يا ربّ إن عظمتْ ذنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأن عفوك أعظم، إن كان لا يرجوك إلا محسن، فبمن يلوذ ويستجير المجرم
الدين المعاملة
العبادات جزء من الدين، بل لنقل إنها أحد أركانه، لكنها ليست الدين كله كما يظن البعض. كم من الناس يظن أن الإسلام يُختصر في الصلاة فقط، فإذا صلى، شعر بكمال تدينه، وربما نظر إلى نفسه بعين الرضا. لكن الحقيقة التي لا يدركها إلا من تعمّق في فهم هذا الدين، أن العبادات هي طريقٌ، وسيلةٌ، بوابة تؤدي إلى غاية أسمى: أن تصبح إنسانًا حقيقيًا. الكثير يمارسون الصلاة، ويصومون، ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، لكن القليل يتفكرون في أثر هذه الطقوس عليهم، في قلوبهم، وسلوكهم، وضمائرهم. والقليل أيضًا يدرك أن هذا العالم لا يقتصر على الإسلام وحده، بل يحتوي على أديان كثيرة، سماوية وغير سماوية، بعضها يتبع شخصية عظّمتها أجيال، حتى تحولت مع الزمن إلى معبود، تُقام له الصلوات ويُبذل له الولاء. كل ديانة لها طقوسها، ولها صلاتها، ولها طريقتها في التعبد.
دعني اسألك يا عزيزي السؤال الأهم على الإطلاق، ما فائدة طقوسك الدينية التي تُمارسها إن لم تجعل منك إنسانًا؟
أتذكر جيدًا تلك الليلة من رمضان الماضي، حين كنت في المسجد النبوي أصلي صلاة القيام برفقة صديقي و ووقفت انا و صديقي لوهلة ثم نظرنا للناس وهم في مشهد مهيب، صفوف من الناس مصطفّين في سكون مهيب، كأنهم بنيان مرصوص، قلوبهم معلّقة بكلام الله، وجوارحهم خاشعة متأملة. التفتُّ إلى صديقي وهمست له: "انظر، ما أروع هذا المشهد! ما أبهى هذا الصمت المُفعم بالرجاء! من بين هؤلاء من سيكون من أهل الجنة، ومنهم – ربما – من يُبتلى في الآخرة، وقد يصل به الأمر إلى الدرك الأسفل من النار. لكن رحمة الله واسعة، ولو شاء لغفر لنا ولهم جميعًا. إننا جميعًا نرجو عفوه، ونأمل أن نكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب سابق." ثم أضفت: "انظر إليهم، يا صديقي، ما أجملهم وهم في هذا السكون المهيب، لا حديث، لا حركة، فقط وقوف بين يدي الله، كأن الزمن قد توقّف، كأنهم ينتظرون آية واحدة تطرق قلوبهم فتفتح لهم باب الهداية." لكن ما إن تنقضي الصلاة، حتى تظهر المفارقة المؤلمة. ترى الوجوه نفسها وقد تبدلت، وتلمح السلوك وقد عاد إلى صورته الأولى. ترى من يعود لعقوق والديه، ومن يتجاهل صلة رحمه، ومن يظلم إخوته في الميراث، ومن يخرج ليزيد الظلم في الأرض، أو يفتعل النزاعات فقط ليثبت سطوته. ترى من يرمي القاذورات في المسجد ذاته الذي صلى فيه، وكأن لحظة السكون لم تكن. ترى من يمارس القسوة، والغش، والكبر، ويُصرّ على أذى الناس ببرود، دون أن يرف له ضمير.
دعنا، يا عزيزي، نعود إلى السؤال الجوهري الذي طرحناه سابقًا: ما جدوى طقوسك الدينية إن لم تصنع منك إنسانًا حقيقيًا؟ ما القيمة الحقيقية لكل ما تمارسه من شعائر إن لم تُثمر في قلبك خلقًا، وفي سلوكك رحمة، وفي ضميرك حياة؟ دعني أضيف سؤالًا آخر قد يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، بل قد تراه ساذجًا، لكنه يحمل في طياته عمقًا فلسفيًا حقيقيًا: ما الفرق بيننا نحن البشر، وبين الحيوانات؟ قد تبتسم وتظن أن الإجابة بديهية، أو أن السؤال لا يستحق التوقف عنده، لكن اسمح لي أن أشاركك إجابة مختلفة، ربما تحمل المعنى الذي أريد أن أوصله لك. مؤخرًا قرأت كتابًا ترك أثرًا عميقًا في نفسي، كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" لعلي عزت بيغوفيتش، الرجل الذي لم يكن مجرد كاتب، بل فيلسوفًا إسلاميًا، ومفكرًا عميق الرؤية، وناشطًا سياسيًا قاد شعبه نحو الاستقلال، وأصبح أول رئيس لجمهورية البوسنة والهرسك بعد انتهاء حربها المدمرة. هذا الرجل، الذي عاش التمزق بين الشرق والغرب بكل ما فيه من تناقضات، طرح في كتابه أفكارًا تجاوزت الزمان والمكان، وكان أحد أبرز ما ناقشه هو تلك الفجوة بين الإنسان والكائنات الأخرى. الماديون، وهم فئة من المفكرين والفلاسفة الذين يتبنون وجهة نظر مادية في تفسير الكون والحياة، يرون أن الإنسان لا يختلف عن الحيوان في جوهره، بل يكمن الفرق بينهما في الدرجة فقط وليس في النوع. أي أن الإنسان في نظرهم ليس كائنًا متميزًا بأبعاد روحية أو عقلية تختلف عن الكائنات الأخرى. بل إنهم يعتقدون أن الإنسان في جوهره ما هو إلا «آلة متقنة»، أو كما قال الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت "L'homme Machine" (الإنسان الآلة). وفقًا لهذه النظرة، لا يوجد جوهر إنساني خاص أو غير مادي يجعل الإنسان فريدًا، بل يُختصر الإنسان في كونه كائنًا بيولوجيًا، مرتبطًا بالظروف الاجتماعية والتاريخية المحيطة به. ولكن احدى الفروقات البارزة التي وضحها الكاتب بين الإنسان والحيوان إن الانسان فوق كل شيء أمر روحي يكشف عن نفسه في وجود ضمير ديني أو أخلاقي أو فني.
وبذلك نُسلِّم أن الضمير الديني، الذي بطبيعته يُقوّم أخلاق الفرد، ويصونها، ويهذّبها، هو ما يُميّز الإنسان بحق، لا مجرد عقله أو علمه. فالدين، في جوهره، ليس منظومة طقوسية فقط، بل هو مشروع إصلاحي عميق يُعنى ببناء الإنسان من الداخل، في كافة مناحي حياته: في تعامله مع نفسه، مع الناس، مع الكون، ومع خالقه. إن الدين، حين يُفهم كما ينبغي، يغرس في النفس بذور الأخلاق، ويسقيها بالتقوى، ويعلّم الإنسان أن الأخلاق لا تنتهي بانتهاء ركعة، ولا تُعلّق على باب المسجد بعد صلاة، بل تمتد وتستمر لتشمل كل تفصيل من تفاصيل حياته اليومية. الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر و هذا حق، لكن أي صلاة؟ إنها صلاة القلب السليم، القلب الذي يعرف قدره أمام الله، قلب يبدأ علمه بمعرفة نقصه، ويبدأ إصلاحه بالاعتراف بعيوبه، قلب يخجل من تقصيره فيُقبل على الله وهو يتوق للإصلاح، لا فقط للثواب. فليست الصلاة رياضةً نمارسها ولا عادةً نؤديها، بل هي علاقة حيّة، نُقيمها كما تُقام العلاقات الصادقة: بمحبة، وخوف، ورجاء. إن الصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر ليست باطلة بالضرورة، لكنها غير مقامة كما يجب، لم تُؤت ثمارها، لأن القلب لم يكن فيها حاضرًا. لذلك، يقول الله: "أقم الصلاة"، ولم يقل فقط "صلِّ". الفرق كبير، فالإقامة تعني البناء، والثبات، والتأسيس على نية خالصة ووعي حيّ. فإذا لم تقم الصلاة على هذا الأساس، فلن تُثمر تقوى، ولن تُثمر خلقًا، وستغدو عادةً بدل أن تكون عبادة.
قِس على ذلك سائر العبادات، فكلها وُجدت لتُهذّب النفس وتُحيي القلب وتُنمّي الضمير، لا لتكون أفعالًا مكرورة خالية من الروح. على سبيل المثال قراءة القرآن، هذا الكتاب الذي أنزله الله ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليُتلى فقط بلسان لا يعي، أو يُزيَّن في المحاريب بينما يُهجر في الحياة. إن لم تصنع منك قراءة القرآن إنسانًا مُفكرًا، متدبرًا، نقيًّا في فكره وقلبه، فإنك تردد حروفًا لا تحمل معناها، وتسمع آيات لا تصل إلى قلبك. لأن المقصود من التلاوة أن تتلوها كما أنزلت: بخشوع، وتفكر، وحرص على الامتثال، لا مجرد تجويد صوتي يُرضي الأذن دون أن يُحرّك القلب. ومثل ذلك الصدقة، فإن لم تكن سبيلًا لشفاء أنانيتك، وتنمية تعاطفك مع من حولك، فأنت لم تتصدّق بحق. لأن الصدقة الحقيقية لا تخرج فقط من الجيب، بل من القلب قبل المال. إن لم تشعر لحظة إعطائك بأنك أخٌ لمن يحتاج، وأن حاجته لا تنتقص منه بل ترفعك، وأنك تُعطي حبًا للخير، لا طلبًا للثناء أو السمعة، فقد ضيّعت روح الصدقة. أما إن دفعت مالك ليُقال عنك كريم، أو لتُصوّر أمام الكاميرا، فأنت ما تصدّقت، بل اشتريت مجدًا زائفًا. وخذ كذلك الصيام، هذه العبادة التي تتعلّق بباطن النفس أكثر من ظاهرها، فالصوم ليس عن الطعام والشراب فحسب، بل هو صوم عن الأذى، عن الكلمة الجارحة، عن النظرة الحرام، عن الغيبة والنميمة، عن كل ما يُسقطك في درك الحيوانية بينما أنت تصوم لترتقي بإنسانيتك. إن لم تشعر في صومك بجوع الجائع، وذلّ الفقير، وعظمة نِعَم الله التي اعتدتَها، فإنك لم تصم حقًا، بل اتبعت نظامًا غذائيًا بلا معنى. لأن الله لا يريد منك أن تجوع فقط، بل أن تحسّ، أن تتأدب، أن تنضج روحك بالصبر، ويتسع صدرك بالتقوى.
الإسلام بجميع جوانبه هو دين ذو مقاصد، مقاصده لا تنحصر فقط في مظاهر و طقوس، فلا يمكن أن يكون الله سبحانه و تعالى قد قصد ببعث الأنبياء و المرسلين لمجرد طقوس و مظاهر، القضية أعمق بكثير مِن ذلك، الإسلام الحق إذا تبعته ستدرك أن الإنسان عليه أن يكون إنسانًا بحق، العبادات تدفعه لذلك و تساعده فقط، العبادات تريه الطريق نحو الأخلاق الطيبة و السلوك الراقي، هذه العبادات مجرد وسيلة للإرتقاء، لكن الكثير مِن الناس جعلوا مِنها غاية.
تذكر عزيزي القول الشائع بأن ان الدين هو المعاملة، وتأمل في الحديث الشريف: "يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير"—وما الطير إلا مخلوق ضعيف، رقيق الفؤاد، لا يحمل أذى ولا حقدًا. الجنة، إذًا، ليست لأقوى العبادات أو أطول السجود فحسب، بل لأصحاب القلوب النقية، للذين رقّت قلوبهم حتى صارت لا تحتمل الظلم، ولا تقسو على أحد، ولا تتكبر على الخلق. إن اللين، والرحمة، وصفاء النية، وخلو القلب من الغلّ، هذه هي تذاكر العبور الحقيقية. فالعبادة التي لا تُهذّب الطبع، ولا تلين القلب، ولا تُثمر خلقًا، عبادة ناقصة، تحتاج مراجعة. فالدين – حين يُفهم كما ينبغي – يصوغ من الإنسان مرآةً لأخلاق السماء، ويجعله محبوبًا في الأرض، لأنه يعيش بروح الله في خلقه، لا يظلم، لا يبطش، لا يخدع، بل يرفق ويحب ويحنو. تلك هي القلوب التي تدخل الجنة، لا لأنها كثُرَت عباداتها، ولكن لأنها كَمُلت إنسانيتها.
وتذكّر أيضًا، يا عزيزي، أن لكلٍّ منا عثراته وزلاته، ولا تجعل من ارتكاب الخطأ ان ينفي عنك صفة الطيبة، ولا يسلبك رقة القلب، ولا يسقط عنك حسن الخُلق. فنحن بشر، خلقنا الله قابلين للخطأ والتقصير، لا معصومين، لكن ما يميّز الطيبين من الناس هو أنهم إذا أخطأوا، رجعوا اليه وإذا زلّت أقدامهم، أسرعوا إلى التوبة، وإذا جاروا، استعاذوا من ظلم أنفسهم قبل ظلم غيرهم. القلب الرقيق ليس قلبًا بلا عيوب، بل هو القلب الذي يتألم من العيوب، ويتأمل في سُبل إصلاحها. لا تجعل من خطاياك سجنًا يمنعك من رؤية نفسك على حقيقتها. فقد تكون من أحنّ الناس قلبًا، ومن أصدقهم شعورًا، لكنك تُخطئ أحيانًا، تُسيء، تُقصر، كما يفعل الجميع. انظر كيف قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}، فمحبة الله هنا لم تكن لمن لا يُخطئ، بل لمن يرجع. لذلك رقة القلب ليست امتيازًا محفوظًا للأتقياء الكاملين، بل قد تراها في بسطاء الناس، في من يمسح دمعة يتيم، أو يعين ضعيفًا، أو يرفق بحيوان، أو يبتسم لمهموم. وما أكثر من يحمل في قلبه كنوزًا من النبل رغم أنه لا يُحسن التعبير عن تدينه، أو لا يُواظب على الطاعات كما ينبغي. فالدين ليس بطاقة دخول لكبار العُبّاد فقط، بل دعوة مفتوحة لكل من في قلبه ذرة حياء من الله، أو مسحة من خير تجاه الناس. أليس أجمل ما في هذا الدين أنه لا ييأس من الإنسان مهما كثرت سقطاته؟ ألا ترى أن باب الرحمة في الإسلام أوسع من أن يُغلق في وجه من يخطئ ثم يندم؟ الجمال الحقيقي أن تبقى في قلبك رقّة، مهما قسَت الدنيا عليك، ومهما عصفت بك ذنوبك. فالله ينظر إلى القلوب ايضاً.
نصيحتي اليوم لك يا عزيزي إذا وقعت في ذنبٍ، فلا تجعل من هذا الذنب حاجزًا يمنعك من الطاعة. الكثير يظنون أن ارتكاب المعصية يسقط عنهم أهلية الوقوف بين يدي الله، فيتوقفون عن الصلاة، ويهجرون القرآن، وكأن الطاعة لا تليق إلا بالنقاة الطاهرين. اذكرك وأذكر نفسي بورقة أبو نواس عند موته وكان متوباً فيها : يا ربّ إن عظمتْ ذنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأن عفوك أعظم، إن كان لا يرجوك إلا محسن، فبمن يلوذ ويستجير المجرم، أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم، مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجـا وجميل عفوك ثم إني مسلم. وأذكرك ايضاً ان من البشر من ينام على معصية، ثم ينهض في اليوم التالي وينفض فراشه بنية جديدة. يتقلّب بين سماع الأغاني وسماع القرآن، بين تقصيرٍ في الفريضة واجتهادٍ في نافلة. لا يدّعي الكمال، بل يعرف نفسه ويعلم من عيوبها ما لو عرفه الناس ما صافحوه. لكنه مع ذلك، لا يقطع حبله مع الله. يصرّ على أن يُبقي بينه وبين ربه بابًا مواربًا، ولو لم يدخل منه بعد. يريد أن يبقى قريبًا، رغم بعده، يريد أن يكون على مقربة، ولو بقلبٍ مثقل. ذلك الإنسان المتذبذب، الذي يحاول ولا يفلح، ثم يعود ويحاول من جديد، لعلّه عند الله أقرب ممن ظن أنه نقيٌ لكنه متكبر، أو مستقيمٌ لكنه لا يرى غيره. لعلّ الله أحبّ إليه ذلك القلب المتعب الذي لا يتوقف عن العودة، عن الاعتذار، عن الأمل، أكثر من نفسٍ جامدةٍ تظن أن التدين هو أداء بلا روح، وصلاة بلا خشية، ومظاهر بلا معنى. إن هذا التعلق بالله، رغم التناقضات والسقطات، عبادة خفيّة لا يراها الناس، لكنها عند الله عظيمة. هي صدق المحاولة في وجه الفشل، وصدق النيّة في حضرة الخطأ، وعمق الرجاء في ظلّ اليأس من النفس. هذا ما يجعل من الإنسان إنسانًا: أن لا ينسى الله، حتى حين ينسى نفسه.
قال الإمام الشافعي – رحمه الله – أبياتًا خالدة لا أنساها ما حييت، وقد قالها تواضعًا منه، وصدقًا لحقيقة يعرفها كل من عرف طريق الصلاح عن قرب: أن الصالح لا يزكّي نفسه، ولا يدّعي أنه صالح. بل كلما ازداد قربًا من الله، ازداد شعورًا بتقصيره، وكلما تطهّر قلبه، ازداد وعيًا بذنوبه. قال الإمام الشافعي: أحب الصالحين ولست منهم وأرجو أن أنال بهم شفاعة، وأكره من تجارته المعاصي وإن كنا سواء في البضاعة، فرد عليه الإمام أحمد بن حنبل: تحب الصالحين وأنت منهم رفيق القوم يلحق بالجماعة، وتكره من بضاعته المعاصي حماك الله من تلك البضاعة. وهذا المعنى نفسه نجده عند الإمام الغزالي، حين أثنى عليه أحد طلابه وامتدح صلاحه وتقواه. فما كان من الغزالي إلا أن غادر البلدة كلها، لا فرحًا بالثناء، بل هروبًا منه، خشية أن يتسلل إلى قلبه شيء من العُجب أو الغرور، فيقع في وهم الكمال، ويضعف إخلاصه، أو يُقَصّر في حق نفسه وربه. لقد كان يخاف من مدح الناس أكثر مما يخاف من ذمّهم، لأن الأول قد يُضِلّ النفس، ويجعلها تغتر بظاهر العمل، فتنسى حقيقة النقص الذي يسكنها.
لذلك يا عزيزي، ما أقدّمه لك من نصح إنما أبدأ به نفسي قبل أن أوجّهه إليك. فلا تغترّ بكثرة ما نكتبه من مواعظ أو ما نُسطره من كلمات، فهي أولًا وأخيرًا تذكرة لأنفسنا قبل أن تكون موعظةً لغيرنا. نحن من أوّل المقصّرين، نرجو الله أن يغفر لنا ولكم، وأن يتقبّلنا جميعًا بقبولٍ حسن، إنه أرحم الراحمين. نعم، نحن أوّل من يعلم أنّ الكلام وحده لا يصنع إنسانًا صالحًا، وأنّ أقلامنا مهما بلغت من البلاغة لا تزن شيئًا إن لم يكن ما نكتبه مصحوبًا بسلوكٍ يُصدّقه، وخلقٍ يثبّته، ونيةٍ خالصة لا نبتغي بها إلا وجه الله. نحن نكتب لنذكّر أنفسنا قبل أن نُذكّر غيرنا، لأن النفس بطبعها تنسى، وتميل، وتضعف، وتحتاج دومًا إلى من يوقظها، حتى لو كان ذلك الإيقاظ من داخلها. فكل كلمة نكتبها عن التوبة والنية والصدق والخشية، هي صرخة في وجه أنفسنا أولًا، دعوة لنعيد ترتيب الداخل قبل أن نحسن ترتيب الظاهر. اريدك يا عزيزي دائماً ان تتذكر و تأمل قول الله تعالى في سورة التوبة: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. هؤلاء لم يكونوا ملائكة، بل أناسًا مثلنا، خلطوا الحسن بالسيئ، والطاعة بالذنب، ومع ذلك لم يُغلق باب التوبة في وجوههم، بل قال الله: عسى الله أن يتوب عليهم. فلا تترك الصلاة لأنك وقعت في فاحشة، ولا تهجر المصحف لأنك أذنبت. ولا تتوقف عن الدعاء لأنك لم تصل صلواتك، فإن كانت المعصية جرحًا، فإن الطاعة دواؤها، وإن كان الذنب سهوًا، فإن الذكر هو صحوك. لا تجعل ذنبك سببًا في قطيعتك مع الله، بل اجعله سبب عودتك، سبب خضوعك، سبب بكائك، سبب انكسارك بين يديه. فالله يحب التوابين، ولا يحب المتكبرين.
لا تدري لعل عمل صالح واحد فقط يغير مجرى حياتك بأكملها، يغلق أمامك أبوابًا من الشر، ويعيد لك الأمل والنور في أيامك. قد تكون صلاة الفجر، أو صدقة خفية، أو دعوة صادقة في وقت الحاجة، أو حتى كلمة طيبة تقال في لحظة غضب. تلك الأعمال الصغيرة التي قد لا يراها الناس، ولا حتى أنت أحيانًا، هي التي قد تكون سببًا في أن يحفظك الله من معصية أو يفتح لك بابًا من أبواب رحمته لا تعلم عنه شيئًا. كما يُقال: "دَوَامُ النية الطيبة خيرٌ من العمل المتقطع." فإذَا أخلصت في نيتك لله، وتحسَّنت أعمالك رغم عثراتك، لا تحقرنّ من المعروف شيئًا، فإن الله قد يجعل في ذلك العمل القليل، بركةً عظيمة تُنير لك دربًا طويلًا. لذلك، لا تحقر من أي عمل، مهما كان بسيطًا. احرص على أن تكون دائمًا متصلًا بالله، متواضعًا في عملك، راغبًا في أن تكسب رضا الله بكل ما تستطيع. فكما ذكرنا، قد يغلق عمل صالح واحد أبوابًا كثيرة من الشر ويُفتح لك أبواب الخير التي لا تُحصى.






