نحن محاطون بالحمقى
يعد الغباء من أكثر التحديات والمشاكل تعقيدًا في تاريخ البشرية، فهو ليس مجرد نقص في المعرفة أو الذكاء، بل هو ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها العوامل الفكرية، النفسية، والاجتماعية. وهذا يجعلنا نتسائل بين التارة والأخرى تساؤلًا جوهريًا: هل يمكن للفلسفة وحدها أن تكون أداة فعالة في التصدي للغباء؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولًا من فهم طبيعة الغباء ومظاهره المختلفة. اولاً وقبل كل شيء لابد ان نعرف ماهية الغباء وأشكاله فالغباء لا يقتصر في المقام الأول على ضعف القدرات العقلية أو قلة المعلومات، ولا حتى عدم الاستيعاب كما يتصور البعض بل يتجلى غالبًا في أنماط تفكير وسلوكيات تحد من قدرة الفرد على التعلم والتطور. ويمكن ملاحظته في عدة صور، منها الجمود الفكري.
الجمود الفكري هو حالة من التمسك الصلب بالمعتقدات والأفكار دون إخضاعها للمساءلة أو المراجعة، حتى في مواجهة أدلة منطقية أو حقائق جديدة. إنه نوع من العناد العقلي يجعل صاحبه يرفض النظر في احتمالية أنه قد يكون مخطئًا، مما يعطل التطور الفكري ويحدّ من إمكانية التعلم والنمو. عادةً يظهر الجمود الفكري على عدة صور منها الرفض المطلق للأفكار الجديدة حيث يرى الشخص أن أي فكرة تخالف قناعاته تهديدٌ، وليس فرصة للنقاش أو إعادة التفكير. قد يأخذها حتى بشكل اكبر مثل انه تهديد لكرامته، لعلمه، لعقله، لتربيته. احد اشكال الجمود الفكري ايضا هو الاعتماد على التقاليد كحجة نهائية اذ يكون الموقف الفكري قائمًا على “هكذا وجدنا آباءنا”، دون أي محاولة لفهم الأسباب أو تحليل المعتقدات المتوارثة. لا يجعل معتقد أهله مسألة مطروحة لترجيح عقله بل يسلم لها تماماً. اخر مرحلة في مراحل الجمود الفكري هي الانتقائية في التعامل مع الأدلة وهو ما يمكن اختصاره في قبول ما يؤيد الفكرة المسبقة، ورفض أو تجاهل أي دليل يناقضها.
لتوضيح هذه الفكرة نحن امام سيناريوهين مختلفين:
في عصر من العصور اقترح غاليليو أن الأرض ليست مركز الكون، حينها واجه مقاومة شديدة من الكنيسة والسلطات العلمية في عصره، ليس لأن نظريته كانت غير منطقية، ولكن لأن الناس كانوا متمسكين بالنموذج القديم للعالم، رافضين حتى النظر في الأدلة الجديدة. وهذا نوع من الجمود الفكري الذي هو نوع من أنواع الغباء.
اذكر ذات مرة كنتُ في نقاش مع أحد الأشخاص حول أهمية التروي قبل اتخاذ القرارات المصيرية. ذكرتُ له أن التسرع في بعض الأمور، خاصة تلك التي تغيّر مسار الحياة، قد يكون مخاطرة كبيرة، وأن التفكير المتأني واتخاذ الوقت الكافي للتقييم يمكن أن يجنب الإنسان الكثير من الندم لاحقًا. لكنه عارضني بشدة، وأصرّ على أن اتخاذ القرار بسرعة هو دليل على الثقة بالنفس، وأن التأجيل والتفكير الطويل لا فائدة منهما، بل قد يضيع الفرص. حاولتُ أن أوضح وجهة نظري بطرح أمثلة من الواقع، مشيرًا إلى أشخاص اندفعوا في قرارات مصيرية ثم أدركوا لاحقًا أن العجلة لم تكن في صالحهم. لكن كل ما قلته قوبل بالرفض والإصرار على وجهة نظره، وكأن مجرد الاعتراف بإمكانية المخاطرة كان أمرًا غير وارد. لاحقًا، سمعتُ أنه سمع نفس الفكرة من أحد أفراد عائلته، لكن هذه المرة، بدلًا من الجدال أو الإنكار، أبدى اقتناعًا فوريًا، بل بدأ يكررها كما لو كانت قناعة شخصية لديه منذ البداية. الفكرة التي رفضها بشدة عندما جاءت مني، أصبحت فجأة منطقية ومقبولة عندما قالها شخص آخر من دائرته القريبة. قد تعتبرها اختلاف في وجهات النظر وأنه لا يفسد للود قضية ولكن عزيزي هذا ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو مثال واضح على كيف يمكن للناس أحيانًا ألا يحكموا على الفكرة بموضوعية، بل بناءً على مصدرها. لا يهم مدى صحتها أو عقلانيتها، بل المهم من قالها. هذه العقلية تخلق نوعًا من الانحياز غير الواعي، حيث يصبح الشخص أسيرًا لدائرته الفكرية، وغير قادر على تقبل الحقائق إذا جاءت من خارجها، حتى لو كانت تصبّ في مصلحته.
ضيق الأفق الفكري هو شكل آخر من أشكال الغباء الذي يتعلق بالانغلاق العقلي وعدم القدرة على استيعاب وجهات نظر مختلفة أو التعامل مع الأفكار المخالفة بمرونة. يتجسد هذا الشكل من الغباء في رفض الشخص للأفكار التي لا تتماشى مع معتقداته أو قناعاته الشخصية، مما يحد من قدرته على التفكير النقدي والتعلم. عندما يكون الشخص ضيق الأفق الفكري، يصبح عقله محاصرًا في حدود ضيقة من الآراء المألوفة أو المعروفة، ولا يستطيع التوسع في التفكير أو فتح المجال للأفكار الجديدة التي قد تكون أكثر توافقًا مع الواقع أو أعمق من وجهات نظره. يظل يرفض ويرفض حتى يسأم عقله من رفضه. وهذا النوع منتشر كثيراً. في واقع الأمر سبق وخضت نقاش مع احدهم وكان عقله مسيطراً عليه سيطرة تامة من احدهم وحين سأمت منه قلت له يا للعجب! انني لا أجد ما يدعوني إلى الاهتمام بما يحدث لك، بل إنني نفسي أشعر بالسأم ومع ذلك فالحق أنني أهتم بأمرك. السأم يملأ قلبي منك و العادة قادرة بالفعل على أن تصل بالإنسان إلى هذا الحد. ولذلك بعض الناس لا يستحقون منك جهد النصح ولا حتى جهد النقاش، بل من الأفضل دائما تجنب النصح أو النقاش مع هذه الفئات، لأن لا احد فوق النٌصح ولا احد منا كامل الخٌلٌق بل ان الإنسان كله مساوئ فإن لم تقتنع بهذا فلا جدوى منك ولا من عقلك ولا حتى من شخصك. قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي) وكان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه، فلما قدم عليه قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه. قال: أعفني يا أمير المؤمنين فألح عليه، فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل. وكان يسأل حذيفة ويقول له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة المنافقين فهل ترى علي شيئا من آثار النفاق. وذاك عمر بن الخطاب رضي الله عنه امير المؤمنين فهو على جلالة قدره وعلو منصبه وهكذا كانت تهمته لنفسه رضي الله عنه. فكل من كان أرجح عقلا وأقوى في الدين وأعلى منصبًا، كان أكثر تواضعًا، وأبعد عن الكبر والإعجاب وأعظم اتهامًا لنفسه، وهذا يعتبر نادرًا يعز وجوده. فقليل في الأصدقاء من يكون مخلصًا صريحًا بعيدًا عن المداهنة متجنبًا للحسد يخبرك بالعيوب ولا يزيد فيها ولا ينقص وليس له أغراض يرى ما ليس عيبا عيبًا أو يخفي بعضها. قيل لبعض العلماء، وقد اعتزل الناس وكان منطويًا عنهم: لِمَ امتنعت عن المخالطة؟فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي. ولهذا فإن قدم احدهم إليك نصيحة قد تصلح من شخصك فلا ترفض ابداً بل وقيم نفسك بنفسك دائماً.
لطالما كانت الفلسفة تُعرف بأنها فن التساؤل، وعماد التفكير النقدي، والسلاح الأمثل في مواجهة الجهل والسطحية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يمكن للفلسفة وحدها أن تكون أداة فعالة في التصدي للغباء؟ هل الفلسفة وحدها تكفي؟ هنا تكمن المشكلة. الفلسفة، رغم قوتها، تحتاج إلى بيئة داعمة كي تزدهر. فالمجتمعات التي تُهمِّش التفكير النقدي وتُقدِّس الامتثال الجماعي، تجعل الفلسفة أشبه بصوت ضائع في صحراء ممتدة. لهذا، فإن مواجهة الغباء تحتاج إلى أكثر من مجرد الفلسفة كمنهج فكري؛ تحتاج إلى تعليم جيد، وإلى تجربة عملية، وإلى فضول معرفي يُغذي العقل بدلًا من أن يجعله آلة مبرمجة، ناهيك عن ان الفلسفة تحتاج الى شخصية فضولية تسعى لإيجاد افضل نسخة من النفس. التاريخ مليء بأمثلة لرجال ونساء استخدموا الفلسفة لمقاومة الجهل والتخلف، لكنهم لم يكونوا وحدهم. سقراط، الذي دفع حياته ثمنًا لتشجيعه الناس على التفكير، لم يكن مجرد فيلسوف، بل كان معلمًا يستخدم الحوار والتجربة العملية ليوقظ العقول. ابن رشد لم يكتفِ بالفلسفة، بل مزجها بالعلم والمنطق، مما جعله قوة فكرية لا يمكن إنكارها. الفلاسفة الكبار لم يكونوا مجرد منظّرين، بل كانوا أصحاب تجربة حية، يدركون أن التصدي للغباء لا يكون فقط عبر الجدل الفلسفي، بل عبر بناء الوعي ونشر المعرفة وبناء الشخصية.
عندما سُئل الكاتب الروسي أنطون تشيخوف عن طبيعة المجتمعات الفاشلة، أجاب اجابة منطقية وهي ان في المجتمعات الفاشلة، يوجد ألف أحمق مقابل كل عقل راجح، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية. تظل الغالبية بلهاء دائمًا، وتغلب العاقل باستمرار. فإذا رأيت الموضوعات التافهة تتصدر النقاشات في أحد المجتمعات، ويتصدر التافهون المشهد، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جدًا. فعلى سبيل المثال، الأغاني والكلمات التي لا معنى لها تجد ملايين الناس يرقصون ويرددونها، ويصبح صاحب الأغنية مشهورًا ومعروفًا ومحبوبًا. بل حتى الناس يأخذون رأيهم في شؤون المجتمع والحياة. أما الكتاب والمؤلفون، فلا أحد يعرفهم ولا أحد يعطيهم قيمة أو وزنًا. معظم الناس يحبون التفاهة والتخدير. شخص يخدرنا ليغيّب عقولنا عنا، وشخص يضحكنا بالتفاهات، أفضل من شخص يوقظنا للواقع ويؤلمنا بالقول الحق.
إذن الغباء، كما رأينا، ليس مجرد نقص في المعرفة، بل هو حالة فكرية تتجسد في الجمود، وضيق الأفق، والتبعية العمياء. وبينما توفر الفلسفة أدوات قوية لمواجهته—كالتفكير النقدي، والتساؤل المستمر، وتحليل الحجج—إلا أنها وحدها قد لا تكون كافية. فالتصدي للغباء يتطلب بيئة تعليمية وثقافية تحفّز العقل على النمو، وتجارب حياتية توسّع المدارك، ومجتمعًا يُقدّر البحث عن الحقيقة أكثر من الاستسلام للجاهز والمريح من الأفكار. الفلسفة سلاح ضروري، لكنها بحاجة إلى حلفاء: العلم، والتجربة، والفضول المعرفي، والجرأة على الاعتراف بالخطأ. وحده العقل الذي يملك الشجاعة على الشك وإعادة النظر يمكنه أن يتحرر من أغلال الغباء، ويتجه نحو وعي أكثر نضجًا واتزانًا.





