حين يُهزمُ الحديدُ أمامَ العِطر
لقاءُ الرؤيا والرؤية
فاتحةُ البوح:
وحدكَ القادرُ على انتشالي من هذا التيه. تتوقُ روحي للفرارِ إلي حيزِ وجودك، لتقليصِ المسافاتِ حتى أغدو ظلاً يلازمُك. أعدُك ألا أكونَ عبئاً، سأحلُّ عليك كطيفٍ زائر، ولن أجرؤَ على بعثرةِ أوراقِ انشغالك أو قطعِ حبلِ أفكارك.
كلُّ ما أرجوه هو اليقين؛ اليقينُ بأنكَ هُنا، وأنَّ ما يفصلني عن الحياةِ جدارٌ رقيقٌ خلفهُ إنسانٌ هو أنت. أنا في أمسِّ الحاجةِ إلى جمرةِ دِفئك، فقد هشّموا روحي، وحوّلوني إلى بقايا إنسانةٍ مغلوبة، تتآكلُ بصمت. بعد كابوسِ هذه السنين العجاف، لم يَعُد لي مفرٌّ سواك، ولا أمانٌ إلا تحتَ جناحك.
دعني فقط أنزوي في ركنٍ قصيٍّ من عالمك، حيثُ لا تطالني يدُ الخوف. لا تطلب مني أن أشرح، فالكلماتُ تفرُّ مني كما فرَّ الأمان، وحنجرتي غصَّت بمرارةِ الخذلان. لا أريدُ حديثاً، ولا مواساةً، أريدُ فقط صمتاً آمناً بحضرتك. أريدُ أن أُغمضَ جفنيَّ المثقلينِ وأنا أدركُ أنك الحارسُ، وأنك الدرع، وأنَّ وحوشَ الخارجِ لن تتجرأَ على عبورِ عتبتِك. هلّا سمحتَ لقلبي المرتجفِ أن يهدأ قليلاً.. بجوارك؟ فما عدتُ أقوى على مواجهةِ هذا العراءِ وحدي.
أجبتُها، وغصّةُ العجزِ تخنقُ صوتي أن لو كان لي في حُكمِ الأقدارِ خيار، لسبقتُ إليكِ الزمان، والتقيتُكِ مذ كنتِ برعماً غضاً لم تمسسهُ يدُ الشقاء. واللهِ ما كنتُ لأذَرَ هذا العالمَ يهشّمُ أضلعك، ولا سمحتُ للعابرين أن يبعثروا شتاتَ قلبك، أو لنوازلِ الدهرِ أن تغتالَ براءتكِ وتسلبكِ ناصعَ بياضك، فما قيمةُ الحياةِ، وهل يُعاشُ العُمرُ إلا بروحٍ وادعةٍ تسكنُ إليها وتطمئن؟
ولكن، إن فاتنا الأمس، فاليومُ كلهُ لنا. هاتي يدكِ، ودعيني ألملمُ ما تناثرَ منكِ قطعةً قطعة. لا تنظري إلى الوراء، فأنا الآن حصنُكِ، وأنا الجدارُ الذي لن يميل. سأمسحُ بيدي على ندوبِ روحكِ حتى تلتئم، وسأقفُ سداً منيعاً بينكِ وبين قسوةِ الأيام. تعالي، ففي صدري متسعٌ لترميمِ كلِّ الشروخ، ولنستعيدَ معاً ذلك النقاءَ الذي تظنينَ أنهُ فُقِد؛ هو لم يرحل، بل كانَ ينتظرُ فقط من ينفضُ عنهُ غبارَ الخيباتِ ليعودَ مُضيئاً كما كان.
أعلمُ يقينًا أنَّ الأيامَ قد قستْ عليكِ، وأنَّ مَعاولَ البشرِ وقسوةَ العالمِ قبلي قد تكالبتْ لتهشيمِ أضلعك. أُدركُ أنكِ تجرّعتِ من كؤوسِ الخذلانِ ما يكفي لإغراقِ مدينة، وأنكِ اليومَ توارينَ جِراحكِ، وتأبينَ أن يلمحَ العالمُ طرفَ ضعفكِ، خشيةَ أن تُستباحَ روحكِ من جديد.
ولكن اعلمي، يا شبيهة الروحِ، أنَّ الضعفَ سجيّةٌ فينا جميعًا، رجالاً ونساءً، هو طينتُنا التي جُبلنا منها. وإنَّ الحُبَّ الحقيقيَّ أنبَلُ من أن يقتاتَ على الانكسار، أو أن يستغلَّ وهنَ المحبوب. بل إنما خُلقَ الحُبُّ ليُقيمَ الأوَد، وليشدَّ الأزر؛ فيسكبَ من قوتي في شقوقِ ضعفكِ، ويستعيرَ من صلابتكِ لترميمِ عجزي.. فما شوّهَ وجهَ الحبِّ النقيِّ إلا خطايا العالمِ وفسادُ النوايا من قبلنا.
فدعينا نُعيدُ للحبِّ سيرتَهُ الأولى، ونغسلُ عنهُ أدرانَ ماضيهم. لستُ أطلبُ منكِ أن تكوني قويةً دائمًا، بل أريدكِ أن تطمئني في ضعفكِ أمامي. ألقي عن كاهلكِ دروعَ الحربِ التي أثقلتكِ، فمعي.. لا حاجةَ لكِ بالحذر. أنا هُنا لأكونَ استقامتكِ حين تميلين، وتكوني سكينتي حين أضطرب. نحنُ روحٌ واحدةٌ قُسمت في جسدين، وما كانَ لنصفٍ أن يؤذيَ نصفهُ، بل جاءَ ليلتئمَ به.
أطرقت برأسها نحو الأرض، تخفي خلف مسبل أجفانها كبرياءً جريحاً، وقالت بصوتٍ يتهادى بين الحزن والأنفة: ما كنتُ لأرضى أن يطالع أحدٌ مواطن الخلل في نفسي، أو يلمح انكساري؛ فأنا أعلم أنك لا تشاء لنفسك ظهوراً إلا في حُلل القوة، فكيف ترتضي لي دون ذلك؟ ثم أخبرني.. من ذا الذي أقنعك أن النفوس لا تستغل الضعفاء؟ إن كل ذكرٍ يطمح أن يرى محبوبته مكسورة الجناح بين يديه، ليوهمها ويوهم نفسه بأنه الملاذ والبطل المستتر بقوته. وكيف لي أن أفرق بين رجلٍ يرى في ضعفي سكناً، وآخر يرى فيه مغنماً؟ إن الخوف يا سيدي يزرع في طرقاتنا الشوك، ويجعلنا نتوجس حتى من اليد التي تمتد لتنتشلنا، مخافة أن تكون هي ذاتها اليد التي ستكبّلنا غداً.
فأجبتها بقلبٍ يملؤه اليقين، وصوتٍ يفيض حناناً: يا شبيهة الروح، ويا مرآة النفس.. أما علمْتِ أن الإنسان قد وُصِم بالضعف منذ فطرته الأولى؟ وما ميزتنا في هذا الوجود إلا أننا خُلقنا أنصافاً لنكتمل ببعضنا. لقد أصبتِ كبد الحقيقة حين قلتِ ‘ذكوراً’، وشتان بين بيادر الذكورة وقمم الرجولة؛ فالفرق بينهما شاسع.
ثم ابتسمتُ لها ابتسامةً تحمل وقار الواثق، وأردفتُ قائلاً: إن الرجل الذي يعشق الروح يدرك أن ضعفكِ هو رقةُ الورد، وليس وهنُ الزجاج؛ الوردُ يُسقى ليُزهر، والزجاجُ يُكسر ليُجرح. إن الرجولة الحقة هي ‘عقد أمان’ قبل أن تكون ‘عاطفة حب’. ومن قال لكِ إنني لا أبدو واهن القوى، عاري الكبرياء أمامكِ اليوم؟ لقد جرت عادةُ أهل هذا الزمان أن يوصموا الرجل بالضعف إن هو سعى خلف من يحب، وظنوا أن الأنفة في الجفاء، والرجولة في الترفع عن الحنين.. أما أنا، فقد كفرتُ بملة هؤلاء أجمعين،لقد نبذتُ أوهامَهم خلف ظهري، وكفرتُ بملة القسوة التي يتشدقون بها، وجئتكِ بقلبٍ غضٍّ لا يعرفُ من الكبرياءِ إلا كبرياءَ الصدق.
أتساءلين عن ضعفي؟ لقد كنتُ أكتبُ إليكِ كل مطلعِ شمسٍ بلهفةِ طفلٍ صغيرٍ يخطُّ أولى حروف هجائه، طفلٍ لم تلوثه حساباتُ الكبار ولا مكرُ الأيام. كنتُ أتعرى من دروع مشاعري أمامكِ يوماً بعد يوم، وأبسطُ لكِ خبايا نفسي التي ما تجرأ إنسٌ ولا جانٌ على ملامسة أطرافها من قبل. أنا الذي كنتُ أُواري مشاعري كما يُوارى السرُّ المقدس، وجدتُني أمامكِ كتاباً مفتوحاً، لا سترَ فيه ولا حجاب، أنا الذي كان يَهابهُ الموج، ويُحسَبُ لخطواتي ألفُ حساب؛ أنا الذي كنتُ أُصادمُ الأيامَ لَكماً وطعناً، وأخوضُ غمار الحياة بقلبٍ من حديدٍ ووَقْعٍ حادٍّ لا يلين.. جئتُ إليكِ اليومَ وقد ألقيتُ سلاحي عند أعتابِ عينيكِ.
عجباً لهذا الهوى! كيف استطاعت رقتُكِ أن تروّض بأسِي؟ وكيف لِتلك اليدِ الناعمة أن تهدمَ حصوناً شيدتُها عبر السنين؟ لقد كنتُ غليظَ الحاشيةِ مع الدنيا، صلباً لا يكسرهُ ريح، لا يرى احداً امامه، حتى إذا ما لامسَتْ روحي روحَكِ، استحالَ ذلك الصخرُ مرْمراً، ولانَ لكِ منّي كلُّ ما استعصى على غيرِك.
أتعجبين من حالي؟ إنني لم أبدأ الركض إليكِ منذ أن عثرتُ عليكِ، بل كنتُ أعدو خلف طيفكِ في أروقة خيالي قبل أن تبصركِ عيناي في واقع الحياة. لقد كنتِ لي “رؤيا” قبل أن تصبحي “رؤية”، وكنتُ أطارد أثر عِطركِ في غيابة الغيب، باحثاً عن نصفٍ يرمم تصدعات نفسي، فوجدتيني بين يديكِ طفلاً غريراً، لم يجدْ بدّاً من أن يعيد إليكِ طفولتكِ التي سرقتها منكِ الأيام، واغتالتها قسوةُ التجارب، لقد احتضنتُ انكساركِ، فجبرَ اللهُ بي كسرَكِ، واحتويتِ جنوني، فهدأتْ بكِ نفسي. وهكذا، صرنا طفلين في جسدَي رجلٍ وامرأة، نلهو في باحاتِ الحب، ونبني من حطام ماضينا قصراً لا يطالهُ كدرُ العالم، ولا تصله مرارةُ الواقع.
واقولها لكِ بأنني سأظلُّ أهواكِ حتى ترثَ الأبديةُ فناءَ الوجود؛ فمحبتي لكِ لم تكن وليدةَ اللحظة، بل هي عهدٌ قديمٌ أُبْرِمَ بين رُوحَينا قبل أن نرتدي أثوابَ اللحمِ والدم بآمادٍ سحيقة.
لقد أدركتُ ذلك اليقين حين أبصرتُكِ للمرة الأولى، فما كان لقاؤنا صدفةً، بل كان نداءَ القدرِ الذي لا يُرَدّ. قريبانِ قُربَ النبضِ من الوريد؛ ففي جوهرِ التكوين نحنُ صِنوانِ متشابهان، خُلِقنا من مِشكاةٍ واحدة. أرجوكِ.. احفظي هذا السرَّ في سويداء قلبكِ دوماً، أنتِ أعزُّ من في الوجود، وهذه الحميميةُ العميقة التي تملأُ كيانَنا الروحيَّ ثابتةٌ لا تُغيّرُها صروفُ الدهر ولا تعاقبُ الأيام.
أتعلمين يا شبيهةَ الروح، ما كنهُ أن نحترقَ ونستعرَ بوجْدِنا، ونحنُ نوقنُ تمامَ اليقين أننا بهذا اللهيبِ إنما نتحررُ من قيودِ المادة، وننفضُ عن كواهلنا غبارَ العالم؟ إنني أؤمنُ اليومَ أنه لا غبطةَ تداني بَهجةَ النارِ وهي تلتهمُ حُجُبَ الفرقةِ بيننا. لذا.. دعيني أطلقُ العَنانَ لكلِّ جزيءٍ في كياني، وأصرخُ بكلِّ الأصواتِ التي تضجُّ في أعماقي: إني اراكِ حباً يتجاوزُ تخومَ الكلام.
إنني أحتاجكِ، وأعلمُ في قرارة نفسي أنكِ تحتاجينني؛ فأنتِ في مدارِ أيامي الضياءُ الذي به أهتدي. وهلِ النورُ إلا قبسٌ يُستضاء به في دياجير الظلمة؟ وما هذا العالمُ دون ذاك النور إلا ليلٌ بهيمٌ ضلّت فيه السبل. أما احتياجُكِ إليّ، فمردُّهُ إلى تلك الفطرة التي جُبِلَت عليها القلوب؛ فكلُّ نفسٍ تائقـةٌ ليدٍ تحنو عليها، وروحٍ تعتني بأمرها، وقلبٍ يمنحها الاهتمامَ الذي يُزهر به الوجدان. واعلمي أن الحبَّ ما هو إلا مرافئُ أمانٍ نلوذُ إليها من صخب الحياة.
يتبع…





نصّ رقيق وشاعري، تسلّل بهدوء إلى أعماقي، حتى كدتُ أجزم أنه لمس شيئًا دفينًا في داخلي.
في زمنٍ تشوَّه فيه معنى الحب، صار الصدق عملة نادرة، وصار أن تألف روحًا تشبهك… معجزة صغيرة.
إذن هو ذا الحبّ؟ نقيّا و صافيّا، أظنّ أنه كذلك.
غصت في النص عميقا عميقا حتى خُيّل لي أنني عرفتها و عرفته منذ زمن و أنني لأرى وجودهما متمثلا أمامي، و دموعهما تتوارى خلف الأجفان، و عطرها يشدّني إليها و عاطفته تجذبني أكثر، الحبّ كما هو، نقيّ و صافٍ، كما يصفه المنفلوطي و كما يُصوّره جبران
أحييك على هذا النص العميق