هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ
مباركٌ لكِ العيدُ، فأنتِ بهجتُه، وبنورك يزهو، وبحُسنك يُنشدُه
تلفت نظري في الأعياد مشاهد كثيرة، غير أن أكثر ما يستوقفني دومًا هو الأطفال؛ لا بملابسهم الجديدة أو ضحكاتهم العابثة فحسب، بل بتصرفاتهم العشوائية التي تكشف عن ملامح شخصياتهم الآخذة في التكوين. ما يدهشني اكثر هو أن لكل طفل طريقة فريدة في التفاعل مع من حوله، على الرغم من صغر سنه وقلة تجاربه. وكأن الحياة بدأت ترسم ملامحها الأولى في روحه دون أن يدري. كنت هذا العيد أحدث أحد أقاربي وأنا أراقب طفلًا بعينه، وقلت له: "انظر إلى هذا الصغير، إنه لم يدخل المدرسة بعد، وكل ما يعرفه عن العالم قد أخذه من بيته، من أمه وأبيه، وربما من إخوته أيضًا." تصرفاته، طريقته في السلام أو في طلب شيء ما، حتى انفعالاته الصغيرة، كلها مرايا تعكس البيت الذي خرج منه. فالأطفال في هذه المرحلة لا يمثلون أنفسهم فحسب، بل يمثلون محيطهم الأول، يمثلون البيئة التي تشكلهم قبل أن يشكلهم العالم الخارجي. وهنا في نظري تكمن روعة الطفولة، الاول، في أنها كصفحة بيضاء، تظهر عليها أولى خربشات الأسرة، أولى دروس الحب أو الخوف، الكرم أو التردد، السلام أو التوتر. الطفل يكرر ما يراه، لا ما يُقال له. لذا فإن مشاهدة الأطفال في الأعياد، وسط جوّ من الفرح والتفاعل الاجتماعي، تكشف الكثير مما لا يُقال، وتضعك أمام الحقيقة المجردة الا وهي أن التربية لا تكون بالكلام، بل بالفعل، وأن الأطفال شهود صامتون على ما نكون عليه حقًا في أعماقنا. وكما قلتُ سلفًا، فإن كل ما يُوضع في طريقنا من أشخاص ومواقف ليس عبثًا، بل هو جزء من حكمة تخفى علينا تتدرج على مراحل، سواء اخترنا هؤلاء الأشخاص والمواقف بإرادتنا أم وُضعوا في مسارنا قسرًا. اذكر ذات مرة انني كنت اقرأ للعبقري نجيب محفوظ احدى روايته الأروع الا وهي رواية “الحرافيش” وتذكرت عندما رأى طفلا لاول مرة يبكي في الشارع ثم قال “وﷲ ﻳﻤﺘﺤﻦ ﻋﺒﺪه ﺑﻤﺎ ﻻ ﻳﺠﺮي ﻟﻪ في الحسبان”. اي ان الله قد امتحن الأم التي تركت ابنها في هذا البرد القارس يبكي وحيداً وقد امتحن ايضاً الرجل الذي رآه وقد يفعل او لا يفعل شيئا حيال هذا الامر. فالدنيا امتحان لنا في كل شيء.
فلكل موقف، مهما بدا بسيطًا أو عابرًا، درسٌ ما يُقدّم إلينا بطريقة غير مباشرة. فمنا من يرى في الأطفال براءة تُنعش روحه وتعيده إلى ذاته القديمة، النقية، التي لم تلوّثها التجربة بعد. ومنا من ينظر في تصرفاتهم ليرى فيها إشارات مبكرة لمستقبلهم، وكأنه يتكهن مستقبل كل طفل يراه في حين انه قد بلغ اشده ولم يتسنى له ان يتكهن مستقبله حتى. وهناك من يضع في كل طفل يراه ملامح الطفل الذي سيُربيه يومًا ما، وقد يكون هذا النموذج الأفضل في رأيي المتواضع، فيتخيّل نفسه في دور الأب أو الأم، يراقب بعين المسؤول لا بعين المتفرّج. فالطفل ليس فقط كائنًا صغيرًا رخواً يضحك ويركض، بل هو كائن قادر على ان يخبرك الكثير عن عائلته وهو صامت، وهنا يبرز سؤال جوهري: من منا مؤهل فعلًا لأن يكون ابٌ او امُ ؟ فالأبوة والأمومة لا تبدأ حين يولد الطفل، بل حين يكون لدى الأهل الوعي الكافي للتربية. تُختبر بعض جوانبنا العميقة فقط حين نُصبح آباء أو أمهات؛ حين ندرك أننا لم نُخلق لأنفسنا فقط، بل لجيل قادم سيتشكّل من لغتنا، ومن انفعالاتنا، ومن صمتنا كما من كلماتنا. ومع ذلك، تظهر بوادر هذا الاستعداد منذ الآن؛ في طريقة تعاملنا مع الأطفال، في نظرتنا إليهم، في قدرتنا على الصبر معهم، أو في رؤيتنا لمسؤولية التربية لا كعبء، بل كأمانة.
ولذلك يا عزيزي، فإنّ أهم شعور يمكن أن يسكن قلبك في نظري، وأغلى ما ينبغي أن تتمسك به وألا تفرّط فيه، هو أن تتمنى بصدق أن تكون أمًا أو أبًا. لا لأن المجتمع يضعك في قوالب جاهزة، ولا لأن التوقيت يبدو مناسبًا أو لأن من حولك يخبرونك أن "الوقت قد حان"، بل لأن هذه الأمنية، حين تصدر من أعماقك، تعني أن في داخلك حنانًا يكبر، واستعدادًا لبذل لا ينتظر مقابلًا، ونضجًا يتجاوز الذات ليحتضن كائنًا هشًّا لا يملك من أمره شيئًا. وهذا الشعور في حد ذاته يعني أن ثمة في داخلك قلبًا يتسع، وخيالًا يتخطى حاضرك ليصنع عالماً أكثر أمنًا لطفلٍ لم يولد بعد. يعني أنك بدأت ترى في الحياة ما هو أبعد من رغباتك الشخصية، وبدأت تُهيّئ داخلك لاستقبال مسؤولية مقدّسة، لا تُقاس بالإنجازات، بل بالأثر الذي تتركه في إنسان صغير سيحمل آثارك إلى العالم. وليس مقصدي هنا الأبوّة أو الأمومة بمعناها البيولوجي فحسب، بل بمعناها الإنساني وهو أن تكون قادرًا على الاحتواء، على العطاء غير المشروط، على أن تكون سندًا لأحدهم في رحلة نموّه، حتى قبل أن يُفكّر أو يعبر.
مجتمعنا اليوم، للأسف، لا يزال حبيس فكرة أن الزواج يجب أن يتم وفق سنٍّ محددة، وكأن لكل من الذكر والأنثى "توقيتًا مثاليًا" لا بد أن يُلحقوا أنفسهم به حتى لا يتخطاهم قطار الزمن. يُنظر للزواج بوصفه محطة زمنية أكثر من كونه علاقة ناضجة تنبني على التفاهم والمسؤولية. فيُقاس مدى "نجاح" الفرد أو "اكتماله" ببلوغه هذا الهدف في العمر الذي يراه المجتمع مناسبًا، لا في نضجه العاطفي أو استعداده الحقيقي للمشاركة في حياة إنسان آخر. فالفتاة، مثلًا، تُحمَّل منذ صغرها ضغطًا خفيًا مفاده أن "أجمل سنواتها" تنقضي بسرعة، وأن قيمتها تقل كلما تأخرت عن الزواج. وأما الشاب، فيُقال له إن "الوقت حان" بمجرد أن يصبح قادرًا ماديًا، وكأن الزواج معادلة مالية لا علاقة لها بالنضج العاطفي أو الوعي او حتى اهم صفات الذكر وهي المسؤولية. وهذا النوع من التفكير يُهمل جوهر العلاقة الزوجية، ويحول الزواج إلى حدث اجتماعي يجب أن يُؤدّى في وقته فقط لا اكثر. ونتفاجأ بعدها ان نسب الإنفصال في تزايد. وهذا التصوّر في حقيقته ينقسم إلى شقّين متكاملين، لا يمكن إغفال أحدهما دون أن تختلّ المعادلة.
الشقّ الأول يقوم على أن الإنسان لا يبلغ الوعي الكامل تجاه الزواج إلا من خلال خوض التجربة نفسها. فمهما قرأنا أو سمعنا، تظلّ الحياة المشتركة ميدانًا عمليًا لا تُكتسب مهاراته إلا بالممارسة. وهو اكثر ما يمكن تشبيهه بالحياة المهنية، اننا نتعلم الكثير في الجامعة ولكن في العمل الحقيقي نتعلم اشياء مختلفة تماماً. الكثير من الصفات التي يُفترض أن يحملها الإنسان في الحياة الزوجية مثل الصبر، والتسامح، والمرونة، وفهم الآخر لا تُكتسب بوضوح إلا عندما يُصبح الفرد في موقع المسؤولية الفعلية، لا النظرية. حينها، تبدأ ذاته في التشكل من جديد، ويبدأ في إدراك حدوده، واحتياجات شريكه، وتتحول العلاقة من فكرة ذهنية إلى تجربة حية تحكمها التفاصيل اليومية، والقرارات الصغيرة، والانفعالات غير المتوقعة. ولكن بالطبع هنالك صفات رئيسية اولية لابد ان تتوافر في كلا الطرفين، بناء عليه تختار شريك حياتك ومن ثم الصفات الثانوية تُكتسب. أما الشقّ الثاني، فهو لا يقل أهمية، بل لعلّه هو الأرض التي تُبنى عليها التجربة. فهناك صفات أساسية لا بد أن تتوافر في الإنسان قبل الإقدام على الزواج، وإلا كانت الرحلة محفوفة بالتعثر منذ بدايتها. لدى الرجل، لا بد أن تتجذر فيه روح المسؤولية مثلاً؛ أن يكون قادرًا على الاحتواء، ان لايكون مهملاً وهذا من الصفات المهمة تواجدها في الرجل لأن الرجل الحقيقي لا يهمل ابداً، وايضاً على القدرة على تحمّل الضغوط، على اتخاذ القرار بروح شراكة لا تسلّط. أما لدى المرأة، فوجود الحنان والاحتواء العاطفي والتفاهم لا ينبغي أن يُفهم بسطحية أو يُختزل في الطبع، بل هو ما يدل على نضجها الداخلي والذي يجعل منها شريكة بحق، تعرف كيف تُنصت وتبني وتمنح الأمان لا من ضعف، بل من قوة متوازنة. فكلا الطرفين اقوياء ولكن مفهوم القوة يختلف هنا وهناك.
فمن الخطأ أن نعوّل على الزواج باعتباره المُهذّب الأوحد لشخصياتنا دون أن نكون قد بدأنا على الأقل بتأسيسها على المبادئ الصحيحة. ومن الظلم أيضًا أن نطلب الكمال المسبق من أي طرف، وكأن الإنسان يجب أن يكون نسخة نهائية قبل أن يدخل تجربة الزواج. الصواب إذًا، هو المزج بين الشقّين: أن يكون الإنسان قد بلغ حدًّا من النضج يُؤهله للبداية، ثم يدع التجربة نفسها تُنضجه أكثر، فتكون العلاقة الزوجية مساحة للنمو والتطور والتقدم والرقي. حينها، فقط، تتكوّن لدينا أسرة صحيحة الجذور، أساسها وعي، ولبنتها الأولى اختيار سليم بعد توفيق الله طبعاً. وحين يكون الأساس سليمًا، فإن ما يُبنى عليه يخرج مستقيمًا متماسكًا، تمامًا كما تنبت الشجرة من بذرة صحية في أرض طيبة؛ فتُخرج جذورًا عميقة، وفروعًا مثمرة، وظلالًا وارفة. حينها ايضاً تصبح تلك الأسرة ليست مجرّد ارتباط بين رجل وامرأة، بل في حقيقة الامر هي استجابة لدعوة طالما رفعناها إلى السماء: "اللهم ارزقني زوجًا صالحًا، “زوجة صالحة” أو "ذرية صالحة،” ولم نكن نعلم حينها أن هذه الدعوات، لتتحقق، تحتاج إلى تحققنا نحن أولًا. فالزوج الصالح لا يُرزق إلا لزوجة صالحة، والذرية الصالحة لا تنبت إلا في تربة صالحة مهيّأة لاحتضانها ورعايتها. هي منظومة مترابطة لا تقوم إلا بتكامل أطرافها. فإن كان الزوجان على قدر من النضج والوعي والتقوى، فإن صلاح ذريتهما يصبح امتدادًا طبيعيًا لما هما عليه، لا محض حظ أو دعاء مجرّد من السعي. وقد قال أحد العلماء: "إن الصلاح يمتدّ أثره حتى من الجدّ"، أي أن البركة التي يزرعها رجل صالح في حياته، قد تمتدّ آثارها إلى أولاده، ثم أحفاده، بل حتى إلى أحفاد أحفاده، وإن لم يروه يومًا. وهذا ليس خيالًا بل سنة من سنن الله في الأرض؛ أن العمل الصالح لا يموت، بل يتكاثر ويورق في قلوب الأبناء، يُورثهم الأخلاق قبل المال، والدعاء قبل الاسم، والنية الطيبة قبل كل شيء.
إِعلم، يا عزيزي، أن التربية في جوهرها لا تقوم على كثرة النصائح، ولا على وفرة الخبرات، بل على شرط واحد وأساسي الا وهو أن تربي نفسك أولًا. أن تبدأ من نفسك، من إعادة النظر في كل ما نشأت عليه، أن تتجرأ على طرح الأسئلة التي لم تُسأل في وقتها، وأن تعترف بصدق لا يغلفه العرف أن ليس كل ما علّمه لنا آباؤنا صحيحٌ على إطلاقه، ولا كل ما ورثناه من سلوكيات وتصورات هو الحق المحض. لو كانت التربية وحدها، كما نقلها الأهل، كافية لصنع الخير، لما كان بيننا مجرمون نشأوا في بيوت "متحفظة”، ولا أشرار تربّوا في كنف آباء وأمهات يؤمنون بالأخلاق. الواقع يؤكد أن بعض العيوب تُورث، وبعض العقد تُزرع باسم الحب والحرص، وبعض الأذى يُرتكب داخل البيوت دون أن يُسمّى باسمه. لذا، فالبداية الحقيقية للتربية ليست في الطفل الذي نريد أن نعلّمه، بل في أنفسنا التي يجب أن نعيد تعليمها. أن تربي نفسك يعني أن تراجع ما ظننته يقينًا، وأن تعيد تشكيل مفاهيمك عن الحياة بأكملها ثم الناس ثم المواقف، عن الحزم، عن العقاب، عن الحب، عن معنى أن تكون "قدوة" وهو الذي يفقده الكثير. لأن الطفل لا يتعلّم مما نقول، بل مما نكون. فإن كنا لا نعرف أنفسنا، كيف لنا أن نفهمهم؟ وإن كنا نحمل جراحًا لم نداوِها، فكيف نُربيهم دون أن نُسقطها عليهم؟
إعلم ياعزيزي ان من أهم مفاتيح التربية، يا عزيزي، أن يكون الأبناء معجبين إعجابًا عميقًا وصادقًا بشخصيات آبائهم وأمهاتهم. فثمة فرق شاسع بين تربية تُفرض عليك قسرًا، فتلتزم بها بدافع الخوف أو الواجب، وبين تربية تُعجب بها، فتنجذب إليها طوعًا وتُقلدها بمحبة واقتناع. التربية الفعّالة ليست قائمة على الأوامر والنواهي فقط، بل على الإلهام، على أن يرى الطفل في والده أو والدته نموذجًا يُحتذى، شخصية يُحب أن يصبح مثلها، لا يُجبر على اتباعها. دعني أُبسط لك هذا المفهوم بمثال اجتماعي قد لاحظته في محيطك: هل حدث أن رأيت صديقًا أو صديقة تزوجت حديثًا، وبدأت طريقة كلامه أو كلامها تتغير تدريجيًا؟ في أحيان كثيرة، يبدأ الأزواج في تقليد بعضهم البعض لا شعوريًا، من حيث الأسلوب، نبرة الصوت، وحتى العبارات المستخدمة. بل وقد يصل الأمر أحيانًا إلى أن تصبح ملامح وجوههم أكثر شبهًا مع مرور الوقت، في ظاهرة فريدة تُفسرها الألفة العميقة والتقارب النفسي. الأمر ذاته يحدث بين الأبناء والآباء، لكن بشرط أن يكون التقليد نابعًا من الإعجاب. حين يرى الطفل أن والده رجل متزن، صادق، رحيم، وأن والدته مثقفة، حنونة، قوية الشخصية، فإنه يميل بشكل طبيعي إلى محاكاتهما، ليس لأنهما السلطة العليا في حياته، بل لأنهما المثل الأعلى في عينيه. الإعجاب يولّد الاقتداء، والاقتداء يولّد سلوكًا راسخًا متينًا لا يهتز مع الوقت، ولا يتغير بتغير المؤثرات الخارجية. ولهذا، فإن أعظم هدية يمكن أن يقدمها الأب أو الأم لأطفالهما ليست كثرة التوجيهات، بل أن يكونا هما أنفسهما منارات تُضيء درب الطفل، وتزرع في قلبه الرغبة بأن يكون، لا كما يُطلب منه أن يكون، بل كما يرى في عيون والديه ما يستحق أن يُتبع.
الحقيقية ياعزيزي ان ليس كل الاهل يربوا ابنائهم التربية الصحيحة كما ان ليس كل ما يؤلمك جاء ليكسر قلبك أو يطفئ نورك. أحيانًا، يأتي الألم من مكانٍ محب، لكنه مشوش، من قلبٍ يريد لك الخير لكنه لا يعرف كيف يوصله إليك دون أن يختنق بالقلق. هناك من يحبك بصدق، لكنهم لا يملكون اللغة التي يفهمها قلبك. فيظنون أن المنع نوع من الحماية، وأن الصمت أمان، وأن الحصار حرص، وأن الحب يُمارس بالخوف لا بالثقة. فيحيطونك بسياج من القيود، لا ليؤذوك، بل ليبعدوا عنك الأذى. وما لا يدركونه هو أن الحماية التي تُبقيك في الظل، تُبقيك أيضًا بعيدًا عن الضوء، وعن النمو، وعن نفسك. هم لا يرون أن التحدي قد يُنبت فيك القوة، وأن التجربة التي يخافون منها ربما تكون بالضبط ما تحتاجه لتكتشف من أنت. إنهم يجهلون أن بعض العثرات لا تكسرك، بل توقظك. وأن العالم، على اتساعه وخطورته، ليس دائمًا عدوًا، بل أحيانًا مرآة، وأحيانًا مُعلم، وأحيانًا باب لا يُفتح إلا حين تخرج إليه وحدك. فلا تحقد على من أحبك بطريقة مربكة. ولا تكره يدًا كانت ترتجف وهي تُمسكك من شدة حرصها. ولكن في الوقت نفسه، لا تسمح لهذا الحب القلق أن يقيّدك إلى الأبد. الحب الصادق لا يطلب منك أن تنكمش، بل أن تنمو. أن تخطئ وتتعلم. أن تخرج، وتسقط، وتنهض، وأنت تعلم أن في الخلف قلوبًا ربما لا تفهمك تمامًا، لكنها تتمنى لك النور، وإن عجزت عن الإيمان بأنه لن يؤذيك.
كم من الاسر لا تعرف معنى الحب، لا يوقر زوجته امام ابناءهم في حين ان الزوجة تُضعف شخصية زوجها امام ابنائهم، ويطلبون في اخر اليوم ان يرزقوا بالذرية الصالحة. هذا ليس مبدأ الحياة، هؤلاء يعيشون في وهم مطلق، و من لم يُفق من وهمه فعن أساه لا تَسَلْ، صارت حياته عدم، صارت همومه جبل، إشرب لوحدك الأسى وذُق مرارةَ الفشل، إن لم نقاوِمْ ضَعفَنا ليس لنا فيها محل. وجميعنا يعزيزي نحصد ما زرعنا، فالذي بذل جهداً في تربية ابنائه ليس كالذي تركهما في المنزل لا يعرف عنهما شيئ، عن همومهم، مشاكلهم، حياتهم. من احدى المقولات التي لامستني كانت لعالم الاجتماع الأستاذ علي الوردي في كتابه “مهزلة العقل البشري” حين قال "إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها، ولا يقرأ إلا ما يعضّد معتقداته الموروثة، ولا ينفتح إلا على ثقافة بلده دون سواها، فلا يُنتظر منه أن يكون محايدًا في أحكامه، بل من المتوقع أن يتصف بالتعصّب والانغلاق، وأن يغدو صدىً لما نشأ عليه، لا صوتًا حرًّا يفكر خارج الإطار." وهذه العبارة، وإن بدت قاسية في ظاهرها، إلا أنها تضع يدها على جوهر من أهم معضلاتنا الفكرية في التربية على الاقل الا وهي الجمود الثقافي. الإنسان حين ينمو في بيئة واحدة، يتشرب مفاهيمها وتقاليدها كأنها الحق المطلق، ويصعب عليه لاحقًا أن يرى العالم إلا من خلال عدسة تلك البيئة. تصبح كل فكرة مختلفة تهديدًا، وكل رأي جديد صدمة، لا لأنها خاطئة، بل لأنها غير مألوفة. لذلك ياعزيزي ان ابائنا لهم الفضل الاكبر بعد الله في تنشئتنا ولكن دورك ان تقيم مفاهيمك وان تعرف الصحيح منها فتجعله أصح فدائماً يوجد صحيح وأصح وان تعرف الخطأ منها فتصححه، لا تكتفي بما تربيت عليه بل اجعله افضل يكن لك ولأهلك ثواب هذا الخُلق الحسن، والتربية الواعية.
إِعلم يا عزيزي، أنك حين تربي طفلاً، فإنك لا تُشكّل شخصيته فقط، بل تودع فيه جزءًا من روحك، من أفكارك، من رؤيتك للحياة. أنت لا تمنحه طعامًا وملبسًا فحسب، بل تمنحه صورة عن العالم، ومفتاحًا لفهم نفسه والناس من حوله. لذا، فاتقِ الله في هذه المهمة، لأنها أمانة ثقيلة، ومسؤولية لا يستهان بها. ولا تظنن أن كثرة الحب تعني غياب الحدود، فليس كل ما يُمنح باسم الحنان يكون نافعًا. فالدلال الزائد، وإن بدا مظهرًا من مظاهر العطف، قد يزرع في الطفل أنانية، وهشاشة، وقلة احترام للقيود. الطفل المدلل لا يعرف معنى "لا"، ولا يتعلم الصبر، ولا يقدّر ما يُبذل من أجله، لأنه اعتاد أن كل شيء يُقدَّم له على طبق من ذهب، دون جهد أو انتظار. فالطفل الذي يُربى على الانضباط يعرف قيمته وقيمة الآخرين، والطفل الذي يُسمح له بأن يجرب ويخطئ ويتحمل نتائج أفعاله، هو من يكبر ليكون راشدًا، مسؤولًا، واثقًا في نفسه. أما الذي نشأ على التلبية الفورية، والنجاة الدائمة من العواقب، فغالبًا ما يكبر ليجد العالم قاسيًا، لأنه لم يُربَ على صلابته، بل على وهم أن العالم مثله لن يرفض له طلبًا. وتذكر دائماً حين تربي طفلاً فمن الممكن ان تجعل من طفلك مريضاً نفسياً بسبب افكارك وقناعاتك.
لا أحد يُولد مريضًا نفسيًا، يا عزيزي بل يولد الإنسان صفحة بيضاء، مليئة بالبراءة، مستعدة لأن تُخطّ عليها الحكايات بحبر التجربة والمعاملة. لكن التربية ومن ثم المجتمع، والمجتمع يأتي بعد التربية لأن التربية مهما كان المجتمع سيئاً او طيباً فالتربية هي العدسة التي ترى المجتمع بها لأن التربية تعكس نظرتك لهذا المجتمع ومن ثم تعاملك معه. تأتي التربية الخاطئة فتزرع في قلب الطفل الخوف، في كل مرة يُقابل فيها الحساسية بالسخرية، أو يُقابل فيها السؤال بالعقاب. يزرعون في رأسه ألف صوت، بعضها يشكك فيه، وبعضها يُدين مشاعره، حتى يصير الصمت أكثر أمانًا من البوح، والانكماش أكثر طمأنينة من الانفتاح، فيولد لدينا إنساناً يخاف من التعامل مع البشر، فيتجنبهم جميعاً وهو شيء مستحيل. ثم حين ينهار هذا الإنسان، حين لا تعود روحه قادرة على احتمال ما فُرض عليها، حين ترتجف ابتسامته في مواجهة العالم، يُسارعون لتشخيصه، لتسجيل اسمه في قائمة "المرضى"، لا "الناجين"، لا "الضحايا". يتعاملون مع ألمه كما لو أنه عطب داخلي لا تفسير له، لا نتاج أعوام من الإهمال، والخذلان، وسوء الفهم، واحياناً الدلال الزائد الذي فرض عليك ان تنظر للمجتمع بأنه حق عليك ان يلبي طلباتك وان الرفض لغة محرمة. يُهملون السبب، ويلاحقون الأعراض. يُخدرون الألم، بدل أن يُصغوا إلى صرخاته الخفيّة. المرض النفسي ياعزيزي، في كثير من حالاته، ليس إلا صرخة متأخرة لإنسان لم يُفهم يومًا، او فُهم خطأ او لم يُحتوى، لم يُحب كما يجب. هو استجابة ذكية لمنظومة غير إنسانية، لا تمنح إلا بشرط، ولا تقبل إلا بتعديل. ولذلك، فالشفاء لا يبدأ بالدواء فقط، بل يبدأ حين نُعيد تعريف الإنسان، لا كمشكلة ينبغي إصلاحها، بل كقصة تحتاج أن تُروى حتى النهاية، بروية، ورحمة، وصدق.
على سبيل المثال، في مجتمعاتنا، لدينا شباب وبنات كثيرون يعانون من خوف الهجران والشخص هنا في حقيقة الامر لا يرى الفقد كما يراه الآخرون. حين يُهجر، لا يشعر بأنه خسر وجود شخص ما وسيجد الأفضل مثلاً، بل يشعر بأنه خسر جزءًا كبيرًا من كيانه، من إحساسه بالاكتمال، من شعوره بأنه "إنسان سليم". شعور كهذا ياعزيزي ليس الا جرح قديم في التربية، لا ينبع من العلاقة الحالية بل يعود إلى طفولة افتقرت إلى الاحتواء، حيث كانت الاحتياجات العاطفية الأساسية إما غائبة أو مشروطة، سواء من الأم أو الأب أو كلاهما. ولأن هذا الحرمان الجذري لم يُشفَ، ينمو الطفل إلى بالغ يحمل داخله فراغًا لا يُرى، لكنه يصرخ في كل علاقة يخوضها. فيسعى هذا الشخص لا وعيًا إلى سد هذا الفراغ عبر علاقاته، ويتعلق بالطرف الآخر، ليس لأنه فقط يحبه، بل لأنه يرى فيه المعين الوحيد لإشباع حاجات نفسية لم تُلبَ يومًا. ومن ثم فوجود الطرف الآخر يمنحه شعورًا بالأمان، بالتقدير، بالاكتمال. لذلك، حين يُترك، لا يشعر بالحزن على انتهاء العلاقة فحسب، بل يشعر وكأن مصدر الحياة النفسية الذي اعتمد عليه قد انقطع فجأة. لا يرى في الفقد مجرد رحيل شخص، بل انهيار منظومة كاملة كانت تمنحه الإحساس بالجدارة والطمأنينة.
نصيحتي لك اليوم، يا عزيزي، هي في الحقيقة نصيحتان وليستا واحدة. أعلم جيدًا أن الأعياد، رغم ما تحمله من بهجة واجتماعات عائلية دافئة، قد تتحول أحيانًا إلى ساحةٍ مفتوحة لأسئلة مؤرقة، لا سيما تلك المتعلقة بالزواج. إنها المناسبة المثلى ـ بالنسبة للبعض ـ للتذكير، أو بالأحرى الضغط، على من لم يتزوج بعد، وكأن الحياة لا تكتمل إلا بهذه الخطوة، وكأن التأخير فيها تهمة يجب الدفاع عنها. ولذلك، نصيحتي الأولى: لا تأخذ كل ما يُقال على محمل الجد. ليس كل من يسأل عن زواجك يعني الأذى، لكن هذا لا ينفي أن السؤال قد يكون مؤلمًا، متجاوزًا لخصوصيتك، أو حتى مشحونًا بإحساس خفي بأنك "متأخر" أو "ناقص". حاول أن تتذكر أن قراراتك الشخصية لا تُقاس بتوقيت الآخرين ولا برغباتهم، بل بمدى وعيك ورضاك عنها. الزواج ليس سباقًا، ولا شهادة إثبات على نضجك أو صلاحك. هو خيار، مثل أي خيار، لا يُثمر إلا إن كان نابعًا من قناعة حقيقية، ومن استعداد داخلي لا من ضغط اجتماعي.
إعلم ياعزيزي انني لا أقول لك ألا تتزوج، بل على العكس تمامًا إن في الزواج جمالًا لا يُنكَر، وبالأخص حين تختار الشريك الأفضل لك بعد توفيق الله، ثم اعلم ياعزيزي ان اغلب من يتذمرون من الزواج هم اكثر من تجدهم متمسكون بأزواجهم وزوجاتهم، ولا تُصغي لهم، فالإنسانُ بلا أنيس، كأنه سفينة في عرض البحر بلا دفة، تأكله وحشة الغربة، ويثقله ثقل الوحدة حتى ينهزم أمام أبسط المخاوف التي قد تبدو للآخرين تافهة. الوحدة الدائمة تشتت الروح وتُضعف القلب، حتى يأتي ذلك القبض الحاني على يديه، ذلك التلامس الذي يعيد إليه الأمان والثقة، فيرتسم في عينيه وجهُ العالم للمرة الأولى بحُلَّته الحقيقية، جماله وتحدياته، ألمه وفرحه. العالم بلا أنيس مختلف، لا أظنك تطيق العيش واحدههم يعايد زوجته ببيت كهذا “مباركٌ لك العيدُ، فأنتِ بهجتُه، وبنورك يزهو، وبحُسنك يُنشدُه، وإنْ قدّمَ الغيرُ وردةً ليدكِ، فقلبي هديتي، وأنتِ نبضُه ووريدُه”، فترد عليه زوجته قائلةً “شَكَوْتُ إِلَيْهِ حُبَّهُ فَتَبَسَّمَ، وَلَمْ أَرَى قَمَرًا قَبْلَهُ يَتَبَسَّمُ، وَتَبَسَّمَ فَبَدَا هِلَالُ الْمَبْسَمِ، لَوْ رَأَوْهُ أَهْلُ الصِّيَامِ لَعَيَّدُوا”.
نعم يا عزيزي، إن استطعت الزواج فتزوج، ولكن لا تجعل غايتك منه إرضاء الناس أو الهروب من نظرات المجتمع وأسئلته. فالزواج ليس زيًّا اجتماعيًا ترتديه لتبدو مقبولًا، وإلا سرعان ما ستخلع هذا الرداء، لا تتزوج إلا إذا كنتَ قادرًا، لا من الناحية المادية فحسب، بل الأهم من ذلك أن تكون ناضجًا، واعيًا بمعنى الزواج، أن تتحمل مسؤوليته دون تذمر، أن تحتضن تقلباته، وتكون له سندًا نفسيًا وعاطفيًا قبل أن تكون معيلًا. الزواج ليس مجرّد مشاركة سقف ووجبات، بل مشاركة أرواح، أحلام، وأزمات، ولهذا سمي بنصف الدين، لأن حياتك بعد الزواج قد تمنحك من الحسنات الكثيرة في كل عمل تقوم به مع زوجتك ومن ثم اولادك كما يمكن ان يضاعف سيئاتك اذا لم تكن اهلاً لذلك، فإن لم تكن مستعدًا، فتمهّل، لا تُقْدم بدافع الخوف من "أن يفوتك القطار"، لأن القطار الذي لا تستحقه لا يُفترض بك أن تصعده من البداية. ولا تجعل من الزواج تجربة ناقصة تملؤها بالغياب والإهمال ثم تشتكي من ضجيجها، فالحياة مع آخر ليست تجربة للتجريب، بل مسؤولية تقتضي منك أن تكون إنسانًا حقيقيًا. فإما أن تدخلها بقلبٍ مُحب، ونفسٍ مُهيّأة للعطاء، أو فدعها حتى تنضج بداخلك فتُعلمك. فالحب لا يكفي إن لم يتحول إلى فعل، والنية وحدها لا تثمر إن لم تُترجم إلى التزام. وإن لم تفعل، فأقل ما يمكنك أن تقدمه… ألا تُنغّص حياة غيرك باسم زواج لا تفهمه. فإن غيرك يدعوا الله كثيرًا، ويرجوه بصدقٍ لا يعرف التكلّف، أن يرزقه شخصًا يشبهه على الأقل في المبادئ الأساسية. شخصًا يشبهه في معتقداته، في طريقته في فهم الحياة، في عمق الأسئلة التي يحملها داخله، وفي شغفه بالتفاصيل التي لا يلتفت لها كثيرون. يتمنى من أن يُرزق بمن يمكنه أن يتحدث معه لساعات دون أن يشعر بثقل الكلمات. وهو اشبه مايكون حين تُصادف شخصًا كأنّه خُلق من نَسج أحلامك، يتوافق معك كما لو أن الحياة أخيرًا قرّرت أن تُنصف قلبك، فتراه ويخالجك إحساس عميق بأنه جاء ليكمل ما نقص فيك، ليكون مرآتك الحانية، وظلك حين يطول الطريق ولاتعرف ما يوجد في الطريق بعد. تشعر كأنك وجدت الصورة التي لطالما رسمتها في خيالك، دون أن تجرؤ حتى على تصديق أنها قد تصبح حقيقة.
اما نصيحتي الثانية ياعزيزي، فلتؤسس وتربي جيل صالح، ولهذا يجب ان تصلح ما في نفسك اولاً، وقبل هذا يجب ان تعرف وتعترف بنقصك اولاً. لا يجب ان يكون هذا الانضباط يا عزيزي بمثابة لحظة حماس عابرة، ولا قرارًا واحدًا تتخذه ثم تنساه غداً. بل يجب ان تكون بمثابة معركة يومية، تبدأ مع أول دقيقة من صباحك، وتستمر حتى لحظة نومك. معركة لا يراك أحد فيها، لكنها تُصنع في الخفاء، وتُظهر نتائجها على العلن. من الطبيعي في البداية، ان الامر سيكون شاقًا كأنك تحاول تسلق جبلٍ بيدين عاريتين. ستتعثّر، ستفقد توازنك، وربما تتساءل: ما الجدوى؟ ستشتاق للراحة، وستُغريك فكرة الاستسلام، لكنها فخّ. لأن ما ينتظرك في القمة يستحق كل التعب، كل النهوض بعد السقوط، وكل لحظة قاومت فيها نفسك. ومع مرور الوقت، سيبدأ جسدك في التكيّف، وعقلك في الاستجابة، وروحك في الهدوء. سيتحول الانضباط من عبء إلى عادة، ومن عادة إلى طبيعة، ومن طبيعة إلى ما يشبه التنفس، لا تجهد نفسك لتفعله، لكنه يحدث تلقائيًا، لأنه أصبح جزءًا منك. وحينها، لن تحتاج لمن يذكّرك بما عليك فعله، لأنك ستصبح أنت الشخص الذي يذكّر نفسه، ويُلزمها، ويقودها. ستعرف أن الحرية الحقيقية لا تكون في الانفلات من المسؤولية، بل في قدرتك على التحكّم في نفسك. وهذا هو النصر الحقيقي أن تكون سيد نفسك، لا عبدًا لعاداتك القديمة.
الإنسانُ، في جوهره، كائنٌ استثنائى، لا لأنه الأقوى ولا لأنه الأذكى فحسب، بل لأنه الوحيد الذي مُنح حريةَ الاختيار وقدرةَ التشكّل، بين علوّ الملائكة وسُفول الغرائز. فالملائكة خُلقوا للطاعة لا يعرفون العصيان، والحيوانات تسيرها الغريزة ولا تملك الوعي لتتمرد عليه. أمّا الإنسان، فقد أُودِع فيه العقل، والضمير، والقدرة على اتخاذ القرار… ولهذا، وحده الإنسان قادر أن يسمو فوق ذاته، أو يهوي دونها. هو الذي يستطيع أن يكون قدّيسًا أو مجرمًا، أن يبني الحضارة أو يدمّرها، أن يزرع وردًا في قلوب الآخرين، أو أن يسكب فيهم السمّ. في قلبه تتصارع النور والظلمة، الرحمة والقسوة، العدل والهوى. وكل خطوة يخطوها، هي فعلٌ حرّ يحمل مسؤوليته. لهذا قيل: "من عرف نفسه، فقد عرف ربَّه"، لأنه عندما يدرك الإنسان ما يملك من طاقات وإمكانات، يعرف كم هو قادر أن يرتقي حتى يبلغ مدارج النور، أو ينحدر حتى يغرق في أوحال الظلمة. وهنا تكمن العظمة والخطر معًا. فالحرية التي تتيح له التسامي، هي ذاتها التي قد تقوده للهلاك. ولهذا، فكل معركة يخوضها الإنسان الحقيقي، ليست ضد العالم بقدر ما هي ضد نفسه ليختار كل يوم من سيكون ومن سيغدو عليه. إن الذهن البشري ياعزيزي أشبه ما يكون بحوض ماء صافٍ، كلما تسللت إليه الشوائب—من أفكار مشتتة، ونظرات عبثية، وكلام لا طائل منه—تعكّر صفاؤه، وغطّت كثافة العكر على عمقه الحقيقي، حتى وإن كان ضحلاً. فكما لا ترى قاع الحوض حين يمتلئ بالطين، كذلك لا ترى بصيرتك حين يمتلئ ذهنك بما لا يُغني. والشوائب الذهنية ليست دائمًا آثامًا جسيمة، بل كثيرٌ منها مما نعدّه "عاديًا" في يومنا: كثرة التصفح، تتبع أخبار الناس، الانشغال بما لا يعنينا، المبالغة في توقعات الآخرين، والنظر لما في أيديهم. كل ذلك يترك رواسب في عقلنا، تُثقل الروح وتصرفنا عن حضورنا الحقيقي. ولك أن تتأمل هذا الأثر حين تدخل الصلاة، فتجد قلبك مشغولاً بأحاديث الأمس، أو منشغلًا بما تنوي قوله غدًا، وهذه علامة على أن الحوض امتلأ، والصفاء تراجع، فيصبح الذهن غير قادر على التركيز، لا في الصلاة، ولا في القراءة، ولا حتى في الجلوس مع الذات. وإياك يا عزيزي أن تنشغل بتقويم اعوجاج الآخرين قبل أن تقوم نفسك، أو أن تُنفق جهدك في إصلاح من حولك بينما قلبك مثقل بالعلل، وروحك ينهشها ما لم تُعالجه بعد. فإنّ أولى الناس بنصحك هو نفسك، وأحق القلوب برحمتك هو قلبك، وأعظم الجهاد هو جهادك الداخلي ضد صفاتك الذميمة. فما أعجب أمر من يطلب صلاح العالم بينما ذاته تئن من الإهمال! كمن يُنظف النوافذ ليُعجب الناس بنورها، بينما بيته من الداخل خراب لا يُطاق. والطريق إلى التأثير الحقيقي في الآخرين لا يكون عبر الموعظة المجردة، بل بأن تُصبح أنت الدليل الحي على ما تدعو إليه. حينها فقط، يصدقك الناس دون أن تنطق، ويتأثرون بك دون أن تُلِحّ عليهم بالكلام.











اعجبني مقالك بارك الله فيك وفعلاً التربية ليست فقط تصحيح سلوكيات بل هي بناء شامل للإنسان روحًا وعقلاً وجسدًا، تبدأ منذ اللحظة الأولى وتستمر طوال العمر.
"فما أعجب أمر من يطلب صلاح العالم بينما ذاته تئن من الإهمال! كمن يُنظف النوافذ ليُعجب الناس بنورها، بينما بيته من الداخل خراب لا يُطاق" كلام يعكس الكثير من واقعنا المُخزي الله المستعان. نسأل الله أن يرزقنا حسن التربية، وأن يُصلح أبناءنا وأبناء المسلمين، وأن يجعل من بيوتنا منارات للهداية والنور
يا ليت كل أمهات وآباء هذا الجيل يقرؤون مقالك ويفهمون أهمية تربية الأولاد بالشكل الصحيح وأن كل أفعالهم وأقوالهم والبيئة التي يصنعونها تنعكس عليهم