كأنك مرآته وكأنه ظلّك
أن يقودك قدرك إلى روح تشبهك
تخيّل أن يقودك قدرك إلى روح تشبهك، تليق بك كما تليق بك وحدتك حين تهرب من الضجيج، تراك ملاذًا بعد عمر من التّعب، كما يُزهِر الغيث نبتةً في أرضٍ أقفرت طويلاً. تخيل أن يكون لك من يحتملك في عثراتك كما يحبك في صعودك، من يقدّمك على العالم دون أن تطلب، يسمعك بقلبه لا بأذنيه، ويشتاق إليك في حضور الناس كأنه وحيدٌ بلاك. تخيل من تكون له الراحة بعد صراعات، والانتصار بعد خسارات، من يأتيك لا مزهواً بكمالٍ متوهَّم، بل بصدق العيب وواقعية النقص، لا يجمّلك أمام الناس فقط، بل يصونك حين تغيب. يُتقن الصمت حين تفيض، ويتكئ على صبره حين تثور، لا ينسى ما كان، ولا يُنكر فضلًا، ولا يرهقك بتفسير الشعور، يعرفك، فيفهم سكوتك كما يفهم كلماتك. صحبته عذبة، وهجره لا يكسر، وخصامه لا يُهين، ترى فيه متّسع العالم حين تضيق الدنيا من حولك، وتطمئن كأنك عدت إلى نفسك بعد غربة.
تخيل أن يأتيك وفي قلبه دعاء قديم كان يرفعه إلى السماء دون أن يعرف ملامحك، أن يكون لقاءكما وعدًا مؤجلًا تحقق حين نضجت القلوب، وتصالحت الأرواح مع ماضيها، فصار الحضور هبة بعد صبرٍ طويل. أن لا يخذلك حين يتغير مزاجك، ولا يلومك على ارتباكك، يحتضن اختلافك كما يحتضن اتفاقك، يراك نعمة لا عبئًا، وفرحًا لا مهمة، ويدرك أن الحب ليس عطاءً في الرخاء فقط، بل سندًا في التعب، وملاذًا حين يخفت النور. يُحبك حين تتوهج، ويحبك أكثر حين تنطفئ. لا يبتعد عند أول عاصفة، بل يكون المأوى، والظل، والسند الذي لا يسقط. أن يكون في وجوده دعاء مُجاب، وفي صوته سكون، وفي حضوره يقين بأن بعض اللقاءات لا يصنعها الترتيب، بل ينسجها القدر بحكمةٍ لا نُدركها إلا حين نلتقي.
تخيل أن يكون وجوده في حياتك لا يُشبه أحدًا، حضوره لا يُقارن، لا يعلو صوته على حزنك، ولا يغيب حين تُريد من يُمسك بيدك في العتمة. يُدرك متى تصمت، فيصمت معك، ومتى تنهار، فيكون هو السند قبل أن تطلب. أن يقرأ تقلباتك كأنها كتابٌ ألفه قلبه، لا يفزع من وجعك، بل يقترب، ولا يهرب من دموعك، بل يراها شرفًا لمنحه قربك في لحظة ضعف. أن لا يكون محكمة تُحاسبك، بل حضنًا يتسع لك حين يضيق بك العالم، عينًا ترى فيك ما عجزت أنت عن رؤيته في نفسك، وصوتًا يقول: "أنا هنا"، دون أن تنطق. تخيل أن يمنحك الشعور بأنك مرئيّ، مفهوم دون شرح، أن وجودك يكفي، لا تحتاج أن تثبت شيئًا، ولا أن تتجمّل لتُقبل، لأنك فيه تُعاش كما أنت، لا كما يتوقع الناس. أن يحفظ تفاصيلك الصغيرة كأنها أدعية، أن يعرف صوتك حين تُخفي ألمك، ويبتسم لصمتك لأن فيه من الطمأنينة أكثر مما في الكلمات. أن يُشبه الوطن حين تغترب عن نفسك، والملجأ حين تتعب من الدوران حول الآخرين، أن لا يملّ من تكرارك، بل يجد في كل مرة فيك جديدًا يستحق الاكتشاف. تخيل أن يكون الحبيب الذي لا يخذل، والصديق الذي لا يرحل، والمأوى الذي لا يغلق بابه، من يحبك في غيابك كما يحبك في حضورك، ويشتاق إليك دون أن تُضطر للتذكير. أن تشعر معه أن العالم أبطأ قليلًا، أهدأ كثيرًا، وأن الحياة إذ تضمكما معًا، تصير ألين، وأقرب للفهم. أن يكون الوجود معه شكلًا من أشكال الشفاء، ونوعًا خاصًا من السلام. أن يكون الشخص الذي يُربّي الحب داخلك لا خوفًا عليك، بل حبًا لك، من يُعالج بك آلامه لا بأن يُسقطها عليك، ويُعينك على نفسك لا أن يستثمر ضعفها ليؤذيك. أن يمسك بك في منتصف الانهيار، ويحبك في عزّ تقلبك، ويصدقك حين لا تُجيد التعبير، ويعرف أنك لست مثاليًا، لكنك الأصدق، والأقرب، والأهمّ. تخيل أن تشعر للمرة الأولى أنك لست مضطرًا للهرب، ولا لإخفاء ذاتك، أن تكون مرآة يرى فيها انعكاسه، وتكون له مرآة يرى فيها وجهًا لم يعرفه في نفسه من قبل، وجهًا كان ينتظر الحب كي يزهر. أن يشبهك لا في الملامح، بل في العمق، أن يحمل داخله امتدادًا لروحك، كأنك تراه وتقول: "هذا أنا، لو لم أجرح، لو لم أنكسر، لو كنت كما تمنّيت أن أكون.
ولنا في الخيال حياة دائمة.




