ذات مساء، وأنا أقلّب في مكتبتي الصغيرة، وقعت عيناي على رفٍّ كامل من كتب "التطوير الذاتي" - شواهد على رحلة طويلة من البحث عن... ماذا بالضبط؟ لست أدري. ربما كنت أبحث عن نفسي في صفحات كتبها آخرون، كمن يبحث عن ظله في مرآة غريبة.
أتذكر تلك الليالي التي قضيتها ألتهم كتاباً بعد كتاب، أحفظ العبارات التحفيزية، أردد التوكيدات الإيجابية أمام المرآة كل صباح. "أنا قوي، أنا ناجح، أنا أستحق الأفضل". لكن صوتاً خافتاً في أعماقي كان يهمس: "ومن قال إنك لست كذلك من الأساس؟ لماذا تحتاج لإقناع نفسك؟"
الحقيقة المُرّة التي اكتشفتها - وما زلت أكتشفها كل يوم - أن هذه الكتب كانت تشبه المُسكّن. تخدّر الألم لكنها لا تعالج سببه. كنت أهرب من مواجهة حقيقة بسيطة: أنني إنسان عادي، بكل ما تحمله الكلمة من جمال وقبح، قوة وضعف، يقين وحيرة.
أتذكر صديقاً قديماً، رجلاً بسيطاً يعمل في محل بقالة صغير. لم يقرأ كتاباً واحداً في "التنمية البشرية"، لكنه كان يملك حكمة غريبة. قال لي مرة وهو يرتب علب الطماطم: "المشكلة ليست فينا، المشكلة أننا نظن أن فينا مشكلة". ضحكت وقتها، لكن كلماته ظلت تتردد في رأسي لسنوات.
ما أدركته - ولا أدّعي أنني أدركته تماماً - أن هذا الهوس بـ"تحسين الذات" هو في جوهره رفض للذات. كأننا نقول لأنفسنا: "لست جيداً بما يكفي كما أنت". وهذا الرفض يولّد دوامة لا تنتهي من السعي خلف صورة وهمية لما "يجب" أن نكون عليه.
أحياناً أجلس في المقهى وأراقب الناس. أرى الموظف المنهك يقرأ كتاب "كيف تصبح مليونيراً في 30 يوماً"، والأم المرهقة تتصفح "فن السعادة"، والشاب الحائر يحمل "قوة التفكير الإيجابي". أتساءل: متى أصبحت الحياة العادية، بكل تفاصيلها الصغيرة، غير كافية؟ متى صرنا نحتاج لـ"خبير" يخبرنا كيف نعيش؟
الغريب أن أجدادنا - الذين لم يعرفوا هذه الصناعة - عاشوا حيوات أكثر اكتمالاً. ليس لأنهم كانوا أكثر سعادة بالضرورة، بل لأنهم قبلوا الحياة كما هي: مزيج من الفرح والحزن، النجاح والفشل، الأمل واليأس. لم يحاولوا أن يكونوا "نسخة أفضل" من أنفسهم. كانوا ببساطة... أنفسهم.
وأنا أكتب هذه السطور، أدرك أنني قد أكون مخطئاً. ربما هناك من وجد في هذه الكتب عوناً حقيقياً. لكن تجربتي الشخصية - وتجربة كثيرين ممن أعرف - تقول إن الحرية الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن محاولة "إصلاح" أنفسنا، ونبدأ في قبولها. عندما ندرك أن الضعف جزء من القوة، وأن الحزن يعطي معنى للفرح، وأن الفشل معلّم أفضل من ألف كتاب في النجاح.
في النهاية، أنا لا أملك إجابات. ما زلت أتخبط مثلك، أبحث عن معنى في عالم يبدو أحياناً بلا معنى. لكنني تعلمت شيئاً واحداً: أن أتوقف عن الهروب من نفسي. أن أجلس مع قلقي وحيرتي وأحتضنهما، بدلاً من محاولة "تطويرهما" أو "تحسينهما".
بدأت اقرأ كتب التنمية في سنة 19 كنت جد سعيدة و احسب نفسي انا ايجابية لكن بعد مرور الايام بدأت اشعر اني اعيش الوهم فكنت كلما اجد كتاب تنمية في مكتابات و افتحه اشعر ان كل كلامه خزعبلات
شكرا لك على هذا المقال قد أفادني جدا واحترم رأيك كاملا ولكن إلا تظن انه في بعض الأحيان بعض كتب التطوير (ليس كلها بل بعضها) قد يفيد المرء كي يفيق من صحوته فقد قرأت كتابا وهو نظرية الفستق وقد غير نظرتي للعالم تماما تعلمت الكثير وبسببه اقبلت على قراءة الكتب والمقالات وفي الاخير هذا مجرد رأي قد أكون خاطئة شكرا لك على أي حال أتمنى لو تضع لنا مجموعة من الكتب المفيدة لقرائتها في مختلف المجالات كالسياسية التاريخية ….
طول عمري كنت ارى خلل في هذي الكتب واعطيتهم فرصة بس مازالو في المكتبة كما هم لا أفكر باعطائها فرصة القراءة يكفي إني أعطيتهم فرصة الشراء وصراحة كأن المقال كلام كان فداخلي ولم استطع شرحه ،شكرا على المقال الجميل والرائع
اتفق معك بشكل شبه تام ، غير اني لست ضد فكرة اعتبارها بداية محطة للقرّاء الجدد او الصغار ، من دون ادمان عليها طبعاً ومع تحديد الكتب التي يمكن أن اكون نافعة كمرحلة اولى وليس من تبيع الوهم..
أقرأ كلماتك فأجدني أمام مرآة، لا أمام نص.
ذات مساء، وأنا أقلّب في مكتبتي الصغيرة، وقعت عيناي على رفٍّ كامل من كتب "التطوير الذاتي" - شواهد على رحلة طويلة من البحث عن... ماذا بالضبط؟ لست أدري. ربما كنت أبحث عن نفسي في صفحات كتبها آخرون، كمن يبحث عن ظله في مرآة غريبة.
أتذكر تلك الليالي التي قضيتها ألتهم كتاباً بعد كتاب، أحفظ العبارات التحفيزية، أردد التوكيدات الإيجابية أمام المرآة كل صباح. "أنا قوي، أنا ناجح، أنا أستحق الأفضل". لكن صوتاً خافتاً في أعماقي كان يهمس: "ومن قال إنك لست كذلك من الأساس؟ لماذا تحتاج لإقناع نفسك؟"
الحقيقة المُرّة التي اكتشفتها - وما زلت أكتشفها كل يوم - أن هذه الكتب كانت تشبه المُسكّن. تخدّر الألم لكنها لا تعالج سببه. كنت أهرب من مواجهة حقيقة بسيطة: أنني إنسان عادي، بكل ما تحمله الكلمة من جمال وقبح، قوة وضعف، يقين وحيرة.
أتذكر صديقاً قديماً، رجلاً بسيطاً يعمل في محل بقالة صغير. لم يقرأ كتاباً واحداً في "التنمية البشرية"، لكنه كان يملك حكمة غريبة. قال لي مرة وهو يرتب علب الطماطم: "المشكلة ليست فينا، المشكلة أننا نظن أن فينا مشكلة". ضحكت وقتها، لكن كلماته ظلت تتردد في رأسي لسنوات.
ما أدركته - ولا أدّعي أنني أدركته تماماً - أن هذا الهوس بـ"تحسين الذات" هو في جوهره رفض للذات. كأننا نقول لأنفسنا: "لست جيداً بما يكفي كما أنت". وهذا الرفض يولّد دوامة لا تنتهي من السعي خلف صورة وهمية لما "يجب" أن نكون عليه.
أحياناً أجلس في المقهى وأراقب الناس. أرى الموظف المنهك يقرأ كتاب "كيف تصبح مليونيراً في 30 يوماً"، والأم المرهقة تتصفح "فن السعادة"، والشاب الحائر يحمل "قوة التفكير الإيجابي". أتساءل: متى أصبحت الحياة العادية، بكل تفاصيلها الصغيرة، غير كافية؟ متى صرنا نحتاج لـ"خبير" يخبرنا كيف نعيش؟
الغريب أن أجدادنا - الذين لم يعرفوا هذه الصناعة - عاشوا حيوات أكثر اكتمالاً. ليس لأنهم كانوا أكثر سعادة بالضرورة، بل لأنهم قبلوا الحياة كما هي: مزيج من الفرح والحزن، النجاح والفشل، الأمل واليأس. لم يحاولوا أن يكونوا "نسخة أفضل" من أنفسهم. كانوا ببساطة... أنفسهم.
وأنا أكتب هذه السطور، أدرك أنني قد أكون مخطئاً. ربما هناك من وجد في هذه الكتب عوناً حقيقياً. لكن تجربتي الشخصية - وتجربة كثيرين ممن أعرف - تقول إن الحرية الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن محاولة "إصلاح" أنفسنا، ونبدأ في قبولها. عندما ندرك أن الضعف جزء من القوة، وأن الحزن يعطي معنى للفرح، وأن الفشل معلّم أفضل من ألف كتاب في النجاح.
في النهاية، أنا لا أملك إجابات. ما زلت أتخبط مثلك، أبحث عن معنى في عالم يبدو أحياناً بلا معنى. لكنني تعلمت شيئاً واحداً: أن أتوقف عن الهروب من نفسي. أن أجلس مع قلقي وحيرتي وأحتضنهما، بدلاً من محاولة "تطويرهما" أو "تحسينهما".
ربما هذا هو الدرس الوحيد الذي يستحق التعلم.
-- شكراً لجمالك وجمال ما كتبت --
احسنت عزيزي سلطان في كل ما قلت الله يبارك فيك
المقال جميل حقا ...و مازاده جمالا هو الموضوع الحساس الذي نتاوله
حيث أن كتب التنمية البشرية أصبحت ذات تأثير واسع
خاصة على الفئة في سن المراهقة
كونك حللت المشكلة و انتقدتها بشدة
و قدمت حلول أقرب للمنطق لها
و لكن اتمنى ان تفصل في الحلول
او ان تضع لنا حزمة من الكتب المقترحة
حتى نستفيد و نرى المعرفة بعمقها بعيدا عن سطحية فئة الكتب التي تحدثت عنها
و شكرا
بإذن الله على اخر العام اي بعد قرابة الشهر غالباً بينزل مقال عن اقتراحات للكتب وستتضمن كتب هذه السنة واقتراحات بأفضل الكتب فيها
جميل جدا ولكن لماذا قد تستخدم التشكيل على كل حرف وكل كلمة اجده مضيعة للوقت ومجهد للعيون فلسنا معتادين على قراءه تشكيلة كهذه الا في كتاب الله الكريم
واجهة صعوبة في القرآءة بسبب الشكل الكثير ! على كل المقال رائع جدا
مقالك جميل ولقد فدني هل تملك بعض اقتراحات لي اسم كتب استطيع قراتهم بدل كتب تطوير الذات
بإذن الله على اخر العام اي بعد قرابة الشهر غالباً بينزل مقال عن اقتراحات للكتب وستكون حتى كتب هذه السنة واقتراحات بأفضل الكتب فيها
اتمنى ان يكون مقالك القادم عن الكتب ❤️
تم
قرأتها وبدأت في روايه الجريمة والعقاب
استمتعت جدا في قراءه المقال ومتشوق للاجزاء القادمة♥️
المقال جميل جدا وطويل جدا لقد تعبت وانا اقرأ وبدأت افقد المتعه العظيمه التي كانت ببداية هذا المتحف آلمنير لعقول القراء رفقا بنا فقد زاغت أعيننا
جزاك الله خيرا كفّيت و وفّيت
Can't express , you've said it all ashraf well done as usual 👏🏻
Masha'allah 🤍.
كَلَّا!بَلْ هُوَ تَحْرِيضٌ عَلَى النُّضْجِ الحَقِيقِيِّ،" "وَاسْتِنْهَاضٌ لِلْبَصَائِرِ كَيْ تُمَيِّزَ الغَثَّ مِنَ السَّمِينِ
ما شاء الله، مقال يكتب بماء الذهب
بدأت اقرأ كتب التنمية في سنة 19 كنت جد سعيدة و احسب نفسي انا ايجابية لكن بعد مرور الايام بدأت اشعر اني اعيش الوهم فكنت كلما اجد كتاب تنمية في مكتابات و افتحه اشعر ان كل كلامه خزعبلات
شكرا لك على هذا المقال قد أفادني جدا واحترم رأيك كاملا ولكن إلا تظن انه في بعض الأحيان بعض كتب التطوير (ليس كلها بل بعضها) قد يفيد المرء كي يفيق من صحوته فقد قرأت كتابا وهو نظرية الفستق وقد غير نظرتي للعالم تماما تعلمت الكثير وبسببه اقبلت على قراءة الكتب والمقالات وفي الاخير هذا مجرد رأي قد أكون خاطئة شكرا لك على أي حال أتمنى لو تضع لنا مجموعة من الكتب المفيدة لقرائتها في مختلف المجالات كالسياسية التاريخية ….
كثر الله من امثال دكتور اشرف وادامك وادام حضورك وادام قلمك الأروع على الإطلاق
جميل يا صديقي
تبارك الله ، بارك الله فيك وفي علمك
كيف بتكتب وتسجل الصوت لو تكرمت
طول عمري كنت ارى خلل في هذي الكتب واعطيتهم فرصة بس مازالو في المكتبة كما هم لا أفكر باعطائها فرصة القراءة يكفي إني أعطيتهم فرصة الشراء وصراحة كأن المقال كلام كان فداخلي ولم استطع شرحه ،شكرا على المقال الجميل والرائع
اتفق معك بشكل شبه تام ، غير اني لست ضد فكرة اعتبارها بداية محطة للقرّاء الجدد او الصغار ، من دون ادمان عليها طبعاً ومع تحديد الكتب التي يمكن أن اكون نافعة كمرحلة اولى وليس من تبيع الوهم..
من فضلك مرة ثانية حط المقال بدون تشكيل