الإنسان الأسمى
كيف يمكننا تغير جودة الحياة للأفضل؟
في زماننا هذا، بات الكثيرُ منا يضربُ في دروب الحياةِ على غير هدى، بلا مسارٍ بيّنٍ أو غايةٍ ينشدها. لقد استحالت أيامنا إلى حلقةٍ مفرغة، ودوامةٍ لا قرار لها؛ حيث يُستنسخ اليومُ من امس، وتتطابق الأيام حتى تغدو الحياة بأسرها لوحةً باهتةً، جامدةً لا نبض فيها ولا جدوى. يقف المرءُ إزاءها موقف المتفرج المترقب، ينظرُ إلى سنين عُمره من بعيدٍ وكأنها ريحٌ تمرُّ، منتظراً ما سيحمله الغدُ بلا حراك ولا مبادرة. ومن وسط هذا التيه، وجدتُ لزاماً عليَّ أن أُسطّر مقالاً يختزلُ تجربةً أعدُّها الأثمنَ على مدار سنواتي الماضية. تجربةٌ راقبتُ تفاصيلها ودوّنتها يوماً بيوم، لأعصرَ لكَ يا عزيزي قطافها، وأضع خلاصة مُكابدتي بين يديك.
ولعلَّ غايتي الكبرى من هذه السطور، أن تقع عليها عينا الصغيرِ قبل الكبير. فإني أرى انعكاس روحي فيمن هم أصغرُ مني سناً، وأذكرُ جيداً كيف كنتُ في مقعدهم يوماً ما، أتعطشُ للتوجيه وألتمسُ الإرشادَ في زمنٍ تبدّلت فيه الموازين؛ زمنٌ صار فيه ثمن الاختيار باهظاً، وبلوغُ الغاياتِ الحقّة أشدَّ عسراً، على الرّغم من سهولة الوصولِ الظاهريةِ إلى كلِّ شيء.
والسر في ذلك يكمن في أن جُلّ الناس يسلكون دروباً خاطئة تماماً حين يرمون لتغيير حيواتهم. فهم يصيغون تلك العهود مجاراةً للقطيع إذ نصنع معانيَ سطحية من رحم ألعاب التباهي الاجتماعي. ولكنها تفتقر إلى مقومات التغيير الحقيقي، وما اقصده بالتغيير هو ذلك التغيير الذي يغوص في أعماق النفس متجاوزاً مجرد إقناع الذات بأننا سنغدو أكثر انضباطاً أو إنتاجية في عامنا هذا او بداية من الغد.
ولمَّا كنَّا نأمل أن يغدو هذا المقال دليلاً جامعاً ونبراساً وافياً ينير مسالك التحول الجذري في نمط الحياة وما يتبعه من شؤونٍ شتى، فقد آثرنا الإسهاب في تفصيله ليبلغ غايته من البيان. وعليه، فإن هذه السطور تنأى بنفسها عن أن تكون من طقوس القراءة العابرة التي تذروها رياح النسيان أو تُطوى في مجاهل الأيام؛ بل اعهدها وثيقةٌ نفيسةٌ ستجد نفسك مدفوعاً بحرصٍ إلى صونها، وتطريز حواشيها بمداد أفكارك و ملاحظاتك، واختلاس لحظاتٍ من خالص وقتك وصفاء ذهنك لتغوص في أعماقها وتتدبر مكنوناتها.
وإن تكُ من تلك الزمرة التي انا منها، فما جئتُ أعتلي منبراً عاجياً لأطلَّ عليك منه استعلاءً، وإن كانت كتابتي تميل حيناً إلى صرامة اللفظ وقسوة العبارة؛ فلطالما نكصتُ عن غاياتٍ ومقاصد تفوق ما أدركته أضعافاً مضاعفة، وأخالُ أن هذا الدأب هو شأن السواد الأعظم من بني الإنسان.
غير أن الحقيقة الواضحة التي لا تُنكر هي أن محاولات الإنسان لتغيير مسار حياته تنتهي غالباً بالفشل. ومع ذلك، وبقدر زُهدي في قرارات التغيير السنوية المعتادة، أرى من الحكمة أن يتأمل المرء في تفاصيل حياته التي ترهقه وتضيق بها نفسه، ليصنع من قسوتها سُلماً يرتقي به نحو واقع أرحب وأجمل، كما سنوضحه تباعاً. ولذا، سواء كان هدفك بناء مشروعك الخاص، أو تقوية جسدك، أو خوض غمار المخاطرة بحثاً عن حياة ذات معنى أعمق، دون أن تستسلم وترفع راية الهزيمة بعد أسبوعين فقط؛ فإني أضع بين يديك عدة رؤى أظن أنك لم تسمع بها من قبل، رؤى تتناول تقويم السلوك، وتغوص في أعماق النفس، وتستلهم فنون العمل والإنتاجية، لتجعل من حياتك نقطة انطلاقة حقيقية، وليكون هذا النص بين يديك دليلاً وافياً وشاملاً.
وأما المنهاج العمليُّ الذي توّجنا به خاتمة هذا الدليل، والذي سيأخذ بمجامع قلبك ليغوص بك في لُجّة سريرتك ويسبر أعمق أغوار نفسك، حتى تستجلي من خلاله غايتك الحقّة ومبتغاك الأسمى من هذه الحياة؛ فإنَّ إنجازه سيقتطع من عُمرك يوماً بتمامه وكماله، ولكن قطوفه ستظلُّ دانية، وثماره ستبقى يافعة نضرة لأمدٍ أطول وحينٍ من الدهر ممتد، تنهل من جناها ما تعاقبت عليك الأيام.
النظرة للحياة
خير ما نستهل به حديثنا هذا، هو اعادة النظر في نظرتك إلى الحياة. فاعلم، ياعزيزي، أن أفق الحياة يضيق ويشتد، أو يتسع ويمتد، رهناً بالزاوية التي تطل منها عليها. بل إن طوارق الأيام ونوائب الدهر تتشكل وتتلون وفقاً لعدسة عينيك؛ فإما أن تُسخَّر لك الأقدار طيِّعةً بفضل حسن ظنك ويقينك، وإما أن تُحجب عنك سُبل العطاء لانغلاق بصيرتك.
وأجلُّ ما تدير به شؤون دنياك، أن تنظر إليها بعين التصغير؛ فهي في حقيقتها هينة زائلة، دار ممر لا دار مقر، ولا متسع فيها لسعادة مطلقة أو نعيم مقيم. نعم، أدرك تمام الإدراك أن قصر حواسنا عن معاينة الدار الآخرة، وحجاب الغيب المسبدل دونها، هو ما يوهن عزائمنا أحياناً ويحول بيننا وبين وضع الدنيا في إطارها الحقيقي وحجمها الطبيعي. وأعلم ايضاً أننا نضرب في مناكبها، نسعى ونكدح بكل ما أوتينا من عزم وقوة، بيد أن الغاية العظمى والحكمة البالغة هي ألا تجعلها مبلغ علمك، ولا أكبر همك.
فإن أنت أنزلت الدنيا منزلتها، وعلمت أنها قنطرة للعبور لا مستقراً للخلود، استحال شقاؤها في قلبك إلى سكينة، وتكسرت أمواج أطماعها على صخرة يقينك. لإن الذي يجعل الدنيا أكبر همه، يعيش في لهاث لا ينقطع، وظمأ لا يرتوي؛ كلما نال منها حظاً، اشتاقت نفسه إلى ما هو أبعد، فبات أسيراً لمطالبها، ترهقه صغائرها، وتكسره خساراتها.
أما من جعل النظرة الكبرى نصب عينيه، فقد ملك الدنيا ولم تملكه، وساقته الأقدار إلى خيرها وهو عنها متعفف. في هذا المنطلق، تصبح الابتلاءات مجرد محطات للتمحيص واختبار الصبر، وتصبح الخسائر تفاصيل مؤقتة لا تمس جوهر الروح. حين تصغر الدنيا في عينيك، ستجد أن مشكلاتك التي كنت تظنها جبالاً راسيات، ما هي إلا حصى صغيرة تتناثر على جنبات الطريق، يمكنك تخطيها بخطوة واحدة نحو المحراب، بركعتين تعيدان ترتيب الفوضى في صدرك.
لذا، امضِ في مسعاك، وابنِ، واعمل، وعمّر هذه الأرض كما أُمرت، ولكن اجعل قلبك معلقاً بالسماء. اجعل سعيك في الدنيا زاداً ليوم الرحيل، وتذكر دائماً أن الطمأنينة لا تُستمد من خلو الحياة من المشاكل، بل تولد من رحم التسليم لخالق الأكوان، واليقين الراسخ بأن كل ما فوق التراب تراب، وأن ما عند الله خير وأبقى.
فمتى ستدرك أن ملاذك الأول حين تلم بك المشاكل هو الله؟ متى يصبح الله هي الوجهة الأولى التي نهرع إليها لنطرح أثقالنا؟ أن تأوي إلى بيت من بيوت الله، فتركع ركعتين خاشعتين خالصتين. لتسلم منهما وقد تبدل الحال في عينيك؛ فإما أن تجد مشكلتك قد حُلت بلطف خفي، وإما أن يصغر حجمها في صدرك فلا تعود تراها مشكلة من الأساس، فالأمر، كما أسلفنا القول، أشبه بطفلٍ غابت عنه دميته لساعة من نهار، فيُخيل إليه في لحظتها أنها الفجيعة الكبرى والطامة العظمى في حياته الغضّة. وما إن يشتد عوده وتصقله الأيام، حتى يلتفت إلى ماضيه ليدرك يقيناً أن تلك الخسارة لم تكن شيئاً مذكوراً، وأن في جعبة الحياة من الخطوب والنوائب ما هو أدهى وأمرّ. والمقصد الجليّ من هذا كله، أننا في كثير من أحوالنا نقع أسرى لـ “وهم التضخيم”، فنُضفي على المشكلات حجماً يفوق حقيقتها، وننفخ في رماد الأزمات حتى نحسبها نيراناً مستعرة لا تُبقي ولا تذر.
وهذا الترياق الإيماني هو ما نغفل عنه في غمرة الحياة، غير مدركين أنه أعظم الحلول وأنجعها. إما أن يرفع الله عنك البلاء، أو يربط على قلبك فتصغر الدنيا وما فيها أمام يقينك، لتعود المشكلة إلى حجمها الطبيعي، هينةً لا تُذكر. أتحسب ياعزيزي أن أولئك الصامدين هناك ليسوا بشراً من لحم ودم مثلنا؟ أولئك الذين يفقدون أهلهم وذويهم جميعاً فتلهج ألسنتهم بالحمد، في الوقت الذي يعلن فيه أحدنا سخطه على الحياة بأسرها، ويعتزل الدنيا لمجرد أنه لم يظفر بقلب من يحب!
لست أستخف بمشاعرك بالطبع، بل أضع آلامنا الدنيوية الهزيلة في ميزان الحقيقة الكبرى. هل تدرك أن طبيباً يقف في مشفاه، يبدأ يومه ليفجع بوفاة زوجته التي أحبها وأسس معها عمره، وأبنائه قرة عينه، وأبيه وأمه وعائلته بأسرها.. يفقدهم جميعاً في لحظة واحدة، ومع ذلك يقف صامداً كالجبل الأشم، يداوي جراح الآخرين ويؤدي رسالته؟ كيف يتسنى له ذلك؟ أليس إنساناً مثلنا؟ بلى، ولكنه أدرك حقيقة غابت عنا؛ لقد وضع الحياة في حجمها الحقيقي الفاني، بينما ضخمناها نحن حتى أسرتنا. هذا هو الفارق الجوهري.
إعلم ياعزيزي أن الحجم الحقيقي للحياة هو ذاته الذي عبر عنه أحد الصالحين بكلمات تختزل حكمة الوجود حين قال: “الله خلقنا، والله يتوفانا، والله يرزقنا، والله يفعل ما يريد، ونحن -ولله الحمد- صابرون محتسبون.” هذا هو حجم الدنيا، سطر واحد لخص به كل شيء. فيا ليتنا ندرك أن هذه الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأن ما يصيبنا فيها من نصب أو وصب إنما هو زائل لا محالة، كظل شجرة استظل بها مسافر ثم مضى. حين نعيش بهذا اليقين، ستتحول كل عقبة في طريقنا إلى درجة نرتقي بها، وكل محنة إلى منحة تقربنا من الله.
كعادتنا دوماً يا عزيزي، وكما اتفقنا، فإن أفضل ما نستهل به مقالنا هذا هو ذلك التساؤل الملحّ الذي يطرق أبواب عقولنا في ليالي السهر الطويلة لِمَ لا أصبح كما أريد ببساطة؟ لماذا تقف هذه المسافات الشاسعة بين ما نحن عليه الآن، وبين تلك الصورة الزاهية التي رسمناها لأنفسنا في مخيلتنا؟
لماذا لا أصبح كما أريد ببساطة؟
وتتجلى الإجابة يا عزيزي، في حقيقة صافية لطالما غفلنا عنها في غمرة سعينا؛ وهي أنك لم تبلغ المنزلة التي ترتجيها بعد، ومردّ ذلك ببساطة أنك لم تغدُ حتى هذه اللحظة ذلك الشخص الذي يليق باعتلاء سدّتها ويستحق التربع على عرشها. فحين تشرئب الأعناق نحو الغايات العظيمة، وتتوق الأرواح لمعانقة المجد، ينصرف جُلّ الناس في سعيهم نحو النجاح إلى أحد مسلكين متباينين لا ثالث لهما.
يظن السالكون في المسلك الأول أن الغاية تُدرك بتغيير الأفعال واصطناع السلوكيات سعياً محموماً لاقتناص الهدف المراد. غير أن هذا المسلك، وإن بدا برّاقاً ومختصراً في بدايته، يظل الأقل شأناً ويقبع متأخراً في المرتبة الثانية. فهو أشبه بمن يطلي جدران منزل آيل للسقوط؛ إذ سرعان ما تتهاوى تلك الأفعال المتكلفة وتفقد بريقها عند أول عاصفة من عواصف اليأس، لكونها مجرد قشرة خارجية هشة لم تنبع من يقين داخلي راسخ.
أما أولو الألباب وأصحاب الهمم العالية، فيولون شطرهم نحو المسلك الأعظم أثراً، والذي يتربع بجدارة واستحقاق في المقام الأول، ألا وهو الغوص في أعماق النفس، والعمل الدؤوب على تغيير الجوهر وصقل الذات. فمتى ما تبدلت الكينونة واستنار الباطن، وتشرّب القلب معاني تلك الغاية، انسياقت السلوكيات وتدفقت الأفعال خلفها بانسيابية عجيبة وطواعية تامة، كجدول ماء عذب يشق طريقه بين الصخور بلا تكلف ولا عناء.
وهنا تكتمل الصورة وتتضح الرؤية يا عزيزي؛ فالأهداف العظيمة لا تُصاد بشباك الأفعال المفتعلة، بل تنجذب إليك طواعية حين تزرع في جوهرك مغناطيس الاستحقاق. حين تصبح في أعماقك ذلك الشخص الذي يوازي حلمه حجماً وثقلاً، ستجد أن خطواتك نحو القمة لم تعد صراعاً مضنياً مع المحيط، بل أمست امتداداً طبيعياً لتكوينك، وتنفسّاً مريحاً لروحك الجديدة التي ولدت من رحم التغيير الحقيقي.
كثيرون هم أولئك الذين ينصبون شباك أمنياتهم حول أهداف سطحية هشة، تتأجج حماستهم وتتوقد عزائمهم في بواكير الأيام، مبدين انضباطاً يخلب الألباب. وما تلبث تلك الجذوة أن تخبو، وتذرو رياح الفتور رمادها، ليعودوا أدراجهم إلى عاداتهم العتيقة مستسلمين بلا أدنى مقاومة. والسر الدفين وراء هذا الفتور، يكمن في أنهم راموا تشييد صرح حياة عظيمة على أساس ضعيف، ظانين أن القباب الشاهقة ترتفع وتثبت بلا أوتاد تضرب عميقاً في اعماق النفس.
ولكي تتجلى الرؤية لعينيك أكثر وتنقشع سحب الحيرة، دعني أضرب لك في ذلك مثلاً يقرب المعنى. أمعن النظر معي في شخص تربع على ذرى النجاح؛ كبطل كمال أجسام يتيه بقوام متين نُحت بعناية، أو مدير تنفيذي يدير إمبراطورية بمئات الملايين ويوجه دفتها بحنكة، أو شاب يفيض جاذبية وحضوراً، يخاطب الجموع الغفيرة مفوهاً دون أن يتسلل إلى فؤاده مثقال ذرة من وجل أو ارتباك.
هل يخال لك، وأنت ترمقهم من بعيد، أن ذاك الرياضي يتكبد مشقة المعاناة وعذاب الحرمان ليتناول طعاماً صحياً؟ أو أن ذلك المدير التنفيذي يكبل نفسه بأغلال الانضباط الصارم ليحضر مبكراً ويقود فريقه؟ قد يتراءى لك ذلك من ظاهر الأمر، بيد أن الحقيقة الناصعة التي تغيب عن الأذهان هي أن هؤلاء لم يعودوا يتصورون لأنفسهم حياةً غير التي هم عليها. لقد تماهت أهدافهم مع ذواتهم تماماً؛ فالرياضي هو من سيتجرع مرارة المعاناة حقاً إن أُجبر على التهام طعام فاسد يضر ببدنه، والمدير التنفيذي سيمقت كل ثانية ينفقها متقوقعاً في فراشه مجبراً بعد أن يصدح منبهه، وإن كان في الأمر تفصيل أعمق، فجارني في هذا الطرح قليلاً لنصل إلى لبه.
ولعل هذا يفسر لك ما ألقاه في حياتي الخاصة؛ فقد ينظر البعض إلى أسلوبي في العيش بعين الاستغراب والدهشة، فيرونه متطرفاً في انضباطه وصارماً في نهجه إلى حد القسوة على الذات. أما أنا، فأجده ديدني الذي جُبلت عليه وارتضيته لروحي، ولا أقول ذلك مفاضلةً مع طرائق الآخرين في العيش، بل لأنني ألتذّ حقاً بالحياة على هذا النحو، وأجد سلوتي في هذا العناء المحبب. وحين ترمقني أمي، بحنانها الفطري، بنظرة شفقة وتلحّ عليّ بأن آخذ قسطاً من الراحة لأستمتع بوقتي وأرفّه عن نفسي، أكبح جماح لساني بصعوبة بالغة عن الرد، وأبتلع كلماتي التي تكاد تصرخ: “يا أمي، لو لم أكن أجد متعتي الخالصة وراحتي الحقيقية فيما أصنع، فما الذي كان ليدفعني إليه؟”.
إن المتعة يا عزيزي تتجلى في أبهى صورها حين ينسجم المرء مع غايته، فتصبح المشقة في سبيلها ضرباً من ضروب الحب، و حينها فقط، لا نعود نسعى للنجاح متكلفين، بل نصبح نحن وإياه كياناً واحداً يتنفس الإنجاز كفطرة لا محيد عنها.
قد تبدو العبارة الآتية يسيرة على الأسماع، ولكن من المدهش حقاً والمحير للعقول كيف تغيب دلالتها عن الكثيرين: إن كنت ترغب في غاية بعينها في هذه الحياة، فحريّ بك أن تتسربل بأسلوب الحياة الذي يفضي إليها، وأن تتبناه واقعاً تعيشه، قبل أن تبلغ تلك الغاية بردح من الزمن. فالكثيرون يظنون واهمين أن تحقيق الأمنيات هو مجرد لحظة عبور من ضفة إلى أخرى، أو باب سحري يُفتح فجأة ليغير معالم أيامهم ومسار حيواتهم، غافلين عن حقيقة أن الغايات الكبرى لا تُهدى لمن يكتفي بالانتظار ومجرد التمني، بل تُستحق بالتهيئة المستمرة والصناعة اليومية للذات. إن كنت ترجو أن تبلغ منزلة رفيعة في علم أو عمل أو فن، فلا تنتظر أن تهبط عليك صفات الناجحين في تلك الميادين كالوحي في ليلة وضحاها، بل عليك أن تتشرب طقوسهم، وتتنفس عاداتهم، وتفكر بعقولهم، حتى وأنت ما زلت في أول الطريق ولمّا تقطف ثمار سعيك بعد.
الأمر أشبه بخياطة ثوب فضفاض تصنعه لحلمك القادم؛ ترتديه اليوم وإن كان واسعاً، لتكبر فيه يوماً إثر يوم، وتشتد عودك بالتجارب والتعلم حتى تملأه ويصبح على مقاسك تماماً. فالطريق إلى الحلم يبدأ من الداخل أولاً، من تغيير زوايا النظر، ومن بناء يوم عادي يشبه في تفاصيله أيام أولئك الذين بلغوا ما تريد بلوغه. إن تهيئة النفس للنجاح هي أولى مراحل النجاح ذاته، وبذور الشجرة الضخمة لا تنبت إلا في أرض تم حرثها وسقايتها قبل أن يُرى لها أي ظل.
قد يبدو هذا الحديث مطروقاً أو مألوفاً للأسماع، غير أني سأسوق إليك مثالاً يجلّي الفكرة ويزيل عنها غشاوة التجريد. لنفترض أنك الآن تقف في إحدى محطات مسيرتك الدراسية، ولو سألتك: “ما الذي يدفعك للجلوس بين الكتب والسهر طلباً للعلم؟” لتشعبت الإجابات واختلفت باختلاف المقاصد والنفوس. ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن هو القول العفوي: “أدرس لكي أنجح”. ولكن، دعنا نغوص أعمق من هذا السطح الهادئ لنسأل: لماذا تنشد النجاح أصلاً؟ وما الغاية التي تبتغيها من ورائه؟ وإن كنت تطمح إلى بلوغ درجات بعينها، فما الذي تمثله تلك الدرجات في ميزان طموحك؟ ما هو المقصد الأسمى من كل هذا العناء؟ إن هذا التساؤل العميق هو الخريطة التي يجب أن تستنطق بها روحك، لتتضح أمامك معالم خريطتك، وتنجلي عن طريقك سحب التيه.
فبغير هذه الإجابة الصادقة النابعة من الأعماق، يمسي السعي مجرد ركض مرهق في مضمار لا خط نهاية له، وتغدو الأيام سلسلة من الواجبات الثقيلة التي تستنزف الروح دون أن ترويها. أما حين تقف مع ذاتك وقفة تأمل وتدرك غايتك الكبرى، فإن تلك الغاية ستنير لك دروب العتمة، وتمنح لجهدك معنى أعمق يتجاوز حدود الورقة والقلم ومقاعد قاعات الامتحان. حينها، لن يكون النجاح مجرد أرقام صماء تُسجل في صحيفتك، بل سيصبح حجر أساس تضعه بثبات وعزيمة في بناء صرح مستقبلك.
ومن هنا تتجلى حقيقة أن معرفة الوجهة تغير من طبيعة الرحلة بأكملها؛ فإذا كان هدفك الحقيقي من الدراسة أن تصبح أثراً نافعاً، أو صوتاً مسموعاً، أو يداً تبني وتعمر وتداوي، فلا بد أن تتنفس هذه الغاية منذ اللحظة. فالمرء الذي أدرك بوصلته لا يقرأ ليحفظ ويمتحن وينسى، بل يقرأ ليتشكل عقله، وتتهذب روحه، ويهيئ نفسه ليكون ذاك الشخص الذي يطمح إليه في الغد. إن الرؤية الواضحة تولّد الشغف، والشغف يهوّن الصعاب، ويحيل مشقة المسير إلى رحلة بناء تصقل معدنك وتعدك لتكون جديراً بأحلامك حين تبلغها.
ولذا، حين يبوح لي أحدهم بشغفه العارم للإلتحاق بتخصص علمي دقيق، فإنني في كثير من الأحيان لا ألقي لقوله بالاً، ولا أمنحه يقيني وتصديقي؛ وليس ذلك طعناً في همته أو تشكيكاً في قدرته على بلوغ مرامه، بل لفرط ما تناهى إلى مسامعي من هذا المرء ذاته، وهو يردد بلسان مقاله تارة، وبلسان حاله تارات: “لا أطيق صبراً حتى أنفض عن كاهلي عناء هذه الدراسة، وأطوي صفحة هذا التخصص، لأعود أدراجي أستمتع بصفو الحياة من جديد”.
وإنه ليشق عليّ يا عزيزي أن أباغتك بصرامة هذه الحقيقة، ولكن، إن لم تتشرب رحيق المنهج، وتتطبع بأسلوب العيش الذي يقتضيه هذا الدرب، ليغدو لك مسلكاً لا تحيد عنه ما امتدت بك سنون العمر، وإن لم توقد في حنايا صدرك شغفاً ودافعاً يطغى في قوة جذبه على ركونك إلى عاداتك السالفة، فإنك لا محالة ناكصٌ على عقبيك، وعائدٌ أدراجك إلى حيث كانت بدايتك. وحينئذٍ، لن تملك سوى أن تعض أنامل الندم، متحسراً على تفريطك في أنفس كنز لا يُسترد ولا يُعوّض أبداً؛ ألا وهو دقات عمرك المهدور.
ولهذا ياعزيزي فإنك حين تغير جوهرك حقاً، تستحيل كل عادة لا تدفعك شطر هدفك إلى عبء ثقيل وشيء يبعث في النفس النفور والاشمئزاز؛ وذلك لأنك بتّ تمتلك وعياً عميقاً وجذرياً بطبيعة الحياة التي ستتشكل وتتراكم من جراء هذه الأفعال. إن تصالحك مع معاييرك الحالية ومكابدتلك في سبيل تغييرها ليس إلا وليد غفلة عن ماهيتها الحقيقية، وعن المآل الذي قد تقودك إليه. وسوف نغوص سوياً في كيفية استجلاء ذلك، غير أننا بحاجة ماسة لتمهيد الطريق وتوطئة النفوس أولاً.
وهذا الإدراك يأخذنا بأيدينا يا عزيزي، لنقف وجهاً لوجه أمام تساؤلنا الثاني وهو لماذا لا تجد نفسك في المكان الذي ترغب بشدة أن تكون فيه؟
لماذا، على الرغم من كل تلك الأحلام التي ننسجها بخيوط الأمل في خلواتنا، والخطط التي نرسمها في لحظات صفائنا، نكتشف مع مرور الأيام أننا ما زلنا قابعين في ذات المربع الذي لطالما سعينا للفرار منه؟ والاجابة البسيطة هي:
أنت لست في المكان الذي ترغب به لأنك لا تريد أن تكون هناك
إذا كنت ترغب حقاً في إحداث ثورة في كيانك وتغيير من تكون، فلزاماً عليك أولاً أن تسبر أغوار عقلك وتفهم آلياته الخفية، لتتمكن من إعادة صياغة برمجته. وأولى عتبات هذا الفهم تتجلى في إدراك حقيقة جوهرية، وهي أن كل سلوك بشري هو في أصله موجه نحو غاية؛ إنه سلوك “غائي” بحت. قد تبدو هذه الحقيقة جلية واضحة حين نلامس سطحها، ولكننا ما إن نغوص في أعماقها حتى ندرك أن جُلّ الناس ينفرون من سماعها والاعتراف بها.
ومن هنا تتجلى المفارقة الموجعة؛ فنحن في سعينا الدؤوب لحماية أنفسنا من ألم محتمل أو إخفاق متوهم، نوقعها طواعية في أسر شقاء محقق وواقع راكد. إن هذه الحيل النفسية التي يحوكها العقل الباطن ببراعة، ليست في جوهرها سوى دروع وهمية نختبئ خلفها هرباً من مواجهة ذواتنا أولاً، ومواجهة استحقاقات الحياة ثانياً. فالإقرار بأننا نخشى الفشل، أو نرتعب من أحكام الآخرين، يتطلب شجاعة نادرة وقدرة فائقة على التجرد من تلك الأعذار المزخرفة التي أدمنا ترديدها حتى باتت جزءاً من يقيننا. وما دامت هذه الغايات الخفية قعيدة في الظلام، تسيرنا من وراء ستار، فإننا سنظل ندور في حلقات مفرغة من عدم الرضا، نشكو من واقعنا بألسنتنا، بينما نصنعه ونحافظ على بقائه بأفعالنا اللاواعية.
لذا، فإن الخطوة الفاصلة نحو التحرر الحقيقي تكمن في تسليط كشاف الوعي على تلك الزوايا المعتمة من النفس. يتطلب الأمر أن تقف أمام مرآة ذاتك، متخففاً من كل زيف، لتسأل نفسك بصدق قد يكون جارحاً في بدايته: ما الذي أجنيه حقاً من بقائي في هذه المنطقة الآمنة الكئيبة؟ وما هو الخوف الدفين الذي يغذّي تقاعسي ويصنع مماطلتي؟ إن تفكيك هذه الشيفرة النفسية والاعتراف بهشاشتنا الإنسانية ومخاوفنا المكتومة ليس طعناً في كبريائنا، بل هو أولى درجات القوة وأهم مراحل النضج.
فحين يطفو اللاوعي إلى سطح الإدراك، تفقد تلك المخاوف سلطانها الخفي علينا، وتتساقط الأعذار الواهية كأوراق خريفية لا تقوى على الثبات، لتنفسح الطريق أمام إرادة حرة واعية ومتبصرة، تختار أهدافها بشجاعة، وتتحمل تبعات مسيرها ومغامراتها دون اختباء أو مواربة.
والدرس الجليل الذي نستخلصه من هذا كله يا عزيزي، هو أن التحول الحقيقي والجذري يقتضي منك تبديلاً لغاياتك. ولا أعني هنا تلك الأهداف السطحية التي استهلكتها منابر الإنتاجية الزائفة، فمجرد تسطيرها يخدم في واقع الأمر غاية لا واعية تزيدك تعثراً. إنما أرمي إلى إحداث انقلاب في زاوية رؤيتك وتغيير منظورك بأسره. فالغاية في أسمى معانيها ليست سوى إسقاط مستقبلي، يعمل كعدسة شفافة للإدراك؛ تصفي لك الرؤية لتلتقط المعلومات، وتقتنص الأفكار، وتجتذب الموارد التي تمهد لك طريق الوصول
لعل الحقيقة الأشد إيلاماً يا عزيزي، والتي نتوارى منها خجلاً في لحظات المكاشفة، هي أنك لست في المكان الذي ترغب به لأنك، في قرارة نفسك، تهاب التواجد هناك. الأهمية لا تكمن قط في الكيفية التي تلقفت بها فكرة ما، ولا في المنبع الذي استقيتها منه. فقد لا تكون قد صادفت منوماً مغناطيسياً في حياتك، ولم تخضع لطقوسه يوماً، غير أنك إن تشربت فكرة ما واستقرت في وجدانك، سواء نبعت من أعماقك، أو تسللت إليك من معلميك أو والديك أو رفاقك، أو حتى من ومضات الإعلانات؛ والأهم من ذلك كله، إن انعقد يقينك التام على صحتها، فإنها ستبسط سلطانها على روحك، وتأسرك بقوة تضاهي سطوة المنوم المغناطيسي على المستسلم بين يديه.
ومن رحم هذه الأفكار المستقرة، يتشكل ما يمكننا تسميته بتشريح الهوية؛ وهو عبارة عن نسج خفي قد صاغ كينونتك اليوم، وسينحت ملامح غدك. تبدأ الحكاية يا عزيزي حين تهفو روحك لتحقيق غاية ما، فتستحيل تلك الغاية إلى عدسة شفافة ترى من خلالها الوجود بأسره. حينها، لا تلتقط عيناك من فيض المعلومات والأفكار إلا ما يسعفك في بلوغ مرادك، في مرحلة أشبه بالتعلم والاكتشاف. وما إن تشرع في العمل مقتفياً أثر هذا الهدف، وتتوالى عليك الإشارات التي تؤكد اقترابك منه، حتى تندفع لتكرار صنيعك بانتظام. ومع توالي الأيام، ينسلخ السلوك من دائرة الوعي ليغدو فعلاً تلقائياً مبرمجاً، ويتحول بمرور الوقت إلى جزء أصيل من هويتك وصورتك عن ذاتك، لتردد في أعماقك بثقة ويقين بأنك من هذا الصنف من البشر.
لكي ابسط لك الأمر ياعزيزي، تبدأ رحلة الإنسان نحو صياغة ذاته برغبة أو هدف يطمح إلى بلوغه، فتلك الأمنية هي البذرة الأولى التي تشكل ملامح مستقبله، وسرعان ما تستحيل هذه الغاية إلى عدسة يرى من خلالها العالم، فتصفّي انتباهه ليقتصر على ما يخدم سعيه فقط، ويتجاهل غافلاً ما دونه، تماماً كما تبرز أمام ناظريك سيارة بعينها في كل زاوية وشارع بمجرد أن تعقد العزم على اقتنائها. ومن هذا التركيز العميق، تولد مرحلة التعلم والشغف بجمع كل ما يغذي هذا الهدف، لينتقل المرء بعدها إلى مضمار العمل والتجربة، حيث تتحرك الجوارح وتتكرر المحاولات، ومع كل نتيجة وثمرة يقطفها، ولو كانت يسيرة، يتأجج حماسه ليعيد الكرّة تلو الأخرى حتى يحدث التحول الأعمق؛ فبكثرة التكرار والممارسة، يتجرد السلوك من عبء التفكير والتكلف ليغدو فعلاً تلقائياً وعادة راسخة، لتنصهر هذه العادة بمرور الأيام في صميم الهوية. حينها لا يعود المرء مجرد شخص يمارس فعلاً ما، بل يتشرب روحه ليصبح هو الشيء ذاته، فيرتقي من مجرد القول “أنا أكتب” ليصدح بلسان الحال والمقال “أنا كاتب”، وهكذا تتجلى حقيقة المعادلة الكبرى بوضوح جليّ: غاياتك تصفّي انتباهك، وانتباهك يوجه أفعالك، وأفعالك بتكرارها تصنع عاداتك، لتتولى عاداتك في النهاية مهمة بناء هويتك الخالصة، لذلك كل هذا لا يمكن ان يتحقق إلا عندما تعرف هدفك جيداً.
وتكمن الطامة الكبرى في أن تتشكل تلك الهوية على أسس هشة، أو أن تنمو في اتجاه يعاكس مساعيك نحو الحياة الطيبة التي تنشدها. حينها، تنحدر خطى المرء نحو هاوية سحيقة بسرعة قد تسبق إدراكه، فيجد نفسه أسيراً لنسخة من ذاته لا تشبه طموحه ولا ترقى لأحلامه. والواقع المرير يملي عليك، إن اردت النجاة وأردت إحداث التغيير المرجو، أن تمتلك شجاعة البتر؛ أن تقطع هذه الدائرة الخانقة في اللحظة الحرجة التي تفصل بين تماهيك مع هذه الهوية المعطوبة ودفاعك الأعمى عنها. إنها بلا ريب مهمة شاقة وعسيرة، ومجاهدة مريرة للنفس، لا سيما وأن جذور هذه الدورة قد ضربت في أعماقك، وتأصلت في وجدانك منذ نعومة أظفارك وسنيّ طفولتك الباكرة، حتى خُيّل إليك أنها قدرك المحتوم وأصالتك التي لا تنفك عنك.
ومن وسط هذه المشقة، ينبثق اليقين المطمئن بأن الأهداف ليست أصناماً تُعبد ولا أقداراً لا تُرد؛ بل هي محطات مرنة، تقبل التبدل والتغير بمرور الأيام وتوالي التجارب ونضج العقول. فمن الطبيعي، بل من الحكمة، أن تكتشف في منتصف الطريق أن غايةً ما كنت تستميت لأجلها لم تعد ذات جدوى، أو أنها أفرغت من معناها ولم تعد تخدم نموك، فتنفض يديك منها بلا ندم، لتستبدلها بهدف أسمى وأرقى، يليق بنسختك الجديدة ويوجه بوصلتك نحو المعنى الحقيقي لجوهرك. فالتخلي عن هدف بالٍ أو هوية زائفة لصالح غاية أعظم ليس هزيمة ولا تراجعاً، بل هو قمة الانتصار للذات، وهو الدليل الأسطع على أن إرادتك حية تتطور، وأنك تقرأ خريطة حياتك بوعي، وتعيد توجيه شراعك كلما اتسعت بصيرتك وتجلت لك آفاق أرحب وأصدق.
تأمل معي يا عزيزي كيف تبدأ فصول الحكاية منذ صرختنا الأولى. نأتي إلى هذا العالم مسكونين بغاية فطرية عتيقة لا نحيد عنها؛ ألا وهي البقاء على قيد الحياة. وحيث أننا أضعف من أن نذود عن أنفسنا في سنينا الأولى، فإننا نرتمي كلياً في أحضان والدينا، نعتمد عليهم ليلقنونا أبجديات النجاة. ولأن جُلّ البشر يتخذون من عصا العقاب وجزرة الثواب سبيلاً للتربية، فقد وجدنا أنفسنا مضطرين للامتثال والانصياع. كان لزاماً علينا أن نتشرب معتقداتهم وقيمهم طواعية أو كرهاً، وإلا حلت بنا وحشة الإقصاء والعقاب. والحق يقال يا عزيزي، إننا في تلك المرحلة لا نمارس ترف التفكير المستقل بتاتاً، بل نبقى أسرى لتلك القوالب الجاهزة، نردد صدى أفكارهم حتى تدرك عقولنا هذه الحقيقة وتنفض عن كاهلها غبار التبعية العمياء.
بيد أن الخطر الداهم والمأساة الخفية تكمن في أن والدينا قد تجرعوا من الكأس ذاتها، وخاضوا غمار هذه العملية القسرية طيلة حياتهم. فهم، إن لم يمتلكوا الوعي الكافي والجسارة لكسر هذه الحلقة المفرغة بأنفسهم، قد تمت برمجتهم سلفاً بمفاهيم النجاح البالية التي ورثوها من قوالب العصر الصناعي الصارمة. إنهم يحملون في تلافيف عقولهم أفضل وأسوأ ما تلقوه من أجدادهم، ليمرروه إلينا كإرث ثقيل لا فكاك منه.
ولكي نغوص معاً إلى مستوى أعمق وأشد تعقيداً في متاهة النفس، علينا أن ندرك أنه بمجرد أن نطمئن لتلبية احتياجات بقائنا الجسدي، وهو أمر غدا ميسوراً في عالمنا المعاصر حيث نولد في كنف بيئة آمنة، تنتقل ساحة المعركة فوراً إلى مستوى مفاهيمي وأيديولوجي. قد نتوقف عن القتال البدائي لحماية أجسادنا، غير أننا نبذل الغالي والنفيس لحماية عقولنا واستنساخ أفكارنا وبثها في الآخرين. وما هذه الحروب الفكرية المستعرة في ساحات الفضاء الإلكتروني، التي نشهدها كل يوم، إلا تجلٍ واضح لهذا الصراع الخفي، حيث يتبارى المشاركون فيها ككيانات وهويات تستميت في الدفاع عن وجودها المعنوي.
وكما ينتفض الجسد بحواسه متهيئاً لغريزة “القتال أو الهروب” حين يستشعر خطراً يهدد فناءه، فإن الهوية تنتفض بالضراوة ذاتها حين تشعر بالتهديد. فإن كنت متماهياً حد الغرق مع أيديولوجية سياسية معينة، ستشعر بالخطر المحدق حين يتجرأ أحدهم على تفنيد معتقداتك. سيتسرب التوتر إلى عروقك، وستشعر بمرارة طعنة معنوية تكاد توازي صفعة حقيقية على وجهك. ولأن معظم الناس يفرون من مشقة تفكيك مشاعرهم وتحليلها بحثاً عن الحقيقة المجردة، فإنهم يلوذون بالفرار إلى “غرف الصدى”، حيث لا يسمعون إلا صدى أصواتهم، متشبثين بادعاءات قد تورددهم موارد الهلاك.
وينطبق الأمر ذاته إن نشأت في كنف بيئة ذات معتقدات صارمة ولم تمنح عقلك فرصة التحليق المستقل؛ فستجد نفسك تهاجم بضراوة كل من يجرؤ على خدش أمانك النفسي داخل تلك الشرنقة الصغيرة. وتتكرر ذات المأساة حين تسجن هويتك اللاواعية في قالب مهنة كمحامٍ، أو كلاعب ألعاب فيديو، أو أي قالب آخر يعميك عن اتخاذ الخطوات الجسورة نحو حياة أرحب، فقط لأنك تخشى التفريط في هويتك الحالية التي تألفها، مفضلاً بؤس الاستقرار على جنة التغيير.
إن الحياة التي تتمناها يا عزيزي، لا تقبع في بقعة جغرافية بعيدة، بل تسكن في مستوى أعمق من وعيك ونضجك الداخلي. فعقولنا بطبيعتها تتطور وتتبدل بمرور الأيام؛ ففي طفولتنا الأولى، نكون كالإسفنجة التي تمتص كل ما يحيط بها من أفكار ومعتقدات يلقننا إياها المجتمع، وليس لنا من غاية حينها سوى الشعور بالأمان والانتماء. ولكن الفخ يكمن في أن نكبر ونحن غافلون عن هذه الحقيقة، فتتجمد عقولنا وتتحجر داخل تلك القوالب الموروثة التي لم نختَرْها بأنفسنا يوماً حتى وان كانت قوالب جيدة فهي قابلة للتطوير. وحين تتصلب أفكارنا على هذا النحو، يصبح من العسير جداً أن نكسر قيودها، لنتحرر ونعيش حياة حقيقية، عميقة، وذات معنى نابع من أصالة ذواتنا، ليس من إملاءات الآخرين.
لقد نال هذا الارتقاء الإنساني البديع حظه الوافر من البحث والتدوين في نظريات ونماذج شتى، ولعلك قد طرقت سمعك يوماً أسماء مثل هرم “ماسلو” للاحتياجات، أو مراحل تطور الأنا، أو ما يُعرف بالديناميكية الحلزونية والنظرية التكاملية. فكل صرح من هذه الصروح المعرفية يبني لبناته على ما شيده الأولون، في سعي حثيث لفك طلاسم النفس البشرية وسبر أغوارها. والحق أنك لست ببعيد عن إدراك جوهر هذا التطور، إذ يكفي أن تجيل بصرك متأملاً في أطياف البشر ومسالكهم من حولك لتراه ماثلاً للعيان. ولطالما أفضتُ في الحديث عن هذه الرؤى العميقة، حتى استخلصتُ منها نموذجاً متكاملاً آثرت أن أطلق عليه اسم “الإنسان المتسامي”، ورفدته بأدوات بصيرة تعينك على إدراك موضع قدميك في سلم الوعي، وتضيء لك معالم دربك القادم نحو النضج والارتقاء.
ولأن في التكرار جلاءً لما قد يغيب عن الأذهان، دعني أسرد لك عصارة هذه المراحل لتطور الأنا او النفس، لتكون لك بمثابة تذكرة ومصباح يضيء العتمة.
تبدأ رحلتنا من طور الاندفاع البدائي، حيث تنعدم المسافة بين الدافع والفعل، ويتأرجح التفكير بين نقيضين لا ثالث لهما، كطفل تستفزه شعلة الغضب فيضرب بغير هدى، إذ يتساوى لديه الشعور والسلوك. وما إن تشتد وطأة المواجهة مع محيطنا، ننتقل إلى طور التترس بالذات، حيث يلوح العالم كغابة موحشة تضطرنا لتعلم فنون النجاة، فترى المرء يواري إخفاقاته ويختلق المعاذير، متفرساً في وجوه الآخرين ليمنحهم ما يودون سماعه درءاً للخطر. ومع اتساع دائرة التنشئة، نذوب طواعية في طور الامتثال، فنتماهى مع العشيرة أو الجماعة، وتغدو أعرافها في نظرنا هي الحقيقة المطلقة، فنعجز حتى عن استيعاب فكرة أن يغرد أحدهم خارج السرب أو يخالف الرأي.
لكن الروح التواقة لا تقنع بالبقاء في القطيع، بل تنعطف نحو طور الوعي بالذات؛ وهي لحظة فارقة نتيقظ فيها أن بداخلنا عالماً خفياً يضطرب بالأسئلة ولا يعكسه هدوؤنا الظاهر، كمن يجلس بين الجموع وتتنازعه شكوك لا يقوى على البوح بها. يقودنا هذا المخاض العسير إلى طور المبدئية، حيث نضرب في الأرض جذور مبادئنا الخاصة، ونقيم على أنفسنا حجة الحساب، فنجرؤ على الانسلاخ عن معتقدات وُرثت، لنعتنق فلسفة اخترناها عن بصيرة، مؤمنين بأن السعي الحثيث سيثمر القطاف اليانع. ومن وسط هذا النضج، نولد في طور الفردانية، لندرك بتواضع أن مبادئنا العظيمة ما هي إلا وليدة سياقات وبيئات، فنتعاطى معها بمرونة أرحب، ونكتشف مثلاً أن طموحاتنا العالية لم تكن أحياناً سوى محاولة خفية لنيل رضا غائب.
وحين تصفو البصيرة وتتسع الرؤية، نرتقي إلى طور الاستراتيجي، لنتعاطى مع منظومات الحياة بوعي تام بموقعنا وتأثيرنا، ندير شؤوننا ونحن نتلمس مواطن قصورنا وانحيازاتنا المستترة بفاعلية. لتتجلى لنا بعدها ذروة الإدراك في طور الوعي بالبناء الوهمي؛ حيث تتكشف لنا كافة الأطر، بل وحتى هوياتنا التي بنيناها بشق الأنفس، كمجرد هياكل مؤقتة وأدوار نتقمصها بابتسامة هادئة ملؤها الرضا والتسلية. لتتوج هذه الرحلة الكونية في طور الاتحاد الأسمى، حيث تذوب الفوارق وتتلاشى حواجز الانفصال بين الذات والحياة، وينسجم العمل والراحة واللهو في بوتقة واحدة، فلا تعود هناك ذات تسعى وتكابد لـ “تكون”، بل محض “حضور” صافٍ ينساب بسلاسة مع مجريات اللحظة.
وأحسب يا عزيزي أن جلّ من يقع ناظره على هذه السطور يتأرجح في مسيرته بين المرحلة الرابعة(الوعي بالذات) والثامنة (الوعي بالبناء الوهمي)، وهي لعمري هوة شاسعة تفصل بين عالمين. فمن شارف على الثامنة يقرأ هذه الكلمات ليستزيد علماً أو ليزجي وقتاً بغير مفسدة، وقد استقرت روحه. أما من يقف حائراً على أعتاب الرابعة، فهو ينشد التغيير بخطى حثيثة؛ يعتريه إحساس طاغٍ بأنه جُبل لغايات أعظم، لكن الرؤية لم تكتمل في ناظريه بعد لكثرة العوامل المتداخلة التي تشوش بصيرته. ولحسن الحظ، لا يهم حقاً في أي مقام تقف الآن؛ فمسار الارتقاء والانتقال عبر هذه الأطوار يمضي وفق نسق دقيق ونمط معلوم يمكن السير على خطاه.
ونسوق إليك نصيحة الختام في هذا المقام يا عزيزي، وهي أن حديثي هذا، وإن طال وتمدد، فإنما يحمل بين طياته معاني أعمق مما تبديه حروفه؛ فهو عصارة تجارب وأيام وسنين، حمّلتُها دلالات تتسع لتأويلات شتى وتأملات تختلف باختلاف الأفهام. لذا، إن كنت تنشد التغيير الحق من أعماقك، فلتأخذ هذه المعاني مأخذ الجد، ولتغص في بحارها متأملاً ومستنبطاً، ولتكتب على هوامشها ما يفيض به وجدانك ويلامس واقعك.
وتذكر دائماً ما أشرنا إليه مراراً؛ إياك أن تمضي في دروب الحياة هائماً على وجهك بلا بوصلة أو غاية. اجعل لنفسك هدفاً يوقد شعلة أيامك، وكن يقظاً مفتوح البصيرة، تلتقط عينك كل إشارة وعلامة في طريقك من شأنها أن تقربك من مسعاك وتعينك على بلوغ مرادك. لا تدع الأيام تتسرب من بين يديك دون أن تترك فيها أثراً يدل عليك وغاية تسعى إليها بصدق.
ويبقى التاج الذي يزين هذا كله، والسر الأعظم لسكينة الروح ونجاح المسعى، أن تجعل معيتك مع الله حاضرة في كل سكناتك وحركاتك. عش موصولاً بخالقك، فمن كان الله في قلبه، أضاءت بصيرته، وتجلت له الحقائق، وهانت عليه مشاق الطريق، وتيسرت له سبل الرشاد والتوفيق مهما تلاطمت به أمواج الحياة.






لا ادري من اين ابدأ لكن هذا مقال ثري وعميق جداً يا د. أشرف، يلامس جوهر الإنسان بالمعنى الحقيقي لفتني بشكل خاص طرحك لفكرة أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الأفعال بل من الهوية، وهي نقطة يغفل عنها كثيرون رغم أنها أساس كل تحول صادق ومستدام.
أسلوبك الأدبي جميل ومؤثر كالعادة، ويحمل القارئ في رحلة تأملية بين الفكر والنفس والروح، كما أن البعد الإيماني أضفى على النص سكينة واتزاناً واضحين.
مقال يُقرأ بتمعّن، ويستحق العودة إليه أكثر من مرة، لأنه يضع القارئ أمام نفسه بصدق
احسنت د.اشرف في كل ماتقدمه دائماً من تميز في كل موضوع تطرحه دمت ودامت يداك
اكاد ان اجزم ان هذا لربما يكون المقال الافضل لك حتى وان كانت مقالاتك كلها مفضلة لدي الا ان هذا المقال هو كنز ثمين فعلاً يناقش عدة قضايا كلها مرتبطة ببعضها البعض تقود الى شخصية اكثر من ان تكون الانسان الاسمى