صِنَاعَةُ الوَهْمِ: الوَجْهُ المُظْلِمُ لِكُتُبِ تَطْوِيرِ الذَّاتِ
كَيْفَ أَصْبَحْتُ غَنِيًّا؟ مِنْ بَيْعِكَ كُتُبًا عَنْ كَيْفَ تُصْبِحُ غَنِيًّا
إنّي لأَرى أَشتاتاً مِنَ الناسِ يَتخبَّطونَ في أَوديةِ الأَزَماتِ الشَّخصيةِ، ويُكابدونَ القَلَقَ والاكتئابَ وفُقدانَ الأَمانِ. والمَلحوظُ أنَّ جُلَّ هؤلاءِ يَنْكَبُّونَ عَلى كُتُبِ تَطويرِ الذاتِ التِهاماً، مُنْضَوينَ تَحْتَ لِواءِ ما يُسَمُّونَهُ “رِحلَةَ تَحسينِ الذاتِ”. ولكِنْ، بَعدَ مِئاتِ الكُتُب التي يَلْتَهِمونَها، لا شَيْءَ ذا بالٍ يَتَغَيَّرُ في حَياتِهِمُ الفِعْلِيَّةِ. نَعَمْ، قَدْ يُخَيَّلُ إليهِمْ أَنَّهُمْ “أَصبَحوا أَكثَرَ فَهْماً”، غَيْرَ أَنَّهُمْ ما بَرِحوا عاجِزينَ عَنْ بُلوغِ الحَياةِ التي كانوا يَرومونَها. والسَّبَبُ أَبسَطُ مِمَّا يُظَنُّ:
إنَّ كُتُبَ تَطويرِ الذاتِ داءٌ مُدْمِنٌ.
بَلْ أَجْرُؤُ عَلى القَوْلِ إنَّها أَشبَهُ ما تَكونُ بالمُسكِراتِ أو سُمومِ العَقاقيرِ. فَحينَ تَجْرَعُ الخَمْرَ، تَجِدُ راحَةً مُؤَقَّتَةً مِنْ ضُغوطٍ تَطْبَقُ عَلى صَدْرِكَ، لكِنَّكَ ما إنْ تُفيقَ في صَبيحَةِ اليَوْمِ التالي حتَّى يَعْتَريكَ القَرَفُ، وَ لَيْسَ مِنْ خُمارِ الرَّأْسِ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّكَ تُدْرِكُ أنَّ شَيْئاً لم يَتَغَيَّرْ، وأنَّكَ ما زِلْتَ تَرْسِفُ في قُيودِ واقِعِكَ البائِسِ. والأَمْرُ عَيْنُهُ يَنْطَبِقُ عَلى هذهِ الكُتُبِ.
إنَّ السَّبَبَ الذي يَجْعَلُنا نَهيمُ بِها هُوَ تِلْكَ “النَّشْوَةُ” السريعة التي تَمْنَحُها لِـ “الأَنا” المُتَضَخِّمَةِ لَدَيْنا؛ إذْ تَتَخَيَّلُ النَّفْسُ حالَها كَما تُصَوِّرُها تِلْكَ الأَوْراقُ: قَوِيَّةً، شامِخَةً، ثَرِيَّةً، ومَحطَّ إعْجابِ الآخَرينَ. ومَعَ كُلِّ صَفْحَةٍ تُقَلِّبُها، تَزدادُ انْغِماساً في هذا السَّرابِ، وتَنْسَى أنَّكَ في الحَقيقةِ لَسْتَ بِقَوِيٍّ ولا ثَرِيٍّ ولا ذا صيتٍ. الكِتابُ لا يُغَيِّرُ حَياتَكَ، بَلْ يُلْهيكَ عَنْ حَقيقتِكَ لَحَظاتٍ.
وبَعدَ أنْ تُنْهِيَ كَوْمَةً مِنْ هذهِ الأَسْفارِ، قَدْ يَغُرُّكَ الظَّنُّ بِأَنَّكَ غَدَوْتَ أَكثَرَ ثِقَةً ودَهاءً ووَعْياً، لكِنَّ الحَقيقَةَ المُرَّةَ أنَّ شَيْئاً لم يَتَبَدَّلْ في دُنْياكَ، لِأَنَّكَ آثَرْتَ البَقاءَ في حُجْرَتِكَ تَقْرَأُ عَنِ “النُّمُوِّ”، بَدَلاً مِنْ أنْ تَخْرُجَ إلى العالَمِ وتَصْنَعَ فِعْلاً حَقيقِيّاً يُغَيِّرُ مَسارَ واقِعِكَ ويُنمِيكَ فِعْلِياَ.
بَلْ إنَّ الإدْمانَ عَلى قِراءَتِها يُرَسِّخُ في وِجْدانِكَ فِكْرَةَ أَنَّكَ “بِحاجَةٍ إلى المُساعَدَةِ”، عَلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّكَ في الغالِبِ لا تَشْكو بَأْساً حَقيقِيّاً. كَثيرونَ يَهْوَوْنَ تَشْخيصَ أَنْفُسِهِمْ بِعِلَلٍ نَفْسِيَّةٍ كالوَسْواسِ القَهْرِيِّ أوِ الاكْتِئابِ، أو حتى فرْطُ الحرَكَة والحَقُّ أنَّ أَغْلَبَهُمْ يُبالِغونَ. فالمَرَضُ النَّفْسِيُّ لا يُعْتَدُّ بِهِ إلا إذا قَرَّرَهُ مُخْتَصٌّ مُعْتَمَدٌ بل وأمِيْن في التشْخِيص في عِلْمِ النَّفْسِ. إنَّ مُجَرَّدَ اعْتِقادِكَ بِأَنَّ “ثَمَّةَ خَطْباً ما فيكَ” هُوَ جَذْرُ اليَأْسِ. لأنكَ تَخْلُقُ “عَقْلِيَّةَ الضَّحِيَّةِ” التي لا تَجْلِبُ لِصاحِبِها سِوى مَزيدٍ مِنَ الأَلَمِ، بل إنَّ الطامَّةَ الكبرى لتكمنُ في كونِ عقليةِ الضحيّةِ هذه سجيّةً مُلازِمة، تُلقي بظلالها القاتمةِ على سائرِ شؤونِ المرءِ وآجالِهِ، فلا يلبثُ أن يُمسيَ، في غايةِ الأمر، خصيمَ روحِهِ، وسجينَ رؤيتِهِ لنفسِهِ.
وإنَّ جُلَّ ما يُؤلَّفُ في بابِ تَطويرِ الذاتِ لَيُصَبُّ في قالَبٍ نمطيٍّ واحد؛ إذ يَنْزِعُ مُصنِّفُهُ او الكاتِب إلى وَهْمٍ مفادُهُ أنَّ سائرَ القارئينَ يقفون على أرضِهِ، ويُعايشونَ زمانَهُ، ويُحاطونَ بذاتِ ظروفِهِ ومجتمعِهِ. وقد غابَ عنهُ أنَّ هذهِ المُحَدِّداتِ بعينِها هي المَعادِنُ الأولى التي منها يُصنَعُ الفردُ، وهي التي تَصوغُ كيانَهُ وتُشَكِّلُ هويَّتَهُ فَتراهُ يُدَنْدِنُ حَوْلَ الأُسطوانَةِ المَشْروخَةِ ذاتِها:
“الأَنا هِيَ العَدُوُّ.”
“كُنْ حاضِرَ الذِّهْنِ مِئَةً بالمِئَةِ مِنَ الوَقْتِ.”
“تَجاهَلْ مَشاعِرَكَ لِأَنَّ دِماغَكَ قابِلٌ للتَّشْكيلِ.”
“تَأَمَّلْ.”
“تِصالًح مِعْ نَفْسِكَ”
“لا تَنَمْ، اسْتَغِلَّ الوَقْتَ لِكَسْبِ المالِ.”
“رَدِّدْ عِباراتِكَ الإيجابِيَّةَ كُلَّ يَوْمٍ.”
يا للسُخرِية، فَهذِهِ هِيَ الرُّقَى التي يُرَدِّدونَها، وتِلْكَ هِيَ التَّعاويذُ التي يَبثُّونَها. يَسْتَبْدِلونَ العُمْقَ والفَهْمَ الحَقيقِيَّ لِتَعْقيداتِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ بِهذِهِ الشِّعاراتِ الجَوْفاءِ. إنَّهُمْ يَبيعونَكَ الوَهْمَ القائِلَ بِأَنَّ الارْتِقاءَ رِحلَةٌ سَهْلَةٌ، وأنَّ الحِكْمَةَ وَصْفَةٌ جاهِزَةٌ، وما هِيَ في الحَقيقَةِ إلا مُكابَدَةٌ وصِراعٌ. إنَّهُمْ يُغْفِلونَ عَمْداً أنَّ المَرْءَ لا يَنْضَجُ إلا بِخَوْضِ غِمارِ التَّجْرِبَةِ، ولا يَقْوى إلا بمُواجَهَةِ الإخْفاقِ، ولا يَفْهَمُ نَفْسَهُ إلا إذا تَحَمَّلَ أَلَمَ النَّظَرِ في ظُلُماتِها. فَبَدَلاً مِنْ أنْ تَكونَ هذهِ الكُتُبُ دَليلاً، أَصْبَحَتْ هِيَ الحِجابَ الذي يَحْجُبُكَ عَنِ الواقِعِ، وعَنِ الفِعْلِ الحَقيقِيِّ، وعَنْ نَفْسِكَ.
أَلَا تَرَىٰ، يَا عَزيزي، أَنَّ هَٰذَا المَشْهَدَ قَدِ اطَّرَقَ سَمْعَكَ وَبَصَرَكَ مِنْ قَبْلُ؟
إِنَّ عِلَّةَ رَوَاجِ سُوقِ “الرُّقِيِّ بِالذَّاتِ”، بِمَا تَزْخَرُ بِهِ مِنْ كُتُبٍ وَمَحَاضِرَ وَمُرَبِّينَ، هِيَ أَنَّ رِحَابَهُ مَشْرَعٌ لِكُلِّ غَادٍ وَرَائِحٍ، وَمَلْجَأٌ لِمَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ وَلَا عِلْمَ. فَإِنَّ تَصْنِيفَ كِتَابٍ فِي هَٰذَا المِضْمَارِ لَهُوَ أَهْوَنُ مِنْ شَرْبَةِ مَاءٍ؛ إِذْ لَا يَحْتَاجُ المَرْءُ فِيهِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ قَبَسَاتٍ مِمَّا يُدْعَى “الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ”، وَاجْتِرَارِ قَوَالِبَ جَوْفَاءَ طَنَّانَةٍ قَدْ بُلِيَتْ مِنْ كَثْرَةِ التَّرْدِيدِ.
وَإِنَّ جُلَّ هَٰذَا الكَلَامِ لَضَغَاثُ أَحْلَامٍ وَسَرَابٌ خَادِعٌ. فَبِمِنْظَارِ الجِبِلَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ، يَسْتَحِيلُ عَلَى المَرْءِ أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظَ الفُؤَادِ، حَاضِرَ اللُّبِّ فِي كُلِّ آنٍ وَحِينٍ؛ وَمَنِ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ، فَهُوَ إِلَى البَهِيمَةِ العَجْمَاءِ أَقْرَبُ مِنْهُ إِلَى الإِنْسَانِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ النِّسْيَانُ وَتَغْشَاهُ الغَفْلَةُ. نَعَمْ، قَدْ يُجْدِي التَّأَمُّلُ نَفْعًا فِي مَوَاطِنَ مَخْصُوصَةٍ كَالتَّأَهُّبِ لِخُطْبَةٍ أَوِ اسْتِعْدَادٍ لِامْتِحَانٍ، لَكِنَّهُ إِنِ اسْتَحَالَ إِلَى وَسْوَاسٍ قَهْرِيٍّ غَايَتُهُ “إِصْلَاحُ النَّفْسِ” كَمَا تَدَّعِي تِلْكَ الأَسْفَارُ، فَإِنَّ مَآلَهُ أَنْ يَمْقُتَكَ إِلَى نَفْسِكَ وَيُبَغِّضَهَا إِلَيْكَ أَضْعَافَ مَا كَانَ.
ثُمَّ مَاذَا لَوْ أَنِّي لَمْ أَبْتَغِ ثَرَاءً فاحِشاً وَلَا شُهْرَةً؟ مَاذَا لَوْ كَانَتْ غَايَتِي مُجَرَّدَ حَيَاةٍ وَادِعَةٍ سَاكِنَةٍ، لَا صَخَبَ فِيهَا وَلَا نَصَبَ؟ المُعْضِلَةُ أَنَّ تِلْكَ الكُتُبَ تُلْزِمُنَا كَرْهًا “أُنْمُوذَجًا مِثَالِيًّا” لِمَا يَجِبُ أَنْ نَكُونَ عَلَيْهِ، حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَا نَرُومُهُ حَقِيقَةً. إِنَّهَا تُنَأِّينَا عَنْ حَقِيقَةِ أَنَّ فِينَا مِنَ الكِفَايَةِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ قِيمَتَنَا لَيْسَتْ فِي المَآلِ، بَلْ هِيَ كَائِنَةٌ فِي الحَالِ.
وَأَمْرٌ آخَرُ وهُوَ إِنَّ كَظْمَ الانْفِعَالَاتِ وَوَأْدَهَا بِاسْمِ الإِنْتَاجِيَّةِ لَنْ يُلَاشِيَهَا، بَلْ سَيَجْعَلُهَا طَيْفًا لَا يُفَارِقُكَ وَظِلًّا يُطَارِدُكَ سَرْمَدًا. فَالمَشَاعِرُ رُسُلٌ حَيَوِيَّةٌ وَإِشَارَاتٌ جِبِلِّيَّةٌ تُرْشِدُكَ السَّبِيلَ. حِينَ تَصْدِمُ إِصْبَعَكَ فَتَغْضَبُ، فَأَنْتَ تَتَعَلَّمُ الحَيْطَةَ. وَحِينَ تَسْتَشْعِرُ الوَحْشَةَ، فَذَلِكَ نِدَاءٌ بَاطِنِيٌّ لِتَجْتَنِبَ الأَسْبَابَ التِي أَفْضَتْ بِكَ إِلَيْهِ. فَإِنْ أَنْتَ لَهَثْتَ وَرَاءَ مَا تُزْجِيهِ إِلَيْكَ تِلْكَ الرَّقَائِمُ (أي الكُتُب)، فَإِنَّكَ لَنْ تُحْرِزَ نَفْعاً يُرْتَجَى، وَلَنْ تَبْلُغَ غَايَةً مَحْمُودَةً؛ وَذَلِكَ أَنَّكَ تَعْمِدُ، عَنْ سَابِقِ إِصْرَارٍ، إِلَى أَنْ تُدِيرَ ظَهْرَ المِجَنِّ لِنِدَاءِ سَجِيَّتِكَ، وَتُصِمَّ أُذُنَيْكَ عَنْ صَوْتِ فِطْرَتِكَ الأَصِيلِ. وَإِنْ لَاحَ لَكَ بَارِقُ تَغْيِيرٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا وَهَجُ حَمَاسَةٍ آنِيَّةٍ، وَمَرَدُّهُ إِلَى فَوْرَةٍ عَاطِفِيَّةٍ.
وَاعْلَمْ يَا عَزِيْزي اللَّه أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يُبْتَدَأُ بِجَذْوَةِ الحَمَاسِ وَحْدَهَا، فَمَآلُهُ إِلَى الخُبُوِّ السَّرِيعِ وَالأُفُولِ العَاجِلِ؛ بَلْ لَرُبَّمَا انْكَفَأْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ إِلَى حَالٍ هِيَ أَدْنَى مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ. إِنَّ عَظَائِمَ الأُمُورِ لَا تُبْنَى عَلَى نِيرَانِ الحَمَاسَةِ المُتَّقِدَةِ، بِقَدْرِ مَا تُؤَسَّسُ عَلَى نُورِ الحِكْمَةِ وَبَصِيرَةِ الرَّوِيَّةِ. وَلَوْ كَانَ الأَمْرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، لأَضْحَى النَّاسُ كَافَّةً أَعْلَامًا وَأَفْذَاذًا، وَلأَمْسَى الجَمِيعُ عُلَمَاءَ وَأَثْرِيَاءَ وَمُبْدِعِينَ عِظَامًا. أَلَمْ تَرَ كَمْ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ هَذِهِ الفَوْرَةُ لِفِكْرَةٍ ظَنَّهَا طَوْقَ النَّجَاةِ، ثُمَّ مَا لَبِثَتْ أَنْ خَبَتْ وَخَبَا مَعَهَا ؟
وَفَوْقَ ذَلِكَ، لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ خَطَأَكَ وَحْدَكَ أَوْ خَطَأَ المُجْتَمَعِ. إِنَّمَا ذَوُو الطِّبَاعِ الخَبِيثَةِ هُمْ مَنْ دَأَبُهُمْ إِلْقَاءُ اللَّوْمِ عَلَى الآخَرِينَ أَبَدًا، وَأُولَئِكَ الَّذِينَ احْتَقَرُوا ذَوَاتَهُمْ هُمْ مَنْ يُسَوِّمُونَهَا سُوءَ العَذَابِ وَيَلْهَبُونَهَا بِسِيَاطِ اللَّوْمِ بِلَا هَوَادَةٍ. فَلْتَتَذَكَّرْ أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ تَجْرِبَتَهُ المُتَفَرِّدَةَ، وَأَنَّ الأُمُورَ لَيْسَتْ بِذَلِكَ البَيَاضِ النَّاصِعِ أَوِ السَّوَادِ الحَالِكِ كَمَا تُصَوِّرُهَا تِلْكَ الصَّحَائِفُ. أَمَّا تِلْكَ “التَّوْكِيدَاتُ اليَوْمِيَّةُ” المَزْعُومَةُ، فَمَا هِيَ إِلَّا مَضْيَعَةٌ صَرِيحَةٌ لِلْعُمُرِ وَهَدْرٌ لِلْوَقْتِ بَيِّنٌ. يُلَقِّنُنَا كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الأَسْفَارِ أَنْ نُرَدِّدَ، كَالبَبَّغَاوَاتِ، تَرَانِيمَ جَوْفَاءَ مِنْ قَبِيلِ:
“أَنَا اليَوْمَ أَكْثَرُ ثَرَاءً”،
“أَنَا أَسْتَحِقُّ كُلَّ الحُبِّ فِي هَذَا الكَوْنِ”،
“أَنَا جَمِيلٌ.”
وَلَا أَدْرِي! وَلَكِنْ، مَنْ صَدَّقَ هَذَا الهُرَاءَ فَقَدْ جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ أُضْحُوكَةً لِلسَّاخِرِينَ والمُتَنمِّريْن وَمَطِيَّةً لِلازْدِرَاءِ. وَهَلْ يَخَالُ ذُو لُبٍّ أَنَّ مُجَرَّدَ التَّلَفُّظِ بِالشَّيْءِ يُحِيلُ الوَهْمَ حَقِيقَةً؟ إِنَّ هَذَا لَضَرْبٌ مِنْ مُخَاتَلَةِ الذَّاتِ، وَمُحَاوَلَةٌ بَائِسَةٌ لِطِلَاءِ جِدَارٍ تَصَدَّعَتْ أَرْكَانُهُ دُونَ أَنْ يُمْسَّ أَسَاسُهُ المُنْهَارُ. إِنَّ العَقْلَ لَأَفْطَنُ مِنْ أَنْ تَنْطَلِيَ عَلَيْهِ هَذِهِ الحِيلَةُ السَّاذَجَةُ؛ فَهُوَ يَعْلَمُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّكَ لَسْتَ ثَرِيًّا، وَيُدْرِكُ أَنَّكَ لَسْتَ كَامِلًا، وَأَنَّكَ لَسْتَ بِالضَّرُورَةِ جَمِيلًا. وَهَذَا التَّنَاقُضُ الفَاضِحُ بَيْنَ مَا تَهْذِي بِهِ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ حَقًّا، لَا يُوَلِّدُ إِلَّا شِقَاقًا فِي النَّفْسِ عَمِيقًا، وَقَلَقًا فِي الفُؤَادِ دَفِينًا.
إِنَّهُمْ يَبِيعُونَكَ “السِّحْرَ اللَّفْظِيَّ” بَدِيلًا عَنِ “الجَهْدِ الفِعْلِيِّ”. فَالثِّقَةُ الحَقَّةُ لَا تُسْتَجْلَبُ بِتَكْرَارِ “أَنَا وَاثِقٌ”، بَلْ تُكْتَسَبُ بِـ “الكَفَاءَةِ” وَتُرَسَّخُ بِـ “الإِنْجَازِ” عَلَى أَرْضِ الوَاقِعِ. وَالغِنَى لَا يُنَالُ بِالأَمَانِي، بَلْ بِالسَّعْيِ وَالتَّدْبِيرِ وَمُوَاجَهَةِ حَقَائِقِ الاقْتِصَادِ كَمَا هِيَ. وَهَا هُنَا تَكْمُنُ الطَّامَّةُ الكُبْرَى، وَالدَّاهِيَةُ الأَخْطَرُ فِي سِلْسِلَةِ الخِدَاعِ: إِبْدَالُ مَشَقَّةِ “الفِعْلِ” بِيُسْرِ “القَوْلِ”، وَإِيهَامُكَ بِأَنَّكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ “تَتَلَفَّظَ” بِالنَّجَاحِ فَتَبْلُغَهُ، عِوَضًا عَنْ أَنْ “تَعْمَلَ” وَتُكَابِدَ المَشَاقَّ فِي سَبِيلِهِ.
لكِنَّ الحَقَّ أنَّ هذهِ الجُمَلَ هَباءٌ مَحْضٌ، وكَلامٌ فارِغٌ. لِأَنَّ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها في قَرارَةِ نَفْسِهِ، سَيَظَلُّ عَقْلُهُ الباطِنُ يُذَكِّرُهُ بِعَكْسِها تَماماً. هُوَ يَقِفُ أَمامَ المِرآةِ مُتَمْتِماً: “أَنا جَميلٌ”، بَيْنَما تُرَدِّدُ أَعْماقُهُ: “أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ تَكْذِبُ”. وما النَّتيجةُ؟ مَزيدٌ مِنْ مَقْتِ الذَّاتِ واحْتِقارِها.
إنَّ الجَميلَ حَقّاً، أو الثَّرِيَّ حَقّاً، أو النَّاجِحَ حَقّاً، لا يَحْتاجُ إلى بُرْهانٍ يُقَدِّمُهُ لِلنَّاسِ. اِعلَم يَاعَزيْزي أَنَّهَا قَاعِدَةٌ طَالَمَا رَدَّدْتُهَا وَأَعَدْتُهَا، وَهِيَ وَاللهِ لَحَقِيقَةٌ دَامِغَةٌ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ حَدِيثًا عَنِ الشَّيْءِ، وَإِشَادَةً بِهِ، وَتَغَنِّيًا بِذِكْرِهِ، هُوَ فِي الغَالِبِ أَشَدُّهُمْ عَوَزًا إِلَيْهِ، وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ حِيَازَتِهِ. فَمَنْ أَكْثَرَ اللَّغَطَ وَالحَدِيثَ عَنِ النِّسَاءِ، مَا هُوَ إِلَّا ذَاكَ الَّذِي مَا أَلْفَتْهُ امْرَأَةٌ إِلَّا صَدَّتْ عَنْهُ وَأَشَاحَتْ بِوَجْهِهَا، حَتَّى أَوْلَتْهُ الجَمِيعُ دُبُرَهُنَّ. وَمَنْ بَالَغَ فِي الخَوْضِ بِأَمْرِ المَالِ وَالثَّرَاءِ، فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ أَشَدُّ الخَلْقِ إِلَيْهِ افْتِقَارًا وَأَعْظَمُهُمْ عَوَزًا. وَمَنْ أَسْهَبَ فِي وَصْفِ الحُبِّ وَالتَّغَنِّي بِالهُيَامِ، فَهُوَ أَجْفَاهُمْ وِجْدَانًا، وَأَقَلُّهُمْ بَذْلًا، وَأَعْجَزُهُمْ عَنْ صِدْقِ التَّعْبِيرِ بِالفِعَالِ.وَمَنْ تَبَاهَى بِالشَّجَاعَةِ وَزَعَمَ الإِقْدَامَ، فَهُوَ أَجْبَنُهُمْ قَلْبًا عِنْدَ المُلِمَّاتِ وَأَسْرَعُهُمْ فِرَارًا. وَمَنْ يَتَشَدَّقْ بِالحِكْمَةِ وَيُكْثِرْ مِنْهَا، فَهُوَ أَضْحَلُهُمْ فِكْراً وَأَبْعَدُهُمْ عَنْهَا.
وَمَنْ يُبَاهِي بِقُوَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فَهُوَ أَشَدُّهُمْ شُعُوراً بِالعَجْزِ وَأَخْوَفُهُمْ مِنْ فِقْدَانِ النُّفُوذِ. وَمَنْ يَدَّعِ الصَّلَابَةَ وَعَدَمَ المُبَالَاةِ، فَهُوَ أَهَشُّهُمْ فُؤَاداً وَأَسْرَعُهُمُ انْكِسَاراً. إِنَّ اللِّسَانَ ياعَزِيْزِي فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ، هُوَ المِغْرَفَةُ التِي تَكْشِفُ مَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ القَلْبُ؛ فَمَا الإِكْثَارُ إِلَّا سِتَارٌ يُحَاوِلُ أَنْ يُوَارِيَ عَظِيمَ النَّقْصِ.
وأُرِيْدُكَ أنْ تَأَمَّلْ حالَ رَجُلٍ “كَبيل غيتس”، هَلْ تَراهُ يَتَباهى بِعَرَبَةٍ فارهَةٍ أو يَغْرَقُ في زَخارِفِ العَلاماتِ التِّجارِيَّةِ؟ كَلَّا. لِأَنَّهُ لا يَحْتاجُ أنْ يُثْبِتَ لِأَحَدٍ شَيْئاً؛ فَهُوَ غَنِيٌّ بعقله قبل المادة بِالفِعْلِ. وعَلى النَّقيضِ تَماماً، لِماذا يَنْشُرُ الكَثيرونَ صُوَرَهُمُ المُتَكَلَّفَةَ عَلى وَسائِطِ التَّواصُلِ؟ لِأَنَّهُمْ في دَواخِلِهِمْ مُزَعْزَعونَ غَيْرُ واثِقينَ، فَيُحاوِلونَ إقْناعَ أَنْفُسِهِمْ والعالَمِ بِأَنَّهُمْ “جَديرونَ بالاهْتِمامِ”.
القاعِدَةُ بَسيطَةٌ: النَّاجِحُ حَقّاً لا يَحْتاجُ لِإثْباتِ نَجاحِهِ. انْتَهى.
لِذَلِكَ، إنَّ كُتُبَ تَطويرِ الذَّاتِ مَضْيَعَةٌ لِلعُمُرِ ومُعْظَمُها يَقومُ عَلى عُلومٍ زائِفَةٍ، ودِراساتٍ هَشَّةٍ لا تَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْكَنَ إلَيْها. فَبَدَلاً مِنْ أنْ تُهْدِرَ وَقْتَكَ في تِلْكَ الأَوْراقِ، اصْنَعْ شَيْئاً واقِعِيّاً يَمْلَأُ رُوحَكَ: اخْرُجْ مَعَ أَصْدِقائِكَ وَعَائِلَتِكْ، شاهِدْ فَنّاً جَميلاً، مارِسِ الرِّياضَةَ، تَعَلَّمْ مَهارَةً جَديدَةً، افْعَلْ شَيْئاً تَرى فيهِ الجُنونَ المُمْتِعَ. اِقْرَأْ مَا يَنْفَعُكَ وَيَجْلُو بَصِيرَتَكَ.
اِقْرَأْ فِي بَدَائِعِ الأَدَبِ؛ فَفِيهِ رِقَّةُ الشُّعُورِ وَجَزَالَةُ الأُسْلُوبِ. وَاغُصْ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ؛ فَعِلْمُهَا يُنِيرُ لَكَ دُرُوبَهَا وَيَكْشِفُ لَكَ خَبَايَاهَا. وَقَلِّبْ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ؛ فَهُوَ مِرْآةُ الأُمَمِ وَدِيوَانُ العِبَرِ. وَتَأَمَّلْ فِي فُنُونِ السِّيَاسَةِ؛ لِتُدْرِكَ كَيْفَ تُسَاسُ الدُّوَلُ وَتُدَبَّرُ الأُمُورُ. وَابْحَثْ فِي عَالَمِ الأَدْيَانِ؛ لِتَرَى كَيْفَ سَمَتِ الأَرْوَاحُ وَتَعَلَّقَتْ بِخَالِقِهَا. وَتَفَكَّرْ فِي رِحَابِ الفَلْسَفَةِ؛ فَفِيهَا مَيْدَانُ العَقْلِ وَمَسَارِحُ الفِكْرِ. كُلُّ هَذِهِ أَنْهَارٌ مِنَ المَعْرِفَةِ تُغَذِّي رُوحَكَ، وَتَصْقُلُ عَقْلَكَ، وَتُهَذِّبُ وِجْدَانَكَ. فَالقِرَاءَةُ هِيَ النُّورُ الَّذِي يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ، وَيَرْفَعُ المَرْءَ مَقَامًا عَلِيًّا.
وَلا أُخْفِيْكَ سِرْاً يَاعَزِيْزي، أَنِّي قَدْ طَالَعْتُ صَفَحَاتِ عَدَدٍ غَيْرِ قَلِيلٍ مِنْهَا فِي سَالِفِ الأَيَّامِ، فَمَا أَلْفَيْتُ فِيهَا إِلَّا مَعَايِبَ مُشْتَرَكَةً، وَمَثَالِبَ تَتَكَرَّرُ كَأَنَّهَا نُسِخَتْ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَلِذَلِكَ تَرى إِنْسَانَ هَذَا العَصْرِ يَئِنُّ تَحْتَ وَطْأَةِ الحَيَاةِ الثِّقَالِ، كَأَنَّهَا أَمْوَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ تُوشِكُ أَنْ تُغْرِقَهُ. ترَاهُ يُكَابِدُ وَحْشَةً تَنْهَشُ رُوحَهُ، وَيَتَخَبَّطُ فِي تِيهٍ مِنَ الضَّيَاعِ لَا يَنْقَضِي.
لَابُدَ أن تعْلَّمْ يَاعَزِيْزَي أنَّ المَرْءَ، في حقيقةِ أَمْرِهِ، هو نِتاجُ عَصْرِهِ وَوَلِيدُ بِيئَتِهِ. إنَّهُ خُلاصةٌ مُعَقَّدَةٌ مِنْ إكراهاتِ الزَّمانِ وَقُيودِ المَكانِ. فَمَهْمَا أُوتِيتَ مِنْ أَسْبابِ العَظَمَةِ، إنْ جاءَ سَعْيُكَ في غَيْرِ أَوانِهِ، أو في زَمَنٍ لا يَقْدُرُ قِيمَتَكَ، ضَلَلْتَ الوِجْهَةَ ولن تَبْلُغَ الغايةَ. وإنْ نَزَلْتَ بِأَرْضٍ أو دوْلَةٍ تَئِدُ الطُّموحَ وتَغْتالُ أَحْلامَ النَّابِهِينَ، فَمَآلُكَ إلى الإخْفاقِ وإنْ كُنْتَ ذا عَزْمٍ كالجِبالِ. وإنْ كانَ مُجْتَمَعُكَ يُقَدِّسُ السَّطْحِيِّينَ ويَرْفَعُ أَهْلَ التَّفاهَةِ، فَأَنَّى لِصاحِبِ العُمْقِ أنْ يَجِدَ لَهُ مَوْطِئَ قَدَمٍ، وكَيْفَ لَهُ أنْ يَصِلَ؟
تِلْكَ كُلُّها، يا عَزيزي، طَبَقاتٌ مُتَراكِمَةٌ مِنَ الواقِعِ الإنْسانيِّ، وشَبَكَةٌ مِنَ العَلائِقِ التي لا يُمْكِنُ أَبَداً اخْتِزالُها في قَوالِبَ جاهِزَةٍ أو خُطُواتٍ مُعَلَّبَةٍ. وهُنا يَكْمُنُ الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ؛ فَبَيْنَما تَعْتَرِفُ الفَلْسَفَةُ العَميقَةُ بِهذِهِ القُيودِ، وتَدْعوكَ لِفَهْمِها ومُغالَبَتِها ما اسْتَطَعْتَ، تَأْتي “صِناعَةُ التَّنْمِيَةِ” لِتَقُولَ لَكَ: لا يُهِمُّ. أَنْتَ وَحْدَكَ المَسْؤولُ.
إنَّها ببساطة تَتَجاهَلُ ثِقَلَ الزَّمَنِ، وسَطْوَةَ المَكانِ، وظُلْمَ البِنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ، ثُمَّ تُلْقي بِاللائِمَةِ كُلِّها عَلى الفَرْدِ إنْ هُوَ عَجَزَ عَنِ اخْتِراقِ هذا الجِدارِ. فَبَدَلاً مِنْ أنْ تَدْعُوَهُ لِفَهْمِ هذِهِ الطَّبَقاتِ والتَّعامُلِ مَعَها بِحِكْمَةٍ وصَبْرٍ، تَدْعُوهُ لإنْكارِها بِقُوَّةِ “التَّفْكيرِ الإيجابِيِّ” الأَجْوَفِ. وحِينَ يَسْقُطُ الفَرْدُ حَتْماً تَحْتَ وَطْأَةِ هذِهِ الحَقائِقِ التي لا تَرْحَمُ، لا يَجِدُ مِنْ هذا الفِكْرِ إلا تُهْمَةً جاهِزَةً: “أَنْتَ لَمْ تُحاوِلْ كِفايَةً”، أو “ذَبْذَباتُكَ لَمْ تَكُنْ نَقِيَّةً”. فَيا لَهُ مِنْ ضَلالٍ مُبِينٍ، ذلِكَ الذي يَسْتَبْدِلُ فَهْمَ الوُجودِ المُعَقَّدِ بِوَهْمِ السَّيْطَرَةِ المُطْلَقَةِ، ويُحَوِّلُ الضَّحِيَّةَ إلى جانٍ عَلى نَفْسِهِ.
ولهذا تَلْقَى أَغْلَبَ مَنْ تَرَى فِيهِمْ صَلابَةً في الشَّخْصِيَّةِ، أو رُسُوخاً في العَقْلِ، أو تَمَكُّناً في المادَّةِ، لم تَقَعْ أَعْيُنُهُمْ عَلى هَذا الضَّرْبِ مِنَ الكُتُبِ قَطُّ، أو رُبَّما نَظَروا فيها نَظْرَةَ العارِفِ فَأَشاحوا عَنْها بازْدِراءٍ. بَلْ لَقَدْ شَطَّ بَعْضُهُمْ فِي التَّقْرِيعِ، فَوَسَمَ هَذِهِ المُؤَلَّفَاتِ بِأَنَّهَا لَمْ تُصَنَّفْ إِلَّا لِتُخَاطِبَ عُقُولَ الغِلْمَانِ وَالصِّبْيَةِ! وَمَا ذَاكَ وَاللهِ إِلَّا لِأَنَّهَا تَعْمِدُ إِلَى تَبْسِيطٍ مُخِلٍّ، وَتُعَالِجُ أَعْقَدَ مَعَاضِلِ النَّفْسِ وَتَقَلُّبَاتِ الزَّمَانِ بِحُلُولٍ سَاذَجَةٍ، تُقَدَّمُ بِلُغَةٍ تَخْلُو مِنَ العُمْقِ وَتَفْتَقِرُ إِلَى النَّضْجِ، كَأَنَّمَا الحَيَاةُ لُعْبَةٌ ذَاتُ قَوَاعِدَ ثَابِتَةٍ، وَكَأَنَّ النَّاسَ نُسَخٌ مُتَطَابِقَةٌ لَا يَخْتَلِفُونَ فَمَنْ فَهِمَ الحَياةَ عَلى حَقيقتِها، لا تَنْطَلي عَلَيْهِ الأَلاعيبُ المُغَلَّفَةُ.
إنَّ المُعْضِلَةَ ياعزيزي بِكُلِّ بَساطَةٍ، تَكْمُنُ في أَنَّنا صِرْنا مُسْتَعِدِّينَ لِأَنْ نَرَى كَثيراً مِنْ أَرْبابِ النُّفوذِ عَلى مَنَصَّاتِ التَّواصُلِ يَأْتُونَ كُلَّ فِعلٍ، رَخيصاً كانَ أم سَخيفاً، مِنْ أَجْلِ جَمْعِ المالِ. نَرَى الإعلانَ المُضَلِّلَ، والمُنْتَجَ الرَّديءَ، والأَفْعالَ الحَمْقاءَ، ويَسْتَمِرُّونَ في فِعْلِها ما دامَتْ تُدِرُّ عَلَيْهِمُ الذَّهَبَ.
وعَلى ذاتِ المِنْوالِ يَسيرُ كَثيرٌ مِنْ كُتَّابِ تَنْمِيَةِ الذَّاتِ هؤلاءِ؛ فَهُمْ يَسْتَعْمِلونَ المَنْطِقَ نَفْسَهُ. الفَرْقُ الوَحيدُ أنَّ هَذا الأَخيرَ اتَّخَذَ مِنْ قَلَمِهِ سِلاحاً، ومِنْ كَلِماتِهِ شَرَكاً، يَجْني بِهِ المالَ، غَيْرَ عابِئٍ بِمِقْدارِ التَّضْليلِ الذي يَبُثُّهُ بَيْنَ السُّطورِ. فَكِلاهُما، صاحِبُ المَنْصَّةِ وصاحِبُ القَلَمِ، يَنْهَلانِ مِنْ مَعينٍ واحِدٍ: مَعينِ التِّجارَةِ بالوَهْمِ.
ولكِنَّ الطَّامَّةَ الكُبْرَى، والمُشْكِلَةَ الأَعمَقَ، أَنَّنا ما زِلْنا نَنْظُرُ إلى الكَلِمَةِ المَطْبوعَةِ بِقَداسَةٍ زائِفَةٍ؛ فَنَحْسَبُ أنَّ كُلَّ ما وُضِعَ بَيْنَ دَفَّتَيْ كِتابٍ يَسْتَحِقُّ القِراءَةَ، وأنَّ كُلَّ مَنْ نُشِرَ لَهُ كِتابٌ هُوَ كاتِبٌ جَيِّدٌ ومُؤْتَمَنٌ عَلى العُقولِ. وهُنا مَقتَلُ الوَعْيِ؛ حِينَ يَسْتَوي الغَثُّ والسَّمينُ، وتَخْتَلِطُ الحِكْمَةُ بالتِّجارَةِ، فَيُصْبِحُ القارِئُ فَرِيسَةً سَهْلَةً لِمَنْ أَجادَ تَزْويقَ الكَلامِ، ولَوْ كانَ ما في جَوْفِهِ هَباءً مَنْثوراً.
وَلَطَالَمَا أَسْلَفْتُ القَوْلَ لَكَ يا عَزِيزي، أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُورِثُ النُّفُوسَ عِلَلَهَا وَأَسْقَامَهَا، الإِغْرَاقَ فِي التَّوَقُّعَاتِ، وَالتَّعَلُّقَ بِسُقُوفٍ مِنَ الآمَالِ لَا يَنَالُهَا الوَاقِعُ. وَلِذَا، فَإِنَّ المُنْكَبَّ عَلَى مُطَالَعَةِ هَذِهِ الأَسْفَارِ (كُتُبِ التَّنْمِيَةِ)، إِنْ هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ مُغْفَلًا عَنْ زَيْفِهَا، ارْتَسَمَتِ الدُّنْيَا فِي مُخَيِّلَتِهِ بِلَوْنٍ وَرْدِيٍّ حَالِمٍ، وَهُوَ لَوْنٌ لَا يَمُتُّ إِلَى حَقِيقَتِهَا الصَّارِخَةِ بِأَدْنَى صِلَةٍ. وَهَذِهِ، لَعَمْرِي، هِيَ مَهْلَكَةُ “عُلُوِّ التَّوَقُّعَاتِ”.
وَتَكْمُنُ الخَدِيعَةُ الكُبْرَى فِي أَنَّهَا تُوهِمُ الإِنْسَانَ أَنَّهُ مَا خُلِقَ إِلَّا لِيَنْعَمَ بِالسَّعَادَةِ، وَأَنَّهَا هِيَ المُنْتَهَى وَالغَايَةُ الأَخِيرَةُ لِلْوُجُودِ. وَمَا أَنْ يَسْتَقِرَّ هَذَا الوَهْمُ فِي خَلَدِهِ، حَتَّى يَرْتَطِمَ لَا مَحَالَةَ بِصَخْرَةِ الوَاقِعِ الأَصَمِّ؛ فَالوَاقِعُ مُكَابَدَةٌ وَمَشَقَّةٌ، وَالحَيَاةُ دَارُ ابْتِلَاءٍ لَا دَارُ جَزَاءٍ.
وَثَانِيَ مُعْضِلة، أَنَّهَا تُرَسِّخُ ثَقَافَةَ “الإِيجَابِيَّةِ السَّامَّةِ”. فَهِيَ تُشَيْطِنُ المَشَاعِرَ الإِنْسَانِيَّةَ الجِبِلِّيَّةَ كَالحُزْنِ، أَوِ الخَوْفِ، أَوِ الغَضَبِ. تَعْتَبِرُهَا “طَاقَاتٍ سَلْبِيَّةً” يَجِبُ كَبْتُهَا وَقَمْعُهَا، بَيْنَمَا هِيَ فِي الأَصْلِ إِشَارَاتٌ حَيَوِيَّةٌ تُنَبِّهُنَا إِلَى مَوَاطِنِ الخَلَلِ. إِنَّهَا تُرِيدُنَا أَنْ نَكُونَ آلَاتٍ مُبْتَسِمَةً، لَا بَشَرًا يَشْعُرُونَ.
وَخِتَامًا يا عَزِيزي، لا يَخَالَنَّ أَحَدٌ أَنَّ فِي نَقْدِنَا هَذَا تَثْبِيطًا لِلْهِمَمِ، أَوْ دَعْوَةً إِلَى الخُمُولِ وَالاِسْتِسْلَامِ لِلْوَاقِعِ. كَلَّا!بَلْ هُوَ تَحْرِيضٌ عَلَى النُّضْجِ الحَقِيقِيِّ، وَاسْتِنْهَاضٌ لِلْبَصَائِرِ كَيْ تُمَيِّزَ الغَثَّ مِنَ السَّمِينِ. إِنَّ السَّعْيَ لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِهَا وَالتَّرَقِّي بِهَا لَهُوَ، بِلَا رَيْبٍ، غَايَةٌ مِنْ أَنْبَلِ الغَايَاتِ وَأَشْرَفِ المَقَاصِدِ. وَلَكِنَّ “صِنَاعَةَ التَّنْمِيَةِ البَشَرِيَّةِ”، بِصُورَتِهَا هَذِهِ، لَيْسَتْ هِيَ الدَّرْبَ المُوصِلَ إِلَى تِلْكَ الغَايَةِ، بَلْ هِيَ المَسْلَكُ الخَاطِئُ الَّذِي يَحِيدُ بِالسَّالِكِ عَنْ بُلُوغِهَا.
وَيجِبُ التنوِيه بِإِنَّ “التَّنْمِيئةَ البَشَرِيَّةَ” فِي سِيَاقِ نَقْدِنَا هَذَا، لَا تَعْنِي، بِطَبِيعَةِ الحَالِ، العُلُومَ الأَكَادِيمِيَّةَ الرَّصِينَةَ كَعِلْمِ النَّفْسِ، أَوْ عِلْمِ الاِجْتِمَاعِ، أَوْ الفَلْسَفَةِ؛ فَتِلْكَ حُقُولٌ لَهَا أُصُولُهَا وَمَنَاهِجُهَا. وَهِيَ، كَمَا أَوْضَحْتُ فِي جَمِيعِ مَقَالَاتِي، عُلُومٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بِمَعْنَى أَنَّهَا لِلْإِنْسَانِ وَمِنْ هِدَايَةِ الخَالِقِ لَهُ، وَجَمِيعُ العُلُومِ مُفِيدَةٌ وَنَافِعَةٌ. وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهَا هُنَا تِلْكَ “الصِّنَاعَةَ” الرَّائِجَةَ، وَذَلِكَ “السُّوقَ” المُزْدَهِرَ القَائِمَ عَلَى الكُتُبِ الأَكْثَرِ مَبِيعًا، وَالدَّوْرَاتِ التَّحْفِيزِيَّةِ الصَّاخِبَةِ، وَالمُتَحَدِّثِينَ الَّذِينَ يَعِدُونَ الجَمَاهِيرَ بِـ “وَصَفَاتٍ” جَاهِزَةٍ لِلسَّعَادَةِ، وَالثَّرَاءِ السَّرِيعِ، وَالنَّجَاحِ المُطْلَقِ. إِنَّهَا، بِاخْتِصَارٍ، سُوقٌ ضَخْمٌ يَقُومُ عَلَى فِكْرَةِ أَنَّ الفَرْدَ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِ وَاقِعِهِ المَحْضِ، وَهَزِيمَةِ ظُرُوفِهِ القَاهِرَةِ، بِمُجَرَّدِ “قُوَّةِ الإِرَادَةِ” وَ “التَّفْكِيرِ الإِيجَابِيِّ” وَ “قَانُونِ الجَذْبِ”.
فَإِنَّ البَدِيلَ الحَقَّ، وَالمَسْلَكَ الأَقْوَمَ، لَا يَكْمُنُ فِي تِلْكَ الوَصَفَاتِ العَاجِلَةِ، وَلَا فِي الحُلُولِ المُخْتَزَلَةِ، بَلْ هُوَ كَامِنٌ فِي أَمْرَيْنِ جَلِيلَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: الغَوْصُ عَلَى دُرَرِ الفِكْرِ الأَصِيلِ، وَالنَّهْلُ مِنْ مَعِينِ العُلُومِ الرَّصِينَةِ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ تُهْدِرَ وَقْتَكَ مَعَ كِتَابٍ يَعِدُكَ بِـ “الثَّرَاءِ فِي ثَلَاثِينَ يَوْمًا”، أَغْرِقْ فُؤَادَكَ فِي لُجَجِ الفَلْسَفَةِ العَمِيقَةِ، وَتَفَيَّأْ ظِلَالَ الأَدَبِ الرَّفِيعِ، وَاسْتَكْشِفْ أَغْوَارَ عِلْمِ النَّفْسِ الحَقِيقِيِّ وَدَقَائِقِ عِلْمِ الاِجْتِمَاعِ، وتَفَقَهْ في دِيِنكَ وَ طَالِعْ سَيْرَ الصَحَابَةِ وأعلامِ النُبَلاء فَهَذِهِ الحُقُولُ الشَّرِيفَةُ هِيَ الَّتِي تَمْنَحُكَ البَصِيرَةَ لِإِدْرَاكِ تَعْقِيدَاتِ النَّفْسِ وَتَشَابُكِ الوَاقِعِ، عِوَضًا عَنْ أَنْ تُلْقِيَ إِلَيْكَ بِإِجَابَاتٍ مُعَلَّبَةٍ جَامِدَةٍ.
وَثَانِيهِمَا: الإِذْعَانُ لِطَبِيعَةِ الوُجُودِ وَتَقَلُّبَاتِهِ. أَنْ تُسَلِّمَ بِأَنَّ الحَيَاةَ مَسِيرَةٌ يَتَعَاقَبُ فِيهَا العِثَارُ وَالاِنْتِصَابُ، وَأَنَّهَا دَارُ كَبَدٍ لَا دَارُ صَفْوٍ دَائِمٍ. وَأَنْ تُوقِنَ أَنَّ السَّعَادَةَ لَيْسَتْ حَالَةً سَرْمَدِيَّةً مُقِيمَةً، بَلْ هِيَ وَمَضَاتٌ نَقْتَنِصُهَا وَلَحَظَاتٌ نَخْتَلِسُهَا مِنْ بَيْنِ أَنْيَابِ الدَّهْرِ. إِنَّ القُوَّةَ الحَقَّةَ، وَالبَأْسَ الَّذِي لَا يَفِلُّ، إِنَّمَا يَكْمُنُ فِي مُجَابَهَةِ الوَاقِعِ كَمَا هُوَ، بِصِدْقٍ لَا يُشَابِهُ زَيْفٌ، وَشَجَاعَةٍ لَا يَعْتَرِيهَا وَجَلٌ؛ لَا فِي تَزْوِيقِهِ بِأَوْهَامٍ بَرَّاقَةٍ، أَوْ أَحْلَامٍ مُخَاتِلَةٍ، مَا تَلْبَثُ أَنْ تَنْقَشِعَ عَنْ سَرَابٍ خَادِعٍ لَا يَرْوِي ظَمَأً.
لَيْسَ فيكَ أَيُّ بَأْسٍ يَاعَزِيْزي، بَلْ إنَّ جَوْهَرَ كُتُبِ تَطويرِ الذَّاتِ هُوَ الأَنانِيَّةُ المُفْرِطَةُ، وهِيَ لَنْ تَزيدَكَ إلا بُؤْساً وهَواناً عَلى نَفْسِكَ. والنَّصيحَةُ الوَحيدَةُ التي تَحْتاجُها حَقّاً هِيَ:
اقْبَلْ نَفْسَكَ كَما هِيَ، حَتَّى لَوْ كُنْتَ تَرى في نَفْسِكَ الفَشَلَ والخُسْرانَ. لا بَأْسَ. لَسْتَ بِحاجَةٍ لِأَنْ “تُحَسِّنَ نَفْسَكَ” كَيْ تَفوزَ بِرِضا المُجْتَمَعِ أو تَلْحَقَ بِرَكْبِ نَجاحِهِ الزَّائِفِ. المُهِمُّ أنْ تَعيشَ لِسَعادَتِكَ أَنْتَ ورِضا ربُكَ، لا لِسَعادَتِهِمْ هُمْ. سَتُخْبِرُكَ تِلْكَ الكُتُبُ دَوْماً أنَّ فيكَ خَلَلاً يَجِبُ إصْلاحُهُ، ولَكِنَّ الحَقيقَةَ أنَّ مُجَرَّدَ “مُحاوَلَةَ التَّغْييرِ” القَسْرِيِّ هِيَ أَصْلُ الدَّاءِ. تَعَلَّمْ أنْ تُحِبَّ، وأنْ تُسامِحَ، وأنْ تَتَعاطَفَ. كُنْ شاكِراً لِكُلِّ ما مَرَرْتَ بِهِ مِنْ تَجارِبَ، فَلا أَحَدَ في هذا الكَوْنِ الفَسيحِ عاشَ التَّجْرِبَةَ ذاتَها التي عِشْتَها أَنْتَ. ولا أَحَدَ يَمْلِكُ العَقْلَ والشَّخْصِيَّةَ نَفْسَها التي تَمْلِكُها.
انْشُرِ الخَيْرَ، وابْتَسِمْ، واضْحَكْ، فَهذِهِ الأَشْياءُ البَسيطَةُ هِيَ التي تُحَدِّدُ جَوْهَرَ الإنْسانِ. الحُرِّيَّةُ الحَقيقِيَّةُ تَبْدَأُ حِينَ نَتَوَقَّفُ عَنْ مُحاوَلَةِ أنْ نَكونَ “ما يُرْضي الآخَرينَ” أو “ما هُوَ رائِجٌ”. عِنْدَما نَتَقَبَّلُ ذَواتِنا كَما هِيَ، نَعيشُ حَياةً أَكْثَرَ عُمْقاً وصِدْقاً. فَحينَ يَأْتيكَ الأَجَلُ، لَنْ يُهِمَّ نَوْعُ سَيَّارَتِكَ، ولا رَصيدُكَ في المَصْرِفِ، ولا عَدَدُ مُتابِعيكَ، ولا كُلُّ ما حَقَّقْتَهُ مِنْ مَناصِبَ.
الشَّيْءُ الوَحيدُ الذي سَيَبْقى ذا قيمَةٍ، هُوَ كَمْ أَحْبَبْتَ، وكَمْ عِشْتَ بِصِدْقٍ، وكَمْ ضَحِكْتَ مِنْ قَلْبِكَ، وَماهُوَ الأثَرُ الذْي تَرَكْتَ.
استجابةً لآرائكم السديدة، ولأهميَّتِهِ القُصوى، نُقدِّمُ لكم “جوهرَ” سلسلةِ “كيف نُصبح مثقفين”. المقطعُ الأخيرُ، الذي يتناولُ “فَنَّ تنظيمِ الأوقاتِ وترتيبِ المَهامِّ” وما يزخرُ به يومُ المثقَّفِ، أصبحَ الآن مُتاحاً بين أيديكم على قناة اليوتيوب بعنوان: “ما الّذي يجعلُ يومَ المثقَّفِ مختلفًا؟” وعبر الرابط التالي مباشرة













أقرأ كلماتك فأجدني أمام مرآة، لا أمام نص.
ذات مساء، وأنا أقلّب في مكتبتي الصغيرة، وقعت عيناي على رفٍّ كامل من كتب "التطوير الذاتي" - شواهد على رحلة طويلة من البحث عن... ماذا بالضبط؟ لست أدري. ربما كنت أبحث عن نفسي في صفحات كتبها آخرون، كمن يبحث عن ظله في مرآة غريبة.
أتذكر تلك الليالي التي قضيتها ألتهم كتاباً بعد كتاب، أحفظ العبارات التحفيزية، أردد التوكيدات الإيجابية أمام المرآة كل صباح. "أنا قوي، أنا ناجح، أنا أستحق الأفضل". لكن صوتاً خافتاً في أعماقي كان يهمس: "ومن قال إنك لست كذلك من الأساس؟ لماذا تحتاج لإقناع نفسك؟"
الحقيقة المُرّة التي اكتشفتها - وما زلت أكتشفها كل يوم - أن هذه الكتب كانت تشبه المُسكّن. تخدّر الألم لكنها لا تعالج سببه. كنت أهرب من مواجهة حقيقة بسيطة: أنني إنسان عادي، بكل ما تحمله الكلمة من جمال وقبح، قوة وضعف، يقين وحيرة.
أتذكر صديقاً قديماً، رجلاً بسيطاً يعمل في محل بقالة صغير. لم يقرأ كتاباً واحداً في "التنمية البشرية"، لكنه كان يملك حكمة غريبة. قال لي مرة وهو يرتب علب الطماطم: "المشكلة ليست فينا، المشكلة أننا نظن أن فينا مشكلة". ضحكت وقتها، لكن كلماته ظلت تتردد في رأسي لسنوات.
ما أدركته - ولا أدّعي أنني أدركته تماماً - أن هذا الهوس بـ"تحسين الذات" هو في جوهره رفض للذات. كأننا نقول لأنفسنا: "لست جيداً بما يكفي كما أنت". وهذا الرفض يولّد دوامة لا تنتهي من السعي خلف صورة وهمية لما "يجب" أن نكون عليه.
أحياناً أجلس في المقهى وأراقب الناس. أرى الموظف المنهك يقرأ كتاب "كيف تصبح مليونيراً في 30 يوماً"، والأم المرهقة تتصفح "فن السعادة"، والشاب الحائر يحمل "قوة التفكير الإيجابي". أتساءل: متى أصبحت الحياة العادية، بكل تفاصيلها الصغيرة، غير كافية؟ متى صرنا نحتاج لـ"خبير" يخبرنا كيف نعيش؟
الغريب أن أجدادنا - الذين لم يعرفوا هذه الصناعة - عاشوا حيوات أكثر اكتمالاً. ليس لأنهم كانوا أكثر سعادة بالضرورة، بل لأنهم قبلوا الحياة كما هي: مزيج من الفرح والحزن، النجاح والفشل، الأمل واليأس. لم يحاولوا أن يكونوا "نسخة أفضل" من أنفسهم. كانوا ببساطة... أنفسهم.
وأنا أكتب هذه السطور، أدرك أنني قد أكون مخطئاً. ربما هناك من وجد في هذه الكتب عوناً حقيقياً. لكن تجربتي الشخصية - وتجربة كثيرين ممن أعرف - تقول إن الحرية الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن محاولة "إصلاح" أنفسنا، ونبدأ في قبولها. عندما ندرك أن الضعف جزء من القوة، وأن الحزن يعطي معنى للفرح، وأن الفشل معلّم أفضل من ألف كتاب في النجاح.
في النهاية، أنا لا أملك إجابات. ما زلت أتخبط مثلك، أبحث عن معنى في عالم يبدو أحياناً بلا معنى. لكنني تعلمت شيئاً واحداً: أن أتوقف عن الهروب من نفسي. أن أجلس مع قلقي وحيرتي وأحتضنهما، بدلاً من محاولة "تطويرهما" أو "تحسينهما".
ربما هذا هو الدرس الوحيد الذي يستحق التعلم.
-- شكراً لجمالك وجمال ما كتبت --
المقال جميل حقا ...و مازاده جمالا هو الموضوع الحساس الذي نتاوله
حيث أن كتب التنمية البشرية أصبحت ذات تأثير واسع
خاصة على الفئة في سن المراهقة
كونك حللت المشكلة و انتقدتها بشدة
و قدمت حلول أقرب للمنطق لها
و لكن اتمنى ان تفصل في الحلول
او ان تضع لنا حزمة من الكتب المقترحة
حتى نستفيد و نرى المعرفة بعمقها بعيدا عن سطحية فئة الكتب التي تحدثت عنها
و شكرا