الرغبة العارمة في تعلم كل شيء
قلوبنا أوسع من أعمارنا
يتولد ضغط هائل على الإنسان حينما يقرر أن يكون الأفضل، ليس فقط بين أقرانه أو في وطنه، بل ربما في العالم كله. هذا الضغط لا يخرج الإنسان من طبيعته فحسب، بل يمحو عنه القيم والمبادئ التي ترسخت فيه على مرّ السنين. تتلاشى أمام عينيه كل الفضائل وكل راحة نفسية، فيندفع لتحقيق المزيد من الإنجازات والأحلام، ويتبع طموحات ورغبات لا تنتهي. لكنه في لحظة وعي قصيرة يدرك حقيقة مؤلمة: أنه لن يشبع أبدًا من السعي وراء النجاح، ولن يجد راحة حقيقية في هذا السباق اللا متناهي. مع مرور الوقت، يبدأ في فهم أن هدفه الحقيقي لم يكن أن يكون الأفضل بين الجميع، بل أن يجد لنفسه هدوء البال، اتزان المزاج، وحياة بسيطة خالية من الضغط والقلق والهوس. في الحقيقة، لم يخلقنا الله سبحانه وتعالى لنكون في منافسة دائمة مع الآخرين، ولم يضعنا في سباق لا نهاية له. فالمفهوم الحقيقي للحياة لا يتناسب مع سباق مستمر ضد البشر حولنا، لأن هذا السباق لا يؤدي إلا إلى القلق والتوتر وفقدان السلام الداخلي. بل إنني أرى أن مفهوم المنافسة يليق فقط بميدان الدين، حيث يكون دافعها هو الارتقاء الروحي والتقرب إلى الله، لا التنافس على المكاسب الدنيوية أو التفوق الاجتماعي.
لا أجد ان من الطبيعي أن يتنافس الإنسان مع أخيه الإنسان كهدف في حد ذاته، بل ينبغي أن يكون أخوه محفزًا له على التقدم والتطور، دون أن يتحول ذلك إلى عداوة أو غيرة. وبالمناسبة، أكثر الذين يتبنّون هذا التفكير ، هم من ترجح كفتهم حقًا في ما يُسمى بالمنافسة. لأنهم لا يستنزفون طاقاتهم في مطاردة وهم التفوق على الآخرين، بل يركزون على تحسين أنفسهم وتطوير مهاراتهم بروح صافية ونية صادقة. ومع ذلك اظن ان المنافسة الحقيقية التي تليق بنا هي تلك التي تأتي في سبيل الله، كأن تتخيل مثلاً أنك في وقت متأخر من الليل، كالساعة الثانية فجراً، وتظن أن الجميع نيام، لكنك تذهب إلى المسجد النبوي فتجد المسجد يعج بالمصلين القائمين للصلاة والذكر وقراءة القرآن. في تلك اللحظة تتذكر قوله تعالى: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" (سورة المطففين، الآية 26).
ومن حكمة الله ورحمته بنا أن لا يحاسبنا بمقارنة أنفسنا بغيرنا في الأفعال الصالحة، وإلا لهلك الناس جميعًا تحت وطأة هذا الميزان الصارم. فلو كان الحساب قائمًا على مقياس تنافسنا مع الآخرين، لما وجد أحد منا راحة أو هدى، لأن كل واحد منا يختلف في ظروفه، قدراته، وتجربته الروحية وهدايته بالتأكيد، لا تظنن يا عزيزي أن تسبيحةً واحدة تنبع من ذاتك وحدك، بل والله إنها محض توفيقٍ وهداية من الله. فانظر كم من الناس يملأ وقت فراغه بكل شيء إلا الذكر، ولو أرادوا لكان بإمكانهم التسبيح كما تفعل، لكن القلوب لا تتحرك إلا بإذن من يهديها. ولا تظنن أن كل من يعيش في مكة أو المدينة يزور بيت الله الحرام أو المسجد النبوي كل يوم أو كل أسبوع؛ فما الوصول إلى تلك الأماكن الطاهرة إلا نعمة يرزقها الله لمن يشاء، لا مجرد مجاورة جغرافية. ولذلك فميزان الله ليس كميزان الناس، لا يُقاس فيه المرء بإنجاز غيره، بل بما حمله من صدقٍ في السعي، وبذله في طاعةٍ تهفو إليها روحه، حتى لو تعثرت خطواته، يحاسب لوحده فقط على عمله فقط، وليس عمله مقارنة بعمل غيره.
كان احد السلف الصالح يُدعى حماد بن سلمة، واشتهر بعلمه وبصلاحه حتى ان احدهم قال عنه ( لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموت غداً. ما قدر أن يزيد في العمل شيئاً.) هل تعرف ما معناه هذا يا عزيزي ؟ المعنى هنا أن كل لحظة من حياته كانت تُستغل في العبادة، حتى أنه لو عرف أن أجله غدًا، لما وجد في يومه فسحةً ليزيد شيئًا، لأنه قد بلغ الحد الأقصى من الجد والاجتهاد في كل يوم وكأن يومه هو الأخير. تخيّل، ولو للحظة، أن يُقارن عملك بعمل رجلٍ مثل حماد بن سلمة، ذلك العابد الذي لم يكن يملك متّسعًا ليزيد شيئًا على عبادته حتى لو علم أن غده هو يومه الأخير… أين نقف نحن من هذا المقام؟ هذاايضاً يجعلنا نتسائل عن مفهوم الوقت في الإسلام، وعن قيمته كأمانة لا تقل شأنًا عن المال أو الجسد أو العلم. ما مفهوم الزمن في الإسلام؟ لعلّ هذا بحد ذاته موضوعًا يستحق أن نُفرده بمقال آخر، نُبحر فيه في مفهوم الوقت كعبادة، وكميزان يُوزن فيه صدق السعي لا بطول الأعمار، بل بحجم ما حُشد فيها من عمل وإخلاص.
ولذلك يا عزيزي، الشخص الوحيد الذي يجب أن نتفوق عليه هو أنفسنا فقط. عليك أن تسبق نفسك دائماً، فاليوم يجب أن تكون أفضل من نفسك بالأمس، وغدًا أفضل من نفسك اليوم. لهذا السبب، أنصحك بشدة بتدوين مذكراتك، حتى وإن لم تكن بشكل يومي، بل في اللحظات المهمة فقط، عند الأزمات، في أوقات الضعف، الحزن، الإنجازات، والعثرات. فالمذكرات ليست مجرد كتابة، بل هي توثيق لنسخ متعددة من ذاتك، ربما لم تكن لتكتشفها لولا تدوينها. وبعد سنوات، عندما تنظر إلى ما كتبته، سترى أن الشخص الذي كنت عليه بالأمس ليس أنت اايوم، وأنك تطورت وأصبحت أفضل. ومن هنا تبدأ رحلة التحسين المستمر للنفس، يومًا بعد يوم، وسنة بعد سنة، وحتى نهاية العمر. أما التنافس مع الآخرين، فلن يجلب لك سوى الضغط النفسي، الحزن، والحسد. ومن الملاحظ أن الشر يبدأ بالتغلغل في نفس الإنسان حينما ينظر إلى نفسه على أنه أفضل من غيره، أو حينما يعتقد أنه يجب أن يكون كذلك. لذلك، لا تجعل مسيرتك حياة سباق مع الآخرين، بل رحلة مستمرة لتطوير ذاتك، والعيش بسلام داخلي ورضا.
ولعلّك حين تقرأ هذه الكلمات يا عزيزي، تستشعر ذلك الحنين الغريب الذي يراودني دومًا، ذاك الحنين الذي يفتح نافذة مشرعة على احتمالات التحسّن في شخصيتك، حنين إلى المعرفة المتنوعة، إلى تلك الرغبة العارمة في تعلّم كل لغةٍ نسمع بها، لا لننطق كلماتها فحسب، بل لنفهم ثقافتها وعلومها وشعبها، ونعيش من خلالها حيوات لم نُخلق لنحياها. تشعر أحيانًا أن فيك توقًا لقراءة كل كتاب، لتحليل كل كاتب، لفهم كل شخصية، وكأنك مدفوع برغبة أن ترى العالم بعدسات متعددة، متقاطعة، متنافرة أحيانًا، لكنها ضرورية لالتقاط الصورة الكبرى. تغريك الميثولوجيا، تستوقفك الأساطير، لا لأنها خرافات، بل لأنها مفاتيح لأعماق النفس البشرية التي خلثت من الاف السنين، لفهم كيف كنّا ومَن نحن الآن. ثم تنتقل إلى الفلسفة، بكل تعقيداتها وتشعّباتها، وكأنك تُمسك بخيوط العقل البشري عبر العصور، تحاول أن تفهم كيف فكّر الإنسان، وكيف تفاعل مع الموت والحياة، مع المعنى والعبث، مع الخير والشر. وتودّ لو أنّك تحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، لا حفظًا فقط، بل وعيًا وتفسيرًا وتدبّرًا، تعرف قصصه وسياق نزوله، وتُتقن أحكام تجويده كمن يقدّم وردًا يوميًا من الجمال الإلهي. تتوق لأن تنفتح على كل فن، تحاور كل فنان، تسبر أغوار االرسم، المسرح، الشعر، وكل ما ينتجه الخيال الإنساني من جمال. وتتوسّع رغبتك أكثر، إلى العلوم بشتى فروعها، من الذرّة المتناهية في الصغر إلى المجرة المتناهية في البعد، من تركيب الجين إلى هندسة الزمكان، وكأنك تريد أن تفك شيفرة الكون بأكمله، أن تمشي في أروقة الأكوان، أن تسأل ما وراء الفيزياء وما وراء الوجود.
لكن الحقيقة، وهي أشبه بناقوس زجاجي كما عبرت عنه احد الكاتبات المفضلة لدي> سيلفيا بلاث، أن أعمارنا لا تتسع لكل هذا. إننا نولد بقيود الزمن، بحدود الجسد والعقل، فلا نستطيع أن نعيش كل الحيوات، ولا أن نقرأ كل الكتب، ولا أن نتقن كل الفنون واللغات. وهذا الإدراك لا يجب أن يُحبطنا، بل أن يُلهمنا. لأن هذا العطش الكبير، ليس دعوة لأن نملك كل شيء، بل لأن نختار بوعي، أن نسير في دربٍ واحد أو اثنين بامتنان وتركيز، وأن نُصغي لهذا الشغف لا ليقودنا إلى التشتّت، بل ليعرّفنا على ذواتنا. فربما لا نحيط بالعالم كلّه، لكننا نستطيع أن نخلق فيه أثرًا صغيرًا، جميلًا، صادقًا، يشبهنا. وبالطبع كل هذا سيجعلنا افضل وسيحسن شخصياتنا مع الوقت. والحقيقة التي لا نكاد ندركها إلا بعد فوات الأوان، هي أننا لا نعرف شيئًا على وجه اليقين، وأن كل ما ظننا أننا نعرفه، لا يعدو كونه قشورًا، سطحًا هشًّا لما يجب أن نبلغه، وأن ما نملكه من معرفة لا يليق حتى بأن يُسمى بداية، بل هو أقل مما ينبغي، وأتفه مما يمكن أن يُعوَّل عليه. نكتشف فجأة، في لحظة صدق نادرة، أن الكتب أكثر من أن تُقرأ، وأن العمر أضيق من أن يتّسع لها، وأن كل خطوة نخطوها في طريق المعرفة، لا تقرّبنا من الحقيقة، بل تكشف لنا كم كنّا بعيدين عنها. والمفارقة الموجعة أن هذا الطريق الذي نظنّه طريقًا للتنوير، يكشف لنا شيئًا فشيئًا جهالتنا، ويُجبرنا على الاعتراف بأننا، كلما تعلّمنا، ازددنا وعيًا بما نجهله، وازددنا تواضعًا أمام هذا الكون الغامض، وأمام أعماق النفس التي لا تُحاط.




