اِشكُر في الرَّخاءِ قَبلَ أَن تُذكَّرَ بِالبَلاءِ
ائتِلافُ النِّعَمِ: دَربٌ إلى الجُحودِ
إنَّ مِن أَدَقِّ البَلايا التي تُصيبُ المَرءَ في مَسيرِهِ، وَأَخفَى الأَدواءِ التي تَنخَرُ في صَفاءِ قَلبِهِ، تِلكَ المُصيبةُ المُسَمّاةُ: “ائتِلافَ النِّعَمِ”. لَيسَت مَصيبَةَ الفَقدِ، بَل هِيَ مَصيبَةُ الوُجودِ المُعتادِ؛ أن تَأْلَفَ العَينُ النِّعمَةَ حتّى لا تَعودَ تَراها، وأن يَعتادَ القَلبُ العَطاءَ حتّى يَنسى المُعطِيَ. داءُ “الإِلْفِ” الذي يُحوِّلُ عَظيمَ المِنَنِ إلى حُقوقٍ مُكتَسَبَةٍ، ويُطفِئُ جَذوةَ الدَّهشَةِ الأُولى ولَذَّةَ الشُّكرِ.
ولِهذا الداءِ صُوَرٌ شَتّى؛ فَمِنهُ ائتِلافُ العافيةِ، حتّى لا يَشعُرَ المَرءُ بِها إلا ساعَةَ السَّقَمِ. وَمِنهُ ائتِلافُ الأَمنِ، فَلا يَعُدُّهُ نِعمَةً حتّى يُسْلَبَهُ. وَمِنهُ ائتِلافُ الأَهلِ والأَحِبَّةِ، حتّى يَغدُوَ وُجودُهُم تَحصيلاً لِحاصِلٍ. بَيْدَ أنَّ الأَدهى مِن ذلِكَ والأَمَرَّ، هُوَ ما نَعِيْشُهُ اليَوْم يا عَزيزي، حِينَ يدْخُلُ هَذا الإِلْفُ مِن عالَمِ النِّعَمِ إلى عالَمِ “العِباداتِ”. هُنا الطامَّةُ الكُبرى، حِينَ تَفقِدُ القُرباتُ أَرواحَها، وتَستَحيلُ الشَّعائِرُ العِظامُ إلى قَوالِبَ جامِدةٍ، وحَرَكاتٍ آليَّةٍ لا حَياةَ فيها.
لَقَد صَدَقَ ذلِكَ العاقِلُ البَصيرُ حينَ نَبَّهَ إلى أنَّ “مِن أَبوابِ الغَفلَةِ أَن يَأْلَفَ الإنسانُ العِبادَةَ، وأَن يَأْلَفَ الفاتِحَةَ”. فَأُمُّ الكِتابِ هَذِهِ، التي هِيَ أَعظَمُ مُناجاةٍ بَينَ العَبدِ ورَبِّهِ، يُرَدِّدُها اللِّسانُ في اليَومِ مِراراً وتَكراراً، والقَلبُ في وادٍ سَحيقٍ! يَمرُّ عَلى “الحَمدِ” بِلا استِشعارٍ لِعَظَمَةِ المِنَّةِ، ويَتلو “الرَّحمنِ الرَّحيمِ” بِلا رَجاءٍ ولا رَهبَةٍ، ويُخاطِبُ بِـ “إِيّاكَ نَعبُدُ” والوَجدانُ غائِبٌ عَن مَعنى العُبوديَّةِ. هذه هِيَ غَفلَةُ الاعتِيادِ؛ أن تَقِفَ بَينَ يَدَي المَلِكِ، وتُناجيهِ بِأَعذَبِ الكَلامِ، ولكِنَّكَ لا تَسمَعُ نَفسَكَ، ولا يَدري فُؤادُكَ مَع مَن تَتَكَلَّمُ. إنَّهُ الائتِلافُ الذي يَسرِقُ مِنَ العِبادَةِ لُبَّها، ويُبقِي لَكَ قُشورَها.
وَما أَبْلَغَ ما وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَينُكَ في ذَلِكَ الكِتابِ! فَلَقد لَمَسْتَ جَوهَرَ الدّاءِ. لَقَد طالَعْتُ مِثلَ هَذا المَعنى، ولَعَلَّهُ كَما ذَكَرتَ لِحُجَّةِ الإسلامِ الغَزاليِّ في “أَيُّها الوَلَدُ”، حِينَ نَبَّهَ بِبَصيرَةٍ نافِذَةٍ قائِلاً ما مَفادُهُ: “لا تَكُنْ كَعَبْدِ السُّوءِ الَّذِي لا يَشْكُرُ (أو لا يَعمَلُ) إِلَّا حِينَ يُضْرَبُ”. وهَذا، لَعَمْرِي، هُوَ التَّشخيصُ الدَّقيقُ لِحالِ مَنْ “يَأْلَفُ النِّعَمَ”.
فَكَأَنَّما المَصائِبُ وَالنَّوائِبُ هِيَ “السَّوطُ” الَّذِي يُوقِظُ القَلبَ الغافِلَ مِنْ سُباتِ اعْتِيادِهِ. يَكونُ المَرءُ غارِقاً في نِعَمٍ كَالهَواءِ يَتَنَفَّسُهُ، فَلا يَشعُرُ بِقِيمَتِهِ، حتّى إِذا ما حُبِسَ عَنهُ قَليلاً، عَرَفَ أَنَّهُ كانَ في جَنَّةٍ لا يَدري بِها. فَهُوَ لا يَعرِفُ نِعمَةَ العافِيَةِ إِلّا في أَلَمِ المَرَضِ، ولا يَعرِفُ نِعمَةَ الأَمْنِ إِلّا تَحتَ سَيفِ الخَوفِ، ولا يَعرِفُ قِيمَةَ الأَنيسِ إِلّا في وَحشَةِ الفِراقِ.
وهَذا، بِعَينِهِ، هُوَ “عَبْدُ السُّوءِ”؛ لَيْسَ عَبْداً لِلْمُنْعِمِ، بَلْ هُوَ عَبْدٌ لِلْمِحْنَةِ. لا يَدعوهُ العَطاءُ المُنسابُ لِلشُّكرِ، بَل تَدفَعُهُ المَصيبَةُ لِلتَّذَكُّرِ. وما أَسوأَهُ مِنْ حالٍ أَنْ نَكونَ عَبيداً لِلسَّوْطِ، بَدَلاً مِن أن نكونَ أَحْراراً مُحِبِّينَ لِلْعَطاءِ! فَلا تَنتَظِرْ يا عَزيزي، حتّى تُسلَبَ مِنكَ النِّعمَةُ فَتَعضَّ أَصابِعَ النَّدَمِ، ولا تَأمَنْ حتّى يُحيطَ بِكَ الخَطْبُ فَتَعرِفَ قَدرَ العافِيَةِ.
كُن مُستَيقِظَ القَلبِ، فَكُلَّما فَعَلتَ شَيئاً، صَغُرَ في عَينِكَ أَم كَبُرَ، فاحمَدِ اللهَ عَلَيهِ. واعلَم عِلمَ اليَقينِ أَنَّ اللهَ يُقَلِّبُ القُلوبَ والأَحوالَ، وأَنَّهُ قادِرٌ عَلى أَن يَجعَلَ الأَمرَ كُلَّهُ شَيئاً آخَرَ في أَقلَّ مِن لَمحِ البَصَرِ. فَلا تَأْلَف النِّعمَةَ فَتَزْهَدَ فيها، بَل كُن لَها شاكِراً. وللشُّكرِ، ياعَزِيزي، وُجوهٌ لا تَخفى؛ فَهُناكَ شُكرُ اللِّسانِ: حَمدٌ وثَناءٌ لا يَفتُرانِ. وهُناكَ شُكرُ الجَنانِ والأَركانِ: بِالطاعاتِ والقُرُباتِ كَالنَّوافِلِ والسَّجَداتِ.
وهُناكَ ما هُوَ أَدَقُّ وأَعمَقُ: “الشُّكرُ بِالعَمَلِ”. ولَعَلَّكَ تَسأَلُ ياعَزيزي وكَما تَعرِف فأنا أُحِبُ أنْ تَسْأل: “وَكَيفَ يَكونُ الشُّكرُ بِالعَمَلِ؟” إنَّهُ المَحَكُّ الحَقيقيُّ، فَمَا الشُّكرُ بِالعَمَلِ إِلّا أَن تَستَخدِمَ النِّعمَةَ فيما يُرضي مُسدِيَها. ولَكِنَّ الطامَّةَ هِيَ “كُفرانُ النِّعمَةِ بِالعَمَلِ”، ودَعني أَضرِبُ لَكَ أَمثِلَةً حَيَّةً رَأَيتُها بِعَينِ الرَّأْسِ، تُدْمِي القَلبَ مِن غَفلَةِ أَصحابِها:
فَهَذا رَجُلٌ ذاقَ مَرارَةَ البَطالَةِ زَماناً، يَزيدُ عَلى العامِ أَو يَنقُصُ، يَشكو لَوعَةَ الفَراغِ وثِقَلَ الحاجَةِ. فَلَمّا أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِ وَمَنَّ، وَرَزَقَهُ مَنصِباً أَكاديميّاً رَفيعاً، وَأَقعَدَهُ مَقعَدَ الأُستاذِ المُبَجَّلِ، ماذا كانَ أَوَّلُ شُكرِهِ العَمَلِيِّ لِهذِهِ النِّعمَةِ؟
كانَ أَوَّلَ ما فَعَلَ أَنِ اتَّخَذَ سُلطَتَهُ مِعوَلَ غَدرٍ! فَعَمَدَ إلى طالِبٍ غَشّاشٍ، فَأَوهَمَهُ طَوالَ فَصلٍ دِراسِيٍّ كامِلٍ أَنَّهُ بِغِشِّهِ “فَطِنٌ ماهِرٌ”، وَأَنَّهُ قَد حازَ الدَّرَجَةَ الكامِلَةَ، وَأَغراهُ بِالمُزاحِ واللِّينِ حَتّى أَمِنَ جانِبَهُ. ثُمَّ، حينَ أَسدَلَ الفَصلُ سِتارَهُ، صَفَعَهُ عَلى حينِ غِرَّةٍ، وَأَعلَنَ أَنَّ دَرَجَتَهُ “صِفرٌ” مُدَوٍّ! فَيا لَلعَجَبِ! أَهَذا شُكرُ نِعمَةِ المَنصِبِ؟ أَن يُقابِلَ القُدرَةَ بِالغَدرِ الشَّنيعِ مِنْ غيْرِ أي تحْذِير؟ لَقَد نَسِيَ حالَهُ بِالأَمسِ، نَسِيَ كَيفَ كانَ يَتَضَوَّرُ مِنَ البَطالَةِ، فَكانَ أَولى بِهِ أَن يَكونَ أَعظَمَ النّاسِ رَحمَةً وَأَشَدَّهُم حِرصاً عَلى العَدلِ.
وَخُذْ مِثالاً آخَرَ لا يَقِلُّ سُوءاً: ذاكَ الذي ذاقَ مِن كَأسِ البَطالَةِ عَلْقَمَها، فَلَمّا أَكرَمَهُ اللهُ بِمَنصِبٍ مَرموقٍ، بَدَلاً مِن أَن يُقابِلَ هَذا الإِكرامَ بِبَذلِ الوُسعِ وَإِتقانِ الصَّنعَةِ، لَجَأَ إلى الرُّكونِ والتَّكاسُلِ، وَأَهمَلَ واجِباتِهِ، وَتَهاوَنَ في أَدائِهِ. ولِماذا؟ “لِأَنَّهُ أَمِنَ العِقابَ”! لَقَد أَحَسَّ بِالأَمانِ مِن أَن يَقومَ أَحَدٌ بِفَصلِهِ، فَجَعَلَ هَذا الأَمانَ مَطيَّةً لِلتَّقصيرِ، بدَلاً مِن أن يَكُوْنَ داعِياً لِلشُّكرِ.
هَذا، يا عَزيزي، هُوَ الائتِلافُ المَقيتُ لِلنِّعمَةِ. هُوَ أَن تُصبِحَ كَعَبدِ السُّوءِ، تَستَخدِمُ ذاتَ العَطاءِ لِتَكونَ أَداةً لِلظُّلمِ، أَو مِظلَّةً لِلتَّقصيرِ. أَمّا الشُّكرُ الحَقيقيُّ بِالعَمَلِ، فَهُوَ أَن يَكونَ المَرءُ بَعدَ النِّعمَةِ أَفضَلَ مِمّا كانَ قَبلَها؛ أَكثَرَ رَحمَةً، وَأَشَدَّ إِتقاناً، وَأَعظَمَ خَشيَةً.
إِعْلمْ يَا عَزِيزي أنَ النِّعمَةَ لَيست رُخصةً لِلتَّواني، بَل هِيَ تَكليفٌ يُوجِبُ عُبوديَّةً أَعمَقَ. أَجَل، إِنَّ هَذا العَطاءَ الَّذي يُسبَغُ عَلى الإِنسانِ لَيسَ مَتاعاً عارِضاً يُلتَهى بِهِ بِلا غايَةٍ، ولا هُوَ امتيازٌ يُرخَّصُ لِصاحِبِهِ بِالرُّكونِ إلى الدَّعَةِ. بَل هِيَ أمانَةٌ ثَقيلَةٌ في عُنُقِهِ، وَاختبارٌ دَقيقٌ يُوضَعُ فيهِ. وَلَكِنَّ طَبيعَةَ الإِنسانِ، إِذا أُغدِقَت عَلَيهِ الآلاءُ وتَتابَعَت، أَن يَجنَحَ إلى الغَفلَةِ. يَدِبُّ الكِبرُ الخَفِيُّ في فُؤادِهِ حتّى يُشَيِّخَهُ، فَيَعتَدُّ بِذاتِهِ، ويَركَنُ إلى حَولِهِ وَقُوَّتِهِ، نائِياً بِنَفسِهِ عَن مَولاهُ، غافِلاً أو مُتَغافِلاً عَن أَنَّ كُلَّ ما هُوَ فيهِ إِنَّما هُوَ عَطاءٌ مَحضٌ مِنَ الواهِبِ الأَحَدِ.
فَإذا ما نَزَلَت بِساحَتِهِ المِحْنَةُ، وَأَذاقَهُ اللهُ بَأساءَ الفَقدِ أَوِ الضَّرّاءِ، عادَ إلى رَبِّهِ مُنَكِّسَ الرَّأسِ، خاضِعَ الجَنانِ. هُنالِكَ، تراهُ يَعِجُّ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، ويَعرِفُ مَقامَهُ ذَليلاً، فَكَأَنَّما مَعرِفَتُهُ بِاللهِ لا تَكونُ إِلّا تَحتَ سِياطِ الشَّدائِدِ، شَأنُهُ في ذَلِكَ شَأنُ “عَبدِ السُّوءِ” الَّذي لا يَذكُرُ سَيِّدَهُ إِلّا إِذا أَهوى عَلَيهِ بِالعَصا.
لِذلِكَ، مَهما كَثُرَتِ النِّعَمُ مِن حَولِكَ وتَكاثَرَت، فَإِيّاكَ أَن تَغتَرَّ بِها. لا تَدَعها تَستَميلُكَ إلى الكَسَلِ، أَو تُنسِيَنَّكَ مَن هُوَ المُنعِمُ الحَقيقيُّ وما هُو حَجْمُكَ الحقِيقي. تَذَكَّر دائِماً وأَبَداً أَنَّ النِّعمَةَ أَمانَةٌ وَمَسؤوليَّةٌ قَبلَ أَن تَكونَ مَغنَماً ومَتاعاً. وَاعلَم أَنَّ إِهمالَ شُكرِها، قَولاً وَعَمَلاً، يَمحَقُ بَرَكَتَها، وَيُذهِبُ فَضلَها، وَيُؤذِنُ بِزَوالِها. أَمّا الابتِلاءاتُ، فَما هِيَ إِلّا قَوارِعُ تَنبيهٍ مِنَ اللهِ، وَصَيحَةُ نَذيرٍ لِيَرُدَّكَ إلى رُشدِكَ، وَيُذَكِّرَكَ بِأَنَّ مَقاليدَ الأُمورِ كُلِّها بِيَدِهِ وَحدَهُ، لا شَريكَ لَهُ.
وَكَما أَسلَفنا الذِّكرَ في مَقالاتٍ خَلَت يا عَزيزي، فَإِنَّ كُلَّ فِعلٍ تَأتيهِ، صَغُرَ أَم كَبُرَ، لَيسَ إِلّا امتِداداً لِكَينونَتِكَ، وَتَجَسيداً لِما انطَوَت عَلَيهِ سَريرَتُكَ. فَإِيّاكَ ثُمَّ إِيّاكَ أَن تَكونَ مِمَّن يَأْلَفونَ النِّعَمَ حَتّى تَطمسَ الغَفلَةُ بَصيرَتَهُم، فَيَنسى كَيفَ كانَ حالُهُ بِالأَمسِ، ويَغيبَ عَنهُ مَقامُ الشُّكرِ، فَيَعودُ إلى طِباعِهِ الأُولى.
وَلِيَكُن لَكَ في هَذا مِثالٌ جَلِيٌّ: أَرَأَيتَ الإِشارَةَ الضَّوئِيَّةَ وَسَطَ الطَّريقِ؛ لَو قُدِّرَ لَكَ أَن تَعلَمَ أَنَّهُ ما مِن عَينٍ تَرقُبُكَ، ولا “كاميرا” تَرصُدُ خَطأَكَ، فَتَجاسَرتَ وَقَطَعتَها غَيرَ آبِهٍ بِالنِّظامِ أوِ النَاس فَاعلَم أَنَّ هَذا القَرارَ لَم يَأتِ مِن فَراغٍ. إِنَّهُ يُفصِحُ عَن نَفسٍ لَم تَعتَدِ احتِرامَ الحَقِّ لِذاتِهِ، بَل اعتادَت أَن يَكونَ فَوقَ رَأسِها سَوطٌ يُقَوِّمُها.
وَفي هَذا غايَةُ الإِهانَةِ لِلنَّفسِ البَشَريَّةِ. فَإِن رَضيتَها أَنتَ عَلى نَفسِكَ، وَقَبِلتَ أَن لا تَستَقيمَ إِلّا رَهبَةً مِن عَينٍ راصِدَةٍ، أَو خَوفاً مِن عِقابٍ عاجِلٍ، فَقَد ساوَيتَها أَعَزَّكَ اللهُ وَأَكرَمَكَ بِالبَهائِمِ الَّتي لا يَردَعُها عَنِ المَرعى المُحَرَّمِ إِلّا السِّياجُ أَوِ العَصا. أَمّا الحُرُّ الحَقُّ، فَهُوَ الَّذي يَرقُبُ ضَميرَهُ في الخَلاءِ كَما يَرقُبُ القانونَ في المَلَأِ.
فَكُن حُرّاً يا عَزيزي. تَحَرَّر مِن “نَفسِكَ” الأَمّارَةِ بِالسُّوءِ، تَحَرَّر مِن طِباعِ العَبيدِ الَّذينَ لا يَحكُمُهُم إِلّا السَّوطُ. تَحَرَّر مِنها، تَكُن عَزيزاً عَلى نَفسِكَ حَقّاً، وَتَبلُغَ مَرتَبَةَ الإِنسانِ الَّذي كَرَّمَهُ اللهُ بِالعَقلِ والاختيارِ.
تَفضَّل، هَذِهِ صِياغَةٌ أَدَبيَّةٌ فَصيحَةٌ لِما ذَكَرتَ مَع إِكمالٍ لِلمَعنى:
إِنَّ شُكرَ النِّعَمِ الحَقَّ لا يَكمُنُ في هَمهَماتِ اللِّسانِ وَحدَها، بَل في استخدامِها حَقَّ أَدائِها. فَكُلُّ نِعمَةٍ لَها شُكرٌ يُطابِقُ جَوهَرَها. إِذا أَسدى إِلَيكَ مَخلوقٌ صَنيعاً، فَلا تَبخَل عَلَيهِ بِالثَّناءِ، وَلا تَستَنكِف عَنِ الاعتِرافِ بِمَعروفِهِ. فَإِنَّ الشُّكرَ “دُربَةٌ” لِلنَّفسِ وَ “اعتِيادٌ” لِلقَلبِ؛ فَمَنِ اعتادَ شُكرَ صَنائِعِ المَخلوقينَ، سَهُلَ عَلى لِسانِهِ وَجَنانِهِ أَن يَشكُرَ الخالِقَ الأَعظَمَ في كُلِّ يَومٍ، وَعَلى كُلِّ شَيءٍ.
فَإِن أُوتيتَ مالاً وَأَغناكَ اللهُ مِن سِعَتِهِ، فَشُكرُ هَذِهِ النِّعمَةِ أَلّا تَكونَ للمالِ عَبداً، بَل أَن تَجَعَلَ المال و صَاحِبَه خادِماً لِلخَيرِ. فَلا تَنسَ أَن تُخرِجَ الصَّدَقاتِ بِأَنواعِها، طَيِّبَةً بِها نَفسُكَ، مُحتَسِباً أَجرَها. وَإِن وُهِبتَ عِلماً وَنوراً مِنَ البَصيرَةِ، فَشُكرُهُ أَلّا تَضِنَّ (أَي لا تَبخَل) بِهِ عَلى طالِبِهِ، وَلا تَحتَكِرهُ دونَ النّاسِ. وَإِيّاكَ أَن يَقودَكَ عِلمُكَ إلى الكِبرِ وَالصَّلَفِ! فَمَن تَكَبَّرَ بِعِلمِهِ فَقَد أَبطَلَهُ، وَأَصبَحَ كَمَن لَم يَتَعَلَّم شَيئاً، بَل هُوَ أَسوَأُ حالاً، لِأَنَّ العِلمَ الحَقَّ يُورِثُ التَّواضُعَ وَالخَشيَةَ.
وَإِن أُعطيتَ صِحَّةً في البَدَنِ وَقُوَّةً في الجَسَدِ، فَشُكرُها أَن تَصونَها عَمّا يُهلِكُها، وَأَن تَستَخدِمَ بَدَنَكَ فيما يَنفَعُكَ وَيَبني مُجتَمَعَكَ، ليس أَن تَجعَلَهُ أَداةً لِلمَعصِيَةِ أَو مَطيَّةً لِلكَسَلِ. وَإِن أَكرَمَكَ اللهُ بِعَمَلٍ مَرموقٍ وَسُلطَةٍ وَجاهٍ، فَهُنا مَحَكُّ الشُّكرِ الأَدَقُّ. فَلا يَكُن هَمُّكَ الأَوحدُ أَن تُؤَدِّيَ “حَقَّ العَمَلِ” فَحَسب؛ فَهَذا دَورُكَ الَّذي تُبرِئُ بِهِ الذِّمَّةَ أَمامَ مَن هُوَ أَعلى مِنكَ سُلطَةً دُنيَويَّةً.
وَلَكِن لا تَنسَ دَورَكَ الأَسمى “كَإِنسانٍ” يَرجو اللهَ. لا تَنسَ أَن تَتَقَنَ صَنعَتَكَ، وَأَن تَزيدَ عَلى “الحَقِّ” المَطلوبِ بِمَا هُوَ أَفضَلُ المَراتِبِ وَأَعلاها: مَرتَبَةُ “الإِحسانِ”. وَالإِحسانُ هُنا هُوَ أَن تُؤَدِّيَ عَمَلَكَ كَأَنَّ اللهَ يَراكَ، فَتُيَسِّرَ عَلى مُراجِعيكَ، وَتَرحَمَ مَن هُم تَحتَ يَدِكَ، وَتَكونَ عادِلاً أَميناً. هَذا هُوَ الشُّكرُ الَّذي يَحفَظُ النِّعَمَ وَيَزيدُها.
اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ كُلُّهُ، وَلَكَ المَنُّ وَالفَضلُ ظاهِرُهُ وَباطِنُهُ. لَكَ الحَمدُ كَما يَنبَغي لِجَلالِ وَجهِكَ وَعَظيمِ سُلطانِكَ. نَحمَدُكَ يا رَبَّنا عَلى نِعَمٍ تَتوالى كَالمَطَرِ الهَطّالِ، وَآلاءٍ تَتَتابَعُ بِالغُدُوِّ وَالآصالِ. نَحمَدُكَ عَلى ما عَلِمنا مِنها وَما لَم نَعلَم، وَما ظَهَرَ مِنها وَما بَطَنَ.
الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي أَنعَمَ عَلَينا بِنِعمَةِ الإيجادِ مِنَ العَدَمِ، وَأَكرَمَنا بِنِعمَةِ الإِمدادِ عَلى الدَّوامِ. لَكَ الحَمدُ عَلى عافِيَةٍ تَسري في الأَبدانِ، وَأَمنٍ يَغمُرُ الأَوطانَ، وَطُمأنينَةٍ تَسكُنُ الجَنانَ. لَكَ الحَمدُ عَلى نِعمَةِ العَقلِ الَّذي بِهِ نَتَفَكَّرُ، وَاللِّسانِ الَّذي بِهِ نَذكُرُ وَنَشكُرُ. إِلَهي، إِنَّ أَلسِنَتَنا لَتَكِلُّ عَن إِحصاءِ ثَنائِكَ، وَإِنَّ جَوارِحَنا لَتَعجِزُ عَن بُلوغِ غايَةِ شُكرِكَ. فَكَيفَ نُؤَدّي شُكرَ نِعمَةٍ، وَالشُّكرُ نَفسُهُ نِعمَةٌ أُخرى مِنكَ تَستَوجِبُ شُكراً جَديداً؟
فَلَكَ الحَمدُ مِلءَ السَّماواتِ وَالأَرضِ، وَمِلءَ ما بَينَهُما، وَمِلءَ ما شِئتَ مِن شَيءٍ بَعدُ. لَكَ الحَمدُ حَتّى تَرضى، وَلَكَ الحَمدُ إِذا رَضيتَ، وَلَكَ الحَمدُ بَعدَ الرِّضا. حَمداً طَيِّباً كَثيراً مُبارَكاً فيهِ، لا يَنقَطِعُ مَدَدُهُ، وَلا يُحصى عَدَدُهُ، يا أَهلَ الفَضلِ وَالثَّناءِ، لا قابِلَ لِحَمدِنا هَذا إِلّا بِفَضلِكَ، وَلا مُعينَ عَلَيهِ إِلّا بِرَحمَتِكَ.
يا مَن أَظهَرَ الجَميلَ، وَسَتَرَ القَبيحَ، يا مَن لَم يُؤاخِذ بِالجَريرَةِ، وَلَم يَهتِكِ السِّترَ، يا عَظيمَ العَفوِ، يا حَسَنَ التَّجاوُزِ، يا واسِعَ المَغفِرَةِ، وَيا باسِطَ اليَدَينِ بِالرَّحمَةِ، يا مُنتَهى كُلِّ شَكوى، وَيا صاحِبَ كُلِّ نَجوى، يا كَريمَ الصَّفحِ، وَيا عَظيمَ المَنِّ، وَيا مُبدِئَ النِّعَمِ قَبلَ استِحقاقِها، يا رَبَّنا وَيا سَيِّدَنا وَيا مَولانا، لَكَ الحَمدُ الأَوفى، والثَّناءُ الأَوفى، عَلى كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ حينٍ.
لَكَ الحَمدُ في السَّرّاءِ إِذ أَنعَمتَ وَأَجزَلتَ، وَلَكَ الحَمدُ في الضَّرّاءِ إِذ ابتَلَيتَ وَطَهَّرتَ. لَكَ الحَمدُ في القَبضِ وَالبَسطِ، وفي العافِيَةِ وَالسَّقَمِ، وفي الغِنى وَالفَقرِ. لَكَ الحَمدُ ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ، وَلَكَ الحَمدُ حَمداً لا يَنقَطِعُ حَبْلُهُ، وَلا يُحصى فَضلُهُ، يا أَهلَ الحَمدِ وَالثَّناءِ.
يمكنك متابعتنا ايضاً على قناتنا على اليوتيوب من هنا








حقيقي مقال عظيم جدًا تسلم اييدك يا أشرف، كان زي صفعة صحتني. خلاني ارجع افكر في حاجات كنت باخدها كأنها عادية جدًا، صحتي، بيتي، الناس اللي بحبهم حواليا، الأمان اللي بعيشه من غير ما ألاحظ قيمته. أوقات كتير كنت بتضايق ان أيامي شبه بعض، أحس ان مفيش جديد. كان يومي بيعدي من غير كوارث و فواجع، و لما حد كان يسألني يومك عامل ازاي كنت برد بنبرة محبطة "عادي زي كل يوم" لدرجة ان حتى الإيلاف كأنه بيتحول لنقمة، لكن دلوقتي بقيت شايفة ان اليوم اللي بيعدي من غير وجع ولا فقدان ولا خوف، هو في حد ذاته أهدى و أغلى أنواع النعم. الروتين الهادي اللي بنشتكي منه ساعات، هو نفسه حياة ناس بتحلم بيها. ولو تأملنا لحظة، هنلاقي ان تكرار الأيام دليل أمان و ستر، مش ملل. اليوم اللي زي امبارح في صحتك، وسلامة أهلك، وهدوء بيتك، هو يوم مبهج مليان خير، بس احنا مش بنشوف الجمال اللي فيه. إيلاف النعم هو أول طريق زوالها، وأسوأ حاجة ممكن تحصل لقلب الإنسان انه يحس ان النعمة مضمونة. الضمان اللي يخليك متبذلش أي مجهود للحفاظ على أي نعمة و تبطل تشكر، ومش مدرك إنها ممكن تزول، كأنك ناسي إن كل نَفَس ممكن يتسحب في لحظة. و حديث النبيﷺ (مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا) كل مرة أسمعه بحس قد ايه احنا فعلاً في بحر من النعم ومش حاسين. اللهم انا نعوذ بك ان نألف النعم حتى نجحدها..شكرا على المقال الأكثر من رائع، ممتنة لوجودك جدًا❤️
ما شاء الله على ذا الموضوع المهم الي يغفل عليه اغلب الناس وكيف انك تناولته
لاحظت انك فصيح جدا ، ما رأيك ان تتقدم لنا بمقال حيث تتناول فيه طرق الفصاحة والنباهة السديدة