سلامٌ مني لك ان تُطمّئن قلبك
قلبك لا يستحق العيش نصف ميت
أُعيذك ياعزيزي أن تكون ممن إذا حزنوا، انغلقوا على أنفسهم حتى ذبلوا، أُعيذك أن يتسلل الأسى إلى أعماقك، فتخزنه في داخلك حتى يتحوّل إلى بركانٍ من الانفعال، لا ينفجر، بل يسرّب حرارته على هيئة برودٍ، أو عبوسٍ، أو تغيرٍ لا مبرر له. أُعيذك أن تتّخذ من الكتمان درعًا، ومن الجفاء لغة، ومن الصمت وسيلةً لمعاقبة نفسك. أعيذك أن تُرهق نفسك في صمتٍ يُنهكك أكثر مما يُريحك، أن تعيش داخل حزنك وكأنك سجين اختيارك، أن تَغيب وأنت حاضر، وتختار العزلة وسط من حولك وكأنهم لا يرونك، لأنك لم تُفسح لهم بابًا لرؤيتك. لا تُخاصم الحياة بصمتك ياعزيزي، ولا تُعاقب نفسك بحبس كل ما يؤلمك بداخلك. فالحزن حين يُكبت طويلًا لا يختفي، بل يتحوّل إلى جمودٍ في الروح، إلى بُعدٍ عن ذاتك، إلى قسوة لا تلمس بها أحدًا، بل تُصيبك أنت أوّلًا، ومَن عَشِق الحزن، لم يفارقه. لا تُربك قلبك بالتوقعات، ولا تُحمّله ما لا طاقة له به من الظنون. لا تنتظر من الحياة أن تُكافئ سكوتك، ولا من الناس أن يقرأوا صمتك وكأنه رسالة مفهومة. كن واضحًا مع نفسك أولًا، فإن شعرت بوجعٍ لا تستطيع تحمّله، فقله. وإن لم تجد من يصغي، فاكتبه. وإن ضاق بك الحرف، فصلِّ، فإن الله يعلم ما تُخفي وما لا تُحسن التعبير عنه. فإذا ضاقت بك روحك، فلا تضِق معها، بل وسّع صدرك لنفسك، وتذكّر أن أثقل الأحزان ليست تلك التي نعيشها، بل التي نرفض الاعتراف بها. وإن أردت أن تُشفى، لا تنتظر من يفهمك دون كلام، بل كن أول من يصغي لما في داخلك، ويصدّقه، ويحتضنه بحنان لا يُحمّلك فوق طاقتك، ولا يلومك على ضعفك.
ولأنّي أدرك تمامًا ياعزيزي ما تفعله الكلمة في أعماق الروح، وما تتركه الحروف من أثر لا يُمحى، أكتب وأتحدّث وكأنّي أضع قلبي على الورق، لا جُمَلًا عابرة تُقال فتمضي. أعرف أن الكلمات، وإن بدت خفيفة على اللسان، قد تكون ثقيلة على قلبٍ هشّ، وأن نبرةً واحدة قد تُوقظ وجعًا قديمًا، أو تُشعل شعورًا بالخذلان يصعب إطفاؤه. لم أعد أستهين بشيء، لا بنظرة، ولا بعبارة، ولا بتعبيرٍ عابرٍ ظننته بسيطًا، فالناس يحملون بداخلهم هشاشةً لا تُرى، وقد يقفون على كلمة واحدة منك فقط، وخيباتٍ لا تُقال، وقلوبًا تعاني بصمت. صرت أعلم أن جملةً واحدة، ربما قيلت بعفوية، قد تُبقي أحدهم تحت سقف مظلم لا نهاية له، تمامًا كما قد تفتح أخرى نوافذ الربيع في صدره دون أن تدري. لهذا، أحاول أن أكون سلامًا لا صخبًا، أن أمرّ بخفّة لا تترك ندبة، أن أختار كلماتي وكأنها غرسٌ في حديقة الآخرين: إما أن تزهر، أو لا تُؤذي. لا أريد أن أكون ظلًّا يُثقل، ولا جرحًا يُضاف إلى جروح الحياة. أريد أن يكون مروري في حياة الناس أشبه بدعاءٍ طيّب، لا بندمٍ يتذكّرونه كلما ألمّت بهم الذاكرة. لأنّ الكلمة، يا صديقي، لا تُقال وتُنسى... بل تُقال وتبقى. إمّا أن تكون لك رصيدًا من الطمأنينة في قلوب الآخرين، أو تكون عليك شاهدًا لا يغيب. فاختر كلماتك كما تختار أثمن ما لديك، وازن صوتك كما تزن أثقل أمانيك، وتذكّر: أن من يجرح بالكلام، لا يشفى حين يُسامَح، وأن من يُداوي بالكلام، قد يكون الحياة لروحٍ كانت على وشك الإنتهاء.
أعلم تماماً ياعزيزي أتك ترى نفسك احيانا في ذلك المكان الذي لا ينتمي إلى فرحٍ ولا إلى حزن، حيث تتقلب بين الشعور و اللاشعور، كأنك روح تتوه بين عالمين دون أن تجد موطئ قدم. لست سعيدًا، ولا أنت محاط بالحزن، بل شيء ما غريب يثقل كاهلك، يلتبس عليك في معانيه ولا تجد له وصفًا. تشعر بأنك تملك الكثير، لكنها أشياء لا تُشبِع، تملك الناس من حولك، ومع ذلك يغلفك الشعور بالوحدة كما لو أنك في جزيرة معزولة عن الجميع. ترى ان وقتك فارغ لا شيئ يمليه ومع ذلك تشعر بأنك مشغول جداً، ترى الطريق أمامك، لكنه مغطى بضباب لا يمكنك اختراقه، لا تعرف كيف تخطو بثقة، ولا تريد أن تستسلم لليأس الذي قد ينطفئ معه كل ما تبقى من رغبة في المحاولة. قد يعتلّ القلب وتشتد علّته، ولا تشعر ياعزيزي بذلك، لا لأن المرض خفيّ فحسب، بل لأنك منشغل عن نفسك، غافل عن التأمل في حالك، لا تسأل عن أسباب الصحة ولا تبحث عن علاماتها. بل الأعجب من ذلك، أن القلب قد يموت موتًا معنويًا، ويظل الجسد حيًا يتحرك، فيما الروح قد خمدت، والبصيرة انطفأت، والضمير ما عاد يئنّ أو يحتج. وعلامة هذا الموت الخفي أن يمرّ الإنسان على القبيح فلا يتحرك له ضمير، ولا يستشعر ألم الخطيئة، ولا يأنف من الجهل، ولا يشتاق إلى النور. لا يتوجع من اعوجاج الفكر، ولا من اعتياد الباطل، ولا من خواء الروح. فإن القلب إذا كان حيًا، تأذّى من القبح، واهتزّ للحق، وتألم حين يغيب عنه طريق الصواب، حتى وإن لم يعرفه تمامًا، لكنه يشعر في أعماقه بأنه غريبٌ عن الباطل، حزينٌ لبُعده عن النور. أما إذا اعتاد الظلام، وارتضى الصمت في حضرة الباطل، وسكن إلى الجهل، فإن ذلك من أمارات موته، وإن بدا في ظاهره ساكنًا مطمئنًا. فالقلب الحيّ لا يطمئن إلى الخطأ، ولا يستقرّ في الجهالة، ولا يغفل عن التوبة كلما زلّ. بل يُجاهد نفسه كل يوم، يوقظها من غفلتها، ويُعاتبها حين تخون، ويبحث عن الحق ولو أرهقه البحث. فاحذر ياعزيزي أن تطمئن إلى قلب لا يشتكي، فقد يكون سكوته علامة خمود لا طمأنينة، وقد تكون راحته هي راحة الموت لا سلام الحياة. واسعَ أن تُبقي في قلبك ألمًا يُذكّرك أن لك روحًا تستحق النجاة، وأن فيك بقية من نور تستحق أن تُغذى، فالقلب الذي لا يتألم، لا يشفى.
يا عزيزي، أراك أحيانًا هكذ تكتب من بين الشظايا، كأنك تحاول لملمة فتات صوتك وسط ضجيجٍ لا يسمعه سواك. أراك حين تُصبح نُسخةً باهتةً من نفسك، تُشبهك في ملامح الوجه لكن لا شيء فيك يُشبهك في الداخل. تقف أمام المرآة طويلًا، لا لأنك تُعجب بما ترى، بل لأنك تحاول التعرّف على هذا الغريب الذي يرتديك. عيناك هما هما، لكن النبض خلفهما مختلف… خافت… منكسر. أراك، وقد تكاثرت فيك نُسخٌ لا تُشبهك إلا من بعيد، كأنك جدارٌ رطبٌ نَمَت عليه فطريات الوقت والخذلان، لا تصرخ، لا تتألم بصوتٍ مسموع، لكنها تنخر في داخلك، تأكل أطراف روحك في صمت. كل نسخة فيك تحمل شيئًا منك وتدّعي أنها أنت… واحدة ترتجف من كل جديد، لم تخض حربًا، ولم تغادر الخوف لكنها أنقى ما فيك.
وأخرى تراكم الكلمات في صدرك، لا تُقال ولا تُنسى، تُخزَّن كأثقال، كأنك تحفظها لشتاءٍ لن ينتهي. وثالثة تبكي من أول ارتباك، تتعهد ألا تعود للندم لكنها لا تكفّ عن النظر للخلف، كأنها تتأهب للقفز. ورابعة تمسك القلم كدرع، ترسم أحزانها بألوانٍ زاهية، وتخدع نفسها بأنها تَشفى، فيما الهشاشة تذوبها من الداخل كملحٍ في ماء دافئ. وأنت، في كل هذا، تصمت… لكن صمتك لا يُشبه السلام، بل يُشبه الضياع. لستَ ميّتًا، ولا حيًّا كما يجب… فقط تُحاول. تكتب لا لتقول شيئًا، بل لتتذكّر أنك ما زلت موجودًا. أراك يا عزيزي، كلما أردت أن تنكر ما أصبحت عليه، وكلما تمنّيت أن تعود لما كنت.
اعرف ياعزيزي انك تظن احياناً انك سُلبت من أحلامك، لا لأنك لم تكن أهلًا لها، بل لأن الحياة أحيانًا تأخذ دون إذن، وتكسر دون مبرر. تُنتزع الأحلام من بين يديك وأنت ما زلت تحتضنها بحرارة اليقين، تراها تتبدد كالبخار أمام عينيك، عاجزًا عن الإمساك بها، وكأنها لم تكن يومًا لك. غرست بذور حلمك في أرض قلبك، سقيتها بصدقك، راقبت نموها بخوف الأمل، فلما بدأت أغصانها تمتد نحو السماء، انكسرت، واجتُثت من جذورها، دون أن تمنحك فرصة أن تراها تُزهر. فكيف تُطفئ يا عزيزي لهيب اللوعة على أمانيّ سُحقت في قاع ظروف قاسية لا ترحم؟ كيف تصالح قلبك الذي كان يركض نحو النور، ثم وجد نفسه عالقًا في الظل؟ كم تألمتَ وأنت تراك تُزاح عن طريق أردته لك، وتُقصى عن مكان شعرتَ أنه لك، لكنّك بقيت ساكنًا، تقف على شرفة الحلم، تراقب الطيور تحلق في سماء طموحاتها، وصدرك يضيق، لا حقدًا، بل لأنك تفتقد جناحيك. يا عزيزي، أعلم أن عشقك للعلم لم يكن وهمًا، وأنك لم تبخل في السعي، لكن الطرق ليست دائمًا عادلة، وبعض الأقدار تُكتب على صفحة الدموع. اعلم أن الحزن على ما فات لا يُنقص من قيمتك، وأن حرمانك من شيء تمنّيته لا يعني أنك لا تستحقه، بل أن أوانه لم يأتِ بعد. فابقَ كما أنت: طيب القلب رغم الانكسار، نقيّ النية رغم الظلم، واسع الأمل رغم الضيق. وأخبر قلبك المتعب أن الطيران ليس حكرًا على من سبقوك… بل قد يكون نصيبك جناحين من نور، حين يُراد بك أن تحلق حقًا، لا لتُشاهد… بل لتُبهر.
اعلم أنّك يا عزيزي، تحاول… ولعلّ هذه المحاولة وحدها، رغم بساطتها في ظاهرها، هي أعظم ما تفعله الآن. "أحاول"… تلك الكلمة التي كثيرًا ما تُقال خجلًا، أراها فيك شجاعةً نقيّة، لأنّ من يُحاول لا زال على قيد الأمل، لا زال يطرق أبواب النور، حتى لو أُوصدت مرارًا. أعلم أنّك كل يوم تُقاوم ضبابك لتكون أكثر وضوحًا لنفسك، أنّك تُربّي في داخلك الصبر رغم التعب، وأنك تمضي قُدمًا ويقينك، رغم اهتزازه أحيانًا، يبقى أكبر من خوفك. لست الابن المثالي، ولا العبد الأكمل، ولا الشخص الذي يتقن كل شيء، لكنّك تحاول… تحاول أن تكون أفضل مما كنت عليه بالأمس، أن تُصلح ما انكسر فيك بصمت، أن تزرع وردًا في أرضٍ خذلتك. فيا عزيزي، لا تَستهن بمحاولاتك، لا تُقلل من قيمة نهوضك، حتى لو سقطت مئة مرة، فإنّ قلبًا يُصرّ على المحاولة، هو قلب لا يزال حيًّا. ولعلّ كل هذه المحاولات، في صمتها، في دموعها، في إخلاصها، تُصبح يومًا ما شفيعة لك، تسبقك إلى النور، وتفتح لك بابًا كنت تظنه قد أُغلق. امضِ، يا من تحاول، فإنك إن لم تصل بعد، فأنت على الطريق. وقد تكون نهاية النفق، ليست فقط في الوصول… بل في أن تجد نفسك فيه من جديد.
ما اريد قوله لك اليوم ياعزيزي، هونها على قلبك… ثمّة أشياء كُتبت لتكون، وستقع مهما حاولتَ أن تمنعها، ومهما اجتهدتَ في تجنّبها. وهناك أناسٌ، مهما منحتهم من حبك ووقتك وصدقك، سيرحلون، لا لأنك قصّرت، بل لأن ذلك كان مكتوبًا لهم ولك. قد تُغلق أبواب، وتُفلت فرصٌ كنت تظنّ أنها لك، ويأتيك البلاء فجأة، من حيث لا تتوقّع، دون سابق إنذار أو منطق. كلّ هذا جزء من طبيعة الدنيا، يا عزيزي. هي ناقصة بطبعها، متقلّبة في جوهرها، فلا تنتظر منها كمالًا ولا راحة دائمة. يقول الله تعالى: "ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ لِیَبۡلُوَكُم..." فالحياة دار ابتلاء، دار امتحان واختبار، لا مقام نعيم ولا استقرار. لن تذوق طعم السكينة إلا إذا تقبّلتَ هذه الحقيقة، ورضيتَ بأقدار الله، واستحضرتَ أنك هنا في مهمة، لا في رحلة ترفيه. ركّز في دورك، فيما خُلقت من أجله، وابنِ يومك بما تستطيع، لا بما فاتك أو استعصى عليك. فاطمئن… أنت لم تُهزم حين لم تنل ما أردت، بل رُبما نُجّيت. طمن قلبك، يا عزيزي… ما كتبه الله لك، ستحصله، لا تحتاج سوى السعي والثقة، واليقين. لا تُبالغ في اللوم، ولا تكثر من الأسى، فقط تمسّك بهذا: "احرِص على ما ينفعُك، واستعن بالله ولا تعجز." وما فاتك، قد يكون النجاة، وما حُرمته، قد يكون الستر. فالله لا يضيع سعيك، ولا يخذلك، فقط إذا وثقتَ به، كان لك كل ما تحتاج… في الوقت الذي تحتاج.






"ابقي في قلبك ألماً يُذكرك ان لك روح تستحق النجاة"
الله يا اشرف ، كم هو جميلٌ الالم عندما يُنظر له بهذا الشكل ، عندما يُصبحُ دافعك ويجعل رحلتَك تستحق ، عندما تستلذَ ببصيص الامل في كوم الالم ..
ووالله الدُنيا لو رضخت بكُل مافيها .. لن تُرضيك ولن تُغنيك ، الفقد والالم وتلك الصراعات نعمة واعادة لأحياء القلب والحياة .
خيرُ ما كتبت وانرت وغرستَ يا أشرف .. لقد ازهرت وكان مرورك كدُعاءٍ طيّب حقاً .. شكراً لك.
أبلغ وصفٍ قرأته ، كل مرحلة تم ذكرها شعرت بها عميقاً في روحي .. لم أكن أدرك انني اتحلى بتلك القوة🙏🏼.