"قد أفلح من زكّاها"
النقيّ من الداخل يُرهق الآخرين أكثر من الخبيث، لا لأنه يؤذي، بل لأنه لا يُنسى، ولا يمكن تعويضه. حضوره يترك أثراً ناعماً في الذاكرة، وصمته أبلغ من ضجيج كثيرين، وابتسامته تلوّن الأيام الرمادية دون أن يشعر. من خذلوه يعرفون جيدًا أنهم أضاعوا كنزًا لا يُقدَّر، ومن خدعوه يُدركون، ولو بعد حين، أنهم أساؤوا إلى استثناء لا يتكرر.طاقته المبهجة، وصدق مشاعره، ونقاء روحه، وسخاء عطائه، واكتفاؤه بذاته، وطيبته مع الجميع… كل ذلك يجعل خسارته ندمًا لا يُشفى. هو لا يركض خلف أحد، ولا يحاول إثبات نفسه لأحد، لأنه يعرف أن قيمته لا تُقاس بما يراه الآخرون، بل بما يحمله في قلبه من سلام وصدق. لكنه، بحسن نيته، لا يخسر أحدًا، ولا يحمل ضغينة تجاه أحد. تمر الأيام فتُضمد جراحه، وينسى من أساء إليه، بل ويجذب إلى حياته قلوبًا تشبه قلبه صفاءً وكرمًا، كأن الكون يعيد له بصبره ما سُلب منه ظلماً. وبينما يواصل طريقه بهدوء، محاطًا بالسكينة التي يستحقها، يبقى أولئك الذين أساءوا إليه عالقين في سؤالٍ لا يجدون له اجابة: "كيف ضاعت من بين أيدينا هذه النعمة؟" حينها فقط يدركون أن بعض الأشخاص ليسوا مجرد عبور في الحياة، بل فرصًا نادرة، إذا ضاعت… لا تعود.
إعلم يا عزيزي ان الجميع يظنون انفسهم أنقياء، لا لأنهم يرون ذواتهم ملائكة بل لأن النفس البشرية جاهلة بماهيتها حتى تُبصر، والبصيرة تحتاج الى حكمة، والحكمة تحتاج الى اخطاء تتعلم منها، وحتى التعلم من الاخطاء لا يتقنه الجميع. الإنسان بطبيعته يميل إلى إنكار ما لا يتوافق مع الصورة المثالية التي يرسمها عن نفسه، خاصة حين يتعلق الأمر بالنقاء أو الطهارة الأخلاقية. فالنفس تكره مواجهة تناقضاتها، لأنها تعلم في أعماقها أن الاعتراف يعني البدء في الهدم وإعادة البناء، وهذا يتطلّب شجاعة لا يمتلكها الجميع. فكم من شخصٍ يدّعي النقاء، لا لأن قلبه نقي فعلاً، بل لأن رؤية العيوب في نفسه تصدم كبرياءه وتقلق راحته. ولذلك، يخلق الإنسان قصصًا داخليّة تُبرّر أفعاله، ويلقي باللوم على الآخرين، ويتجنب المحاسبة الذاتية، فقط ليُبقي صورته الذهنية عن نفسه بلا خدوش. الإنسان، رغم كل محاولات الإنكار والتبرير، يعلم في أعماقه أنه ليس نقيًا تمامًا. يعلم مواطن شره كما يعلم مواطن خيره، فالنفس، مهما كذبت على اللسان، لا تستطيع الكذب على ذاتها حين تُواجه نفسها. ودعنا نسلّم، إذن، بأن في داخل كل إنسان مرآة خفية لا تُظهرها الأيام العادية، بل تتجلّى في اللحظات التي يظن الإنسان فيها أن الحياة قد خانته. هناك، في تلك المواقف العاصفة، حين يضيق الصدر وتتداخل المشاعر، تتشكل أولى الصور الحقيقية للذات. في مثل هذه اللحظات، لا يصنع الإنسان "صورة واحدة" عن نفسه، بل صورًا متضاربة: يرى في نفسه مرة ضعفًا، ومرة قسوة، ومرة صدقًا فاجأه، ومرة خيانة لما كان يعتقده عن ذاته. لكن من بين كل تلك الصور، تبرز صورة واحدة تكون الأقرب إلى الحقيقة: صورة المعدن الداخلي. فالناس لا يُعرف معدنهم حين تبتسم لهم الحياة، بل حين تضيق، حين يُخذلون، أو يُخونون، أو يُختبر صبرهم وأخلاقهم. وكذلك النفس، لا تُعرف تمامًا في السكون، بل حين تضطر إلى اتخاذ موقف يكشف جوهرها. ولذا كان من الضروري أن نُختبر، لا لنعاقب، بل لنعرف أنفسنا. إذ كيف لنا أن نتحدث عن النقاء، ونحن لم نعرف بعد كم من الظلام فينا؟ وكم من النور؟ ولكي نعرف معادن الناس، بل ومعدن أنفسنا أولًا، لا بد من طرح السؤال الصحيح. وقد سُئل الأديب أنيس منصور سؤالًا بالغ الأهمية: "كيف نعرف معادن الناس؟" فأجاب اجابة بهية صادقة حين قال: "إذا أردت أن تعرف معدن إنسان، فانظر إليه في لحظة اختيار حُر، حين لا يكون مجبرًا ولا خائفًا ولا مراقَبًا… فهنا فقط، يُظهر نفسه، و يُعرَف الزوج عند مرض زوجته، وتُعرَف الزوجة عند فقر زوجها، ويُعرَف الصديق عند الشدّة، ويُعرَف الأبناء عند شيخوخة والديهم، ويُعرَف الإخوة عند الميراث، ويُعرَف الأقرباء في الغربة، ويُعرَف الحبّ الحقيقي عند انتهاء المصلحة، ويُعرَف المؤمن عند الابتلاء.”
إذن فالإنسان لا يُعرف الا حين يُختبر، وهذه نصيحتي لك عزيزي القارئ، لا تحكم على اي شخص في حياتك الا حين يُختبر، لا تحكم على صديقٍ أو شريكٍ قبل أن ترى كيف سيتعامل مع الأوقات الصعبة، مع الخيبات، مع الضغوطات التي تكشف طباعه الحقيقية. لا تحكم على نفسك أيضًا في لحظة ضعفٍ أو ندم، او حتى فرح، ولا تصدق كل صورة تتخيلها عن نفسك عندما تكون غارقًا في الألم أو الفشل، او السعادة، فالاختبار لا يكشف إلا الحقائق التي لا يمكن تجاهلها. ولذلك قالت العرب قديما لا تتخذ اي قرار في اوقات غضبك وأوقات فرحك لأن القرار الناتج عن الغضب يورث الندم، والقرار الناتج عن الفرح يورث الحسرة لما فيه من تخيُلك ان العالم برمته اصبح في قبضة يديك. لذلك فإن حكمك على من حولك لابد ان يكون في اوقات معينة، وإلا ستكون كالطفل الذي عندما رأى والديه منعوه عن شيء ظنه قيدًا لحريته، وهو في الاساس حماية له. قال الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو في احدى مقالاته تحت عنوان “دائرة الفهم”: في البداية، نعتقد أننا جئنا من صخر، لا من لحم. ننظر إلى والدينا كما ينظر المتعجرف إلى مرآة مشروخة، نراهم مجرد عائق يحاول تقييد حريتنا وتطلعاتنا. نعارضهم ليس لأنهم على خطأ، بل لأننا بحاجة لإثبات أنفسنا، وإثبات أننا مختلفون عنهم، أننا لسنا نسخة مكررة من تجربتهم. لكن مع مرور الوقت، تبدأ الأوهام بالتلاشي، وتنهار صورة البطولة الفردية التي بنيناها. في تلك اللحظات، نبدأ في إدراك الحقيقة: لم يكونوا يريدون تقييدنا، بل كانوا يحاولون حمايتنا من السقوط الذي سبق لهم أن اختبروه. نتفهم أنه لم يكونوا دائمًا على صواب، ولكنهم كانوا قريبين من الحقيقة بقدر ما يسمح به الفهم البشري. وفي تلك اللحظة، ونحن نخفض رؤوسنا أمام مرآتنا، يظهر خلفنا شخص آخر يحمل نفس ملامحنا وتساؤلاتنا: ابنٌ يرى فينا صخورًا لا لحمًا، يرى نصائحنا مجرد قيود لا حكمة. يعارضنا ليس لأنه على صواب، بل لأنه يحتاج أن يكون شيئًا آخر، بعيدًا عنا. وهكذا تستمر الدائرة. لم نكن مخطئين حين جهلنا، ولا نحن على صواب الآن بعد أن عرفنا. نحن فقط بشر، نمشي في ظلال من سبقونا، ونرسم ظلالًا لمن سيأتون بعدنا. وها أنت اليوم، الذي كنت يومًا تراهم قيودًا، تقف في موقعهم. تفكر بالطريقة ذاتها، تنصح وتخشى، ربما تعترض على عفوية طفلك بنفس القلق الذي كنت تراه حجر عثرة في طريقك. وتتفاجأ بأنك، أنت بالذات، تُعيد التاريخ، لا من باب التقليد، بل من باب الإدراك: العقل لا يستوعب إلا ما اختبره، لا ما ظنه. كنت تجهل دوافعهم، والآن تنضج لترى أن بعض المحبة تأتي على هيئة صرامة، وبعض الحماية تُفهم لاحقًا على أنها حدود، وحدودهم لم تكن إلا محاولات فاشلة للتعبير عن حبهم بلسان العقل. وهكذا تستمر دائرة الفهم. نحن لا نكبر لنكون أفضل، بل لنكون أكثر إنصافًا. أكثر تفهمًا للماضي، وأكثر رأفة بالحاضر، وأكثر حكمة في رسم المستقبل. ما نراه اليوم بوضوح لم يكن مرئيًا لنا بالأمس، وما لا يفهمه أطفالنا اليوم، سيفهمونه لاحقًا وهم يعبرون ذات الطريق. الدائرة لا تُكسر، لكنها تتسع… وتلك، في النهاية، ليست مأساة، بل شكل من أشكال النمو.
إعلم يا عزيزي ان النمو والنضج هو اسمى غاية تُسعى لها، ففيه ليس صفة واحدة وهي النضج بل عدة صفات، فالنضج على سبيل المثال يُكسبك الذكاء العاطفي وهي اهم سمة في يومنا الحالي في التعامل مع العلاقات اليومية. الذكاء العاطفي ليس مجرد مهارة اجتماعية تُكتسب بالتجربة، بل هو وعي داخلي يُتيح للإنسان أن يفهم مشاعره ومشاعر من حوله، ويتعامل معها برُشد واحتواء. إنه ليس مرادفًا للطيبة أو الحساسية فقط، بل هو القدرة على الإصغاء لما لا يُقال، وفهم المعاني التي تختبئ خلف الكلمات والانفعالات. هو أن تدرك متى تصمت ليحفظ الصمت كرامتك وكرامة غيرك، ومتى تتكلم لتضيء في اللحظة المظلمة شيئًا من الوعي أو المواساة. الذكاء العاطفي يعني أن تعرف متى تُبدي تعاطفك، ومتى تضع حدودًا واضحة تُحافظ بها على احترامك لذاتك وللآخر. أن تحتوي الغضب في داخلك فلا تتركه يتحول إلى أذى، وأن تحزن دون أن تسمح للحزن أن يتحول إلى ضعف مزمن أو عزلة مدمّرة. هو أن تمرّ بالعواصف النفسية دون أن تتركها تُدمّر ما بداخلك من سلام. ولذلك، فإن الذكاء العاطفي لا يُقاس بسرعة الرد أو براعة الحديث، بل يُقاس بعمق الفهم وقدرة العقل. ومن هذا المنطلق، فإن الذكاء العاطفي ليس فقط مفتاحًا للعلاقات الناجحة، بل هو من علامات النضج الداخلي والنقاء الحقيقي. فالنقيّ لا يكون كذلك لأنه لم يُمسّ بالمواقف المؤذية، بل لأنه تعلم كيف لا يُعيد إنتاج الأذى. الذكاء العاطفي كما قال عنه ابن القيم “إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمةٍ أو نزول بليّة فاعلمْ أنك قد ابتُليتَ معه. إما بالمواساة فتشاركَه في البليّة، وإما بالخذلان فتحتملَ العارَ معه”.
ومع مرور الوقت يا عزيزي ستفهم ان بعض العلاقات علاجها في هدمها و قد يؤذيك ذلك الهدم، قد يشعرك بالندم والألم، قد يحرق صبرك وأيام من عمرك، ولكن إنقاذك يبدأ من هنا. لذلك الذكاء العاطفي يجعل من مشاعرك مشاعر حقيقة اكثر من كونها مشاعر. بمعنى وإذا كنت شخصًا يجيد الحب بصفائه، لا بمطالبه، فستعرف أن الحب الحقيقي ليس مجرد علاقة بين جسدين، بل رباط روحي بين نفسين تتكاملان، لا تتصارعان. حينها فقط ستفهم أن الزواج، في جوهره، ليس مؤسَّسة للإنجاب أو وسيلة لإرضاء أعين الناس، بل هو ملاذ داخلي، حيث تُؤنس ويُؤنس بك، تُؤمِّن ويُؤمَّن بك، تُحتضن لا من الخارج فقط، بل من الداخل؛ حيث لا تخاف من أن تنكسر، لأن هناك من يرى انكسارك ويُرممه، لا من يُدينك عليه، ستعي تماماً ان الزواج الحقيقي هو أن تُباع كل الماديات ويُشترى خاطرك، أن تكون كافيًا بذاتك، وتُرى كأنك كل شيء. أن تُبارَك بعلاقة تُقربك من الله، لا تُبعدك عن نفسك، علاقة تجعلك تقول: "الحمد لله أنني صبرت حتى رأيت هذا النور." إنها العلاقة التي تُشعرك أنك لأول مرة تتكئ على صدرٍ لا تخاف أن تسقط منه، أن تنظر إلى نفسك في المرآة وتقول: "نعم، أنا أستحق أن أُحب، وأستحق أن يُصان قلبي." وهذه هي أسمى مراتب النقاء العاطفي: أن ترى نفسك جديرة بالحب، لا رغم أخطائك، بل بسبب صِدقك في مواجهتها، في تعلّمك منها، وفي عدم السماح لها أن تلوث نقاءك الداخلي. فيا عزيزي، الذكاء العاطفي لا يُعلِّمك كيف تُكمل العلاقات، بل كيف تختارها من البداية، وكيف تُنهيها إن استدعى الأمر دون أن تفقد نفسك في أحد. هو أن تختار النور، حتى لو كلفك الابتعاد عن من أحببت في العتمة.
لذلك يا عزيزي كلما نضجت سترى الحياة من حولك مختلفة، والناس مختلفون، حينها حتى ستدعو الله بطريقة مختلفة عن ماكنت تدعو به من قبل، ادعُ الله ان يعلمك ألّا تختار بدافعِ الخوف، وألّا تقصي دربًا لأنك لا تراه مُزدحمًا بمن يُشبهون طمأنينتك، ادعه بأن يجعلك، حين تختار، تختار ما يُضيء قلبك، لا ما يُرضي العابرين في رأسك. ادعه ان يرزقك شجاعةَ المُضيّ في الطريقِ الذي خُلِقتُ له، وإن بدا في أوّله وحيدًا، وفي آخره غامضًا. لأنه هو الرحيم، إن زلّت خُطاك، وإن تاه دربك. لا تسأل الله أن يُخفّف حملك فقط، بل اسأله أن يقوّي ظهرك ايضاً.





