فخُّ المعرفةِ الوهميّة
حين لا نُدرك أننا لا نُدرك
إنّ المجتمعَ الغارقَ في ظلمات الجهلِ لا يقتصرُ في كينونتهِ على حشدٍ من الأفرادِ المسلوبي الوعي، بل هو في جوهرهِ مستنقعٌ لأفكارٍ عقيمة، وركامٌ من حقائقَ هشّةٍ تتأرجحُ على حافةِ الزيف. وهو متاهةٌ لا متناهيةٌ من الزلّاتِ التي تتدثرُ بثوبِ الصوابِ في عيونِ أهلها، ولا ينجلي عوارُها إلا لعينٍ بصيرةٍ ترمقُ المشهدَ من شواطئِ الحكمةِ الخارجيّة. فما هذا المجتمعُ في تجلّيهِ الأكبر، إلا انعكاسٌ متضخمٌ لظلِّ رجلٍ أعمى البصيرةِ، أُسندت إليه دفّةُ مركبٍ تتقاذفهُ أمواجُ محيطٍ لُجّيّ.
يظنُّ بغرورهِ أنّه يطوّعُ الريحَ ويقهرُ الموج، بينما هو في حقيقةِ الأمرِ ريشةٌ أسيرةٌ للتياراتِ العمياء، ومُساقٌ بخطىً حثيثةٍ نحو الهاوية. بوصلتُه العطب، ونجومُ هدايتهِ طمستها غيومُ الوهم. يقفُ على سطحِ مركبهِ منتشياً بانتصاراتٍ زائفة، وركّابُه يصفقون لسرابِ شواطئَ لن يبلغوها أبداً؛ لأنهم ارتضوا العمى دليلاً، والجهلَ شراعاً.
وحين توقظهم زمجرةُ العاصفةِ الحقّة، وتتكشّفُ لهم أنيابُ الصخرِ الغادرِ تحت زبدِ الماء، يكونُ أوانُ النجاةِ قد ولى، لتغرقَ الرحلةُ بأكملها في قاعِ العدم، غيرَ مأسوفٍ عليها. فالعقلُ إن غابَ عن دفّةِ الأمم، استحالتِ الحياةُ إلى انتحارٍ جماعيّ تباركهُ الأيدي الغافلة، وتطويهِ أمواجُ التاريخِ في طيّ النسيان.
وهذا يا عزيزي هو القطبُ الذي تدورُ حولهُ رحى مقالنا اليوم: “الجهل”. وإن أمعنتَ النظر، لوجدتَ أن الجهلَ ليس ظلاماً واحداً تتساوى فيه العتمة، بل هو مراتبُ ومنازلُ تتجسدُ في ثلاثةِ أصنافٍ من البشر:
أولهم: امرؤٌ يدركُ أنّه لا يعرف
فذلك طالبُ حقٍّ أضاءَ له التواضعُ دربَ المعرفة. هو رجلٌ يقفُ على شواطئ بحرِ العلمِ معترفاً بقصورهِ وضعفِ حيلته، وهذا الاعترافُ هو أولُى درجاتِ الحكمة؛ فمن عرفَ قدرَ جهلهِ، باتَ أهلاً للتعلّم، وامتدت له أسبابُ الارتقاء.
وثانيهم: امرؤٌ لا يدركُ أنّه يعرف
فذلك غافلٌ نامت في أعماقهِ المعرفة، أو حكيمٌ كبّلهُ الشكُّ في قدراته. هو أشبهُ بمن يملكُ كنزاً دفيناً وأضاعَ خريطته، لا ينقصهُ العلم بل تنقصهُ البصيرةُ واليقينُ بما يحمل. وهذا الصنفُ من الناسِ لا يحتاجُ إلى التعلّم بقدرِ ما يحتاجُ إلى من يوقظُ بصيرتهُ، وينفضُ غبارَ الغفلةِ عن عقله.
وثالثهم: امرؤٌ لا يدركُ أنّه لا يدرك
وهنا يكمنُ الداءُ العضال، فهذا هو “الجهلُ المركّب” الذي يغترُّ فيه صاحبهُ بوهمِ المعرفة وكمالِ العقل. يقبعُ هذا الصنفُ في قاعِ ظلماتهِ ظاناً أنهُ على قمةِ النور، يرى السرابَ ماءً زلالاً، ويرفضُ يدَ المساعدة؛ لأنه لا يرى لنفسهِ حاجةً إليها.
فالأولُ غرسٌ يُرجى ثمرهُ، والثاني نائمٌ يُرجى انتباههُ، أما الثالثُ، فهو كالصخرةِ الصماءِ التي لا يُنبتُ فيها ماء، إذ كيف تصفُ الدواءَ لمن لا يشعرُ أصلاً بأنهُ عليل؟ وكيف تضيءُ الدربَ لمن أغلقَ عينيهِ متعمداً، ثم ادّعى أنهُ يرى الشمس؟! وعند هذا الصنفِ الأخير، يا عزيزي، نُنيخُ مطايا الحديثِ اليوم، ونقفُ وقفةَ متأملٍ فاحص.
ولعلكَ تُدركُ ياعزيزي بما عهدتَهُ من شغفي بمحاورتك مدى بهجتي بتلكَ التساؤلاتِ التي تتوالدُ في ذهنكَ المتوقد. فكأني بكَ الآنَ ترمقني بعينِ الشكِّ، وتطرحُ سؤالاً جوهرياً يترددُ في جنباتِ نفسك قائلاً: «وكيفَ لي أن أوقنَ أنّني حقاً لا أعرف؟ وكيف أستبينُ موقعي من هذا التقسيم، والحالُ أنَّ النفسَ البشريّةَ مجبولةٌ على كبرياءٍ خفيّ، ولا يعترفُ بنقصها، أو يقرُّ بقصورها، إلا نزرٌ يسيرٌ من الناس؟».
والجوابُ يا عزيزي يكمنُ في “فضيلةِ الشك” ومراقبةِ ارتعاشةِ اليقين في قلبك. إنّ المحكَّ الحقيقيَّ لاختبارِ هذا الجهلِ الخفيّ ليس في مقدارِ ما تحفظُ من معلومات، بل في ردّةِ فعلكَ حين تصطدمُ قناعاتك بما يناقضها. الجاهلُ جهلاً مركباً يرتدي درعاً سميكاً من اليقينِ الزائف؛ يضيقُ ذرعاً بالخلاف، ويستلُّ سيفَ الغضبِ إن مُسَّت أفكاره، ويرى في كلِّ رأيٍ آخرَ تهديداً لوجودهِ وكيانه. لذلك، فهو سجينٌ في قفصٍ من الإجاباتِ المعلبة، لا يجرؤ على طرحِ سؤالٍ قد يزلزلُ أركانَ وهمه.
وأولُ مبادئ الاجابة هي أن تلتمسَ لنفسك وجهاً تبرقُ له عيناك شغفاً وإجلالاً؛ والمعنى المخبوءُ في هذا المجازِ أنّه لابدَّ لكلِّ امرئٍ يسعى إلى كمالهِ الإنسانيِّ من “قدوةٍ” يأتمُّ بها، ومشكاةٍ يستضيءُ بنورها. وما غايةُ هذا الاقتداءِ في جوهرهِ إلا لمصلحةِ الإنسانِ ذاته، فهو النموذج الذي يرتقي به لبلوغِ أفضلِ نسخهِ وأزكاها. ولكي يتجلى المقصدُ وتتضحَ الصورة، دعنا نقسّمُ القدوةَ في ميزانِ التجربةِ الإنسانيةِ إلى ثلاثةِ مشارب:
أولها: قدوةٌ غيبيةٌ شربت من نورها البصيرة
وتلكَ هي المنزلةُ العظمى التي تتجسدُ في اقتفائنا لأثرِ خاتمِ الأنبياءِ، نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومن بعد الصحابة رضي الله عنهم. فنحنُ وإن لم نتنعم برؤيتهِ عياناً، إلا أننا نتتبعُ خطاهُ في معتركِ هذه الحياةِ الدنيا، متخذينَ من سيرتهِ العطرةِ بوصلةً أخلاقيةً ومنهجاً قويماً، لكي نعبرَ جسرَ هذه الفانيةِ ونبلُغَ دارَ الخلودِ في أبهى صورها وأزكى مراتبها، وفي هذا المقامِ ذي الشأن، لابد لنا من إرسالِ الطرفِ نحو كواكبَ أضاءت سماءَ التاريخ؛ ألا وهم الصحابةُ الكرامُ والخلفاءُ الراشدون، رضوان الله عليهم أجمعين. ففي بطونِ سِيَرهم العطرة، وبين ثنايا مواقفهم الخالدة، تتجلى أخلاقٌ ساميةٌ ومبادئُ راسخة، قادرةٌ متى ما تشرّبها المرءُ أن تنحتَ من كيانهِ أعظمَ وأبهى صورةٍ للإنسانِ السويّ. فمن اتخذهم أسوةً واستلهم من معينهم، فقد استمسك بالعروةِ الوثقى في بناءِ ذاته، ونهل من نبعٍ صافٍ يصقلُ الروحَ ويقوّمُ العقل. لذلك، إنّ الاقتداءَ بهم هو استحضارٌ لأنقى ما في البشريةِ من قِيَم، ليغدو الفردُ منا نسخةً أسمى من نفسه؛ عزيزاً في مبدئه، متواضعاً في علمه، وراسخاً في يقينهِ وسط محيطِ الحياةِ المتلاطم.
وثانيها: قدوةٌ تلوحُ في الأفقِ من بعيد
وهو طرازٌ من البشرِ ربما وقعتْ عينكَ عليهِ، أو تابعتَ آثاره وإنجازاته، فأُشرِبَ قلبُكَ إعجاباً بسموِّ شخصهِ ورقيِّ فكره، وإن لم تُتحْ لكَ الأقدارُ شرفَ قربهِ أو مجالستهِ أو معرفتهِ عن كثب. فهو كالنجمِ الذي لا تلمسهُ يداك، لكنّه يهديكَ في ظلماتِ البرِّ والبحر. وهذا تستلهم منه كيف وصل الي ماهو فيه، فيعطيك دفعة في الحياة بأن تتقدم وتنمو في يومك حتى يثمر شهرك وعامك وهكذا.
وثالثها: قدوةٌ تخالطها وتعرفها حقَّ المعرفة
وهو ذاك الإنسانُ الذي شاطرتهُ تفاصيلَ الحياة، وخبرتَ معدنهُ الأصيلَ في السراءِ والضراء. أدركتَ عن قربٍ كيفَ يصاغُ الصبرُ في مواقفِ الشدة، وكيفَ تتجلى الحكمةُ في المعاملة، فغدا لكَ معلماً حياً وميزاناً ملموساً للأخلاقِ والفعل.
وإنما احتيجَ إلى هذه النماذجِ الثلاثةِ يا عزيزي؛ لأنَّ وجودَ القدوةِ هو الترياقُ الناجعُ لداءِ “الجهلِ المركب” الذي سلفَ ذكره. فالإنسانُ حينَ يطالعُ سيرَ العظماءِ ويحتكُّ بالنفوسِ الكبيرة، يدركُ تلقائياً ضآلةَ ما يملكُ من علمٍ وحكمة، فيذوبُ جليدُ غروره، وتتواضعُ نفسه. إنَّ القدوةَ الحقيقيةَ تعملُ عملَ المرآةِ الصافية؛ ترينا نواقصنا لا لننكسر، بل لنهذبها، وتكشفُ لنا آفاقاً من الكمالِ الإنسانيِّ لم نكن لنبصرها لو ظللنا قابعينَ في زنزانةِ الإعجابِ بالذات.
وهنا يلوحُ في الأفقِ أمرٌ جلل، ومحكٌّ تختبرُ فيه معادنُ النفوسِ أمام مطرقةِ الكبرياء. فإن وقفتَ يوماً أمامَ شخصٍ انتزعَ إعجابكَ بفضله، فلا تدعِ المكابرةَ تُغلقُ أبوابَ إنصافك. قد تُبصرُ في دروبِ الحياةِ من هو أغزرُ منك علماً، فإياكَ أن تهمسَ لنفسكَ بلسانِ العجزِ والمواساةِ الزائفة: “إنّ بلوغَ مبلغهِ ضربٌ من المحال”. وقد ترمقُ ناجحاً اعتلى صهوةَ المجدِ في ميدانِ عمله، فلا تركنْ إلى حيلِ الضعفاء؛ كأن تعزو تفوقهُ إلى ضربةِ حظٍّ، أو ترميهِ ببهتانِ الفشلِ لتُسكتَ وخزَ النقصِ في داخلك، متوهماً أنه ليس بذي فضلٍ عليك ولا هو احسن منك، فتسدَّ بذلك على نفسكَ منافذَ الارتقاء، وتضيع فرصة الوصول.
وهنا يقبعُ جوهرُ المأساة؛ فلطالما روّضَ الكثيرون عقولهم وكأنهم في حلبةِ صراعٍ وهمية على توجيهِ ضرباتِ الاستصغارِ والازدراءِ لكلِّ من يعلوهم شأناً. يفعلون ذلك لأنهم يدركون في قرارةِ أنفسهم، وبمرارةٍ مكتومة، عجزهم عن بلوغِ تلك القمم. إثر ذلك، تتشوهُ الفطرة، وتتحولُ شخصيةُ المرءِ إلى تركيبةٍ معقدةٍ أقربَ إلى أبطالِ الرواياتِ التراجيدية التي ينهشها الصراعُ الداخلي؛ فيرى في إشراقةِ نجاحِ الآخرينَ ظلاماً لفشلهِ هو. وبدلاً من أن يستنهضَ عزيمتهُ ويُجبرَ نفسهُ على خوضِ غمارِ النجاح، يعمدُ إلى تهشيمِ صورِ الناجحين ومحاولةِ إسقاطهم؛ خشيةَ أن يبدوا صغيراً أمامَ بريقِ إنجازاتهم، ولكي لا تصفو لأولئك العظماءِ صورةٌ في عينيه. إنّ هذه العقليةَ العقيمةَ أرضٌ سبخةٌ لا تُنبتُ زهراً ولا تُثمرُ مجداً. وصاحبها سيظلُّ قابعاً في خندقه، تسبقهُ قوافلُ الساعين، وتتجاوزهُ عجلةُ الزمن، بينما هو متسمّرٌ في مكانه، ينسجُ خيوطَ وهمٍ تلتفُّ حوله، مقنعاً نفسهُ كذباً بأنهُ قد بلغَ المنتهى، وأنه ليس في العالمين من يفضلهُ أو يفوقهُ شأناً.
وللنجاةِ من هذا الفخِّ، لا بدّ للمرءِ أن يدركَ أنَّ النجاحَ ليس مورداً شحيحاً ينضبُ إذا اغترفَ منهُ الآخرون، بل هو سماءٌ رحبةٌ تتسعُ لكلِّ النجوم. إنّ العظيمَ حقاً هو من يجعلُ من نجاحِ غيرهِ وقوداً لعزيمته، ومن تفوقهم دافعاً لترويضِ قصوره. فالتصالحُ مع الذاتِ والاعترافُ بفضلِ أهلِ الفضل، هو الخطوةُ الأولى للنزولِ من برجِ الوهم، والبدءِ في بناءِ مجدٍ حقيقيٍّ لا تذروهُ رياحُ الحقيقة.
ومن هنا، أسوقُ إليكَ نصيحتي يا عزيزي: إيّاكَ والمكابرة. روّض جِماحَ نفسكَ، واقمع غرورها كلّما سوّلت لكَ أنكَ الأوحدُ والأفضل. ازجرها بقسوةٍ حينَ تُحيكُ لكَ الأعذارَ لتقنعكَ بأنَّ كلَّ ناجحٍ يتلألأُ أمامَ عينيكَ ليسَ أهلاً لنجاحه، أو أنَّ مجدهُ محضُ زيف. وألجمها متى ما أبصرتَ محبةَ الناسِ تلتفُّ حولَ امرئٍ، فتهامستْ في سِرّكَ حاسدةً: “ليس فيهِ ما يستوجبُ كلَّ هذا الحب”. واكبح جماحها حينَ تستصغرُ فرصةً سانحة، قد تكونُ يتيمةَ دهركَ وآخرَ طوقِ نجاةٍ لك؛ فإن أنتَ أضعتها تكبّراً وعناداً، فتحتَ على رُوحكَ نفقاً مُظلماً من الجهلِ المركّب، نفقاً موحشاً لا طاقةَ لكَ بالخروجِ منه، ولا يطويهِ الفناءُ إلا بانقضاءِ عُمركَ وزوال أثرك.
واعلم ياعزيزي إنَّ أشدَّ المعاركِ ضراوةً وأعظمها شأناً، ليست تلكَ التي نخوضها لكسرِ الآخرين، بل هي المعركةُ الخفيةُ التي نشنّها على أوهامِ ذواتنا. فالنفسُ إن تُرِكت لهواها، تحوّلت إلى صنمٍ خفيّ يعبدهُ صاحبُه، يُعمي بصيرتَهُ عن الحق، ويصمُّ أذنيهِ عن نداءِ الحكمة. ولكن، متى ما أعلنتَ العصيانَ على كبرياءِ تلك النفس، وكسرتَ قوقعةَ نرجسيتها، أبصرتَ النورَ يتسللُ إلى أعماقك. ستُدركُ حينها بيقينٍ لا يخالطهُ شك، أنَّ الثناءَ على نجاحِ الآخرين لا يُنقصُ من قدرك، وأنَّ الاعترافَ بفضلهم هو أُولى عتباتِ مجدك. حينها فقط، تتحررُ من أغلالِ ذلك النفقِ المظلم، وتخرجُ إلى فضاءِ المعرفةِ الرحب، لتغدو عظيماً بحق، عظمةً تستمدُّ قوتها من التواضع، لا من خيالاتِ نفسٍ أسيرةٍ لأوهامها.






أبهرتني كتابتك.. ماشاءالله تبارك الرحمن
بلغتِ من جمال التعبير مبلغًا يُدهش القارئ❣️