حديثُ الطين إلى الطين: رسالةٌ من رفيقي الميت
فخ الحياة
ها أنت ذا ياصديقي تجلس أمامي الآن بملامحك الشاحبة وصمتك الذي يبتلع كل ضجيج العالم، تنظر إليّ من وراء تلك الغشاوة الكئيبة، أو لعلّك ترمقني من عالمك الدنيوي، لتسألني بعتابٍ صامت: ماذا جنينا من ركضنا الطويل ياصديقي؟ أدنُ مني يا صديقي، دعنا نترجل عن تلك المقولات الزائفة التي ضخمت من ذواتنا يوماً، ولننظر لأنفسنا بعين الناقد الذي أدرك أخيراً حقيقة هذه المأساة العارية.
تجلسُ الآن أمامي مطرقاً، تحسبُ أن الموتَ قد أسكتَ صوتي، لكنني من عزلتي الباردة أرقبك يا رفيقي وأرى بوضوح كيف يمرّ بك العمر، فتطوقك في لحظاتٍ مباغتةٍ شباكُ ما كنّا نُسميه معاً "فخ الحياة". أتذكرُ ذلك اليقين الموروث الذي كان يسري في عروقنا؟ ذلك الوهم العذب الذي كان يهمس لنا بغرورٍ أن فجر التغيير آتٍ لا ريب فيه، يوم كنا نُمنّي النفس معاً بأننا سنحزم حقائب الروح يوماً لنرحل نحو مدنٍ أرحب، واثقين أن دروبنا ستتقاطع هناك مع أرواحٍ تألفنا ونألفها، لتُعقد بيننا وبينهم أواصر صداقةٍ تعاند الفناء. لقد خدعنا هذا الفخ طويلاً بوعود الحب الأبدي، وببلوغ ذروة الرضا، حيث توهّمنا كما لا تزال تتوهم أنت في غفلتك أن لكل قصة ختاماً يليق بصبرها، وأن ستارة المسرح ستُسدل أخيراً على مشهدٍ تلتئم فيه الجراح وتسكن فيه العواصف، لكني من وراء هذا الغياب أخبرك بالحقيقة العارية الستارة حين تُسدل لا تحمل ختاماً، بل تتركنا في صمتٍ أبدي، والعواصف يا صديقي لا تسكن أبداً، بل نحن من نتلاشى فيها. لكننا، وفي غمرة هذه الفوضى العارمة التي تتقاذفنا في دروب العمر، نصطدم بالحقيقة المربكة؛ فمهما تكالبت علينا الخطوب أو تعالت أمواج الأحداث، لا شيء يبلغ تمامه المنشود. ننتظر تلك “الخاتمة” التي تلملم شتاتنا، لنكتشف أن النهايات مجرد سرابٍ نلهث خلفه، وأن لا شيء يتحقق بصورته المطلقة، ولا ينتهي أي شيء أبدًا. بل هي الحياة، دائرة مفرغة، مسارٌ متصلٌ من الفصول المفتوحة، والقصص التي تأبى الانغلاق، تتركنا معلّقين في مساحةٍ ممتدة بين الرجاء واللايقين، نمضي فيها سائرين أبد الدهر بلا محطة أخيرة تريح خطانا المتعبة.
تسمعني الآن من وراء حُجب الغياب وأنا أحذرك يا رفيقي: إياك والوقوع في حبائل هذا الوهم العظيم، ذاك الذي طالما أسميناه معاً خديعة “فخ الحياة”. لا تُرخِ زمام قلبك لسراب الصداقات الخالصة؛ فأنا أرى من عزلتي الباردة كيف أنها مجرد خيوط واهية تتآكل بمرور الأيام وتساقط أوراق العمر، لتستحيل في نهايتها إلى مصالح باردة وحسابات نفعية بحتة، تُدار بخبثٍ كما تُدار أروقة السياسة الماكرة، حيث لا حليف دائم ولا عهد يُصان في وجه المنفعة. وأما ذلك الحب العاصف الذي تُفني فيه روحك وتنشده بكل جوارحك، فلا تنتظرنّ أن يكون لك منه نصيب مهما تمددت حبال رجائك، ومهما أكل الانتظار من سنواتك؛ فستجد نفسك في مستقر المطاف تُقاد إلى مصير لم تختره، لتُكمل رحلة الأيام وتتقاسم سقفاً واحداً مع غريب لا تعرفه ولم يألفك، غريبٍ جمعتك به تصاريف الأقدار ومقادير لم تُكتب يوماً بحبر أمنياتك. أنظر إليك الآن وأنت توقن كيف أودعتَ قلبك يوماً في كفوفِ أخرى، ونسجتَ من خيوط العاطفة أحلاماً ظننتها لا تبلى، وكذا فعلت هي التي تقاسمك أيامك اليوم؛ إذ رهنت نبضها في ماضٍ لم تكن أنت فيه، وتعلقت بروحٍ حسبتها ملاذها الأبدي، غير أن رياح الأقدار هبت بما لا تشتهيه سفنكما، فبددت تلك الآمال، وحالت بينكما وبين من هويتما، فلم تنل أنت مرادك القديم، ولم تُزفَّ هي لمن اختاره قلبها الأول. وها أنتما اليوم أمامي تقفان على ضفاف حكاية جديدة، كقلبين خاضا غمار التجربة، وعادا محملين بندوب الفقد وأطلال النهايات المبتورة، تجتمعان لتبنيا من شظايا الخيبات القديمة سقفاً جديداً، وتتشاركان رحلةً لم تكن يوماً في حسبان أي منكما.
اسمعني جيداً يا رفيقي من عتمة قبري هذا، فقد تجلت لي بوضوح تلك هي حقيقة الوجود الغليظة التي طالما تعامينا عنها معاً؛ إنها محض ساحة من الصراعات المحتدمة التي تأبى أن تضع أوزارها، ومعارك طاحنة تتوالى فصولها في أعماقنا بلا هوادة. لا تجزع مما يقاسيه قلبك الآن، فقد أيقنتُ هنا في عزلتي أنما خُلق الإنسان من طينة المكابدة، ونُسجت أيامه من خيوط العناء والمشقة، ولم يُبعث يوماً إلى هذه الأرض ليركن إلى زوايا الدعة أو يتوسد حرير الراحة والطمأنينة كما كنا نمني أنفسنا في سمرنا القديم. نحن يا صديقي محكومون بخوض غمار هذا الشقاء، تحملون أنتم أثقالكم في دروب مضنية فوق التراب، لتدركوا في نهاية المطاف ما أدركته أنا تحته، أن الحياة لم تكن يوماً منحة للسكينة الأبدية، بل هي ميدان اختبار نُطحن جميعاً في رحاه، ولا تملكون فيه اليوم وأنت تتنفسون هواءها إلا أن تواجهوا عبثية هذا العناء بروحٍ تدرك قدرها، ولا تنتظر من الدنيا وعوداً بالراحة لم تقطعها لكم قط.
ستعدو في مضمار هذه الدنيا عدو الوحوش الضارية في فلواتها، تلهث خلف سراب القبول، وتُمزّق روحك لتستجدي ابتسامة الرضا من هذا، وتستعطف ثناء ذاك. ومهما أهرقت من ماء وجهك واستنزفت من عافيتك وقدمت من قرابين التنازل، فلن تبلغ غايتهم، ولن يرضوا عنك أبداً؛ لأنك تطلب المحال من نفوسٍ لا تملأ أهواءها إلا التراب. وستنتهي بك المطاف مسمّراً في بقعتك، تراوح مكانك في عجزٍ مرير، تظن أنك تركض بينما أنت لا تخطو إلى الأمام خطوة. ستبقى معلقاً في برزخٍ من الغفلة الموحشة، مشتت القلب وممزق الوجدان، تقف في منطقة رمادية باردة؛ فلا أنت الذي قطف ثمار الدنيا واستمتع بزخرفها، ولا أنت الذي أخلص النية وأعد زاداً ينجيه في الآخرة.
أرقبك من سكوني الأبدي وأعجب لغفلتك يا رفيقي؛ فأنت لم تبصر من متسع هذا العالم إلا نزراً يسيراً، ومشهداً عابراً من خلف زجاجٍ معتم، ومع ذلك أرى كيف أسرتك بشباكها وغرتك بزيف بريقها، حتى خُيّل إليك في لحظة زهوٍ واهمة أن الحياة قد لانت لك، وأنها قد فتحت لك خزائن خلودها. ولكنك، في غمرة ركضك، تناسيت ما أذوقه أنا الآن من يقين؛ أنها دار زوال ومحطة عبور، لا تستقر على حالٍ أبداً؛ فلا فرحها يخلد ليحفظ لك السرور، ولا حزنها يدوم ليطمس فيك كل أمل. لذا أهتف بك من تحت هذا الثرى: لا يغرنّك من الحياة بريقها الخلّاب وزخرفها الخادع، فمهما أفنيت من زهرة شبابك، وسكبت من عرقك في كدحٍ مضنٍ يمتد لثماني أو عشر ساعات، بل حتى وإن واصلت الليل بالنهار في ركضٍ محموم يبلغ العشرين ساعة، فلن تلامس بتلك المشقة سدرة السعادة المنشودة. إنها متوالية الوهم العظمى التي استنزفتنا معاً من قبل؛ تبتاع اليوم ما تلهّف عليه قلبك وطار له لبّك، فتظن لبرهة أنك ملكت أطراف الدنيا، وما إن تشرق شمس الغد حتى يتسرب السأم إلى روحك، وتفقد تلك الأشياء بريقها في عينيك، وكأنها لم تكن يوماً غاية مناك ومبلغ علمك، لتدرك أخيرًا أن كل ما تلهث خلفه لن يملأ عينك في النهاية سوى هذا التراب الذي يغطيني.
ثم أرقبك من مكاني الساكن هذا، أرى كيف تتراءى لك في الأفق رغبة جديدة تلوح ببريقها الماكر، فتستأنف اللهاث خلف سرابٍ آخر، تقتنيه بجهدك وعرقك فتسأمه من غدك. وهكذا يا رفيقي، تدور بلا توقف في ساقيةٍ من المطامع التي لا تنضب، والشهوات التي لا ترتوي، واللهاث المحموم الذي لا يعقبه سكون. إنها الحقيقة القاطعة التي طالما أبت نفوسنا المنهكة الاعتراف بها ونحن نسير معاً فوق الأرض؛ فهذا الجوف الإنساني المفرغ لا تسده كنوز الأرض قاطبة، ولن يملأ عين ابن آدم ويسكت نهمَهُ المستعر إلا هذا التراب الذي يغطيني الآن ويفصل بيني وبينك. فاستمع لهمس من سبقك إلى النهاية: إن السعادة الحقة لم تكن يوماً في استعباد الروح لمقتنياتٍ تفنى وتُترك خلفك، بل هي في قناعةٍ عزيزة تُحرر النفس من قيد رغباتها، وتنتشلها من دوامة هذا الركض العبثي، قبل أن ينقضي عمرك الموقوت، ويُطوى كتابك، وتأتي لترقد هنا بجواري.
يا رفيقي، ويا حبيبي، ويا أقرب الخلان إلى روحي التي غادرتكم، أناديك من سكوني البارد لأوصيك: كن طيّب القلب في مقامك الذي أنت فيه فوق الأرض، فلن يجديَك نفعاً أن تتقنع بالقسوة، ولن يقيك سوءُك نوائبَ الدهر أو مكر الناس. دع عنك رداء الكبرياء المزيف، وترجّل عن تلك الأوهام التي تضخّم من ذاتك وتغويك بتفاخرٍ لا طائل منه. احفظ لسانك وألجمه، قبل أن يذوق قلبك مرارة الندم على أحرفٍ قاطعةٍ تفوهت بها. ها أنا ذا أنبئك باليقين الذي تكشّف لي: هذه الحياة، بكل صخبها وزخرفها، لا جدوى منها ولا غاية فيها إلا ما سعيته لحياتك الأبدية. لا تغفل يا صديقي في زحمة أيامك، فبوصلتك الحقيقية وملاذك الأخير هو بلوغ الجنة. ليس مرادك الأسمى في هذا الوجود أن تشيد منزلاً، أو تظفر بزيجة، أو تقتني مركبةً حديثة، أو تعتلي منصباً مرموقاً وكرسياً زائفاً. دعك من اللهاث خلف هذه الأعراض الفانية؛ فوالله لو جعلت الجنة نصب عينيك، وجعلتها وجهتك وغايتك الكبرى، لسُخّرت لك هذه الدنيا بحذافيرها، ولأتتك وهي راغمة.
يا عزيزي، أنظر لنفسك بعين الناقد دائماً، ولا تتعالَ على عباد الله؛ فهم مساكين أثقلتهم خطوب الأيام، وكلٌّ قد سرى في ليل همه وغرق في لجّة أحزانه. لا تبطش بيديك، ولا تظلم أحداً، وتدرع بروح المؤمن الهيّن الليّن. ولا تظن أن لين القلب ضعفٌ، بل إن المؤمن الحق يرزقه الله الفطنة والكياسة، لتكون له نوراً وبصيرة تحميه وهو يعامل الناس بقلبٍ رحيم. انزل من برجك العاجي، واخفض جناحك لمن حولك. لا تكن ممن يتباهى بإنجازاته ويسرد مآثره ونجاحاته في كل مجلس وأمام كل عابر؛ فأنت لا تدري ما تخفيه الصدور، ولا تعرف حجم المعارك التي يخوضونها بصمت. كم من جليسٍ لك تعتصر قلبه المعاناة، ويرى نفسه في مرآة الانكسار بصورة قاسية، فلا تزد أوجاعهم بزهوك. لا تظلم يا رفيقي، لا تظلم أبدًا. تدرّع بدماثة الخلق ونقاء السريرة، وكن هذا الإنسان الشفاف؛ تَرَ كيف تُطوى لك المسافات، وتُسخّر لك الأقدار، وتلين لك الدنيا وتدان لك الآخرة.






يعني حرفياً قبل ما ابلش القراءة ..
ولكن احلى إشعار ممكن يوصلني بالحياة انه نزل مقال جديد هان🥹🤍
مرحباً عزيزي عساك بخير أخبرتني عن فخ الحياة يشبه الأمل الزائف أليس كذلك أمل باهت يهمس لك بخفوت أن كل شىء سيكون علي ما يرام الأفضل سيأتي ولكن أخبرني لو لم نصدق فخ الحياة وهذا الأمل الزائف ماذا عسانا أن نفعل؟ سنموت من اليأس لا سبيل للنجاه سوي الأمل أملك أنك ستنجو سيجعلك تتوهم أنك قادر على النجاه فتنجو!
وربما هذه المدن التى أردنا الذهاب لها وتخيلنها جميلة لم تخلق لنا!
خلق لنا مدن أخري ربما لم نعرفها ولكن سنكتشفها وقتها ربما ليست كل النهايات سعيدة ولكن أليس بعد العسر يسر؟
حتي ولو لم تكن النهاية سعيدة ما أدراك إنها النهاية؟
كل نهاية ما هي إلا فرصة لبداية جديدة ربما تصبح سبيل للسعادة.
ربما كُتب علينا الضياع لنجد أنفسنا مرة أخري ولكن تلك المرة لنستكشف نحن ماهيتنا!