حين تكتب، مَن تُنقذُ سِوى نَفسِكََ
لهذا، عليك أن تدوّن يوميّاتك
ثَمّة من يكتب لأن اللغة تسكن أعماقه، تتدفق من روحه كما يتدفق النهر من منبعه؛ لا يفتعلها، ولا يزخرفها، بل يمنحها الحياة وتمنحه المعنى. وثمّة من يجمع الكلمات كما تُجمع الحجارة، يرصفها بعناية ليبدو كاتبًا، يحرص على الشكل وينسى الروح، فيُخاطب السطح ولا يبلغ العمق. وشَتّان بين من يتنفس اللغة كما يتنفس الهواء، يعيش بها وفيها، ويمنحها من صدقه ووجعه وجمال رؤيته، وبين من يستعير اللغة كما تُستعار الثياب، يلبسها حين يشاء وينزعها متى شاء، دون أن يترك فيها أثرًا أو تترك فيه ندبة. فاللغة ليست أداة للزينة، بل كائن حي، لا تبوح بأسرارها إلا لمن أحبها بصدق، وسكنها بإخلاص. ثَمّة من يكتب لأن الله وهبه شيئًا من الشجن، فصار قلمه امتدادًا لجرحه، وصوته رجعًا لبكائه الذي لم ظهر للعامة. هذا لا يبحث عن الكتابة، بل الكتابة تبحث عنه؛ تأتيه مطيعة، دامعة، خاشعة، كأنها تعرف أن ما سيُكتب ليس للتجمُّل بل للبوح، للنجاة، وللذين يشبهونه في الانكسار. وثمّة من يرصف الكلمات كما تُرصّ الزينة في الأعياد، براقةٌ، لامعةٌ، تُبهر العيون لكن لا تُحرّك القلوب. يكتب ليُصفّق له الناس، لا ليُشفوا. يتزيّا بثوب الكاتب دون أن يحمل وجعه، فتبدو كتاباته كجسدٍ بلا نبض، كأغنيةٍ بلا لحن، كجميلٍ بلا روح والأخيرة من المصائب. وكم هي المسافة شاسعة بين من يولد نارًا، تُضيء من حوله وتحرقه في آن، وبين من يستعير عود ثقاب كي يُقنع العالم أنه مشتعل. الأول لا يملك رفاهية الانطفاء، لأنه خُلق ليحترق ويُضيء، أما الثاني، فيشعل الكلمات لحظة، ثم يتركها رمادًا بعد أول ريح. الكاتب الحقيقي لا يختبئ خلف البلاغة، بل يعرّي ذاته، يفتح جرحه على الورق بلا خجل، لأن ما يهمه ليس الصورة بل الأثر. كلماته تُقيم في قلبه، بدلاً من أذنه، وتبقى حتى بعد أن تُطوى الصفحة. أما المزيّفون، فتمر نصوصهم كما تمر الزينة بعد العيد: تُنزع، وتُنسى، وكأنها لم تكن.
إعلم ياعزيزي ان الكتابة روح من الأرواح قد تُجند لك، قد تُجملك وتداوي جروحك وقد تصيبك بجفاء لم تذقه. أعلم جيدًا أن كثيرين منّا، حين يضيق بنا العالم، لا نجد ملجأ أقرب من الورق. لا نكتب لأننا نجهل الإجابات، بل لأن الأسئلة في كثير من الاحيان تثقل صدورنا، ولأن الكلام مع البشر قد يُقصي ألمك أو يُهوّن منه وأحيانا لا هذا ولا ذاك، إنما شكوت جراحجك لأشبه ما يكون بصنم لا يقترح عليك فعل شيء ولا يداويك بمنطق ولا يهون عليك أمرك. بينما الورقة وحدها تُصغي دون أن تقاطع، انت من تسطرها وحدك، تحتمل دون أن تحكم، وتترك لك حرية الانهيار دون قيد أو خجل. لكن احذر أن تظن أن الورقة دائمًا حليفة، فهي مرآة لا تعرف المجاملة. قد تضع أمامك حقيقتك التي تُخفيها بعد حين، وتعيد إليك صوتك الذي لطالما تهربت منه. ولأنها صادقة بصدقك حين غضبت وحزنت وهي من اكثر اللحظات صدقاً للإنسان، فهي لا تُجامل ضعفك، بل تكشفه لك، لا تهادن كذبك، بل تُعريك، ولهذا كثيرًا ما نخافها، رغم لجوئنا إليها. الكتابة يا عزيزي، إن صدقت فيها، تصبح طقسًا من طقوس النجاة، بمثابة عبوراً من داخلك المظلم نحو ضوءٍ لم تره من قبل، لكنك الان رأيته بعد ان قرأت ما كتبت سلفاً. أعلم جيداً ياعزيزي انك حين كتبت لم تكن النية لتدهش أحدًا، بل لأنك لو لم تكتب، لاختنقت. ولو قرأ الناس ما كتبت وفهموه، كان ذلك فضلًا، وإن لم يفهموه، فأنت قد نجوت، وهذا يكفي جداً.
إعلم ياعزيزي انني رأيتك ذات مرة حينما حزنت كثيراً ولجأت الى ربك، ومن ثم كتبت مدونتك مفتتحاً بإفتتاحيتك العظيمة جداً حينما قلت: أصابتني الكتابة على حين غرة، كأنها هاجس تسلل إلى صدري بلا استئذان. كأن نصًا حزينًا يصرخ في أعماقي، يلحّ عليّ كأنه يريد أن يُولد رغمًا عني. كنت أرى الحروف تصطف في رأسي، تتجمع وتتحفز، مستعدة للاندفاع، لكن الوقت لم يكن مناسبًا، فاليوم عيد، والناس يحتفلون، والبهجة تُزيّن الوجوه، ولا مكان فيه لنصٍ مأساوي يُنغّص اللحظة. أعرف ياعزيزي انك حاولت أن تتجاهل تلك الرغبة الملحّة، بل جاهدت بكل ما أوتيت من قوة لتكبحها. خرجت للاحتفال، أبعدت هاتفك عنك خشية أن تتمرد أصابعك وتكتب ما لا تريد، أن تعصي أمرك وتُخرج ما في صدرك بلا إذن. أردت أن تكون هنا، في العيد، بين الضحكات، بعيدًا عن ذلك الصوت الداخلي الذي لا يكف عن الإلحاح. عدت إلى بيتك، تحاول أن تتناسى فضلاً عن تنسى وشتان مابينهما أمر ذلك النص. فتحت تطبيقات التواصل الاجتماعي تقلبها بسرعة، تبحث عن أي شيء يسرق انتباهك، يملأ فراغً ذهنك، يسكِت ضجيج الرغبة بالكتابة. لكنك وقعت على رواية، لم تكن مجرد رواية، بل كانت صفعة، فتحت لك الف جرح قديم. أذابت ما تبقى من الجدار الذي شيدته حولك طوال تلك السنين، أثقلتك، بل آلمتك. في لحظة، شعرت كأنها سحبتك من العيد إلى النص، من الزينة إلى الجرح، من الضحك إلى صدقٍ لا يُقاوَم. وتهاوى كل ما حاولت مقاومته من قبل، كأن الرغبة القديمة في الكتابة لم تكن إلا بانتظار شرارة، وها قد اشتعلت. تنهدت قائلاً في صرة نفسك، عفوك ورحمتك يا رب، كيف تسكننا الكلمات حين نظن أننا فررنا منها، وكيف تفضحنا المشاعر وكم حاولنا التخفي تحت قناع البهجة. أعلم هذا وأفهم شعورك جيداً ياعزيزي.
وهذا، في جوهره، هو لبّ الكتابة، ولهذا السبب، ولهذا كنت وما زلت أردد على مسامع كل من أعرفهم، أو على الأقل أولئك الذين أرى أن كلمتي قد تترك أثرًا في دواخلهم، وأرجوك منهم بالطبع ياعزيزي، كنت أقول لهم وانصحهم دائمًا: اكتبوا مذكراتكم، ليس بالضرورة كل يوم، ولكن على الأقل في لحظاتكم المفصلية حين تحزنون، حين تفرحون، حين يثقل عليكم التفكير وتضيق بكم الدنيا. اكتبوا حين يخذلكم الناس، وحين تقعون في الحب، وحين ترتبكون أمام قرارٍ لا تعرفون له وجهًا من ظهر. اجعلوا الورقة صديقةً صادقة لا تنطق إلا بما تودون قوله ولا تبوح إلا بما تأذنون له بالخروج. فالكتابة في هذه اللحظات لا تحفظ الذكرى فقط، بل تكشف لك نفسك، وتعيد ترتيب فوضاك الداخلية بهدوء. بالطبع كل منا فوضوي جداً في داخله مهما بدا التنظيم والترتيب الخارجي، والكتابة تكشف لك مدى فوضويتك الداخلية بل وعلاجها. كثيرًا ما نظن أن مشاعرنا عابرة، لكن حين نكتبها، ونرجع الى كتاباتنا فيما بعد نراها بشكل مختلف. حين نعود إليها بعد زمن، نكتشف كم تغيّرنا، وكم كنّا بحاجة إلى تلك السطور لنفهم أنفسنا بشكل أوضح. كنت اقول لهم واقولها لك اليوم ياعزيزي: لا تكتب لتبدو قويًا، بل اكتب حين تكون هشًا، متعبًا، صامتًا أمام الناس وصاخبًا في داخلك. لأن الورق لا يحاكم كما تحاكم الناس، ولا يسخر كما قد يستخف بألمك الكثير، ولا يقاطع ليثبت وجهة نظر اصح كما الناس، بل يحتضنك وضع تحتها الف خط. لأن لحظات كهذه كم تحتاج فيها الى عناق حتى وان كان حيوان اليف، وصدقاً هذا هو الأمر لمن جربه حتى في في افراحك، لا تستطيع ان تتذوق طعم الفرح الحقيقي ما لم يكن يتواجد من يفرح لك ويعانقك. وإن فعلت ذلك بصدق، ستكتشف أن الكتابة لا توثّق فقط ما مررت به، بل تكشف لك من تكون ومن كنت سابقاً وكيف يمكن ان تكون افضل مستقبلاً.
أعلم جيدًا، يا عزيزي، أن سؤالاً كهذا قد يُراودك من حين لآخر: ماذا لو كان لدي من أشاركه بدلاً من أن أكتب؟ ماذا لو كان هناك من يصغي لي، من يفهمني دون أن أشرح، ويحتويني دون أن أطلب؟ أليس البوح للناس أكثر دفئًا من الحديث مع الورق البارد؟ وهذه والله لنعمة عظيمة قد لايملكها الكثير وأسال الله لك ان يبارك في نعمتك ويحفظ من تشاركه قلبك لك. لكن الحقيقة، يا عزيزي، أن حتى في حضور الآخرين، هناك مساحات داخلنا لا يستطيع أحد أن يطأها سوانا. هناك أوجاع قد لا تُقال كما هي في حقيقتها، وذكريات لا تُروى، ومشاعر نخشى أن نضعها في أفواه الآخرين كي لا يرانا الطرف الاخر بصورة غير مرغوبة. الكتابة، في هذه الحالة، لا تكون بديلًا عن أحد بالطبع، بل ملاذًا لنفسك لأن حتى من تشاركه حديثك، سينسى مع مرور الوقت ولن تستطيع ان تصبح نسخة افضل مما بدوت عليه سابقاً. هذا سيقودنا الى تساؤل اخر، و هذه المرة اسمح لي ان اكون انا من يطرح عليك السؤال، لماذا يحدث كثيرًا أن نحاول التغيير، ثم لا نكمله؟ اعني، كم مرة عقدت العزم على تغيير عادة ما، أو الالتزام بعادة جيدة، ثم تراجعت بعد أيام قليلة؟ تعلم لغة، مهارة، مواظبة على شيء ما والقائمة تطول. وفي حقيقة الأمر انه غالبًا ما يكون سبب التراجع المبكر أنك تحاول تشكيل المظهر الخارجي للتغيير، دون أن تمس جوهر نفسك. ولهذا تشعر وكأنك تُجاهد ذاتك في كل خطوة، وكأنك تُقحم عليها ما لا تنتمي إليه، فتعود تلقائيًا إلى ما اعتدت عليه. بل في بعض الاحيان قد تنسى ما عزمت عليه بالأمس، والحقيقة أن لا تغيير حقيقي يبدأ من الخارج، بل من الداخل أولاً. هذا قانون كوني لا يُخطئ: "كما في الداخل، كذلك في الخارج." كل ما تفعله من نمط أكلك، إلى عاداتك اليومية، إلى طريقتك في الحديث، وحتى صورتك أمام الآخرين ليس إلا انعكاسًا لصورتك الذاتية، لما تؤمن به عن نفسك، لما تظن أنك تستحقه. إن كنت ترى نفسك شخصًا ضعيف الإرادة، فستتصرّف كما يفعل الضعفاء. وإن أقنعت نفسك بأنك لا تستحق الأفضل، فكل محاولاتك نحو الأفضل ستبدو كأنها لا تشبهك. لكن متى ما بدأت بإعادة تشكيل نظرتك إلى نفسك لا كمن يُزوّر صورة أمام المرآة، بل كمن ينقّي جوهره تبدأ أفعالك بالتغيّر دون مقاومة، لأنك عندها لا "تقلّد" التغيير، بل "تجسّده".
والتدوين، يا عزيزي، هو أولى خطواتك في رحلة التغيير الحقيقي. إنه أشبه بمصباح صغير تحمله معك في دهاليز الذات، يكشف لك ما لا تراه بعينك المجردة. أتذكر موطن الضعف الذي تحدثنا عنه منذ قليل؟ قد لا تتمكن من التعرف عليه مباشرة، لأننا غالبًا نكون عُميانًا أمام أنفسنا. لكن دفترك أو مدونتك تعرفه حق المعرفة، لأنها توثّق ما تقوله عندما لا تراقب نفسك، وتكتب ما يعجز لسانك عن الاعتراف به أمام الآخرين. الأمر أشبه بصورة التُقطت لك في لحظة كنتَ فيها حزينٌ جداً، ثم مرّ الزمن، وتبدّلت أحوالك، وتحسّن مزاجك، ووقفت على قدميك من جديد. فإذا بك تنظر إلى تلك الصورة القديمة، فتتذكّر كيف كنت، وتُدرك حتى سبب ذلك الانكسار في ملامحك. ليس فقط لأنك رأيت الصورة، بل لأنك شعرت شعورك الذي كان متمثلاً في الصورة نفسها، فغدوت تمتلك مقارنة حقيقية بين ما كنت عليه وما أصبحت عليه. وهكذا التدوين، يمنحك هذه المقارنة الصامتة، لكنه لا يُريك صورتك الظاهرة، بل يُعيدك إلى داخلك: إلى ما كنت تؤمن وتفكر به في لحظة ألم، أو ما كنت تخشاه، أو ما كنت تتمناه وأنت يائس. وفي لحظة ما، حين تعود إلى ما كتبت في وقتٍ مضى، قد تُصدم من نبرة صوتك، من حزنك، أو من سذاجة مخاوفك. وقد تبكي، أو تبتسم، أو تكتشف أن ما ظننته نهاية العالم، لم يكن إلا درسًا بسيطاً مرّ بك لينهض بك من حيث لا تدري. لذلك، التدوين لا يُغيرك مباشرة، لكنه يضع مرآتك أمامك، ويمنحك فرصة للفهم، والفهم هو أول التحوّل. فاكتب، حتى وإن لم تجد ما تقول، اكتب ارتباكك، صمتك، تردّدك، وابحث بين السطور عنك. لأن كل رحلة تبدأ بخارطة، وخارطة نفسك أنت ترسمها بكلماتك.
نصيحتي لك اليوم ياعزيزي بعد التدوين والكتابة، ان تبدأ بخطوات بسيطة، ابدأ بسؤال مثلاً: من أنا في عيني؟ ومن أريد أن أكون؟ رغم ان تلك اسئلة كبيرة جداً وغالباً لا تجد لها جواباً ولكن من هنا فقط، تبدأ رحلة التغيير التي لا تنتهي في منتصف الطريق. فالتغيير الحقيقي ليس فرضًا خارجيًا على النفس، بل ثمرة طبيعية لتحوّلك الداخلي. عندما ترى نفسك قويًا، ستتصرف بقوة. وعندما تؤمن أنك تستحق الأفضل، ستسعى إليه بصدق لا يُرهقك. و لا تعقّد الأمر على نفسك يا عزيزي، فالكتابة ليست اختبارًا في الإتقان، بل مساحة لك لتتنفس، ونافذة للتعبير عن ذاتك كما تشاء. اكتب بما يريحك، وبما يشبهك. إن أحببت أن تكتب بالعاميّة، فاكتب بها دون تردد، فهي لسانك اليومي، ونبضك الأقرب. وإن وجدت في الفصحى اتساعًا لأفكارك وبهاءً لمعانيك، فهي زادك الأصيل، وأنت بها أبلغ. وإن كانت لغةً أخرى تُشعرك بالحرية والانطلاق، فمارسها، وامنحها من روحك. بل حتى إن وجدت نفسك تكتب مزيجًا بين هذا وذاك، عاميّة تتسلّل في ثنايا الفصحى، أو كلمات أجنبية تطرّز الجمل فلا بأس. لأن الكتابة في جوهرها ليست عن القواعد، بل عنك انت، عن شخصيتك، عن روحك وقلبك. المهم أن تقول ما تريد، لا كيف تقوله. ولعلّك تندهش، حين تراجع نصوصك لاحقًا، من مدى صدقها لا من دقّتها. لأنك كقارئ حينما تقرأ ما كتبت، فأنت لا تبحث عن لغة بلا روحك هي من تبحث عن لغة. فاكتب بما تملك، وبلسانك كيفما أحببت، ولا تنتظر أن تُتقن كل شيء لتبدأ، بل ابدأ لتتعلم، لتكشف، لتكتشف نفسك من جديد بين الكلمات. حينها فقط لن تستطيع ان تترك الكتابة ابداً، وان غابت عن ايديك لفترة فستكتب كما كتبت من قبل :
شعورٌ غامض يلازمني منذ ليلة البارحة، رغبة مشتعلة لا تهدأ، بالكتابة ثم الكتابة، كأن الكلمات تطرق جدران قلبي بأصابع مرتجفة، تنقّب في أعماقي، بين طبقات المشاعر التي قد كنت دفنتها تحت رماد الوقت، تبحث عن نفسي القديمة، عن ومضة ألم كنت أظنني نسيتها، كأنها تستدعي ذكرى لم تكتمل، أو وجعًا لم يأخذ حقه في البوح. أهي الكتابة مَن تبحث عني، أم أنا من أتهرّب منها؟ أتُراها تلك الندبة القديمة التي لم تُمسّ بعد، تحاول أن تُعلن وجودها على الورق، أن تخرج من خجلها، تستنجد بالحروف، وكأن الوجع حين لا يجد من يسمعه، ينادي بالحبر، ويصرّ على أن يُكتَب ليبقى. وها أنا ذا، بين يديّ ورقةٌ بيضاء، وصوت داخلي يقول: اكتب، لا تبرّر، لا تحلّل، فقط اكتب، اكتب عن ذلك الصمت الثقيل، عن غصّتك التي مرّت مرور الكرام، عن الأشياء التي ظننت أنك تجاوزتها، عن السلام الذي تتمناه، لكنه ينهار كل ليلة في الخفاء. فالكتابة ليست دائمًا عن القصص الجميلة، بل عن الشروخ الصغيرة التي لم نملك يومًا الوقت أو الشجاعة لترميمها، هي محاولتنا البسيطة لفهم أنفسنا، لنعرف من نحن، لا كما نظهر، بل كما نُحسّ ونرتبك وننكسر. وقد تكون هذه الليلة، ليلة الانهيار الجميل، حيث لا أُخفي شيئًا، وأكتب كل ما لم يُكتَب، وأمنح أحزاني أخيرًا فرصة أن تتنفس.








مقالاتك جداً فاتنة ماشاءالله لغة جميلة وعنواين في غاية الأهمية اكاد اجزم ان كتابتك هي الافضل في التي طالعتها في المنصة منذ فترة واقترح ان تفتح الشات الرسمي للقناة. شكراً لك على هذه المقالات
في خضم معاناتي النفسية و بعد أن أصبح لساني لا يعبر عن ما بداخلي، بعد أن اعتزلت الناس من ضيق قلبي بدأت رحلة :"التشافي بالكتابة". استطيع الان و بعد شهر من الكتابة اليومية المنتظمة ان اتحدث بدون تأتأة و لا ضيق صدر وانا سابقاً اذا أردت المشاركة في حديثٍ أجد قلبي ينقبض و نفسي ينقطع لأنطق فقط ثلاثة كلمات متقطعة. الكتابة بالنسبة لي هي علاجي النفسي ، و ما جملي الا ترتيب لافكاري و مداواةٌ لقلبي الجريح الذي لا يجد انيساً ليفضي اليه بما يريد. أُحب رائحة الورقة البيضاء و الحبر الأزرق و تلك الجُمل التي لا يفهمها غيري. أكتب بالإنجليزية محافظةً على خصوصياتي فأهل بيتي يعدونها مجرد وريقات من دفاتر دراستي لا فضفضة مخبأة تتكلم عن روحٌ عجزوا هُم عن فهمها.