هناك طفل بالداخل، مهما كان القناع الذي يرتديه
مهما كانت العواصف تضرب قلبه، يبقى هناك ضوء في عينيه
مع مرور الأيام، تبدأ رؤيتك للعالم بالتغيّر تدريجيًا، ليس لأن الواقع قد تبدّل، بل لأنك أصبحت تبصر بعين أكثر صدقًا ونفاذًا. تكتشف أنك كنت غريبًا عن ذاتك، تائهًا بين التفاصيل، تبحث عن دفء، عن سكينة، عن معنى يُشعرك بالاكتمال، بينما كانت كل هذه المعاني كامنة في داخلك، محجوبة وراء صخب داخلي، وراء خوف صامت، وراء محاولات مضنية للإمساك بما هو في الأصل جزء منك. وحين تبدأ رحلتك نحو الداخل، تدرك أن الكثير مما كنت تظنه حقائق لم يكن سوى انعكاسات مشوّهة لمخاوفك ورغباتك. ترى كيف كنت تُسقط احتياجاتك على الأشخاص والمواقف، تطلب من العالم الخارجي أن يمنحك طمأنينةً لا يستطيع أن يهبك إياها.
تمامًا كما يطارد العطشان سراب الماء في الصحراء، كنت تطارد أوهام الطمأنينة في أماكن بعيدة عن موطنها الحقيقي: داخلك. شيئًا فشيئًا، تتعلم الصمت أمام رغبتك في الهروب، وتتعلم أن تصغي لا لما يقال حولك، بل لما يهمس به قلبك في أعماقه. تصبح أقل انجذابًا للضوضاء، وأكثر احتفاءً بالسكينة التي لا تطلب إثباتًا ولا تبحث عن جمهور. تجد المعنى في الأشياء البسيطة: في لحظة صادقة مع نفسك، في ابتسامة غير مشروطة، في استمتاعك بصباح هادئ دون قلق مما سيأتي لاحقًا. ومع كل اكتشاف صغير، يبهت وهج العالم القديم الذي كنت تراه من خلال عيون الخوف، ويتسع داخلك فضاءٌ جديد، أكثر اتساعًا، أكثر رحابة. وكأنك كنت طوال الوقت تسكن بيتًا واسعًا، لكنك كنت محشورًا في إحدى زواياه المظلمة، لا ترى إلا الجدران الضيقة ولا تدرك كم الهواء والنور الذي ينتظرك في الخارج.
قد لايكن هذا خطأك، اريدك ان تتذكر دائما يا عزيزي ان الانسان نتاج بيئته والمجتمع من بيئتك، لذلك انا ازعم اليوم اننا في حاجة ماسّة لأن نتحرر من كل ما زُرع في ارواحنا من أفكار ومخاوف ليست لنا، من كل ما حجَب بصيرتنا، ومن كل موقف أطفأ النور الذي كان يومًا يملأ قلوبنا دون قيد. فقد نشأنا نتعلم أشياء لم يكن ينبغي أن نتعلمها، وغُرست في أنفسنا عادات لو تُركت فطرتنا على سجيتها لما اقتربنا منها يومًا. على سبيل المثال ذلك النور الطبيعي الذي كان يشعّ في قلوبنا حين كنّا نُسرع لنجدة من يحتاج، دون أن نتساءل عن المقابل أو أن نحسب حساب نظرات الناس. كنا نندفع بدافع من نقاء الفطرة، لا يهمّنا إن قوبل عطاءنا بالشكر أو بالجحود. ولكن مع الوقت، غُرست فينا مفاهيم جديدة: قيل لنا إن العطاء دون حساب ضعفٌ، وإن المبادرة دون تحفظ سذاجة، وإن التلقائية في الحبّ غباء يُستغلّ. فأطفئت جذوة النور، وأصبحنا نحجم عن الخير بدافع الخوف، نحسب الخطوات، نراقب النتائج، ونؤجل أفعال النبل حتى نتأكد أنها "آمنة". كنّا نعبر عن مشاعرنا بصدق، نبكي حين نحزن، ونضحك حين نفرح بلا تصنع. كانت الفطرة تقول لنا إن المشاعر تُعاش بتمامها دون خجل. لكن مع الأيام، تَعلّمنا قسرًا أن إظهار الشعور ضعف، وأن البكاء "مخجل"، وأن الفرح الصادق "قلة وقار". هكذا بدأنا نكمم أفواه أرواحنا، ونخفي أنفسنا تحت أقنعة، ونطفئ شعلة الحياة العفوية في قلوبنا شيئًا فشيئًا.
علّمونا أن نتجاهل إحساسنا الخالص، أن نخفي رقّة قلوبنا، أن نضع أمام كل خطوةٍ ألف حساب قبل أن نقدم عليها، وكأن فعل الخير جريمة لا ينبغي أن تُرتكب إلا بعد حذر طويل! قالوا لنا أن العطاء ميدانٌ للخوف، وأن الحبّ ينبغي أن يُوزَن بميزان دقيق قبل أن يُعطى، وأن الثقة باب لا يُفتح إلا بشروط صارمة. غُرست في وجداننا فكرة أن علينا أن نرتاب من نيتنا الطيبة نفسها، وأن نقف طويلًا قبل أن نمد ايدينا بالعطاء، وكأن الفضيلة نفسها فعل مريب لا يُؤتى إلا بعد تردد وخوف. لكنني اليوم أعود إلى نفسي، وأرفع القلم الذي طالما سطّر وصايا الخشية، لأمحو به تلك العبارات التي قيّدت روحي: «لا تعطِ حتى تضمن الرد»، «لا تثق إلا بعد اختبار مرير»، «لا تحبّ إلا وأنت تحصي كل مقاصد الآخر». أعود إلى ذاكرة طفولتي، إلى ذلك الزمن الذي كان قلبي فيه طليقًا لا يعرف المكر، حين كان الفجر ينسكب من روحي ببراءة لا تطلب إذنًا، وكانت يداي تمنحان بسخاء لا ينتظر مقابلًا ولا يطلب إذنًا من العقل قبل النبض. اليوم أدركت أنني لست بحاجة إلى تعلّم المزيد من التحفظات، بل بحاجة إلى أن أنسى الكثير مما ظننته يومًا حكمةً فكان قيودًا. بحاجة إلى أن أطهر قلبي من تلك الظنون، وأعود إلى صفاء الفطرة الأولى: فطرة لا تخشى أن تحسن، ولا تتردد أن تعطي، ولا تخاف أن يُساء فهمها، لأن صاحبها يعلم أن الله وحده أعلم بالسرائر. أن أذكّر نفسي بأنني خُلقتُ لأبلغ نقاء لقائي بالله، لا لأن أحفظ وصايا الخشية والحذر. أن أستعيد ذلك الإيمان بأن العطاء الحقيقي لا يحتاج إلى تبرير، وأن النية الصافية لا تطلب دفاعًا عنها، وأن الحبّ الممنوح بصدق لا يُنتظر منه مردود. لهذا، اخترت أن أمحو من وجداني كل أثر لعقدة المراقبة، وكل رزانة زائدة قتلت العفوية. أريد أن أعود شفاف كالندى، سخي كمياه النهر، صادق كصوت الفجر، نقي كأغصان الزيتون في أرض فلسطين الطاهرة. أريد أن أرى الحق كما هو، دون أن يشوّهه اي تردد، وأن أتبعه حيثما كان، مهما خالف هواي أو تصورات الناس. أن أعود إلى نفسي الأولى، أسير في الحياة بنور داخلي لا تطفئه ريبة الناس ولا حساباتهم، لأن التجربة الحقّة ليست في جمع دروس الحذر، بل في التخلص من آثار التشويه، والعودة إلى تلك الفطرة البيضاء التي لم تطلها أيدي الخوف ولا التحريف.
إعلم عزيزي انك لابد لك ان تصل الى نفسك الأولى، نفسك الطاهرة مهما كلفك الأمر، اعرف ان في داخلك سؤال يطرح نفسه الا وهو ماذا إذا كان الناس لا يقدرون كل هذا؟ ماذا ان كان الناس يستغلون حسن نواياك ويبدلونها لضعف؟ وفي ذلك الامر فالتوازن هو افضل حل، مهما كانت الاقنعة التي ترتديها، حاول ان يظل داخلك نقياً طاهراً، وفي طريق عودتنا إلى أنفسنا، سندرك أن كثيرًا مما حسبناه "أخطاءً" نكررها لم يكن إلا جروحًا قديمة لم ننتبه لوجودها. لم نكن نعيد الخطأ ذاته، بل كنا نعيد مشاهد الخذلان، ومرارات الرفض، ولحظات الانكسار التي سكنت في عمق أرواحنا. نكرر ذات العلاقات، ونسير نحو ذات الانهيارات، ونغرق في ذات الشعور بالفراغ، لا لأن الحياة تلاحقنا بقدرها، بل لأن الألم المدفون فينا لم يجد شفاءه بعد. على سبيل المثال حين يواجه الطفل صدمة، لا يملك وعيًا يحلّل أو يبرر، بل يمتلك غريزةً واحدة: أن يخفي الألم ليبقى على قيد الحياة. يغلق عليه في أعماق عقله الباطن لا نسيانًا، بل حمايةً، لكن هذا الألم المختبئ لا يموت. إنه يتحوّل إلى ظلّ خفي، يتسلل إلى قراراتنا، اختياراتنا، وعلاقاتنا، يقودنا من حيث لا ندري، كما قال كارل يونغ: "ما لا نعيه في داخلنا، يظهر لنا في الخارج على هيئة قدر". هكذا نصبح أسرى جراح لم نواجهها: جرح الرفض يجعلنا نخشى الظهور على حقيقتنا، نهرب من العلاقات قبل أن ترفضنا. وجرح الهجر يربطنا بمن يمنحنا أقل القليل، فقط لننجو من الوحدة. وجرح الإذلال يعلّمنا أن نُقدّم الجميع على أنفسنا حتى تختفي ملامحنا. وجرح الخيانة يجعلنا نتوقع الأذى قبل أن يقع. وجرح الظلم يدفعنا إلى إنهاك أنفسنا بالكماليات لنثبت أننا نستحق الاحترام والحب. وكل سلوك لم نفهمه يومًا في أنفسنا، كل تصرف بدونا فيه متناقضين مع حقيقتنا، ما هو إلا صرخة مكتومة لطفلٍ بداخلنا ينتظر، منذ زمن بعيد، لمسة أمان، وضمّة اعتراف بوجعه. إن التحرر الذي نبحث عنه اليوم لا يكون بتصحيح أنفسنا، بل بقبولها كما هي، بمدّ أيدينا إلى ذلك الطفل المهمل فينا، دون عتب ولا قسوة. فطريق الشفاء لا يبدأ بإحياء الذكرى، بل بالسماح لكل شعورٍ مؤلم أن يُعبّر عن نفسه بصدق، دون خجل، ودون محاولة لإسكاته. لأن ما لا نضيئه في دواخلنا، يعود إلينا عبر الخارج، في هيئة ظلّ يبحث عن نورٍ يحرّره.
واعلم عزيزي انك مهما كنت نقياً فأنت بالفعل السىء في رواية احدهم، بغض النظر عن نقاء قلبك وحبك للخير، قد تجد نفسك موضعًا للانتقاد عند بعض الناس. مهما كانت تصرفاتك عفوية وبسيطة، سيرونها أحيانًا مدروسة ومقصودة. حتى وإن كانت نيتك نقية وسليمة، قد يراها البعض نية سيئة. ومهما كانت مواقفك النبيلة والشجاعة، سيرونها مجرد محاولة للظهور والتباهي. يجب أن تتقبل أنه ليس الجميع سيحبون أن يعرفوك على حقيقتك، مهما بذلت من جهد لإظهارها. لذا، هدّئ من نفسك وكن على طبيعتك. تذكّر أن كل شخص يرى الآخرين من خلال عينيه الخاصة، ومن خلال حالته النفسية والروحية التي هو فيها. ولكن انت المسؤول فقط عن نفسك، و ما دمت لم تدرك أن جذور معاناتك تنمو بداخلك، وأن سبيل خلاصك يبدأ من ذاتك، فستظل عالقًا في نفس الدائرة، تُكرر الأخطاء نفسها وتعيش الألم ذاته، عامًا تلو الآخر.
اكاد اجزم ان كثيراً من الناس طيبون جداً وقلوبهم رقيقة جداً ولكن يتصنعون الشر لكي يواكبوا الناس، لا تُتَصَنَّع يا عزيزي فطبيعتك تَسحر كل من يريدك بصدق. عالمنا مليء بالأقنعة وتجميل الحقائق، يساير البعض الآخرين على حساب أنفسهم، تذكَّر أن فيك ما لا يشبه أحدًا. لا تحاول أن تكون نسخة معدلة من شخص آخر، ولا تُغير ملامح روحك لتلائم ذوق من لا يرى جمالك الحقيقي. طبيعتك، بتفاصيلها الصغيرة وطباعك الفريدة، هي ما يستحق أن يُحَب. ليس عليك أن ترفع صوتك لتُسمَع، ولا أن تثبت شيئًا لتُقبَل. من أرادك بصدق سيراك كما أنت، وسيحب ما تحاول أنت تغييره لتُرضي الآخرين. التصنُّع قد يجلب لك قبولًا مؤقتًا، لكنه يسلبك نفسك في النهاية. لذلك، تمسَّك بذاتك. لا تُخفض من وهجك لتُلائم أعينًا اعتادت الظلام. فطبيعتك لا تحتاج إلى تعديل، ولا تحتاج إلى تبرير، ولا إلى إعادة تشكيل. من يُحبك بصدق، سيرى جمالك كما هو، بدون تزيين أو أقنعة. سيُحبك لصدقك، لا للصورة التي تصنعها. فابقَ كما أنت، لأنك كما أنت، تُبهر. وتذكر دائماً أن الشخص الذي يحبك بصدق.. دائماً سيعطي أكثر مما تتوقع منه.
ولذلك انا متمسك بما قاله مصطفى لطفي المنفلوطي وإني أعلنها لكم اليوم كلمة قاطعة، ولن أكررها بعد الآن: لن أحب إلا من يبادلني الحب، ولن أنحني إلا لقناعاتي وإرادتي وحدها. حياتي وحريتي ليستا معروضتين للبيع مهما كان الثمن، ومهما بدا العِوض مغريًا. لست أطلب منكم مالًا ولا عونًا، ولا أشكو إليكم فقرًا ولا حاجة، فقد عزمت أن أرسم بنفسي طريق حياتي، أخوضه وحدي، بلا عكاز ولا انتظار. فإن كتب لي النجاح، فهو من الله وتوفيقه ثم ثمرة سعيي التي هو ايضاً سببها واليه الفضل من قبل ومن بعد، وإن عثرت، فتكفيني راحة النفس أنني سرت الطريق بقدميّ لا بأيدي الآخرين. سعادتي الكبرى أن أحيا كما أردت: حرًا، طليقًا، لا يملك أحد زمام أمري، ولا يدين لي كائن بمِنّة أو فضل. وحين يحين أجلي، أكون قد عبرت الحياة على طريقتي، لا كما أرادها لي الناس.







