لماذا يكره القطيع الشخص العقلاني؟
الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، لا يستطيع أن يعيش في عزلة تامة، فحياته الطبيعية تكون ضمن مجتمع يشاركه الهموم والأفراح، يقاسمهم الأرض والسماء، ويتكامل معهم في مختلف شؤون الحياة. ومع ذلك، هناك فارق جوهري بين الذكي والغبي في طريقة انتمائهما لهذا المجتمع. الذكي جزء مِن الجماعة، و الغبي جزء مِن القطيع. وهنالك فرق كبير بالطبع، الذكي جزء من الجماعة لأنه يختار الانتماء بوعي وإضافة قيمة، بينما الغبي جزء من القطيع لأنه يتبع التبعية العمياء دون تفكير. الذكي يُحسن اختيار ما ينتمي إليه، فيبني ارتباطاته على مبادئ وأفكار وقناعات نابعة من تفكير عميق وتأمل دقيق. هو لا يربط نفسه بأشخاص أو جماعات لمجرد وجودهم، بل يتبع ما يؤمن به، حتى لو كان مخالفًا للأغلبية. أما الغبي، فهو يتبع الجماعات بشكل عشوائي، ينتمي لهوى عابر أو موضة زائلة أو تيار فارغ، بغض النظر عن قيمته أو أثره. لا يتساءل عن صحة ما يتبناه، بل ينساق بلا تفكير و بلا وعي، يكفيه أن يمشي مع القطيع، يحركه حيثما تحرك، ويتوقف إذا توقف. على النقيض، الذكي يحتاج إلى شجاعة كبيرة ليبقى متمسكًا بمواقفه، خاصة عندما يجد نفسه وحيدًا في مواجهة جموع قد تسخر منه أو تحاول تهميشه. يتطلب منه الأمر ثباتًا وإصرارًا، لأن مواجهة القطيع ليست سهلة. وقد رأينا عبر التاريخ كيف كانت عظمة الأنبياء والمفكرين في قدرتهم على تحمل الوحدة وثباتهم أمام جموع أغفلت عقولها. لذلك، على الذكي او بمعنى اصح "العقلاني" أن يكون أكثر من مجرد صاحب فكر أو قناعة، عليه أن يكون شجاعًا بما يكفي ليقف بثبات ويواجه الخطأ دون تردد، ليقول للقطيع: “أنتم مخطئون”. ومهما بدت الوحدة مرهقة أو مقاومة الأغلبية مرعبة، فإن الحق لا يندثر، حتى لو قلّ أنصاره ووهنت قبضته. بالفطرة السليمة، الذكاء، والشجاعة، يستطيع الإنسان أن ينتصر للحق، حتى وإن سار فيه وحيدًا.
يشرح لنا الفيلسوف "شوبنهاور" السبب وراء كراهية القطيع للشخص العقلاني، حيث يقول: ما يثير كراهية القطيع تجاه الفرد ليس رأيه المختلف في حد ذاته، بل جرأته على التفكير المستقل وشجاعته في أن يكون مختلفًا. هذا التميز هو ما يعجز القطيع عن فهمه أو تقبله. يُظهر الفيلسوف الألماني "شوبنهاور" بوضوح أن كراهية القطيع للشخص العقلاني لا تنبع من مجرد اختلاف رأيه، بل من جرأته على التفكير باستقلالية ورفضه للذوبان في الجماعة. هذا ما يفسر عجز القطيع عن استيعاب من يخرج عن نمطه المألوف، لأن القطيع بطبيعته يتغذى على الوحدة الفكرية والخضوع الجماعي. هذه الفكرة تشبه فلسفة غوستاف لوبون في كتابه "سيكولوجية الجماهير"، حيث يوضح أن الفرد عندما يكون جزءًا من الجماعة يفقد وعيه المستقل ويذوب في “عقل الجماعة”، مما يجعله أقل قدرة على التفكير النقدي. الجماهير، بحسب لوبون، تُقاد بالعاطفة والإيحاء أكثر مما تُقاد بالعقل، لذا فإن أي شخص يجرؤ على التفكير بعقلانية أو تقديم رأي مغاير يُنظر إليه كتهديد للنسيج الجماعي، لأنه يذكّرهم، دون قصد، بضعفهم الفكري واعتمادهم الكامل على التبعية. إذن، لا يكره القطيع الشخص العقلاني لأنه يعارضه فقط، بل لأنه يعري أمامه الحقيقة المؤلمة: أن أغلبهم يختار الراحة في اتباع المسار المرسوم بدلًا من ان يكون الإنسان مستقلاً فكرياً. الفرد العقلاني يصبح بذلك رمزًا لما يفتقدونه، وهذا وحده كفيل بإثارة عداء القطيع تجاهه. على سبيل المثال، "سقراط"، الفيلسوف الذي شجّع على التفكير النقدي وطرح الأسئلة حول الأخلاق والحقيقة، واجه محاكمة انتهت بإعدامه. لم يكن سقراط مرفوضًا بسبب آرائه الفلسفية بحد ذاتها، بل لأنه دعا الناس إلى التشكيك في القيم السائدة وإلى استخدام عقولهم بدلًا من اتباع الأعراف بدون تفكير. القطيع الأثيني لم يتحمل تحديه للمعتقدات المشتركة، فقرر التخلص منه. ما فعله سقراط كان مواجهة مباشرة لـ”عقل الجماعة”، الذي يعتمد على التقليد والانصياع للعادات. القطيع رأى في سقراط تهديدًا لأنه جرؤ على تفكيك المنظومة الفكرية التي تمنحهم الراحة والاستقرار، وفضّلوا إسكاته على مجاراة تفكيره المستقل.
لنعد إلى "شوبنهاور" للحظة. يرى الفيلسوف أن السعادة الحقيقية تكمن في تهذيب الإرادة، تلك القوة الداخلية التي تدفع الإنسان نحو تحقيق رغباته. وفي نظره، عندما يستسلم الإنسان لهذه الرغبات دون تريث، يظل محاصرًا في دائرة من الإحباط والمعاناة المستمرة. من هنا، يدعو شوبنهاور إلى الانغماس في المعرفة والتأمل كوسيلة للتحرر من هذه الدائرة المؤلمة. هو يؤمن بأن العقل هو ما يجعل الإنسان متميزًا عن القطيع، حيث يقول: "كلما زادت معرفتنا، قلت شهواتنا، وكلما قللنا من شهواتنا، اقتربنا من السلام الداخلي." شوبنهاور يتبنى وجهة نظر تتعارض مع سيكولوجية الجماهير، تلك التي تتغذى على التقليد والامتثال للقطيع. ففي كتابه فن العيش الحكيم، يشير إلى أن التفاعل المفرط مع المجتمع يشد الإنسان نحو مشاكل لا حصر لها، بينما تمنح العزلة فرصة للتأمل والنمو الفكري. بينما يميل القطيع إلى اتباع المسار السهل المرسوم من قبل الآخرين، يصبح الشخص العقلاني في عزلة ليبحث عن السكون الداخلي والحكمة. بالنسبة لشوبنهاور، يظل العقل هو أثمن ما يمتلكه الإنسان، والعزلة هي البيئة المثلى التي تسمح بظهور العبقرية الفكرية. وفي هذا السياق، يمكن ربط أفكار شوبنهاور بمفهوم القطيع والفرد. القطيع، الذي يتحرك بشكل جماعي ويخضع للتيارات السائدة، يرفض كل ما هو مختلف. في حين أن الفرد العقلاني، الذي يسعى وراء التحرر من هذا الخضوع، يواجه دائمًا تحديات كبيرة؛ إذ يتطلب منه الأمر شجاعة ووعيًا مستمرًا. وبالمثل، يرى شوبنهاور في الفنون، إذ يقول: "في اللحظات التي نتأمل فيها الجمال، نصبح أحرارًا من إرادتنا، ولو لفترة قصيرة." فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية، يناقش شوبنهاور أهمية التعامل بحذر، ويشير إلى أن العديد من مشكلات الإنسان تنبع من الاعتماد الزائد على الآخرين أو من التوقعات غير الواقعية التي يفرضها القطيع. لذا، فهو يدعو إلى التوازن بين التعاطف مع الآخرين والحفاظ على استقلالية الذات، حتى لا يقع الفرد في فخ الانصياع لجماعة تخشى الاختلاف. من خلال هذه الرؤية، يرسم لنا شوبنهاور صورة للحياة المثالية التي يعيشها الحكيم: حياة مليئة بالتأمل، خالية من التعلق المفرط بالرغبات الزائلة، ومتوازنة بين العزلة والتفاعل الاجتماعي. هذه الحياة، التي تتسم بالسلام الداخلي، تُعتبر الغاية الكبرى، وتعكس فهمًا عميقًا للوجود الإنساني في مواجهة ضغوط الجماهير.
إذن وبناد على رؤية "شوبنهار" فإن الحكمة، في نظره، ليست مجرد تعلم دروس نظرية، بل هي رحلة مستمرة لاكتشاف الذات في مواجهة متطلبات القطيع. وفي النهاية، يتذكر شوبنهاور أن "من وجد نفسه، وجد كل شيء"، مؤكدًا أن الفرد الذي يتعرف على ذاته هو الذي يحقق السعادة الحقيقية، بعيدًا عن تبعية الجماهير. وهو ما يتوافق مع قول "شمس التبريزي" لكلِّ إنسانٍ ميزةٌ خاصّةٌ به شغفٌ خاصٌّ به، طريقٌ خاصٌّ به. الظُّلمُ هو أن تتركَ نفسكَ لتمشي مع الآخرين، لأنَّ ما يقوله ويفعله الآخرون غالبًا ما يكونُ انعكاسًا لذواتهم، وليس لك. لِتكُنْ بسلامٍ في كلِّ الأحوال؛ فقط كُن أنت.





