياعزيزي،إسمح لي أن اخبرك بأن ما ستحملُه المقالاتُ القادمةُ في هذه السلسلة، سيكونُ مفاتيحَ لأبوابٍ ومشاربَ أخرى من الكتب. ولعلكَ لاحظتَ أنني اكتفيتُ بتقديمِ (نوعِ الكتاب) وجنسِه، وأمسكتُ عن الخوضِ في تفاصيلِ فحواه؛ وما ذاك سهوًا، بل لغايةٍ أردتُها. فأنا لا أبتغي حرمانكَ من لذةِ الكشف؛ فالكتبُ شأنُها شأنُ الفنونِ الرفيعة يُترَكُ الجزءُ الأعظمُ منها لبصيرةِ القارئ واستنتاجِه المتفرّد. ومن خَبِرَ منهجي، أيقنَ أنني لا أستسيغُ (تلخيصَ الكتب)، ولا أُحبِّذُ لكَ أن تشغلَ نفسَكَ به؛ فحسبُكَ أن تدركَ إلى أي طائفةٍ فكريةٍ أو أدبيةٍ ينتمي الكتاب، ثم تتركَ لعقلِكَ عنانَ التحليقِ في سمائه، دونَ وصايةٍ مسبقة.





مقالاتك المفضلة لدي
شكرًا على المقال.
لو سمحت، أريد أعرف من أي تطبيق أو موقع هذه الصورة؟