إِصلاحُ نفسِكَ أولى من تحليلها
عِلمُ النفْس و خلايا الدماغ: أيُّهما صارَ الوَهْمَ وأيُّهما التِّجارة؟
ما بالُ الأرواحِ اليومَ قد شَرِبتْ من نبعٍ واحد، فغدا علمُ النفسِ حديثَ كلِّ مجلسٍ، وكأسَ كلِّ ظامئ؟ أراهم يُقبلونَ عليهِ زُرافاتٍ ووحدانًا في كل مكان ومنصة، كأنما فُتحَ لهم بابٌ إلى أسرارِ الخليقةِ، و كأنَّ كلَّ نفسٍ باتتْ كتابًا مفتوحًا يشتهي قارئهُ فكَّ طلاسمهِ وفهمَ رموزه. يبتغي كلٌّ منهم أن يكونَ طبيبَ روحِ صاحبِه، يحللُ إيماءةً، ويفسّرُ نظرةً، ويُشرّحُ كلمةً من هذا وذاك، وكأنهم في سباقٍ محمومٍ لقراءةِ ما وراءَ الصدور.
لكأنَّ المعرفةَ غدتْ زيًّا يُلبَسُ، وموضةً تُقتَفى آثارُها. وكما تهبُّ رياحُ الموضةِ على الأجسادِ فتكسوها حينًا ثم تتعرّى عنها في حينٍ آخر، كذلكَ تهبُّ على العقولِ فتجعلُ من علمٍ ما شُغلَها الشاغل، حتى إذا ما انقضى أوانُهُ، وتلاشى بريقُهُ، نُبذَ في غياهبِ النسيان.
لأن لكلِّ موضةٍ في فلكِ العلمِ أجلًا محدودًا، وعمرًا معدودًا. هي ومضةٌ تخطفُ الأبصارَ للحظات، ثم لا تلبثُ أن تخبو وتتلاشى، مُخلّفةً وراءها غبارًا من المصطلحاتِ المبتورةِ والأفكارِ السطحيّة. فالعلمُ الذي يُطلبُ للتباهي بدلاً من التَبصُّرِ، والمعرفةُ التي تُقتنى للزينةِ بدلاً من أن تكون للهدايةِ، مصيرُها حتمًا إلى الزوال على الأقل في عقلِ صاحبِها.
وما أسرعَ أن تنطفئَ تلك الشرارةُ الأولى في نفسِ صاحبها، لأن الحقيقة ياعزيزي، كل الحقيقة هي أن أي شعلةُ توهّجتْ في البدايةِ حماسًا ورغبةً، سرعان ما يخنقُها غبارُ المللِ حين يتركُ “العالمُ الجديدُ” كتابهُ جانبًا، ويبحثُ عن موجةٍ أخرى يركبُها، وعن صيحةٍ جديدةٍ يتبعُها، تاركًا وراءهُ علمًا عظيمًا لم يأخذ منه إلا قشوره.
هذه هي الحقيقة ياعزيزي، غَدَتْ العُلومُ كأنَّها أزياءٌ تُعرَضُ في الأسواقِ؛ لكلِّ يومٍ صَيْحَةٌ، ولكلِّ حينٍ “ترند” يهرولُ خلفَهُ الظِّماءُ إلى كُلِّ جديد. يتبَعُه المرءُ اليومَ فيخالُ نفسَهُ في غدٍ من أربابِ الفِكرِ وأساطينِ العِلمِ، وما درَى أنَّهُ يركضُ خلفَ سرابٍ بقيعةٍ، يحسبُهُ الظمآنُ ماءً حتى إذا جاءَهُ لم يجدْهُ شيئًا.
فلا يغرَّنَّكَ ياعزيزي ما يلمعُ اليومَ من بريقِ “علمِ النَّفسِ” وما يُنسَجُ حولَهُ من هالاتِ القداسةِ، ولا يأخذنَّ بلُبِّكَ ما يُشاعُ عن خفايا “علمِ أعصابِ الدماغِ” أو أحاديث “اللوزةِ الدماغيةِ” و”قشرةِ الفص الجبهي” حتى و إن كانا زينةَ المجالس اليوم، وكأنَّ ذكرَ هذهِ الأسماء يمنحُ صاحبها مفتاحًا سريًّا لأقفالِ الشخصية.
وإنَّكَ لتجدُ الكثيرينَ قد فُتِنوا بتقديسِ مُصطلحاتٍ ما أنزلَ اللهُ بها من سُلطانٍ؛ يتشدَّقونَ بـ “الأنا” ويُحلِّلونَ “اللاوعي”، كأنَّما بلغوا الغايةَ حينَ وصَّفوا الداءَ وسمَّوا أجزاءَهُ، ونسُوا أنَّ معرفةَ اسمِ السَّقَمِ لا تُغني عن بَلْسَمِ الشفاء. إنَّ هذا التمجيدَ للذَّاتِ المُجزَّأةِ، وهذا الغوصَ في تيهِ النَّفسِ بلا هادٍ، ليسَ إلا ضربًا من العبثِ الأنيقِ، يُشبعُ غرورًا ولا يُقوِّمُ سُلوكًا.
وهذِّه نَصيِحَتيَ لك اليوم ياعزيزي، فيا أيُّها السَّاعي في دروبِ الحياةِ، إن وفَّقكَ اللهُ فاستَغْنِمْ توفيقَهُ في ما هو أجدى وأنفعُ. دَعْ عنكَ هذا الرَّكضَ وراءَ كُلِّ ناعقٍ، وأقبِلْ على كِيانِكَ الذي بينَ جنبيكَ. فإنَّ اشتغالَكَ على تهذيبِ نفسِكَ وتأديبِها، وتقويمِ ما اعوجَّ من طِباعِها، لهُوَ خيرٌ لكَ وأبقى أثرًا من أنْ تعرفَ نفسَكَ تعريفًا نظريًّا باردًا. وأنْ تُصلِحَ خُلُقًا واحدًا في شخصيتِكَ لهوَ أعظمُ من أنْ تُحصيَ كلَّ خليةٍ عصبيةٍ في دماغِكَ وتعرفَ مساراتِها.
فما قيمةُ علمٍ يملأُ الرأسَ ويتركُ القلبَ خرابًا؟ وما نفعُ معرفةٍ تُحيطُ بأعماقِ النَّفسِ وهيَ لم تُطهِّرْها من أدرانِها؟ لقد قالَ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسِبوا أنفسَكُم قبلَ أن تُحاسَبوا”، ولم يقل: “حلِّلوا أنفسَكُم لتحاسبوها جيداً”. فالمِحَكُّ الحقيقيُّ ليسَ في اتساعِ المعرفةِ، بل في عُمقِ الأثرِ؛ ليسَ في ما تَعلمُ، بل في ما تعملُ بهِ وتصيرُ إليه بعد علمك.
وإن كانت نِيَّتُكَ الركضَ وراءَ كلِّ علمٍ رائجٍ اليومَ، فلن تغدُوَ شيئًا ولا عارفًا بأيِّ علمٍ منهم، لأنَّكَ حينَ تعرفُ اليومَ معلومةً، سيُروَّجُ غدًا لعلمٍ آخرَ فتتركُ ما بدأتَهُ في الأوَّلِ. ومَثَلُكَ في ذلكَ كمَثَلِ مَنْ يحفرُ في كلِّ أرضٍ بئرًا؛ يسمعُ أنَّ الماءَ قريبٌ ههنا، فيضربُ أوَّلَ ضربةٍ فيرى تُرابًا، فيملُّ ويتركُهُ إلى غيرِهِ حينَ يأتيهِ الخبرُ أنَّ الماءَ هناكَ أغزرُ وأعذب. وهكذا يقضي عُمرَهُ متنقِّلًا بينَ حُفَرٍ ضحلةٍ، يجمعُ حولَهُ غبارَ المحاولاتِ، ويموتُ ظمآنًا والماءُ كانَ تحتَ قدميهِ لو أنَّهُ صَبَرَ وحَفَرَ.
إنَّكَ بهذا التَّرحالِ الدائمِ بينَ حقولِ المعرفةِ، لن تكونَ إلا ذوَّاقَ عُلومٍ، وليس طالبَ علمٍ، وَدَعْ عنكَ وهْمَ قراءةِ ما في الصُّدورِ، فلن تُبصِرَ عقلًا أمامَكَ كأنَّهُ كتابٌ مفتوحٌ. واعلمْ أنَّ لا أحدًا يُكِنُّ لكَ من البغضاءِ والكراهيةِ ما يبلغُ بِكَ حَدَّ الحاجةِ إلى سَبْرِ أغوارِ نِيَّتِهِ والتنقيبِ في خفايا سريرتِهِ. فما أنتَ بذاكَ الذي اجتمعتْ عليهِ خُصومَاتُ الدُّنيا، وما النَّاسُ إلا غارقونَ في غَمرةِ شؤونِهم. إنَّما هو ظنٌّ يُورِثُكَ شقاءً، وارتيابٌ يُنغِّصُ عليكَ عيشَكَ بغيرِ عَدُوٍّ ظاهرٍ.
نَعَمْ، قد يُباحُ لكَ هذا التَّوجُّسُ وتُعذَرُ فيهِ؛ لو أنَّكَ في ساحةِ حربٍ ضروسٍ، أو في مجلسِ تفاوضٍ مع خَصْمٍ لدودٍ، حينها لا غَرْوَ أن تتحسَّسَ نَواياهُ وتستقرِئَ مُرادَهُ من لَحْنِ قولِهِ وفلتاتِ لسانِهِ. فذاكَ مقامٌ يختلفُ، وحالٌ تقتضي الحيطةَ من بابِ دفعِ المَهالكِ وردِّ العُدوانِ. أمَّا ما دونَ ذلكَ، فالأصلُ في النَّاسِ السَّلامةُ، والأَوْلى بكَ حُسْنُ الظَّنِّ بَنفسِك اولاً، فإنَّهُ أروحُ للقلبِ وأهنأُ للبالِ.
تُمسِكُ بطَرَفِ الخيطِ من هنا، وبدايةِ الطريقِ من هناك، وحينَ يلوحُ لكَ بريقٌ في أفقٍ آخرَ، تُلقي ما في يدِكَ لاهثًا خلفَ ذاكَ السرابِ الجديد. فتجتمعُ عندَكَ أنصافُ معارفَ وأرباعُ حقائقَ، وهيَ كُسُورٌ لا تَجبُرُ عقلًا، ورُقَعٌ لا تسترُ جهلًا. وفي آخرِ المَطافِ، ستجدُ صحيفتَكَ حاشدةً بالعناوينِ ولكنَّها فارغةٌ من المضمونِ، وذاكرتَكَ مُكتظَّةً بالمُصطلحاتِ لكنَّها خاويةٌ من اليقين. فلا أنتَ بالعالِمِ الرَّاسخِ الذي يُؤخَذُ عنه فيُنتفَعُ به، ولا أنتَ بالجاهلِ البسيطِ الذي يَسلَمُ بجهلِهِ، وإنَّما تقفُ في منزلةٍ بينَ المنزلتينِ، وهيَ أخطرُ المنازلِ: منزلةُ “شِبْهِ العالِمِ”، الذي غرَّهُ اطِّلاعُهُ، فظنَّ نفسَهُ شيئًا وهو ليسَ بشيءٍ فَتدْخُل فِي عَالمِ الغُرورِ وَ الكِبر.
إعلم ياعزيزي، إنَّ إصلاحَ الذَّاتِ رحلةُ عُمرٍ، وعمَلٌ دؤوبٌ في صمتٍ وسكينةٍ، بعيدًا عن ضجيجِ أي علم مُروج له اليوم، وهَوَسِ المُصطلحاتِ الطارئةِ. أشْبهُ مايكُون بِذاكَ الجِهادُ الذي يُثقِلُ الميزانَ، ويرفعُ الإنسانَ من حضيضِ الغرائزِ إلى سُموِّ الفضائلِ. فلتكنْ غايتُكَ أنْ تكونَ أفضلَ ممَّا كنتَ بالأمسِ، أفضلُ مِن أنْ تكونَ أعلمَ بما يقولُهُ فلانٌ وعلَّان. فالعلمُ الحَقُّ ما أورثَ خَشيةً وعملًا، لا ما أورثَ كِبرًا وجدلًا. ودعْ عنكَ زَبَدَ العلومِ الرائجِ إلا إن كنت عليه قبل أن يُروج له هذا الترويج، وتشبَّثْ بجوهرِ النَّفسِ الذي لا يأتيهِ الباطلُ من بينِ يديهِ ولا من خلفِه.
فإنَّ اهتمامَكَ الصَّادقَ بِعِلْمٍ ما قبلَ أن تلتفتَ إليهِ عيونُ الجموعِ هو الدليلُ على أصالةِ سعيكَ. أمَّا أن تكونَ كمن يركبُ الموجةَ حينَ تعلو، فما أنتَ إلا تابعٌ لغيركَ، وليس رائداً في سبيلكَ. إنَّ الشجرةَ التي تُغرَسُ في أرضِ الشغفِ الأصيلِ هي التي تتعمَّقُ جذورُها وتُؤتي أُكُلَها، وأمَّا النبتةُ التي تُزرَعُ في تربةِ “الترند” العابرةِ، فسرعان ما تذوي وتذروها رياحُ النسيانِ حينَ تهبُّ صيحةٌ جديدة.
لذلك، لا تجعلْ عقلَكَ وعاءً لِمَا يستحسِنُهُ النَّاسُ اليومَ ياعزيزي، بل اجعلْ قلبَكَ ميزانًا لِمَا ينفعُكَ غدًا. فليستِ العِبرةُ بأن تُحصِيَ أسماءَ كلِّ خليةٍ عصبيةٍ، بل بأن تُحييَ خليةً واحدةً من خلايا الإيمانِ في قلبِكَ. وليستِ الغايةُ أن تُحلِّلَ دوافعَ “الأنا” و”اللاوعي” تحليلًا نظريًّا، بل أن تَقودَ نفسَكَ نفسَها إلى ما فيهِ صلاحُها وفلاحُها.
وفي نهايةِ المطافِ، لن تُسألَ كم كتابًا قرأتَ، أو كم مصطلحًا حفظتَ، بل سيُكشَفُ عن معدنِ روحِكَ الذي صقلتَهُ بتعبِ السنينَ، وعن أثرِكَ الطيِّبِ الذي تركتَهُ فيمَنْ حولَكَ. فذلكَ هو العِلْمُ الباقي، وتلكَ هي التِّجارةُ الرَّابحة.
يمكنك متابعتنا ايضاً على قناتنا على اليوتيوب من هنا








انا اتفك معك في نقطة الجري وراء كل ماهو رائج هذه الأيام و الخوض في مناقشات و علوم ليس بغية التعلم بل التباهي لكني اجد نفسي اخالفك في نقطة مهمة الا و هي تنقيصك من علم و ابحاث علمية أجريت من قبل علماء و دكاترة و ليس الأشخاص الجاهلون الذين يرتدون قبعة العلم ، فرغم كون علم النفس ليس ذو أهمية من وجهة نظرك الا انه من الخطأ تماما ان تقلل من أهميته و دوره في المجتمع ، فتدريسه في الجامعات الكبرى ليس دون جدوى و هذه لا نقاش فيه ، فرغم ان التحليل دون إصلاح غير مجدي تماما لكن اللجوء الى احد في الصعاب ليس غير مجدي كذلك . الاخصائي النفسي حامل/ة للشهادات تثبت علمه و قدرته على المساعدة ، و هذا ليس عيبا او موضع استحقار . فأنت بمقامك هذا تعيد علم النفس الى نقطة الصفر حيث قلل المجتمع من مقامه .
ارجو انك ستفهم وجهة نظري
كلامك هو عين الحقيقة التي نغفل عنها!
كم منّا اليوم يركض خلف 'السراب الجديد' و'المصطلحات المكتظة'، وينسى أن يبدأ الطريق بـ تطهير 'الخلية العصبية' ومحاسبة النفس كما أوصيت. بالفعل،
ما قيمة علم يملأ الرأس ويترك القلب خراباً؟ إنها معادلة خاسرة..
دع عنك هذا الركض، ولا تلتفت لـ 'لمع البريق' الذي يفتن، واستغل عمرك في 'إصلاح ما اعوج من طباعتها.. أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لهذا الإصلاح الذي لا يحتاج إلا جهدًا صادقًا لا يستر جهدًا...