فن التغابي والتغافل
الذكاء المستتر: لماذا يجب ألا تظهر كل ما تملك من قدرات؟
لطالما طاف بخاطري سؤالٌ أرى ملامح إجابته ترتسمُ في وجوه الناس من حولي؛ خاصة أولئك الذين يتهافتون على الظهور لإبراز عضلات قوتهم، واستعراض بريق ذكائهم، ونثر شتات علمهم في كل محفل ومجلس. وكنتُ أرى على الدوام أنَّ من خوارم التميّز، ومن سوء التدبير، أن يُسفر المرء عن مكنونه دفعةً واحدة، ويُشرع أبواب نفسه لكل طارق، ويُبدي كل ما يملك من أدوات القوة والنباهة في مجلسٍ واحد؛ حتى يغدو للجميع “كتاباً مفتوحاً” يُستقصى ما فيه من جلسةٍ واحدة، ولا يتركُ في غدِهِ سراً يُرتجى، ولا غيباً يُنتظر.
ولهذا يا عزيزي، إن ما سأخطّه لك اليوم هو عصارة رؤيةٍ صهرتها تجارب الأيام في معترك الحياة، ومقالنا هذا يتقصى أثر سمتين من أسمى سمات الأنفس الأبية، وأكبرها شأناً في إرساء ركائز الشخصية الفذة التي تأبى إلا أن تصنع لنفسها مكباً باذخاً ومقاماً رفيعاً بين الأنام، وهي خصالٌ لا ينال شرف إتقانها الكثرة الكاثرة، ولا حتى القلة العابرة، بل هي وقفٌ على صفوة النخبة الذين نفذوا ببصائرهم إلى جوهر التأثير وقوة الحضور.
إن الشطر الأول من هذه القوة المتجذرة يكمن في “فن التغابي”، وهو في حقيقته أبعد ما يكون عن قصور الفهم أو ركاكة العقل، بل هو ذروة الذكاء وعين الفطنة حين يرتدي المرء طواعيةً رداء البساطة ويدعي الغفلة، ليرقب المشهد من أفقٍ أرحب ويصون نفسه من معارك عبثية تستنزف الروح بلا طائل، فبينما يتهافت الجميع في مضمار استعراض الدهاء، يبرز القوي في سكينته متدثراً بصمته، ليكون هو المحرك الخفي لمجريات الأحداث وهم لا يشعرون، ولأجل ذلك جعلتُ غايتي دوماً استشراف الخواتيم والنتائج، غير آبهٍ بزخرف المقدمات ولا بضجيج من يقدمونها.
أما الركيزة الثانية التي تكتمل بها مهابة النفس، فهي “فن التغافل”، وهي قوة تمنح صاحبها القدرة على التسامي فوق صغائر الأمور والترفع عن مجاراة السفهاء في لجاجهم، فهي ليست غروراً يُذم، بل هي كبرياءٌ يُستلهم، يجعل الفرد يزن كلماته بميزان الذهب ويحفظ كرامته من الابتذال في مواطن الجدل، فمن أدرك قيمة نفسه كفّ عن استجداء القبول في عيون الآخرين، وصار كالجبل الأشم لا تهزه رياح الانتقاص ولا يغريه بريق الثناء الزائف، وبدمج هذا التغافل مع حكمة التغابي، يغدو المرء سيداً لمصيره، يملك زمام المبادرة في صمت، ويصيغ مجده بمدادٍ من وقار، مستعلياً بذاته عن كل ما يخدش بهاء روحه أو يشتت تركيزه عن بلوغ القمم التي لا يطؤها إلا الحكماء.
وعلى هذا المنوال يا عزيزي، فإن هذا المزيج بين التغابي والتغافل يخلق حولك هالةً من الغموض المهيب، تجعل الآخرين في حيرة من أمرهم؛ هل أنت حقاً لا تدرك ما يدور خلف الكواليس، أم أنك تدرك كل شيء وتترفع بذكائك عن الخوض فيه وتنتظر الوقت المناسب؟ إن هذه السياسة في التعامل هي التي تصنع الفارق الجوهري بين الإنسان العادي وبين النخبة التي ذكرتها؛ فالنخبة لا تعيش لترضي فضول الناس أو لتثبت ذكاءها في كل مجلس، بل تعيش لتستثمر في صمتها وفي توقيت ظهورها، فالتغابي يمنحك فرصة ذهبية لفهم معادن الناس وكشف نواياهم دون أن يشعروا، والتغافل يمنحك الهدوء النفسي لتستمر في طريقك نحو أهدافك الكبرى دون الالتفات للضجيج الجانبي، وبهذا تكون قد ملكت أهم مفاتيح الشخصية القيادية التي تعرف متى تضرب بقوة، ومتى تمر بسلام وكأنها لم ترَ ولم تسمع، لتظل في نهاية المطاف أنت الشخص الذي يملك زمام اللعبة، والوحيد الذي يحدد متى وكيف يكشف عن أوراقه الرابحة.
ولعلك تتساءل ياعزيزي في خلجات نفسك كيف السبيل إلى ذلك؟ وهو تساؤل مُحبب الى قلبي يقع في قلب ما ننشده ونحث عليه في سائر أطروحاتنا، فأنا وأنت يا عزيزي ندرك يقيناً أن لكل ظاهرةٍ في هذا الكون وجهاً آخر، وصورةً أشد عمقاً وأكثر اتساعاً لا تبصرها عيون العامة من الناس، لكن السؤال الذي قد يقرع أبواب فكرك بإلحاح هو لماذا تختار التغابي وتصطنع التجاهل وأنت تملك من الفطنة ما يكشف المستور، ومن القدرة ما يغنيك عن الصمت؟
إنَّ فنَّ التغابي لا يعكس نقصاً في الفهم أو شحاً في الإدراك، بل هو دهاءٌ مُبطّن وحنكةٌ تتخفى تحت رداء البساطة. إنه ذلك الشَّرَكُ النفسي الناعم الذي يُنصب بحرفية عالية لاستدراج الآخرين، دافعاً إياهم للبوح بما كانت عقولهم تعتزم طيّه في كتمان. وحين تدّعي قلة الحيلة أو العجز عن الفهم، فإنك تسوقُ محاورك دون أن يشعر إلى استنزاف طاقته في الشرح، بل وربما تدفعه لمدّ يد المساعدة التي تُنتزع منه طواعيةً رغم أنه لم ينوِ تقديمها في الأصل.
وما إن تلتحف بعباءة التجاهل وتُظهر عدم الاستيعاب، حتى تمنح جليسك مسرحاً واسعاً يطيل فيه الحديث والتفصيل، غافلاً عن كونك تقرأ ما بين سطور كلماته وتزنُ انفعالاته. في هذا الفخ الذي اراه هادئاً جداً، تتساقط أقنعة النوايا، وتتبدى عورات المنطق ومآرب النفوس الخفية، بينما تظل أنت في صومعة صمتك، تحلل المشهد بعين البصيرة الثاقبة. ولا يقتصر هذا الدهاء المحمود على كشف السرائر فحسب، بل يمتد ليكون درعاً واقياً في لحظات الضغط والمباغتة؛ فالتظاهر بقصور الإلمام بالموقف يمنحك مهلةً زمنية ذهبية لتقييم العواقب، ويرفع عن كاهلك ثقل الاستجابة الفورية ومزالق الالتزامات المتسرعة التي قد تندم عليها لاحقاً.
وفي ميادين القيادة وتوجيه الدفات، يتجلى ايضاً التغابي كأداةٍ بالغة الأثر لبناء العقول وصناعة الكفاءات. فالقائد الفذ هو من يجرؤ على التنحي أحياناً عن منصة “الخبير العليم”، متسائلاً أمام فريقه او طلابه او حتى ابنائه او اياً من كان مسؤلاً عنهم بحيرةٍ مصطنعة عن سبل الحل لتجاوز عقبة ما. هذا الانسحاب التكتيكي يوقد شعلة المبادرة في نفوس الأفراد، ويُشعرهم بثقل قيمتهم وأهمية خبراتهم، فيتداعى صرح الاتكالية المذمومة، لتُبنى مكانه أعمدة الثقة بالنفس. وعليك أن تدرك وتوقن أنَّ استعراض الكفاءة المطلقة والقدرة على إنجاز كل شاردة وواردة، ليس إلا فخاً تصنعه بيدك، ليجعلك مغناطيساً يجذب أعباء الآخرين ومسؤولياتهم؛ بينما ينسج التغابي الواعي حولك حدوداً خفية، تردع المستنزِفين وتلزمهم بالقيام بواجباتهم التي كُلّفوا بها.
لذا يا عزيزي، اطرح عن كاهلك عبء إثبات جدارتك ورجاحة عقلك للملأ، وتخفف من وهم إرضاء الجميع. فالناس في زحام هذه الحياة لا يلقون بالاً إلا لما يمس مصالحهم، ولن ينظروا إليك إلا من زوايا منافعهم الشخصية. احتفظ بجواهر حكمتك، وعميق فكرك، وسطوة ذكائك، لتلك الثلة القليلة التي سكنت قلبك وحازت على ثقتك المطلقة. ففي نهاية المطاف، لن يغني عنك إعجاب الغرباء وتصفيقهم شيئاً، ولن يبقى لك إلا حُبُ تلك الدائرة الضيقة التي تعرف حقيقتك وتقدر جوهرك، بعيداً عن مسارح التكلف وأضواء الزيف التي تسرق من المرء عُمره وسلامه الداخلي.
وأما في مقامات الود وساحات العلاقات الإنسانية، فإن التجاهل والتغافل يرتقيان ليصبحا تاجاً يزين رؤوس النبلاء، وصفةً لا يطيقها إلا أولو العقول من أصحاب النفوس الكبيرة. ولعل أبلغ ما قيل في هذا الباب، ما سطره أحد العلماء العارفين حين قال: “إن المروءة مائة خصلة، تسعة وتسعون منها في التغافل”. وهذا القول يؤكد أن النبل الحقيقي لا يكمن في حدة البصر وتصيد الهفوات، بل في تعمد غض الطرف وإرخاء سدول الستر على زلات الآخرين.
والتغافل هنا يا عزيزي ليس انعداماً للرؤية ولا ضعفاً في الحيلة، بل هو اختيار واعٍ وإرادة صلبة لإغماض العين عن هفوات الناس استبقاءً لودهم، وحفظاً لماء وجوههم من مرارة الإحراج. بيد أن ميزان الحكمة يقتضي ألا يُنثر هذا النبل في كل حقل، ولا يُطوق به عنق كل غادٍ ورائح؛ فمن الناس من إذا أمن جانبك، واغتر بجميل حلمك وسعة صدرك، كشر عن أنياب الغدر واستحال ذئباً ضارياً يتحين الفرصة لنهشك واستباحة حدودك. وهذا له ابواب كثيرة من التصرف معه، كلُ حسب عقله وحيله.
إعلم ياعزيزي أن التغافل المحمود هو الذي يوضع في موضعه الصحيح، ويُسدى لمن يعرف قدره ويثمن قيمته. فالكريم متى ما تغافلت عن زلته ذاب خجلاً وزادك تقديراً وإجلالاً، واعتبر صمتك ديناً في عنقه يوفيه لك بالوفاء. أما اللئيم متى ما أرخيت له حبل التجاوز حسبه ضعفاً وخوراً، فتمادى في غيه، وتطاول على مقامك، واتخذ من نبل أخلاقك جسراً يعبر عليه لتحقيق مآربه الدنيئة.
لذا، لا بد للحليم أن يمزج لينه بحزمٍ خفي لمن اراد ان يتذكر، وأن يترك عيناً يقظةً ترقب المشهد بتبصر، فلا يُلدغ من جحر مرتين، ولا يجعل من مروءته مرتعاً لضعاف النفوس. إن المهارة الحقيقية تكمن في قدرتك على التمييز؛ متى ترتدي ثوب الغفلة لتشتري قلوب الصادقين، ومتى تشهر سيف الفطنة واليقظة في وجه من يظن أن نقاء طويتك فرصة للاستغلال والافتراس.
فكن كالغيث يروي الأرض الطيبة لتنبت زهراً، ويمسك قطراته عن السبخة التي لا تزيدها المياه إلا ملوحة وفساداً. احتفظ بفضيلة التغافل لأولئك الذين يشترون ودك ويحفظون عهدك، ولا تتردد في إظهار حدة بصرك وصرامة موقفك أمام من لا تردعه إلا لغة الحزم، فالحكمة لا تكتمل إلا بوضع الندى في موضع الندى، والسيف في موضع السيف.
واعلم إن الكريم إذا أبصر زلةً سترها بحلمه، وإذا لمح عيباً تجاوزه بكرمه، موقناً أن تقصي كل صغيرة وكبيرة، ومحاسبة الناس على كل شاردة وواردة، يورث الجفاء ويمزق حبال المودة المتينة. إنه فن العيش بسلام، حيث يختار المرء بكامل إرادته أن يصم أذنيه عن كلمة طائشة، ويعمي بصره عن تصرف أهوج، لا عجزاً عن الرد، بل ترفعاً عن سفاسف الأمور وصوناً لقلبه من أدران الأحقاد.
ففي التغافل سعة للروح، وراحة للبال، وعافية للقلب من صخب المعارك الوهمية والخلافات العبثية. ومن رام أن يعيش سيداً في قومه، مهاباً في مجلسه، ويحظى بصفو الود في دائرته، فليتخذ من التجاهل الراقي درعاً ومنهجاً؛ إذ لا تتسع مجالس المحبة لمن يمسك مجهراً يدقق به في عيوب البشر، بل تتسع لمن يبسط رداء عفوه، متغافلاً بحلم، ومتجاهلاً بكرم، ليثبت للدنيا أن قمة الوعي وكمال المروءة يكمنان دائماً في القدرة البارعة على ادعاء الغفلة.






اعتقدت لوهلة أن كلامك يخاطبني انا شخصيا ،ففي زمان مضى كنت شخصا اعرض كل ما املكه من معلومات و مهارات حتي اتى على زمان فقدت فيه القدرة على ممارسة نشاطات بسيطة في حياتي و حتى أصبت بالعجز على الحصول على المعرفة و الثقافة و أنا من محبي التعلم دائما ،كنت كتابا مفتوحا حتى اصبحت كتابا فارغا ، كلامك حقيقي لدرجة ، شكرا على طرح هاذ الموضوع
انني في كثير من المواقف التي تصادفني في طريقي نحزن أهدافي كما ذكرت أجد نفسي محتارة اما ان التغافل و اتغابى او ان لا اصمت و يكون دائما اختياري الاخير ، بعد معارك كثيرة مع نفسي إذ انني احس انه لو تغاضيت و تغافل جعل ذلك مني شخصا استراتيجيا ماديا و انني بذلك اخون مبادئي و اكون منافقة ، و أجد ان ذلك يسلب مني الحق فيما بعد من أن ابدي اي رأي او ادعي التحلي بمعرفة او مبادئ وان ذلك سيحتم علي في المستقبل دائما الخضوع و التغافل عن كل نقاشات و كل ما قد لا اكون ارضاه، ويكأنني أجد نفسي في كل موقف مماثل أضع نفسي بين اختيار وحيد اما ان اختار كبريائي او الفرص التي سيمنحها لي تغافلي و تغابيي ، فاضيعها و يكون عزائي كبريائي ، الذي و بصراحة في لحظات من الضعف أجد نفسي محتارة مجددا انه ربما كبرياء زائف و رغبة ملحة من الأنا التي في بالظهور، فتارة انا متيقنة من اختياري و تارة أخرى ارثو ما فقدته حينما أرى الذين تغافلو ينعمون بما قد وددته انا ، انني إلى الآن ابحث عن الجواب و لا أجده، لأنني دائما اقول في قرارة نفسي فما قيمة المبادئ و الفطنة ان لم تكن هي ما يحدد هويتي ،
لذلك انني اشكرك جزيل الشكر على تناولك لهذا الموضوع و ارجو منك الرد عن تساؤلي في ان تبين لنا ما هو التغافل المحمود و متى يكون مذموما
و اسفة ان كنت بسؤالي قد خرجت عن ما كنت انت قد شرحته