سيكولوجيةُ المديرِ والقائد
محاولةٌ لفهمِ الإنسانِ خلفَ اللقبِ الوظيفي
لقد طغى في زماننا هذا مسمّى ‘المدير’، وهو لقب وظيفي بات يتردّدُ على كلِّ لسان، وكأنّه نتاجُ عصرٍ غلبت عليه المادةُ وحساباتُ الأرقام. غير أنَّ المتأمل في سفرِ التاريخ وسالفِ العصور، يدركُ أنَّ الذاكرة البشرية لم تكن تحتفي بمجردِ ‘إدارةٍ’ للمواقف، بل كانت تزهو بـ ‘القائد’؛ ذاك الذي يصنعُ الفارقَ ويحفرُ الأثر. والحقُّ أنَّ بينهما بوناً شاسعاً، ومسافةً لا تُطوى بمجردِ تشابهِ المقاعد؛ فشتان بين من يملكُ سلطةَ التوقيع، وبين من يملكُ مفاتيحَ القلوب.
فالمديرُ كائنٌ تحكمه اللوائح، ويستمدُّ قوته من كرسيه، يسوقُ الناسَ بالعصا والجزرة، يسعى للسيطرة كما يسعى للظهور بمفرده، تراه ينسب كل حسنةٍ له وكل سيئةٍ لفريقه، وعينه لا تحيدُ عن عقاربِ الساعة ودفاترِ الحضور، يرى في الأفراد مجردَ تروسٍ في آلةٍ صماء، غايتُه أن تستمرَّ في الدوران ولو بلا روح.
أما القائد، فهو روحٌ تسري في الجسد، يستمدُّ سطوته من هيبته وحكمته، يسيرُ أمام الركبِ بدلاً من خلفه، يتحمل مسؤلية قراراته ومن ثم يتحمل مسؤلية فريقه، يزرعُ في النفوسِ يقيناً بأنَّ المستحيلَ ممكن، ويرى في أتباعه قادةً للمستقبل وليس مجردَ أتباع له. المديرُ يحافظُ على الوضعِ القائم خشيةَ السقوط، والقائدُ يغامرُ بالتغييرِ طمعاً في القمة.
بيدَ أنَّ كلَّ هذا التنظير هو ضرباً من العبث، وهباءً منثوراً، إنْ لم نعرف‘سيكولوجية’ الفريقين. فالحقيقةُ الراسخةُ التي رددناها سابقاً، وما زلنا نؤكدُ عليها يقيناً أنَّ الإنسانَ، في جوهره ومظهره، ما هو إلا نتاجُ بيئته، وحصادُ الغراسِ التي نبتَ فيها.
ومن هذا المنطلق، كنتُ في كلِّ محفلٍ أتحيّلُ الفرصَ عامداً، لأختلسَ النظرَ إلى من يعلوني رتبةً وسلطةً وهم في كنفِ عائلاتهم، حيث تسقطُ الأقنعةُ الرسمية. هناك، وحصراً هناك، كنتُ أبحثُ عن وجوههم الحقيقية؛ فإما أن ألفِيَهم مصداقاً لما توسمته فيهم من قبل، وإما أن تتكشفَ لي خبايا نفوسهم عن حقيقةٍ مغايرةٍ، لم تدرْ في خَلَدِ خيالي قط.
ففي تلك الزوايا الخاصة، وحين يخلعُ المرءُ رداء “المنصب”، تتجلى الحقائقُ عاريةً بلا رتوش. لقد رأيتُ بعيني من يملأُ أروقةَ العملِ ضجيجاً وتسلطاً، كيف ينكمشُ ويخفتُ بريقُه أمام سطوةِ “الداخل” في بيته، وكأنه يفرغُ شحناتِ النقصِ التي يتجرعها هناك، قمعاً وتجبراً على مرؤوسيه هنا؛ فكانت إدارتُه القاسيةُ مجردَ صدىً لصرخةٍ مكبوتةٍ في أعماقه، ومحاولةً بائسةً لترميمِ كبرياءٍ مخدوشٍ في مكانٍ آخر.
وعلى النقيض، رأيتُ من هُم “قادة” بالطبيعة؛ أولئك الذين تألفُهم الأرواح. وجدتُهم في بيوتهم كما هم في مكاتبهم؛ نبعاً يفيضُ حكمةً واحتواءً. لم يتصنعوا اللين، ولم يتكلفوا الحزم، بل كانت طباعُهم سجيّةً راسخة، نبتت في أرضٍ طيبة، فأثمرت ظلالاً وارفةً يستظلُّ بها الأهلُ والمرؤوسون على حدٍ سواء.
إذن، هي المعادلةُ التي لا تقبلُ القسمة، القيادةُ نتاجُ سلامٍ داخلي، والإدارةُ الجافةُ غالباً ما تكونُ قشرةً خارجيةً تخفي خلفها هشاشةً نفسية منشأها الصغر وغالباً وحتماً من الأم والأب. فلا يمكنُ لمن عاشَ انفصاماً بين “منزله” و”عمله”، أو من تشكّل وعيُه في بيئةٍ لا تعترفُ بقيمةِ الإنسان، أن يمنحَ الآخرين ما يفتقدُه هو. فالإناءُ كما قيل قديماً بما فيه ينضح، ومن لم يتشبع بروحِ القيادة في منبته، لن يصنعها له قرارُ تعيين، مهما علا شأنه.
وها هنا ياعزيزي، إسمح لي أن أطرحُ عليكَ تساؤلاً، يسيراً في مبناه، عميقاً في مغزاه، ستكونُ إجابتُه بمثابة “المشرط” الذي يُشرحُ لنا تلك النفسيةَ المعقدة للمدير ومن ثم القائد. لنفترض جدلاً أنَّ لديكَ ابناً بينَ إخوته، وقد أوكلتَ إليهِ أمراً ما، أو ميزتهُ بسلطةٍ عليهم وهم نظراءُ له في العمرِ أو القدر؛ راقبهُ جيداً كيف سيتصرف؟
إنْ كان هذا الابنُ بسببِ تربيته أو بيئته يشعرُ بنقصٍ في ذاته، أو يرى أنَّ قيمتَهُ لا تتحققُ إلا بكسرِ غيره، فإنهُ فورَ شعورهِ بتلك “السلطة” المؤقتة، سيتحولُ إلى جلّادٍ صغير. لن يسعى لنجاحِ المهمةِ بقدرِ سعيهِ لإثباتِ أنَّه “الأعلى” وأنهم “الأدنى”. سيتصيدُ الأخطاءَ ليرفعَها إليك، بدلاً من إصلاحها، بل ليؤكدَ ولاءه لكَ عبرَ التضحيةِ بهم.
هذهِ بالضبطِ هي سيكولوجيةُ المديرِ الهش؛ إنهُ ذلك الطفلُ الذي لم يكبر، والذي وُضِعَ في “بيئةِ عمل” بدلاً من “غرفةِ اللعب”. تراه يرى الموظفينَ أنداداً يهددونَ “مكانته الأبوية” المزعومة، وليس فريقاً يعاونه. مشكلتهُ ليست في الإدارة، بل في “الاستحقاق”؛ هو يعلمُ في قرارةِ نفسهِ أنَّ الكرسيَّ أكبرُ منه، فيحاولُ ملأ الفراغِ بالضجيجِ، والتسلطِ، وتذكيرِ الجميعِ بين فينةٍ وأخرى بأنهُ هو “صاحبُ القرار”، وكأنَّه يقنعُ نفسه قبل أن يقنعهم.
تخيل معي ياعزيزي أنَّ الأقدار جادت عليكَ بـ «آلةِ زمن»، وأنَّكَ بكاملِ وعيكَ ورجاحةِ عقلكَ الحالي، قُدِّرَ لكَ أنْ تهبطَ ضيفاً خفياً على سنواتِ ذلك «المدير» الأولى في صغره، فتزورهُ في مهدِ نشأتهِ، حيثُ الغرسُ ما زالَ غضاً، والصفحةُ بيضاءَ لم يُخطَّ فيها سطرُ الكبرياءِ الزائفِ بعد.
لربما ستجدُ طفلاً يقفُ في الظل، عيناهُ تصرخانِ بطلبِ الاستحسانِ فلا يلتفتُ إليهِ أحد. أو ربما ستجدُه يُقمعُ كلما حاولَ أنْ يرفعَ صوتهُ أو يُبديَ رأياً، فتنهالُ عليه عباراتُ التحجيم: “اصمتْ، أنتَ لا تفهم”، أو “مكانكَ في الخلف”.
في تلكَ اللحظة، ستُدركُ الحقيقةَ المفزعة وهي أنَّ هذا المدير اليوم، ما هو إلا ذلكَ الطفلُ المكسورُ بالأمس. هو لم يبتكرْ قسوتَهُ من العدم، بل هو يُعيدُ إنتاجَ المشهدِ الذي عاشه، ولكنْ بتبادلِ الأدوار. لقد قررَ دون وعيٍ منه أنْ يتقمصَ دورَ «الجلّاد» الذي قهرهُ صغيراً، ليحميَ نفسهُ من أنْ يكونَ «الضحية» مرةً أخرى.
سترى ياعزيزي ان هنالك اكثر من نظرية نفسية يمكن تطبيقها عليه، هاك مثلاً ما يفسرهُ لنا أدلر بمشرطِ الجراحِ الماهر الذي سماها بـ عقدةُ النقص، وفيها ينشأُ هذا الطفلُ وهو يتنفسُ شعوراً دائماً بـ ‘الضآلة’، وكأنهُ مجردُ ظلٍ باهتٍ وسطَ أضواءٍ ساطعة، يرى نفسَهُ دائماً أصغرَ وأقلَّ شأناً ممّن حوله مثل إخوته.
لقد عاشَ روحاً مسحوقةً تحتَ عجلةِ مقارناتٍ ظالمة لا ترحم؛ فإما أن يُكسرَ أمامَ أخٍ أكبرَ خطفَ كلَّ الاهتمام، أو يُقارَنَ بزميلٍ دراسيٍ خارق، أو يقفَ مرتجفاً أمامَ أبٍ ناقدٍ لا تقعُ عينُه إلا على الأخطاء، ولا يعرفُ لسانُه طعمَ التشجيع. قضى طفولتَهُ يركضُ وراءَ سرابِ الرضا، يبحثُ عن كلمةِ قبولٍ واحدة، لكنهُ لم يفزْ قطُّ بتلكَ الجملةِ التي تبني الإنسانَ وترممُ الروح: «أنتَ كافٍ كما أنت».”
فكيفَ تجلى هذا الإرثُ الثقيلُ اليوم؟ لقد عادَ هذا الطفلُ في هيئةِ «مدير»، ولكنهُ عادَ ليثأر لنفسه من نفسه. إنهُ يرتدي قناعاً من المبالغةِ في إثباتِ الكفاءة، وقد لايكون كفؤٌ حقاً، بل ليواريَ سوءةَ شكهِ في ذاته. إنه يعيشُ في رعبٍ دائمٍ من أنْ ينكشفَ سترُ ضعفه، فيرى الناسُ الطفلَ المرتجفَ خلفَ البذلةِ الأنيقة، ولهذا، فهو يمقتُ الأكفاء؛ فكلُّ موظفٍ لامعٍ هو مرآةٌ عاكسةٌ تذكرهُ بنقصه وتهديدٌ صارخٌ لعرشهِ المهتز، لأنه لا يملكُ جاذبيةَ التأثير، فيستعيضُ عنها بـ غلظةِ السلطة؛ يضربُ بالسوطِ لأنهُ لا يملكُ الحجة. وكما لخصها أدلر ببراعة: «إنَّ ذلكَ السعيَ المحمومَ والمرضيَ نحو القوةِ والتجبر، ما هو إلا صرخةُ تعويضٍ يائسة، تحاولُ ردمَ هوةٍ سحيقةٍ من شعورٍ دفينٍ بالدونية».“
والأدهى من ذلك كله، هو ذلكَ السعيُ المحمومُ والمستمرُّ نحو ‘السُلطة’. وأعلمُ يقيناً يا عزيزي أنَّ تساؤلاً مشروعاً قد يجولُ في خاطركَ الآن، أو ربما هو نقدٌ منطقي «أليسَ السعيُ للمناصبِ والترقي حقاً مشاعاً للجميع؟ وهل صارَ الطموحُ تهمة؟».
والجوابُ بلى، هو حقٌ مشروعٌ بلا ريب، ولكنَّ الدوافعَ هي التي تكشفُ عن ‘جودةِ المعدن’ ونوعِ العقلية. سأقول لك كيف. الإنسانُ السويُّ يطلبُ السلطةَ ليمتلكَ ‘أدواتِ التأثير’، فيبني ويُنجز؛ أما صاحبُنا هذا، فالسلطةُ عندهُ ليست وسيلةً للعمل، بل هي ‘عكازٌ’ يتوكأُ عليهِ ليواريَ عرجَ شخصيته، ودرعٌ سميكٌ يحميهِ من مواجهةِ هشاشتهِ الداخلية، بمعنى آخر المدير لا يسعى للمنصبِ ليعلوَ به، بل ليسترَ بهِ صغرَ نفسه؛ فالأولُ يرى السلطةَ ‘مسؤولية’، وهذا يراها ‘أماناً’ ومخبأً من عقدةِ النقصِ التي تطارده.
لو قلّبنا صفحاتِ السير، ونبشنا في سيرِ العظماء، لوجدنا قانوناً تاريخياً يكادُ يكونُ ثابتاً: «إنَّ السلطةَ تفرُّ ممّن يطلبُها، وتنقادُ صاغرةً لمن يفرُّ منها». وهو عكس المبدأ الغربي الذي ينص على ان السلطة لا تُوهب بل تُنتزع. دعني أجيبكَ بلغةِ اليقين، يكادُ يستحيلُ أن تجدَ من “لهث” خلفَ السلطةِ وكانَ فيها خيراً محضاً.
فالتاريخُ يخبرنا أنَّ أعظمَ النماذجِ هي تلكَ التي “أتتها السلطةُ تجرُّ أذيالها” وهم لها كارهون، وعن حملِها ممتنعون. أكررها ثانية، فتّش في كلِّ زاويةٍ من زوايا الزمن، واستنطقْ كلَّ حقبةٍ مرّت على البشرية، ثم اعمدْ إلى أولئك القادةِ ‘الأخيار’ أصحابِ الأثرِ الطيبِ والذكرِ الخالد وحاولْ أن تجدَ بينهم رجلاً واحداً كان يلهثُ خلفَ الكرسيِّ أو يحيكُ الدسائسَ للوصولِ إليه.
ولن تجد.
ستجدهم جميعاً بلا استثناء يشتركونَ في خصلةٍ واحدة أالا وهي عفّةُ النفسِ عن التطلّعِ للمنصب. لم يكن ‘الزهدُ’ في السلطةِ عندهم شعاراً، بل كانَ تكويناً نفسياً عميقاً؛ هم أدركوا بفطرتهم النقيةِ أنَّ مَنْ يطلبُ الولايةَ وُكِلَ إليها (أي تُرِكَ لنفسهِ الضعيفة)، ومَنْ جاءتهُ عفواً أُعينَ عليها (أي أيدتهُ العنايةُ الإلهية) مهما كانت ولايته وكان حجم فريقه او جيشه او حتى دولته. لذا، فإنَّ القاعدةَ التاريخيةَ صلبةٌ كالصخر: العظمةُ الخيّرَةُ وشهوةُ السلطةِ خطّانِ متوازيانِ لا يلتقيانِ أبداً. فبمجردِ أنْ ترى ‘القائد’ يسعى ويقاتلُ من أجلِ العرش، فاعلمْ أنَّ في نيتهِ دَخَناً، وفي عظمتهِ نقصاً، وأنهُ قد خرجَ من دائرةِ ‘القادةِ المصلحين’ ليدخلَ في دائرةِ ‘الطُلّابِ الطامعين’.
على سبيل المثال، سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لم يطلب الخلافة، بل رشحه لها جميع من حوله، جاءته السلطة بوصفها سدّ فراغ خطير بعد وفاة النبي ﷺ. لماذا السلطة أتته؟ لأنّه: الأوثق دينيًا والأهدأ سياسيًا والأقدر على لمّ الشمل. حتى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم يُنازع على الحكم، بل فُرض عليه بترشيح أبي بكر، وكان كان معروفًا بالحزم، وليس بالمناورة. لماذا أتته السلطة؟ لأن الدولة احتاجت ميزانًا صارمًا بعد مرحلة الهشاشة. فكان سيدنا عمر حازم ولين القلب في آن واحد، وهو ما لا يقدر فعله الكثير اليوم، لأنهم يروا أن السُلطة لابد لها من حزم فقط. سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه ايضاً رفض الخلافة أكثر من مرة، وقَبِلها حين صارت تكليفًا لا تشريفًا. عمر بن عبد العزيز ايضاً لم يخطط للخلافة، بل بكى حين بويع. وكان أول من حاول تفكيك امتيازات السلطة بدل توسيعها.
صلاح الدين الأيوبي هازم الصليبين وقاهرهم ايضاً لم يسعَ للخلافة أصلًا. وهو قائد عسكري تحوّل إلى حاكم لأن الواقع فرض توحيد القرار قبل تحرير القدس.
وانظر للتاريخ الغربي، اشهر إمبراطور فيه هو ماركوس أوريليوس، هل سعى للسُلطة؟ حتماً لا. ولم يكن جنرالًا انقلابيًا ولا خطيبًا شعبويًا او حتى أو طامحًا إلى العرش بل كان فيلسوفًا رواقيًا، يفضّل العزلة، الدراسة، والانضباط الداخلي. كيف أتته السلطة إذن؟ الإمبراطور أنطونيوس بيوس تبنّاه بأمر من هادريان.
في روما، التبنّي كان أداة اختيار سياسي بحت، بمعنى أصح، كفائته اختارته قبل أن يختارها. لدينا ايضاً جورج واشنطن وهو قائد عسكري قَبِل الرئاسة على مضض، وتركها طوعًا رغم القدرة على البقاء. وهذه نقطة فارقة: من لا يسعى للسلطة، يعرف متى يتركها.انظر ايضاً الى نيلسون مانديلا، لم يكن طالب حكم، بل طالب عدالة. الرئاسة جاءت كحل توافقي، وغادر بعد دورة واحدة.
وكل هذا يُلخص في قاعدة اساسية، السلطة حين تُطارد تُفسد صاحبها، وحين تأتي اضطرارًا تختبر أخلاقه. ولهذا قالوا دون بلاغة زائدة: أخطر الناس على الحكم من يحبّه، وأنفعهم من يخشاه. ،القاعدة الذهبية في كل هذا، كفائتك هي من تختارك، ان احتهدت فاجتهد ليراك الله على احسن حال، ان رآك الله مجداً مجتهداً سيكافئك بأكثر مما تتوقع وتتخيل، فقط نقِ قلبك لتنقى نيتك، ومن ثم اترك الأمر لله.
كلُ هؤلاءِ لم يسعوا للسلطةِ لترميمِ ذواتهم، لأنَّ ذواتهم كانت “ممتلئة” وناضجةً من قبل. كانوا اغنياء بأنفسهم، لم يفتقروا لعيونِ الآخرين ليروا فيها صورتهم، أو لأصواتِ المديحِ لتطغى على ضجيجِ الشكِ في أعماقهم. لم تكن السلطةُ عندهم وسيلةً لإسكاتِ صوتِ النقص، بل كانت وسيلةً لإعلاءِ صوتِ الحق. لقد كانوا ‘مكتفين’؛ والمكتفي بنفسهِ عزيز، لا يتسولُ الاحترامَ بصولجانِ الحُكم، ولا يبني مجدَهُ على أنقاضِ غيره.فالمنصبُ عندهم لم يكن “قناعاً” يخفون به ضعفهم، بل كان “أداةً” لخدمةِ غاياتهم العظمى. لذا، خلّدَهم التاريخ، بينما طوى النسيانُ كلَّ من لَهثَ خلفَ الكرسيِّ ليصنعَ لنفسهِ اسماً.
أما القائد فهو النقيضُ تماماً؛ إنهُ نتاجُ الامتلاء بدلاً من خواء المدير.
متصالحَ مع ذاتهِ باكراً، فلم يَعُد يرى في الآخرين تهديداً لكيانه، بل امتداداً لنجاحه. سيكولوجيةُ القائدِ مبنيةٌ على الغِنى النفسي؛ عقليتُه تعملُ بآليةٍ مختلفةٍ جذرياً:
صانعٌ للعظماء لا للأتباع بمعنى اصح سترى المديرُ (المريضُ بالنقص) يسعى لتحويل من حولهِ إلى “نسخٍ باهتة” أو “أدواتِ تنفيذ”، يسعى القائدُ بحبٍ وتجردٍ لصناعةِ قادةٍ جدد. لكن القائد لا يخشى أن يتفوقَ عليه أحدُهم، بل يرى في تفوقِ تلاميذهِ أعظمَ نياشينِ فخره. إنه كالشمعةِ، لا ينقصُ من نورها شيءٌ إنْ أضاءت شموعاً أخرى. لأن السلطةُ وسيلةٌ لا غاية فهو يرى المنصبَ أداةَ خدمة، وجسراً للعطاء. إذا جلسَ على الكرسي، أضافَ للكرسي هيبةً ووقاراً؛ وإذا غادره، بقيَ هو “القائد” في عيونِ الناس وقلوبهم، لأنَّ سلطتَهُ نابعةٌ من شخصه لا من منصبه. ولأنه “ممتلئ” وواثق، فهو يملكُ سعةَ الصدرِ ليسمعَ النقد، ويملكُ شجاعةَ الاعترافِ بالخطأ. لا يرى في الرأي المخالفِ “تمردًا” يجبُ سحقُه، بل يراهُ “زاويةً أخرى” للنظر.
أما المسؤولية عنده، فهي ليست تهمةً يتهرب منها، ولا مغرماً يلقيه على عاتق غيره، بل هي ميدانه الذي يعشقه؛ يحملها بشجاعة حين تتخاذل الكواهل، ويقف في وجه العاصفة ليحمي من خلفه. وهو في تعامله مع الأخطاء كيميائيٌ بارع؛ لا يجلد المخطئ، ولا ينصب المشانق للعثرات، بل يحتضن الزلل ويقومه بحكمة، فيُحيل الخطأ درساً، والعثرة قفزةً للأمام. لا تشغله سهام النقد الفارغة، ولا يلتفت للضجيج، بل يصب جل تركيزه على التحفيز؛ ينفخ الروح في العزائم الخاوية لتشتعل من جديد.
وآيةُ صدقه وتجرده، أنه يؤثر الظل على الضوء. يرفع فريقه دائماً إلى منصات التتويج والظهور، لأنه يعرف ان نجاح فريقه من نجاحه، فيدفعهم إلى واجهة المشهد، بينما يكتفي هو بابتسامة رضا من بعيد، وربما لا يراه أحدٌ أصلاً؛ كالجذر الراسخ تحت الأرض، لا يظهر للعيان، لكنه هو من يمسك الشجرة أن تميد، وهو من يمد الأغصان بالحياة. ولسانه عفٌ عن (الأنا) ونرجسيتها، لا ينطق إلا بـ (نحن)؛ وتلك والله ليست مجرد كلمة، بل هي فلسفةُ حياة، ومسافةٌ شاسعة بين من يرى العالم يدور في فلكه، وبين من يرى نفسه ترساً يدفعه ويدفعه الجميع نحو النجاح.
ولعلي أختمُ هذا المقال بنصيحةٍ مُحبّة، أسوقها إليكَ يا عزيزي كعُصارةِ تجربة، تصالَحْ مع الواقع، وارضَ بقانونِ الوجود. اكسرْ صنمَ ‘الأنا’ في داخلكَ بيدك، قبلَ أنْ تُحطّمهُ الأيامُ بمطارقها، وقبلَ أنْ يُهشّمهُ الناسُ بقسوتهم. فالحياةُ مدرسةٌ صارمة، ستُعلّمكَ -شئتَ أم أبيت أنهُ لا بدَّ لكَ من سقفٍ تستظلُّ تحته، ورأسٍ يلوحُ فوقك. فما من قائدٍ إلا وفوقهُ مَنْ يقودُه، وتلكَ السلسلةُ تمتدُ لتشملَ حتى رؤساءَ الدولِ وتيجانَ الأرض، فهي تراتبيةٌ كونيةٌ وهياكلُ تنظيميةٌ صارمة، لا يعلوها ولا يُعجزها إلا اللهُ وحدهُ المتفردُ بالكبرياء والعظمة.
إنْ لمْ تُوطّنْ نفسكَ على تقبّلِ هذه الحقيقة، فلن تبرحَ مكانك، وستظلُّ تدورُ في رحى الصراعِ العبثي. نعم، لكَ الحقُّ كلُّ الحقِّ في أنْ تسموَ في المناصب، وتبلغَ عنانَ السماءِ وتترقى في الدرجاتِ كما شاءَ اللهُ لك ولكن، إياكَ ثم إياكَ أنْ تصعدَها عليلاً.
ولعلّي، وفاءً لعادتي الأثيرة، أعودُ لأنقشَ في سِفرِ مذكراتي أسماءَ تلكَ الأرواحِ النادرة، مِمَّن فاضوا فضلاً ونبلاً؛ لا فرقَ عندي إنْ كانوا خِلاً وفياً، أو إنساً بسيطاً، أو قائداً مُلهماً. ولربما طالَ العهدُ بقلمي لم يخطَّ فيها جديداً منذُ أمد؛ إذْ أنني آليتُ على نفسي ألا أودعَ في هذهِ الصحائفِ إلا اسماً عصيّاً على النسيان، أخشى عليهِ من غبارِ الأيامِ أنْ يواريه، أو من ذاكرتي أنْ تخونه. فلكَ أنْ تتخيلَ مدى دقةِ هذا الغربالِ وصرامتهِ في الانتقاء غيرَ أنني اليوم، وبكاملِ اليقين، قد أضفتُ للقائمةِ اسماً جديداً قد جمع اكثر من نيشان في نقائه وصفائه فله مني جزيل الشكر من منبري هذا…





مقالة في غاية الاهمية والروعة. ماهو مدح فيك والله ولكن انا رأيت فيك صفة القائد الحقيقي في الجامعة لاكثر من 200 طالب في شعبتي انا فقط جميعاً كنا متفقين على قيادتك حتى وان لم يأخذ جميعنا درجات كبيرة ومع ذلك لم يختلف احد فينا على رجاحة عقلك او اسلوبك في الشرح او حتى شخصيتك، وكل ماكتبته في هذه المقالة انا رأيته في قيادات ومدراء في العمل، المدراء كانو مكروهين جداً والكل يمقتهم وفعلاً مهما يصلو لمناصب تلاقيهم في ساحة صغيرة جداً، بينما القادة كان الامر مختلف تماماً، كانوا اكثر الناس تواضعاً واحتراماً، ويمكن حتى ماشفت منهم حزم ومع ذلك ما في اي احد أتراخى في العمل لانه الاحترام يحرجك وتحرج انك تفشل فريقك. اشكرك مجددا دكتور اشرف واتمنى انا اراك في هذا الترم في اي مادة
مقال روعة.. مشكور يا دكتور
تحياتي لك من الجزائر 🌹👏