ما الذي يخيفك حقاً في نسختك العظيمة؟
طيف الإنسان الذي كان بوسعك أن تكونه
لطالما راودني تساؤل فحواه لماذا يمضي بعضنا في دروب الحياة، يطوي أيامها وسنينها، دون أن يلامس طيف ذلك الإنسان العظيم الذي كان بوسعه أن يكونه؟
إسمح لي ياعزيزي أن أطرح عليك تساؤلاً: هل راودك يوماً ذلك الشعور الخفي بأن ثمة نسخة منك لم تبصر النور بعد؟ نسخة أكثر إقداماً، وأعمق حكمةً، وأمضى عزيمةً؛ لكنها لا تزال أسيرةً في زنازين الخوف، ومكبلةً بسلاسل العادات الرتيبة، وغارقةً في غياهب الشك بالذات؟
ولماذا يودّع الكثيرون هذه الحياة، وهم لم يمتلكوا يوماً جسارة الإبحار لاكتشاف المرافئ المجهولة في أعماقهم؟ وهل أدركت يوماً أن أعتى السجون التي قد يقبع فيها الإنسان ليست تلك المشيدة من حجر وحديد، بل هي صورة قزّمة رسمها لنفسه بيده، ثم آمن بها إيماناً أعمى حتى استحالت قدراً محتوماً يطوق عنقه؟
وماذا لو صارحتك بأن أشد الجنايات التي يقترفها المرء بحق نفسه لا تكمن في زلاته وعثراته، بل في اعتياده على تبخيس إمكاناته، وفي إقناع ذاته بأن مسرح حياته يجب أن يظل أضيق من رحابة أحلامه، وأوهن من حقيقة قدراته، وأكثر وجلاً من جوهره الأصيل؟
في هذا المقال، لا أبتغي أن أطرح عليك مفاهيم النجاح المعلبة التي تروج لها المنصات الكثيرة، ولا أن أبيعك وهماً يُدعى “الثقة الزائفة”، ولا أن أردد على مسامعك تلك الشعارات الجوفاء التي توهمك بأنك قادر على اجتراح المعجزات بلمحة بصر. بل أريد أن أغوص معك في عتمة ذلك العدو القابع بين ضلوعك. عن ذلك الصوت الخفي، والهمس الخبيث، الذي يغويك كل فجر بالتأجيل، ويزين لك التراجع، ويُقنعك بالركون إلى فتات الأشياء، حتى تمسي حياتك التي تحياها مجرد ظلٍ باهتٍ للحياة التي خُلقت لتعيشها.
لأن السؤال الجوهري الذي يجب أن نقف أمامه ليس: “ما حجم الإمكانات التي تمتلكها؟”
بل هو وبكل تجرد: “ما الذي يقف حائلاً بينك وبين معانقتها؟”
في هذا المقال، لا أريد أن أحدثك عن النجاح كما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا عن الثقة الزائفة بالنفس، ولا عن الشعارات التي تخبرك أنك تستطيع فعل أي شيء. بل أريد أن أحدثك عن العدو الذي يسكن داخلك. عن ذلك الصوت الذي يقنعك كل يوم أن تؤجل، وأن تتراجع، وأن ترضى بالقليل، غير أن هذا العدو لا يرتدي دائماً ثوب الخوف والتردد، بل قد يرتدي أخطر أقنعته على الإطلاق: قناع الكبرياء المبطّن.
ولكن، قبل أن نلج باب هذا الحديث، أرجو أن تنفض عن عقلك غبار الكِبر، أو ذلك الوهم الذي بتنا نغلفه اليوم برداء “الثقة الزائدة بالنفس”. فبين الثقة المحمودة والغرور بونٌ شاسع، وشعرةٌ دقيقة إن انقطعت، هوت بالمرء في دركات الجهل العميق، وهو يظن واهماً أنه يسبح في بحور العلم، مكتفياً بكماله المزعوم. ومردُّ طلبي هذا يرتكز على حقيقةٍ يغفل عنها الكثيرون؛ وهي أن جُلّ المأخوذين بعظمة أنفسهم يعيشون في غيبوبةٍ عن واقعهم، يراقبون ركب المتقدمين من حولهم، فيخيل إليهم في غمرة الوهم أنهم في طليعة السائرين، وما هم في الحقيقة إلا أسرى لركودهم. لذا، كان حرياً بك أن تقف مع ذاتك وقفة مراجعةٍ صادقة قبل الشروع في قراءة هذه السطور، ولنا بمشيئة الله لقاءٌ آخر ومقالٌ قادم نفكك فيه خيوط “الكبر الخفي”.
أما الآن، فجلُّ ما أرجوه منك قبل أن تقرأ، هو أن تجرد ذهنك من كل كبرياء، وأن ترهف السمع والقلب لجوهر هذا المقال وأهميته. ولا تثريب عليك إن دوّنت ملاحظاتك، أو استعنت بأدوات الذكاء الاصطناعي لتشريح معانيه والغوص في أعماقه؛ فكما عهدتني دائماً، حروفي ليست سوى شرارة البداية، أما فضاءات النهاية فمتروكةٌ لرحابة عقلك.
السؤال الأول: لماذا نختار العيش في الظل؟
لكي نجيب عن هذا التساؤل بصدقٍ جارح، علينا أن نتوقف عن إلقاء اللوم على الظروف، وأن نضع تركيبتنا البشرية تحت مجهر الواقع. إن ما يبقينا أسرى في القاع ليس قوةً قاهرة تكبل أيدينا، بل هو تواطؤٌ صامت نبرمه مع أنفسنا كل يوم. نحن في الغالب لا نختار “الفشل” صراحةً، بل نختار “الاستكانة”، وبينهما فرق شاسع.
تأمل إحدى المؤسسات العملية، ولتكن بيئة عملك الحالية التي تقضي فيها جُلّ يومك؛ لو افترضنا أنها تضم مئة موظف، يجمعهم سقفٌ واحد، وتوحدهم لوائح وأنظمة إدارية ثابتة، فإنك بحدسك وتأملك البسيط تستطيع أن تشير إلى قلةٍ نادرة، لا يتجاوزون الثلاثة أو الخمسة موظفين، تلوح في أفقهم بشائر مستقبل باهر ومسيرة استثنائية. هؤلاء لم يتفوقوا بالضرورة في عدد ساعات العمل أو في قوة جهدهم البدني، بل تميزوا في أمرٍ أعمق وأخفى: “البنية العقلية”. فهم لا يرون في الوظيفة مجرد مهام رتيبة تُنجز لتأمين المعاش، بل يرونها ساحةً لاختبار قدراتهم، وتوسيع مداركهم، وصناعة الأثر. ولعل من أشد الحقائق مرارةً في واقعنا المعاش، أن السواد الأعظم من الناس قد قزّموا طموحاتهم لتنحصر في دائرةٍ ضيقة لا تتجاوز حدود “لقمة العيش”، غافلين عن آفاق الغد، ومغمضين أعينهم عن فضاءات المستقبل.
لقد أصبحنا نسمعها تُردد علانيةً، بلا مواربة أو حرج: “جلّ ما أبتغيه هو دخلٌ ثابت في نهاية الشهر، مهما كان المسمى الوظيفي، ومهما تضاءلت المسؤوليات، بل وحتى إن تجردت أيامي من أي عملٍ حقيقي أو أثرٍ يذكر”. أمام هذه العقلية، يمكنك وبكل ثقة أن تقرأ طالع صاحبها؛ فهو قد حكم على نفسه طوعاً بالسجن الانفرادي في زنزانة الركود. تتعاقب عليه فصول السنين، وتتبدل ملامح الزمان، وهو قابعٌ في مكانه، صنمٌ لا يتزحزح، لم يبرح المربع الأول الذي وضع نفسه فيه.
وينسحب هذا المشهد بحذافيره على الأروقة العلمية والأكاديمية القاسية في معاييرها. فلو نظرنا إلى كليةٍ للطب مثلاً، قد يتخرج فيها مئة طبيب في الدفعة الواحدة، ولربما وجدنا تسعين منهم قد حصدوا مراتب الشرف وعلقوا أوسمة “الامتياز” على صدورهم. جميعهم يملكون المعرفة ذاتها، ويحملون المشرط عينه، لكن بعد حينٍ من الدهر، يبرز طبيبٌ واحدٌ من بينهم، يطير ذكره في الآفاق، وتتجاوز سمعته حدود مدينته لتُذكر بالبنان في المحافل الدولية.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، المفصلي والمُقلق: لماذا؟ أهو مجرد التميز المعرفي؟ أهو حصيلة الاجتهاد والمثابرة وسهر الليالي فحسب؟
الإجابة العميقة، التي قد تصدم البعض، هي: لا. التميز الأكاديمي، والالتزام الوظيفي، والاجتهاد المحمود، ما هي في حقيقتها إلا “تذكرة دخول” إلى مضمار الحياة؛ هي شروط أساسية لتكون في حلبة السباق، لكنها قطعاً لا تضمن لك الفوز به. إن ما يصنع ذلك الفارق المهول ليس حجم المعلومات التي تكدست في عقولهم، بل “هندسة” تلك العقول وكيفية إدارتها للمعرفة والواقع والتي تنقسم الى ثلاثة اجزاء رئيسة والتي أُطلق عليها
ثلاثية الاستثناء: كيف تُصاغ العقول الفذة؟
الإختلاف او تجاوز حدود المألوف (هدم القوالب وصناعة الأثر): الموظف العادي، أو الطبيب الحاصل على مرتبة الشرف، او حتى الإنسان العادي يؤدي عمله ببراعة فائقة وفق ما كُتب في المراجع، أو حسب ما أُملي عليه من إجراءات ولوائح. أما العقلية الاستثنائية، فلا تكتفي باستهلاك المعرفة والوقوف عند حدود المألوف، بل تُسائلها وتتحدى ثوابتها. هذا الطبيب الفذ لا يعالج “المرض” كحالة بيولوجية، بل يقرأ “المريض” كحالة إنسانية، يضع نفسه مكان كل حالة، لا يرى المريض بأنه مجرد “حالة” باحثاً في المناطق المعتمة التي تغافلت عنها الكتب. وفي الميدان المهني، هذا الاستثنائي لا يجلس منتظراً وقوع الأزمة ليلعب دور المنقذ، بل يستبقها، ويبتكر نظاماً هندسياً وإدارياً دقيقاً يسد ثغرات الخلل ويمنع حدوثها من الأساس.
مناعة ضد “تخمة الإنجاز” (عطشٌ لا يرتوي): الأغلبية العظمى تصاب بداءٍ خفي وخبيث يُدعى “الرضا عن الذات”. بمجرد أن يطوقوا أعناقهم بشهادة، أو يظفروا بترقية، او حتى راتب مرموق، أو يحققوا هدفاً مرحلياً، يركنون إلى إنجازهم، وتتوقف عقولهم عن التمدد، وتتكاسل أرواحهم عن السعي. وهذا غالب على امرنا اليوم، أما تلك القلة البارزة، فترى في كل قمة تطأها قدماها مجرد سفحٍ لقمةٍ أطول وأشق. هم لا يغترون بترانيم المديح، ولا يشبعون من نبع التعلم، ولا يسمحون لغبار الكِبر أن يتسلل إلى نفوسهم ليوهمهم بأنهم قد بلغوا سدرة المنتهى، لا يبهرهم اي شيئ، يرون في كل شيء فرصة افضل للتحسين والتطوير.
تحمل عبء القيادة الفكرية (شجاعة الخطوة الأولى): إن امتلاك بنية عقلية مختلفة يعني حتماً امتلاك شجاعة تحمل المسؤولية. من اليسير جداً أن تتوارى خلف القواعد الآمنة، أو تحتمي باللوائح الإدارية الجامدة؛ فذلك درعٌ يعفيك من المساءلة والمحاسبة إن وقع الخطأ. لكن العقل الاستثنائي يمتلك الجرأة ليتخذ القرارات الصعبة في أحلك الأوقات، ويشق طرقاً لم تُطرق من قبل، متقبلاً احتمالية الفشل بشرف المحارب، بدلاً من الركون إلى ضمانات النجاح الباهت والمكرر.
لم يكن ضربنا للأمثال بالمهن والوظائف، في ساحات العمل أو أروقة الأكاديميات، إلا جسراً نعبر به لتوضيح الفكرة وتجسيدها في واقعٍ ملموس. فالغاية الكبرى التي نرمي إليها تتجاوز حدود الألقاب والمسميات، لتلامس جوهر الإنسان ذاته وحقيقة وجوده. إن الحقيقة التي يجب أن نواجهها بوعي وتجرد، هي أن الغالبية العظمى من البشر يتشابهون حد التطابق في طرائق تفكيرهم، وتتساوى فيهم ردود الأفعال، وتوحدهم مخاوفهم ورغباتهم البسيطة؛ مما يعجنهم جميعاً في “قالبٍ واحد” صلب ومكرر، ينسخ بعضهم فيه بعضاً في متتاليةٍ من الرتابة والنسيان. لا أحد ينجو من هذا القالب المحكم، ولا أحد يكسر طوق هذه النمطية السائدة، إلا ذلك الإنسان “المختلف”.
المختلف بتميزه الذي لا يرضى بالدون، والمختلف بأخلاقه التي تسمو على الصغائر، والمختلف بشخصيته التي نُحتت من صخر الإرادة، وببنيته العقلية التي تأبى الركون إلى ما ألفه الناس واستراحوا إليه. هذا التميز المتفرد، الجامع بين رفعة الفكر ونبل الخُلق، هو الملاذ الأخير لإنقاذ إمكاناتك الخفية، وهو القمة التي يجب أن تشرئب لها عنقك، والغاية التي يجب أن تطمح لبلوغها؛ لتكون في نهاية المطاف “أنت”.. لا ظلاً باهتاً لغيرك، ولا نسخةً مستنسخةً من الجموع.
ولأكن صريحاً معكرف ياعزيزي فالغريب في الطبيعة البشرية أننا قد نخشى نجاحنا أكثر من خشيتنا للفشل. فالإخفاق يعفينا من المسؤولية، ويمنحنا مبرراً سهلاً للعب دور الضحية والجلوس في مقاعد المتفرجين. أما بلوغ أقصى إمكاناتنا، فيضعنا في حلبة مواجهة قاسية مع الحياة؛ حلبة تتطلب انضباطاً صارماً، واستعداداً دائماً لتلقي الضربات، والنهوض مجدداً بعد كل سقوط. لذلك دائماً اكررها بأن النجاح او عَظَمَة الإنسان ليست امتياز بقدر انها مسؤولية مرعبة بأن تكون النسخة الأفضل من نفسك كل يوم، وكثيرون يفضلون الهروب من هذا العبء الثقيل.
السؤال الثاني ما الذي يمنعك من الوصول ؟
كان “كارل يونغ” يرى بعين البصيرة أن بين طيات كل إنسان تسكن شخصيةٌ كامنة لم يكتمل بناؤها بعد. وكان يؤمن بأن رحلة الحياة الحقيقية لا تكمن في البحث اللاهث عن أمجادٍ خارج ذواتنا، بل في اكتشاف ذلك الإنسان العظيم الغافي في أعماقنا كما تم تبني فكرة (الرجل الخارق سوبر مان ). ويؤكد بأسى أن الكثيرين يمضون زهرة شبابهم، بل وأعمارهم كلها، في أداء أدوارٍ مسرحية على خشبة الحياة، يتقمصون فيها الشخصية التي يرتضيها المجتمع، تاركين ذواتهم الحقيقية تموت خنقاً خلف أقنعة القبول المزيفة.
أما “أبراهام ماسلو”، فقد أدرك مفارقة النفس البشرية الموجعة؛ إذ رأى أن الإنسان يحمل في صدره فضاءاتٍ من الإمكانات تفوق حدود تخيله، غير أنه، وفي مفارقة عجيبة، يرتعد خوفاً من جلال عظمته أكثر مما يخشى هاوية فشله. ولهذا، كان يطرح تساؤله الخالد: “إن المعضلة ليست: هل تستطيع؟ بل هي: هل تملك جسارة الروح لتصبح ذلك الإنسان الذي خُلقت لتكونه؟”.
وفي مضمار العقل، تطل علينا “كارول دويك” لتحذرنا من أشد قيود الوهم فتكاً: الاعتقاد الراسخ بأن قدراتنا قوالب جامدة لا تقبل التمدد. فالإنسان الذي يؤمن بمرونة عقله وقابليته المستمرة للنمو، لا يرى في الفشل حكماً بالإعدام على قيمته، بل يراه محطة تدريبية قاسية تصقل وعيه وتُقوّم اعوجاج مساره.
ويغوص “ألفريد أدلر” في أعماق العقدة، ليوضح أن ركون البعض إلى القاع لا يعود لقصورٍ في الموهبة، بل لندوبٍ غائرة من الشعور بالنقص. هذا الشعور يشلّ إرادتهم ويغرس في قلوبهم رعب المحاولة من الأساس. هكذا، يختار الإنسان طوعاً أن يتقزم، متدثراً برداء الأمان الوهمي، هرباً من ألم النمو الذي يتطلب مواجهةً شرسة مع مخاوف الفشل.
وأما عن “جيمس هوليس” فقد قال من قبل إن نضج المرء يبدأ حقاً في تلك اللحظة الفارقة التي يتوقف فيها عن استجداء العالم متسائلاً: “ماذا تريدون مني؟”، ليولي وجهه شطر ذاته، ويسألها بصدق: “ما الذي تطلبه روحي مني؟”. فالمأساة الكبرى لا تكمن في خسارة معركةٍ عابرة، بل في أن تقطع رحلة العمر كلها وأنت تعيش حياةً لا تمت لك بصلة.
ومن عمق الفلسفة الرواقية، يبعث “ماركوس أوريليوس” رسالته الخالدة، مذكراً إيانا بأن العقل يصدأ وتخور قواه حين يستمرئ اختلاق الأعذار. إن الإنسان لا تكسره قسوة الظروف ولا عواصف الأيام، بل يُهزم من الداخل حين يتنازل طواعيةً عن سيادته على نفسه، مسلماً زمام قيادته لخوفه بدلاً من حكمته.
ويبلغ “سورين كيركغارد” ذروة الوجع الوجودي حين يقرر أن أبشع صور اليأس ليست في فقدان الممتلكات أو الجاه، بل في اغتراب الإنسان عن حقيقته طيلة حياته. قد يتربع المرء على قمة النجاح في عيون الناس، وتُعقد له تيجان المجد، لكنه في قرارة نفسه يتجرع مرارة الخواء، موقناً أنه لم يلامس يوماً جوهر الإنسان الذي وُجد ليكون.
وتأتي لغة العلم الحديث، عبر أبحاث المرونة العصبية (Neuroplasticity)، لتصدق على هذه الرؤى الفلسفية؛ فتبرهن بوضوح لا لبس فيه أن أدمغتنا ليست كتلاً صماء، بل هي شبكات حية، قادرة على إعادة تشكيل نفسها، والتعلم، والنمو حتى آخر رمق في الحياة.
وهذا يُفضي بنا إلى يقينٍ جازم، بأن جُلّ الحدود التي نتوهم صلابتها ليست في جوهرها سنناً كونية أو قوانين حتمية، بل هي مجرد عاداتٍ ذهنية تراكمت، وحواجز نفسية تكرست مع الأيام، حتى خُيّل إلينا من فرط تكرارها واعتيادنا عليها أنها حقائق ثابتة لا تقبل النقض ولا التجاوز.
وحين نزاوج بين طروحات علم النفس وهدي الشريعة الغراء، نجد أن الإسلام قد ارتقى بمفهوم الذات ارتقاءً عظيماً؛ فقد دعا الإنسان إلى استنفار كل ذرةٍ مما أودعه الله فيه من طاقاتٍ ومواهب، محذراً إياه من وأدها في مقابر الخوف أو تجميدها في صقيع الكسل. ويتجلى هذا الدستور الرباني الخالد في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}. إن التغيير المنشود هنا هو ثورةٌ عارمة تبدأ من الداخل؛ من جذور الفكرة، وعمق الإرادة، وتلك الشجاعة الباسلة التي تدفع المرء للوقوف في حلبة المواجهة مع عيوبه ومخاوفه، منتصراً على ضعفه، قبل أن يخطو خطوةً واحدةً لمواجهة العالم الخارجي.
إن كل ما سردته لك يا عزيزي يصبّ في مصبٍ واحد؛ ألا وهو “التفرد”. أن تنحت لنفسك كياناً لا ينسخ سواه في ساحة الوجود. قد تتجلى للمرء صورٌ شتى يطمح لبلوغها، وتتعدد أبعاد نجاحه المرجو؛ فمنها الواجهة المادية، والمكانة المهنية، والسمو الأخلاقي، والعمق الديني، والوجاهة الاجتماعية، والرسوخ العلمي وغيرها.
ولكن، لو وقفت اليوم أمام مرآة الزمن متجرداً، وقارنت نسختك الحالية بما كنت عليه قبل عامٍ أو خمسة أعوام، فقلّما تجد ارتقاءً حقيقياً أو تحولاً جذرياً نحو الأفضل في أيٍّ من هذه المسارات. والسر في هذا الركود العريض هو أن الأغلبية الساحقة لم تختر دروب الاختلاف؛ فالقالب الذي صُبّت فيه حيواتهم واحدٌ لا يتغير، وإن تنوعت العقول واختلفت الوجوه والمقاصد.
ولكي أقرب لك الفكرة، دعنا نخرج من عباءة التنظير، ولأضرب لك مثلاً حياً من صميم ذاتي، عن صورتي التي أراها للإنسان المثالي الذي أطمح، بل ويجب، أن أكونه. وبطبيعة الحال، هي صورةٌ متفردة، تختلف جذرياً عما قد تتخيله أنت لنفسك، أو ما يراه ثالثنا ورابعنا؛ فلكل امرئٍ بوصلته التي ترشده نحو كماله المنشود، ومقاييسه التي يزن بها معنى وجوده.
ولكن، إن سألتني أنت يا عزيزي: كيف ترى نفسك؟ وكيف تتخيل نسختك الأعظم؟
لأجبتك بصدقٍ لا تشوبه مواربة:
لأجبتك بأن نسختي الأفضل، وتلك الصورة المُثلى التي تهفو إليها روحي، تتجلى في إنسانٍ جعل القرآن ربيع قلبه؛ يحمله كاملاً في صدره، لا مجرد حفظٍ تُردده الشفاه، بل تدبراً عميقاً لمعانيه، يتعاهده بالمراجعة على الدوام فلا يتفلت، ويتخذه نوراً يضيء له دياجير الحياة.
أرى نفسي متقدماً في دروب المهنة، لا طمعاً في جاه، بل لأكون مفتاحاً للخير، أقضي حوائج الناس، وأعينهم، وأتعاون معهم على ارتقاء العقول والنفوس. أرى نفسي مسؤولاً يحمل أمانة تخريج العقول الباهرة؛ لا يستهويه بريق الظهور، بل ينصبّ جلّ سعيه على تسليط الضوء على كل مجتهدٍ يستحق البروز، محباً لأخيه ما يحبه لنفسه، في تجردٍ تام من شوائب الأنانية.
ومع هذا النقاء، لست بالضعيف المستكين؛ بل أقف سداً منيعاً لصدّ كل من تسول له نفسه التطاول عليّ أو على من يعنيني امرهم. أحارب، إن لزم الأمر، لأُخرس كل متعجرفٍ تكبّر ورأى نفسه فوق البشر، ذائداً عن حمى الكرامة. أطمح وأسعى بخطىً واثقة نحو مكانةٍ مرموقة في مؤسسةٍ بعينها، وأمتلك مشاريعي الخاصة التي تنبثق من رؤيةٍ تخدم الإنسانية وتُعمر الأرض... والقائمة تطول وتتسع باتساع الأفق.
وغرضي من سرد هذه التفاصيل أمامك، هو “أنت” يا عزيزي.
ما أرجوه منك الآن، هو أن تطلق العنان لروحك، وأن تكتب كل ما تتخيله وتحب أن تكون عليه. فالكتابة ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي توثيقٌ لعهدٍ، وعقدٌ تبرمه مع مستقبلك. وما أدراك؟ لعلك حين تخطّ حروفك بصدق، يخطّ القدر معك مسارات استجابتها.
اكتب ما تريد أن تكونه حقاً، وبناءً على هذه الكلمات، شيّد خطتك طويلة الأمد. حينها فقط، ستنجلي الغشاوة عن بصيرتك، وستبصر فرصاً كانت تتوارى عن عينيك المجردة؛ فرصاً لم تُخلق إلا لتخدم أهدافك العليا. وحين تصل إلى هذا المضمار، وتُسخر كل مَلَكةٍ فيك لغايتك الكبرى، فاعلم أنك حينها فقط.. قد كسرت القالب، وأصبحت حقاً إنساناً “مختلفاً” عن الغالبية.
خلاصة القول، إن الفجيعة الكبرى في هذه الحياة قد لا تكون في خسارة مادية، أو فرصةٍ ثمينة تسربت من بين أيدينا، بل تكمن مأساتنا الحقيقية في ذلك “الإنسان” الذي كان بوسعنا أن نكونه لو أننا تحلّينا بقليلٍ من الجسارة وخلعنا عنا رداء الخوف.
ففي مضمار هذه الحياة، ليس ثمة عدوٌ يكبل خطاك ويحجبك عن معانقة أقصى إمكاناتك سوى نسختك القديمة؛ تلك النسخة التي استمرأت الدعة، وارتعدت فرائصها من المجهول، وآمنت إيماناً أعمى بأن سقفها الواطئ هو سقف الوجود بأسره.






كما عهدناك كاتبنا ، تغوص معنا في اعماق الروح، تجبرنا حقا على بدء جلسة صادقة صريحة مع ذواتنا ..
لعمري اسوأ ما قد نعايشه هو هذا الركود المجتمعي، وهذه القوالب التي لا بنجو منها الا المختلفون حقا..
في مضمار الحياة أرى شخصيتي مثابرة شجاعة مقدامة ..
ولكن بعض الاحيان حين اركن الى الاستكانة والتعلل بالظروف .. بموقعي الجغرافي الذي يقف حائلا بيني وبين معانقة الحياة التي اريد، يتملكني خوف كبير ..
استاذي، هنا في مدينتي تقزمت الآمال بصورة ساحقة!
تقلصت اهداف جميع ابناء جلدتي الى وجود الأمان اولا .. ثم توفير الماء والطعام ثانيا !!
أحس بأن الصورة التي يشرئب لها عنقي والغاية العظمى التي أطمح لبلوغها تُعد ضربا من الجنون في مدينة يحفها الموت ويملؤها الرماد والركام..
فكرة مرعبة ان أمضي من هذه الدنيا وانا احمل في جعبتي من الافكار والاحلام والاهداف التي لم تُنجز بعد!!
لا اريد ان اقنع بالركون الى فتات الاشياء.. لا اريد ان أحيا مجرد ظل باهت !!
شكرا لكلماتك استاذي التي مدت يديها تعينني على النهوض مجددا .. شكرا 🤍
ما بين المارد الذي صدع به رأسنا جماعة التنمية البشرية حين كانت موضة قبل سنوات، وبين مفهوم الرضا بمعناه الصحيح الشرعي، ثمة نسخة لي أسعى بكل ما أوتيت من يقين وعناد وصبر أن أصل إليها، من حولي يرون أن من حقق نجاحا مهنيا و أكاديميا قد تمكن من بلوغ مناه وفي الامر بعض الصحة، فليس من السهل أن تثبت جدارتك في عالم مهووس بالمال والاستعراض.لكن ما أصبو اليه حقيقة هونسخة ترى الله في كل حركاتها وسكناتها، نسخة بلغت من صلاح السريرة ما يغنيها عن تطلعات البشر وعن الدنيا وما فيها من مغريات، الأمرليس سهلا..فالنفس ثم االشيطان ثم