هل نعرف الحب حقً ؟
الحب: بين الفطرة والتوازن.. لماذا تفشل العلاقات؟ ماهو عشق الروح ؟ ماذا قيل في الحب؟
اهلا بكم من جديد ايها السادة،
موضوعنا اليوم هو موضوع في غاية الأهمية لنا جميعاً وهو غاية للكثير منا وهو مفتاح للوصول الى عدة مراحل في الحياة وهو الحب. مع تزايد حالات الطلاق وتزايد حالات العزوف عن الحب بكل انواعه وايضاً حالات الفراق التي قلما تخلو اي علاقة منها يجدر بنا ان نتكلم عن هذا الموضوع الشائك نوعاً ما والذي في رأيي ان جميع الفلاسفة والمفكرين والأدباء وعامة الناس قد حاولوا فهمه من حيث الطبيعة. وهنا لدينا الكثير من الاسئلة قبل ان نبدأ والتي سيتم الاجابة عليها من خلال المقال التالي. ماهو الحب ؟ كيف نحب ؟ هل الكره عكس المحبة ؟ ماهي درجات الحب ؟ ولماذا نجد كثيراً من العلاقات ان شخص يحب الثاني اكثر من الطرف الأول ؟ لماذا كثيراً من الناس يبحثون عن الحب ؟
اولاً لمعرفة الحب لابد ان نوضح ان الحب هو إكتشاف أنثوي بحت يشتركُ الرجل فيه .. لكنه لا يصنعه. كيف ؟ عندما تجد رجلاً يحبُّ فلأنه صارَ للحظةٍ مراءة انعكاس لحب الأنثى، وايضاً لأن جميع الرجال لديهم هرمون الذكورة والانوثة ايضاً ولذلك يمكننا ان ندعي ان الرجال بالفعل يمتلكون بعض من الأنوثة. يُعرَف الرجل العاشق من فيض الأنوثة الظاهر عليه كضوء الصباح .. هذه اللمعة واللهفة في العيون .. لا تَصدُرُ إلا عن أنثى. لكن هل يعني هذا أن الحب محصور في التجربة الأنثوية فقط؟ بالطبع لا. الحب، في جوهره، ليس مجرد امتداد للأنوثة، بل هو تجربة إنسانية شاملة تتجاوز الفروقات البيولوجية وتدخل في أعماق النفس البشرية، حيث تتفاعل العاطفة مع الإدراك، والرغبة مع الفهم، والتواصل مع الاحتياج. ومع ذلك، فإن ما يجعل الحب يبدو أكثر التصاقًا بالأنوثة هو أن النساء، في معظم الثقافات، يُظهرن مشاعرهن بوضوح أكبر، ويمتلكن قدرة فطرية على التعبير عن الحب بطريقة أكثر دفئًا واحتواءً، بينما يتعلم الرجل الحب عبر تجربته معها، كما لو أنه يكتشفه من خلال وجودها. ماذا لو كان العكس ؟ بمعنى ماذا لو كان الرجل هو من يظهر اهتمامه اكثر من الانثى ؟
هنا تكون الانثى قد فقدت اهم دور لها بالأخص ان لم تكن تبادله نفس الإهتمام، وهذا يا عزيزي بداية اول تذبذب للعلاقة. لماذا ؟ لأن الأدوار الاساسية قد امتزجت وتداخلت بشكل يخلّ بالتوازن العاطفي الذي يبني العلاقة. عندما يصبح الرجل هو الطرف الأكثر تعبيرًا عن الحب والأكثر اهتمامًا، بينما تبقى المرأة في موقف المتلقي أو المتردد، فإن العلاقة تدخل في منطقة من عدم الاستقرار بشكل مباشر. ذلك لأن الحب، كقيمة إنسانية، يتطلب توازنًا في العطاء والتلقي، وفي المبادرة والاستجابة. هنا سيشعر الرجل بأنه يحب نفسه او يحب حائط، لن يعيش تجربة حب متكاملة، بل يشبه شخصًا يتحدث إلى جدار أو يرى انعكاس مشاعره في مرآة لا تملك دفئًا أو تفاعلاً. ان كنت قد قرأت رواية الجريمة والعقاب للعظيم دوستويفسكي فستلاحظ مقولة سفيدريجالوف عندما قال “كل الذين أحبوني وأحببتهم كنت أنا دائماً الطرف الأكثر حُباً لهم، أقصُد أن ورغم قدرتي الضعيفة على التعبير، لكنني أُقدم أشياء صادقة ربما لا يعرفون قيمتها إلا بعد نهاية علاقتنا ! هم رائعون في البداية كالجميع كلهم رائِعون في البدايات، الونس، الردود الطيبة، والشغف ؛ أما عني فكُنت دائماً أبحث عما هو بعد هذه الخطوة فقط البدايات رائعة في كل شىء، لكن الوقت يُبرد مشاعرهم الوقت يكشف أن اقترابهم مني كان بدافع الفضول أو مجرد نوبات إحتياج فتعثروا بي لأعوضهم عن الفراغات التي يشعرون بها ! لم يحدث يوماً ووجدت من تغير لأجلي ومن حاول، وضَحى ليبقى بجانبي.” كيف كانت نهاية سفيدريجالوف؟ ببساطة انتحر. لماذا ؟ لأن العقل يراكم نوبات عدم الاهتمام ويحولها الى كره واشمئزاز من الناس ومن ثم الحياة، إذن اذ لم يرحل الطرف الأكثر عطاءً في العلاقة فإنه كمن حبس روحه داخل قفص بل وعرض نفسه للموت قبل اوانه.
لذلك، المرأة بطبيعتها تخلق الأمان العاطفي من خلال تعبيرها عن مشاعرها، فهي تشكّل القالب الذي يُسكب فيه حب الرجل، وحين تغيب هذه الطاقة الأنثوية، يشعر الرجل وكأنه يسير في فراغ، يبحث عن صدى مشاعره ولا يجده. هذا لا يعني أن الرجل لا يستطيع أن يكون المبادر في الحب، لكن الحب الذي ينشأ من طرف واحد أو يميل فيه الميزان بشدة إلى جهة دون الأخرى، غالبًا ما يتعرض للاهتزاز، ومن ثم الفراق وهو الانسب في هذه الحالة بلا شك. المفارقة هنا أن الحب، رغم أنه يبدو كعملية تلقائية، إلا أنه في الحقيقة معادلة دقيقة بين التفاعل والانسجام. حين تكون المرأة هي التي تقود العاطفة، فإنها تمنح الرجل فرصة لاكتشاف عمقه العاطفي. ولكن إن حدث العكس، بحيث يصبح الرجل هو من يمنح بلا مقابل، فإنه يبدأ بالشعور بالإرهاق العاطفي، وتنشأ فجوة بين الطرفين يصعب سدّها.
لذلك، الحب في أنقى صوره هو حالة من التجاذب المتوازن، حيث تتلاقى العاطفة مع العاطفة، ويكون لكل طرف دوره الفطري دون أن يفقد هويته في سبيل الحفاظ على العلاقة. عندما يختل هذا التوازن، تبدأ العلاقة في الاهتزاز، لأن أحد الطرفين يشعر أنه يُعطي دون أن يجد صدى، بينما يشعر الآخر بأنه تحت ضغط دور لم يكن مستعدًا للقيام به. نفس الشيئ عندما نجد ان المرأة تقود العلاقة بالكامل، من نفقة مالية، تربية الاولاد، العمل، وكل ماهو بطبيعة حاله ذكوري بحت. الحب والعلاقات، مثل أي نظام إنساني، تعتمد على توزيع الأدوار بشكل يحقق الانسجام العاطفي والنفسي. عندما تتحمل المرأة عبء كل شيء، فإنها لا تصبح فقط "الأقوى" في العلاقة، بل تصبح أيضًا الأكثر استنزافًا. تفقد القدرة على الشعور بالأمان العاطفي لأنها أصبحت المعيل، والمسؤول، والمتخذ للقرارات، بينما الطرف الآخر يصبح أقل مسؤولية، وأقل مشاركة. ان كانت المرأة تستمتع بهذا الدور والرجل يعطيها الحرية لذلك فهذه العلاقة حتما فيها اختلال كبير حتى ان كان ليس ظاهراً انصحك هنا في قراءة كتاب The Way of the Superiorللكاتب David Deida حينها فقط ستفهم مرادي حين قال “أولوية الجوهر الذكوري هي المهمة، الهدف، النفقة، المعولة، و الغرض في الحياة. أما أولوية الجوهر الأنثوي فهي تدفق الحب في العلاقة. إذا شعرت المرأة أن الجانب الأنثوي لديك أقوى من جانبها—إذا شعرت أن العلاقة أكثر أهمية بالنسبة لك مما هي بالنسبة لها—فستتجه بشكل طبيعي نحو تفعيل جانبها الذكوري. ستطلب مساحة، وستسعى للحرية لتحقيق أهدافها الخاصة، وستشعر بالاشمئزاز من تعلقك الزائد ”. العلاقة بين الرجل والمرأة قائمة في جوهرها على الفطرة السليمة، فحين يكون كل طرف مدركًا لطبيعته الأصلية، فإن العلاقة تُبنى على أسس متينة من التفاهم والاحترام والمودة. الفطرة السليمة تقتضي أن يُدرك كل طرف حقوقه وواجباته، وأن يعي الفروق الجوهرية بين طبيعة الرجل والمرأة، فلا يحاول أحدهما أن يكون نِدًّا للآخر، بل يُكمل كل منهما الآخر في إطار التوازن الذي وضعه الله. الرجل بفطرته الحقيقية هو الحامي والقوّام، والمرأة بطبيعتها هي اللطيفة الحنون التي تحتاج إلى هذا السند، وليس في هذا انتقاص، بل هو تكامل يحقق الاستقرار. حين خطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة رضي الله عنها، لم يطلب منه النبي ﷺ مالًا أو جاهًا، بل أوصاه بحُسن صحبتها، لأن أساس العلاقة الناجحة ليس في الماديات، بل في التعامل القائم على الرحمة والود. وعليٌّ رضي الله عنه فهم هذه الوصية، فأحسن صحبتها، لأنه رجل بفطرة سليمة يعرف ما عليه فعله، كما أن فاطمة رضي الله عنها كانت امرأة تدرك دورها في العلاقة. لكن في زماننا، تم العبث بالفطرة السليمة، فظهرت أفكار مسمومة جعلت الرجل يرى المرأة كخصم، والمرأة ترى الرجل كعدو، وبدلًا من التكامل، أصبح هناك صراع بين الطرفين. هذا الصراع لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة موجات فكرية متطرفة، سواء ذكورية أو نسوية، سعت إلى زرع الشك والعداء بين الجنسين، مما أدى إلى تفكك الروابط الأسرية وارتفاع معدلات الطلاق، بل وانحراف العلاقات إلى أشكال غير طبيعية. عندما يُحرم الإنسان من التوازن الفطري، فإنه يبحث عن بدائل مشوهة، فالرجل الذي لم يجد دفء العلاقة الطبيعية قد يلجأ إلى علاقات مؤقتة بلا التزام، والمرأة التي لم تجد رجلًا يحميها قد تختار أن تعتمد على نفسها حتى لو كان الثمن أن تتخلى عن طبيعتها الأنثوية. وفي ظل هذا التخبط، تنشأ تيارات فكرية تبرر الانحرافات وتدفع بالمجتمع نحو نماذج جديدة لا تمتّ للفطرة بأي صلة. الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الله خلق البشر أزواجًا ليكمل بعضهم بعضًا، وأي محاولة للعبث بهذه الحقيقة تؤدي إلى خلل اجتماعي وأخلاقي، وتهدد استقرار المجتمع ككل. فمن أراد علاقة ناجحة ومستقرة، فعليه أن يعود إلى الفطرة، إلى الفهم العميق لدوره، وإلى إدراك أن الرجل والمرأة ليسا خصمين، بل شريكين يكملان بعضهما في رحلة الحياة.
الان لنرجع لفكرة التعبير عن الحب. بالطبع بعض الرجال يمتلكون قدرة على التعبير عن الحب بطريقة مكثفة، سواء عبر الكلمات أو الأفعال أو حتى الاهتمام المفرط، مما قد يجعل المرأة تشعر إما بالأمان العاطفي أو بالضغط، تبعًا لتركيبتها النفسية وتوقعاتها من العلاقة. هنا قد نطرح سؤال اخر الا وهو لماذا قد لا تبادل المرأة نفس القدر من الاهتمام؟ جميعنا نعرف ان الطبيعي والشائع هو ان المرأة لديها قدر من الاهتمام والتعبير عن الحب اكثر بكثير من الرجال، الرجال يجيدون التعبير بالطبع ولكن النساء لديهم افضل الخواص الأنثوية والتي هي اساس الحب مثل الحنان والعطف والإهتمام والذكاء، ولذلك كثيراً ما نجد ان المرأة قادرة على تربية طفلها بشكل منفصل عن الرجل، ليس فقط بسبب الدور المجتمعي الذي اعتادت عليه، ولكن أيضًا لأنها تمتلك بالفطرة قدرة عاطفية استثنائية على الاحتواء والرعاية والتكيف مع احتياجات من تحب. النساء يلدن ويربين أطفالهن، ليس فقط كدور اجتماعي مفروض، ولكن لأنهن يمتلكن بالفطرة قدرة عاطفية واستثنائية على الاحتواء والرعاية. الحب بالنسبة للمرأة ليس مجرد شعور عابر، بل هو فعل مستمر من العطاء والاهتمام، حتى في أصعب الظروف. هذه القدرة على الحب والرعاية هي التي تجعلها قادرة على تربية طفلها بشكل منفصل عن الرجل إذا اضطرت لذلك، لأنها تمتلك مزيجًا من الحنان والقوة والذكاء العاطفي الذي يؤهلها للقيام بهذا الدور. ومع هذا قد لا تبادل المرأة نفس القدر من الاهتمام الذي تتلقاه من الرجل وذلك لعدة اسباب سنأخذها بالتدريج مع افتراض انها تحبه الى ان نصل لاخر مرحلة وهي عدم اعجابها به البتة.
احد الاسباب ان العديد من النساء المعاصرات لا تعرف معنى الحب في الاساس! لا تجيد الحب. بالطبع عزيزي ستقل لي هل يوجد احد لايعرف كيف يحب! نعم والكثير ايضاً. ذلك بسبب اختلاط الحب بالرعاية. الرعاية موجودة حتى في الحيوانات حين ترعى الام اطفالها. الرعاية احد درجات الحب ولكن ليس كل الحب فالحب له اكثر من اربعة عشر درجة في اللغة العربية، ذلك لأنه طيف واسع من المشاعر والتجارب العاطفية، يمتد عبر مراحل مختلفة، من الهوى إلى الغرام، وكل مرحلة تعبّر عن تجربة فريدة ومميزة: الهوى – البداية، مجرد ميل للنفس تجاه شخص معين. الصبوة – الغزل الطائش، الميل الشبابي غير الناضج. الشغف – الوصول إلى غلاف القلب، الشعور العميق الذي يلامس الداخل. الوجد – الحزن والتفكير المستمر في المحبوب، حيث يصبح جزءًا من الوعي اليومي. الكلف – التعلق الشديد رغم المشقة والتعب، حين يصبح الحب عبئًا لكنه مرغوب. العشق – فرط الحب، حين يتحول إلى شغف حارق لا يمكن السيطرة عليه. النجوى – الاحتراق الداخلي بسبب الحب، مشاعر عميقة تحمل في طياتها الألم. الشوق – التلهف المستمر إلى اللقاء بالمحبوب، والرغبة الدائمة في القرب منه. الوصب – الألم والمعاناة التي تأتي نتيجة الحب، حين يتحول إلى وجع داخلي. الاستكانة – الخضوع التام للحب لدرجة الذل، حين تصبح الإرادة مستسلمة للمحبوب. الود – اللطف وخالص الحب بلا معاناة، حيث يكون الحب نقيًا ومليئًا بالسكينة. الخلة – المحبة المطلقة التي لا تقبل الشريك، حين يصبح المحبوب جزءًا لا يتجزأ من الروح. الغرام – التعلق القهري الذي يستحيل الفكاك منه، حيث يصبح الحب مصيرًا لا مفر منه. اذا الرعاية ليس هي الحب كما هو متعارف عليه. بعض النساء ترى ان ان الحب ان تلفظ لك انها تحبك الف مرة في اليوم والبعض يرى ان الحب هو الجنس والبعض يرى ان الحب هو قضاء الوقت كثيرا مع بعضكما. كل هذا يخلق فرق في الاستجابة العاطفية: قد تكون المرأة أكثر تحفظًا في التعبير عن مشاعرها، وقد تكون لم تتلق حب حقيقي في تربيتها من والديها وهذا هو أحد الجذور العميقة للمشكلة. الكثير من النساء والرجال لا يعرفون الحب لأنهم لم يتلقوه في طفولتهم بشكل صحيح، بل تلقوا فقط الرعاية المادية والتربوية. في بعض العائلات، يُنظر إلى الحب على أنه شيء خاص أو خادش للحياء، لا يُمارس علنًا، وكأنه خطيئة يجب أن تبقى خلف الأبواب المغلقة. ينشأ الأطفال في بيئة يرون فيها والديهم يُؤديان دورهما كمسؤولين عن الأسرة—النفقة، التعليم، الرعاية الصحية، توفير الاحتياجات الأساسية—لكنهم لا يرون الود، الحنان، والاهتمام العاطفي المتبادل بين الأبوين. هذه التربية تخلق فجوة نفسية لدى الأطفال تجعلهم يكبرون دون فهم الحب كتجربة إنسانية كاملة. تخيل عائلة مكونة من أربعة أفراد: أب، أم، بنت، وولد. إذا لم يرَ الطفلان والديهما يتبادلان الحب—لم ير الأب يضم الأم بحب، أو يناديها باسم لطيف أمامهم، أو يبادلها كلمات الود—فسينشأ لديهما مفهوم ناقص عن الحب. سيفكران أن الحب مرتبط فقط بالزواج الرسمي، أو حتى بغرفة النوم، وليس بشيء يُعاش يوميًا في الأحاديث، في اللمسات العفوية، في الاهتمام المتبادل. في جميع الأديان، بما فيها الإسلام، هناك توجيهات واضحة للتعبير عن الحب علنًا، سواء بالكلمة أو بالفعل. كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُنادي السيدة عائشة بـ"عائش" وهو مصدر عَاشَ من العَيْشُ : معناهُ الحياةُ · العَيْشُ :ما تكونُ به طيب الحياةُ من المطعم والمَشْرَبِ ويقول أمام الناس "إني رزقت حبها"، وكان يُظهر لها المودة والاهتمام حتى أمام الآخرين. هذا دليل على أن الحب ليس عيبًا أو شيئًا يجب إخفاؤه، بل هو عنصر أساسي في بناء أسرة متماسكة نفسيًا وعاطفيًا. اذن ماهي نتيجة الحب مع هذه العائلة؟ ببساطة سنجد ان الولد يتعلم أن الرجولة تعني الصمت العاطفي، وأن الحب ضعف يجب إخفاؤه، في حين ان البنت تنشأ وهي لا تعرف كيف تتلقى الحب أو تعطيه، بل تتعامل مع العلاقات كوظيفة لا كعاطفة. تصبح النتيجة أشخاص يدخلون في علاقات عاطفية دون أن يفهموا كيف يُحبّون، فيتعاملون مع الحب كالتزام بارد أو كمجرد رعاية، لا كتجربة تنبض بالحياة والدفء والاحتواء. وهذه الفتاة او الولد افضل علاقة لهم ان يرتبطوا بأشخاص مثلهم من نفس طبيعتهم حينها فقط سيكملون هذه العلاقة، لانه ان لم يكن كذلك وارتبطت هذه الفتاة برجل لديه ذكاء عاطفي او يجيد الحب، حينها سيشعر بأنفه يفرض ذاته على شخص لا يؤمن به تماما. و أكبر خطأ قد ترتكبه بحق نفسك هو أن تفرض ذاتك على شخص لا يؤمن بك! أياً كان نوع العلاقة معرفة، صداقة، مودة، أو حب فإن إجبار نفسك على البقاء في حياة شخص لا يبادلك نفس التقدير هو انتقاص لقيمتك. أن تخطو عشر خطوات إضافية نحو من لا يبذل خطوة واحدة تجاهك هو انتقاص لقيمتك. أن تُكافح من أجل شخص لا يُكافح لأجلك، ولا يبدي أي استعداد للتقدم نحوك، هو انتقاص لقيمتك. أن تُغيّر ذاتك لتنال إعجاب شخص لا يفكر حتى في تقديم أي تنازل لأجلك هو انتقاص لقيمتك. أن تُجبر أحدًا على حبك بالقوة أو بالإلحاح هو انتقاص لقيمتك. قيمتك الحقيقية تكمن في أن تكون مقبولًا كما أنت، بلا تصنّع أو محاولات لإثبات ذاتك بالقوة. إما أن تُحَب كما أنت، أو تبحث عن قلب آخر يستحقك. لكن احذر من الوصول إلى مرحلة تفرض فيها نفسك على أحد، لأنك حينها ستفقد نفسك تمامًا، وربما لن تجدها مرة أخرى!
اذن فالاهتمام هو جل الحب كنتُ وما زلت أُؤمن أن إظهار الاهتمام هو إظهار للحُب لا حب بلا اهتمام أو بالأحرى لا تخبرني أنك تُحبني اهتمَّ بي وسأعرف وحدي أنك تحبني. ولذلك فإن الكره ليس عكس المحبة ابداً، بل اللامبالة وعدم الاهتمام عو عكس المحبة كما يقول صمويل بيكيت ”كما تعلّمت التعلّق لا بد أن تتعلّم التخلّي وكما تعلّمت الاهتمام لا بد أن تتقن اللامبالاة”. ولكن ماذا ان كان الطرفان لديهم ذكاء عاطفي جيد؟ يظهرون الاهتمام، يتشاركون الفرحة والحزن، قلوبهم مؤلفة، ارواحهم معلقة، لديهم توازن في الادوار كما قسمها الله من ادوار للذكر وادوار للانثى ؟ هنا نصل الى ذروة الحب، الحب الذي تكلم عنه كل الشعراء والأدباء والفلاسفة الا وهو حب الروح وهو أقوى وأشرس أنواع الحب وأندرها وأصعبها فـيأسر عقلك وقلبك وجسدك وتفاصيلك ويظهرها في إنسان آخر وهو فخ لـمن وقع فيه فلا خلاص منه و لا نهايه و لا إرتواء و لا شبع عنيف و ظالم لا مقاييس له و لا أسباب لا يعترف بالقوانين ولا يرضى بشريك اخر ولا يكتفي كالنار التي تأكل كل شيء وتقول هل من مزيد، وهذا الحب لا يوجد فيه عقل ولا منطق ولا يقتله هجر ولا قسوه ولا تضعفه مسافات عشق الروح من اقوى انواع العشق حيث لا لقاء ولا انتهاء ولا رحيل فلسفة معقدة وحالة فريدة يدركها الاثنان ، فيه لايغادر الحب القلب و لا يغادر الروح وهنا تكمن الصعوبه عاشق الروح ليس له مطمع حيث لا لقاء ولا إشباع، هوى الروح لا يهمه الجسد ولا الشكل طالما عشق الروح ويكفيه حتى ولو لم يكن هناك لقاء عاشقوا الروح. وهنا نقول ان الحب إن لم يجردك من كل ثقل ، فهو ثقل إضافي في حياتك لا يعول عليه ، عشق الروح يخبرك دائماً انك تشعر وكأنك في المنزل، شريك يذكرك بالبقاء قويًا. يقاتل من أجلك وليس ضدك. يحرص على أن يكون هناك من أجلك دون أن تطلب منهم ذلك. أولئك الذين يختارون التواصل وفهم مشاعرك بدلاً من مراوغة المشاكل. أولئك الذين يهتمون لأمرك بقدر ما تهتم. الأصدقاء الذين يجعلونك تشعر بأنك مفهوم. أولئك الذين يحفظون كلماتهم. أولئك الذين رآك في أسوأ حالاتك وبقى بجانبك في السراء والضراء، يعرف أفكارك ومخاوفك وعدم أمانك ولا يحكم عليك أبدًا بسببهم، شريك يؤمن بك. لا يجعلك تخاف من الالتزامات والتعلق بها.
هو ذاك الحب الذي قال عنه فاروق جويدة
لماذا أراكِ على كل شيءٍ كأنّكِ في الأرضِ كل البشر كأنّكِ دربٌ بغير انتهاءٍ وأنّي خُلِقتُ لهذا السّفر إذا كنتُ أهربُ منكِ إليكِ فقولي بربّكِ أينَ المفر” والذي قال عنه نزار قباني حين تقمس شخصية فتاة عاشقة تغازل حبيبها
أيظن أني لعبة بيديه؟
أنا لا أفكر في الرجوع إليه
اليوم عاد كأن شيئا لم يكن
وبراءة الأطفال في عينيه
ليقول لي : إني رفيقة دربه
وبأنني الحب الوحيد لديه
حمل الزهور إلي .. كيف أرده
وصباي مرسوم على شفتيه
ما عدت أذكر .. والحرائق في دمي
كيف التجأت أنا إلى زنديه
خبأت رأسي عنده .. وكأنني
طفل أعادوه إلى أبويه
حتى فساتيني التي أهملتها
فرحت به .. رقصت على قدميه
سامحته .. وسألت عن أخباره
وبكيت ساعات على كتفيه
وبدون أن أدري تركت له يدي
لتنام كالعصفور بين يديه ..
ونسيت حقدي كله في لحظة
من قال إني قد حقدت عليه؟
كم قلت إني غير عائدة له
ورجعت .. ما أحلى الرجوع إليه
هو ذاك الحب الذي قال عنه الوأواء الدمشقي
نَالَتْ عَلى يَدِها مَا لَمْ تَنَلْهُ يَدِي نَقْشاً عَلَى مِعْصَمٍ أَوْهَتْ بِهِ جَلَدِي
كأَنَّهُ طُرْقُ نَمْلٍ في أَنامِلِها أَوْ رَوْضَةٌ رَصَّعَتْها السُّحْبُ بِالْبَرَدِ
إِنْسِيَّةٌ لَوْ بَدَتْ لِلْشَّمْسِ ما طَلَعَتْ مِنْ بَعْدِ رُؤْيَتِها يَوْماً عَلى أَحَدِ
سَأَلْتُهَا الوَصْلَ قَالَتْ أَنْتَ تَعْرِفُنا مَنْ رَامَ مِنَّا وِصالاً مَاتَ بِالكَمَدِ
وَكَمْ قَتِيلٍ لَنَا في الحُبِّ مَاتَ جَوىً مِنَ الغَرامِ وَلَمْ يُبْدِئْ وَلَمْ يُعِدِ
قَالَتْ لِطَيْفِ خَيَالٍ زَارَني وَمَضى بِاللَهِ صِفْهُ وَلا تَنْقُصْ وَلا تَزِدِ
فَقَالَ أَبْصَرْتُهُ لَوْ مَاتَ مِنْ ظَمَأ وَقُلْتِ قِفْ عَنْ وُرُودِ المَاءِ لَمْ يَرِدِ
قَالَتْ صَدَقْتَ الوَفَا في الحُبِّ عَادَتُهُ يَا بَرْدَ ذاكَ الَّذي قَالَتْ عَلَى كَبِدِي
وَاسْتَرْجَعَتْ سَأَلَتْ عَنِّي فَقِيلَ لَهَا مَا فِيهِ مِنْ رَمَقٍ دَقَّتْ يَداً بِيَدِ
وَاللَهِ مَا حَزِنَتْ أُخْتٌ لِفَقْدِ أَخٍ حُزْني عَلَيْهِ وَلا أُمٌّ عَلَى وَلَدِ
فَأَسْرَعَتْ وَأَتَتْ تَجْرِي عَلَى عَجَلٍ فَعِنْدَ رُؤْيَتِها لَمْ أَسْتَطِعْ جَلَدِي
وَجَرَّعَتْنِي بِرِيقٍ مِنْ مَرَاشِفِها فَعَادَتِ الرُّوحُ بَعْدَ المَوْتِ فِي جَسَدِي
هُمْ يَحْسُدُوني عَلَى مَوْتِي فَوا أَسَفِي حَتَّى عَلَى المَوْتِ لا أَخْلوُ مِنَ الحَسَدِ






