أما زالَ الطفلُ فيكَ حيّاً؟
يا صاحبي، ماذا فعلتَ بالطفلِ الذي كانَ يسكنُك؟
إنَّ أجلَّ ما قد يَصنَعُه المَرءُ في رحلةِ عُمرِه، ليسَ أن يَبلُغَ مَشارِفَ الكُهولةِ فحَسْب، بل أن يَصِلَها وذاكَ الطِّفلُ القابِعُ في أعماقِه لم يَزَل يَقِظاً، مُتَوَهِّجاً. أن تَكبُرَ في السِّنِ وتَظَلَّ الدَّهشةُ الأُولى تَسكُنُ عينَيك؛ أن تَحمِلَ حِكمةَ السِّنِينَ دونَ أن تَفقِدَ القُدرةَ على الفَرَحِ البِكرِ، والنَّظرةَ النَّقيَّةَ التي لم يُلَوِّثْها غُبارُ الاعتياد.
هو أن يَشيبَ المَفرِقُ، وتبقى جَذوةُ الشَّغَفِ والبَراءةِ مُتَّقِدةً في الحَنايا؛ أن تُوازِنَ بين وَقارِ النُّضجِ ورُوحِ الطِّفلِ التي تَركُضُ خَفيفةً نَحوَ الجَمالِ في أبسَطِ صُوَرِه، وتَضحَكُ من قَلبِها لِمَا كانَ يُبهِجُها قَديماً. ذلِكَ، لَعَمري، هو الإنجازُ الأسمىٰ: أن تَجمَعَ بينَ نُضجِ الكَهلِ، وقَلبِ الطِّفلِ الذي لا يَشيخ.
لقد كانَ للمفكِّرِ العظيمِ عبد الوهاب المسيري، وهو الذي سَبَرَ أغوارَ الفِكرِ وبَنَى الموسوعاتِ الشَّاهِقةَ وخاضَ في كُبرى القضايا، جانبٌ مُشرِقٌ يَتَّجِهُ بِهِ نَحوَ نَقاءِ الطُّفولةِ، فَخَطَّ لهم قَصصاً وحكاياتٍ تفيضُ براءةً وعُمقاً. وحينَ استَوْقَفَهُ المُذِيعْ سائله عن هذا المَسْلَكِ، كَيفَ لِعَقلٍ جَبَّارٍ كَعقلِهِ، غاصَ في أعتى الإشكالياتِ الفلسفيَّةِ والأدبيَّةِ، أن يَهبِطَ إلى بساطةِ الصِّغارِ ويُخاطِبَهُم بِلُغتِهم؟ أجابَهُ إجابةَ الحكيمِ الذي لم تَخدِشْ سِنُو عُمرِهِ فِطرَتَهُ الأُولى، فقالَ ما مَفادُهُ: “إنَّني ما زِلتُ أحفَظُ ذلكَ الطِّفلَ الرَّابِضَ في دَواخِلي، وقد اعتَنَيتُ بهِ حتى بَلَغتُ مِنَ العُمرِ ما بَلَغتُ (أرذلَ العُمرِ). فَكَيفَ لا أفسَحُ له المَجالَ لِيَنطَلِقَ طَليقاً، ويَكتُبَ بِاللُّغةِ التي يَفهَمُها ويُحِبُّها؟”
وهذا، واللهِ، لَهُوَ عَينُ الصَّوابِ وجَوهَرُ الحقيقةِ. فالعَظَمَةُ لَيستْ بِالانفِصالِ عن الجُذورِ، بلْ بِالقُدرةِ على احتِضانِ النَّقيِّ الأوَّلِ فينا. إنَّ أعظَمَ العُقولِ هيَ تلكَ التي تَستَطيعُ أن تُحَلِّقَ في سَماءِ الفِكرِ المُجَرَّدِ، ثُمَّ تَعودُ لِتُعانِقَ بِدفءٍ ذلكَ الطِّفلَ الأبَدِيَّ القابِعَ في أعماقِها، فلا تَقتُلُهُ بِصَرامَةِ المَنطِقِ، ولا تَخجَلُ مِن بَراءَتِهِ أمامَ وَقارِ السِّنِين.
ما فتئتُ يا عزيزي، متمسّكاً بعهودِ طفولتي، ولا أزالُ أرعى تلك البُذورَ الأولى التي نبتَتْ في ربيعِ عُمري، وأحافظُ عليها بكلِّ ما أوتيتُ من عزم. وهل تدري أنّه حين غمرتني شواغلُ الحياةِ ذاتَ حقبة، وأخذتني دوّامةُ الأشغالِ حتى هجرتُ أدواتِي التي كُنتُ أرْسُمُ بها وأغمدتُ سيفَ لهوي؛ آليتُ على نفسي أن أقتطعَ لهما من زحمةِ يومي نصيباً، ولو كانَ ذلك على حسابِ راحتي ومُستَقَرّي. وحينها، رمقني أحدهم بنظرةِ مُستنكِرٍ وقال: «أما آنَ لنا أن نكبُرَ عن هذا؟».
فأجبتُه قائلاً بل لقد صَغُرنا حينَ ظننّا الكِبَرَ في التخلّي! إنّما المرءُ برُشدِ عقلهِ، والطفلُ باتّساعِ قلبهِ؛ فبأيّهما اجتمعا كانَ الإنسان، وبأيّهما انفَرَدَ غدا المرءُ أشبهَ بالآلةِ الصمّاء، جسداً مُفرَغاً خلا من الرّوح . لقد أبصرتُ في دُنيا الناسِ عجباً؛ رأيتُ أقواماً نذروا أعمارَهُم لدُروبِ الكَدحِ لا يحيدونَ عنها، وآخرينَ وَقفوها على مَدارجِ العِلمِ لا يبرحونَها، ورأيتُ ثُلّةً لا همَّ لها إلا العبثُ وقتلُ الأوقات، وفريقاً رابعاً يُغالونَ في الجِدِّ والقراءةِ حتى يبلغوا بالتكلُّفِ مبلغاً يُثقِلُ الروحَ.
فقلتُ لنفسي لِمَ لا يكونُ لكِ من كلِّ بستانٍ زهرة، ومن كلِّ نبعٍ قَطرة؟ فلطالما كانَ هذا ديدَني؛ يومٌ مَشحونٌ بكلِّ الأضداد، جامعٌ شتاتَ الأمور. لعلَّ في هذا التمازُجِ، يا عزيزي، يكمُنُ سِرُّ بقاءِ الروحِ متّقدةً، والقلبِ مُفعماً بالحياة.
نعم، فهذا واللهِ هُوَ جوهرُ الحياةِ ولُبُّها الأصيل. فتمسَّكْ أيُّها يا عزيزي بذلك الطفلِ الساكنِ في حنايا روحِكَ، واحذرْ أنْ تُضيِّعَهُ أو تَنْبِذَهُ؛ فما مِنْ إنسانٍ إلا وفي أعماقِهِ طفلٌ لا يشيخُ إلا حينَ نَأْذَنُ لهُ بالرحيل.
إنَّكَ إنْ قرَّرتَ أنْ تَسْتَغنيَ عنهُ، أو أطْفَأْتَ سِراجَهُ بالإهمالِ، فاعْلَمْ أنَّها القَفْزَةُ الهاويةُ من فجرِ العُمرِ إلى كهولةِ الروحِ المُوحشةِ. وليستِ الكهولةُ هنا ما يَخُطُّهُ الزمانُ على الجبينِ، بل هي ويا لَهولِها كهولةُ الفكرِ حينَ يَعقُمُ، وجَدْبُ الروحِ حينَ تيأسُ وتَقْفِرُ. أتَدري ياعزيزي لِمَ؟ لأنَّ ذلك الطفلَ الكامِنَ فيكَ هو نبعُ الإنتاجِ الحيِّ؛ فروحُهُ الغَضَّةُ وحدَها القادرةُ على العطاءِ بلا حِساب، وعلى الإبداعِ بِلا تَكَلُّفٍ، فَيَرى في كلِّ شيءٍ مشروعَ حياةٍ جديدة.
وهو الذي يمتلكُ سِرَّ تحويلِ المنزلِ الصامتِ الباردِ إلى مَهرجانٍ من الأُنْسِ لا يهدأ؛ فَيَمْلأُ الفراغَ بضجيجٍ مُحبَّبٍ، ويُشعِلُ الزوايا المنسيَّةَ فرحًا وحركةً، حتى ليُخيَّلَ إليكَ أنَّ الدارَ الواحدةَ قد غَصَّتْ بعشرِ عوائلَ مُجتمعةٍ من فَرْطِ ما يَبُثُّهُ فيها من حياة. والأجملُ من هذا وذاكَ، أنَّ هذا الطفلَ هو مَنْ يحملُ في عينيهِ “الانبهارَ” الأوَّلَ، ويحفظُ في قلبِهِ “دَهْشَةَ البداياتِ”. يرى العالَمَ كلَّ صباحٍ كأنما يُخْلَقُ أمامَهُ للمرةِ الأولى، فيَغْمُرُهُ الفرحُ الصادقُ بما لا يُبهِرُ عيونَ الكهولِ المُتعَبَة. إنَّهُ السعادةُ الحقيقيَّةُ في أنقى تَجَلِّياتِها. فلا تتركْهُ يرحلْ، بل اسْقِهِ من اهتمامِكَ، ليظلَّ نبعُ الحياةِ فيكَ مُتَدَفِّقًا.
استجابةً لآرائكم السديدة، ولأهميَّتِهِ القُصوى، نُقدِّمُ لكم “جوهرَ” سلسلةِ “كيف نُصبح مثقفين”. المقطعُ الأخيرُ، الذي يتناولُ “فَنَّ تنظيمِ الأوقاتِ وترتيبِ المَهامِّ” وما يزخرُ به يومُ المثقَّفِ، أصبحَ الآن مُتاحاً بين أيديكم على قناة اليوتيوب بعنوان: “ما الّذي يجعلُ يومَ المثقَّفِ مختلفًا؟” وعبر الرابط التالي مباشرة







احنا بنكبر بسرعة وبننسا إن جوانا روح صغيرة لسه محتاجة حضن واهتمام مش مسؤوليات بس. مقال حنوون خفيف على القلب و فيه مشاعر جميلة. دمت دائمًا يا أشرف💗
ما شاء اللَّه، مبهر كعادتك.
عن ابن وهب قال: قال مالك: نقرأ، ونمزح، ونفرح، ونلعب.