عزيزي القارئ... لا تحزن
رسالتي اليوم لك عزيزي
من الغرائب التي تتسم بها النفس البشرية، أن الشخص قد يعبر عن حزنه عبر السخرية، فيخفيه تحت طبقة من الفكاهة والضحك! ومع أن هذا الحزن قد يكون أعمق مما يبدو، إلا أنه قد يدفع صاحبه إلى الانهيار في صمت، بينما يختار تغطيته بمظهر معاكس تماماً. وقد قيل في هذا السياق: "عندما يتعب المرء من البكاء، يبدأ في الغناء." وهذا ما عبر عنه الشاعر حين قال: "أبدو لهم وكأنهُ لا شيء يُرهقني وبداخلي بحرٌ من الأشياء يلتطمُ." وهكذا، فإن أكثر النفوس وجعاً قد تكون أكثرها ضحكاً، لا لأن الحزن غاب عنها، بل لأنها وجدت في الضحك سبيلاً للنجاة من الغرق في الألم او لأنها لم تجد البكاء او التشكي مجدياً بعد الان. للناس قلوب تتقن فن التمثيل، تبتسم وهي تنزف، وتمازح وهي تحتمل أعباء لا تُرى. فليس كل من يُضحكك سعيداً، وليس كل من يُلقي النكتة خفيف الظل؛ فربما كانت كل نكتة صرخة مكتومة، وكل ضحكة محاولة لصرف النظر عن وجعٍ دفين. وقد قيل: "كم من ضحكة أخفت خلفها تنهيدةً، وكم من حديث ساخر كان وجع كترنيمة !"
انا اتحدث عنك يا عزيزي القارئ يا من يخفي جروحه حتى يشتكي الجرح من دفنته، يا من ترتدي قناع التماسك حتى نسي وجهك كيف بدا في السابق، يا من تضحك بصوتٍ عالٍ كي لا يسمع أحد صمتك في الداخل، اراك تمشي بثبات، لكن خطواتك مائلة، كأن الأرض تميل بك ولا أحد يلاحظ، أتحدث عنك، حين تُجيد فن الإنصات للكل، ولا أحد ينصت إليك، حين تُطبطب على أوجاع الآخرين، بينما تنزف وحدك بصمتٍ نبيل. عنك، حين تُبقي نفسك مشغولاً ، وكأن الانشغال علاج لحزنك ليس هروباً، أراك، و أكتب إليك الآن لأقول: لقد أرهقك الصمت، يا عزيزي، وأرهقتك المجاملات، وأتعبك هذا الدور الذي أُجبرت عليه دور القوي، المتماسك، الذي لا يُكسر. لكنك لست آلة، أنت إنسان، تتألم وتنهار وتحتاج إلى من يقول لك: "أنا أراك، حتى حين تختبئ." عزيزي القارئ، لاتجعل الحزن يشكل طينتك، ف والله ان إبليس ليغبطك على تشكيلة الطين هذه، ولا تجعل الحزن ينسيك كيف كنت، فمن عشق الحزن أبى الحزن ان يفارقه، اعرف ان لا أحد لاحظ أنك لم تعد تنام ليلاً، ولا أن الكتب أصبحت ملاذك الوحيد، تقرأ لساعات طويلة وكأنك تحاول الفرار من هذا الزمن إلى زمن آخر، على بعد مئات السنين وآلاف الكيلومترات. ولكن دعني اسأالك يا عزيزي، ما الذي تبقى لك؟
أنت لا تنام، لا تضحك بصدق، لا تكتب كالسابق، لا تحب، ولا تمشي إلا وكأنك تطفو فوق الحياة، لا تعيشها. فهل هذا "اختيار" حقاً؟ أم أنك هربت، وألبست هروبك ثوبًا من الفلسفة لتقنع نفسك أنه قرار؟ لكنك تعلم… لم يكن هروبًا، بل انسحابًا هادئًا من حياة لم تعد تشبهك. من أناس لم يقدروا قيمتك كمن ينظر في المرآة فلا يعرف وجهه، فيدير ظهره ويمشي… لا نحو شيء محدد، بل هربًا من اللاشيء الذي صار كل شيء. ظننت ياعزيزي أنك ستجد نفسك في النهاية، في في الكتب، في الاماكن الهادئة ، عند زاوية عتيقة أو خلف باب نسيه الزمن… لكن لا أحد هناك. لا شريك لك يقرأك ويفهمك ، لا كتاب ينتظرك، لا مقهى مفتوح في منتصف اللاجدوى. كل ما هنالك خيال هشّ، نسجته لتخدّر ما تبقى من يقظتك. وإن يكن؟ أليست الحياة في جوهرها كذبة نرددها كي لا ننهار؟ نعم عزيزي القارئ لكن الفرق أنك قررت أن تكتب حكايتك من الداخل، من ظلالك، من كسورك، من الصمت العميق الذي يبتلع الليل حين ينام الجميع. فقط احذر يا عزيزي، النهاية تقترب، وإن لم تستفق الآن، ستظل هناك، في الممرات الحزينة التي رسمتها في دماغك، كشبحٍ بين الصفحات، صوتٍ لا يُنسب لأحد، وذاكرة تمشي في العالم بلا اسم.
أنا أتحدث عنك، يا عزيزي القارئ…اعرف انك تخشى أن تستيقظ يوماً ما في حياتك لتكتشف أن حياتك انزلقت من بين يديك بسبب قرارٍ اتخذته وأنت في وقت حزين من عمرك، أنتَ الذي ما زلت تظن أن كثرة القراءة تعني قلة الألم، وأن المعرفة ستمنحك حصانة من الانكسارات، وان الإنشغال بأي شيذ سينسيك المك، لكنك، مثلي، أدركت أن المعرفة لا تشفي الجرح، بل تعطيه اسماً أكثر تعقيداً، وتجعل النظر إليه أكثر وجعاً. أنت لا تزعم أنك فهمت الحياة، لكنّك حدّقت فيها طويلاً حتى بدأت ترتبك أمامك، أرهقك التفكير، وأربكتك التفاصيل، ولم تكن يومًا فيلسوفًا، بل كنت فقط إنسانًا يتظاهر بالتماسك كي لا ينهار أمام مرآته. اكتب لك عزيزي لا لأنك تحمل شيئًا عظيمًا لتقوله، وانا اعلم ان لديك الكثير، بل لأنك تبحث عن مخرج من زحام أفكارك، تكتب كأنك تربط شاشًا على جرحٍ روحيّ لا يتوقف عن النزف، تضحك كي لا تبكي، تنصح الآخرين بما لا تملك تطبيقه على نفسك، وتعيش كل لحظة وأنت تحاول أن تكون صادقًا… فقط صادقًا، وهذا وحده كان ولازال والله حربًا عظيمة. وفي داخلك، يسكن ذاك العشريني المرتبك، الذي لا يعرف كيف يختار، والأربعيني الذي تطارده الأيام كأنها موج لا يرحم، كلاهما يبحث عن الآخر: ذاك يريد اعتذارًا، وهذا يفكر في قتله ليتخلّص من عبء ما لم يحدث. اععرف ان لديك مثل شعوري شخصان بداخل دماغك يتصارعان بإستمرار، شخص ملاك طاهر وشخص شرير خالص الشر، أنت تطارد الزمن… لكنك تعرف، كما أعرف، أنه سبقك بخطوتين دائماً. وأن أهم ما فهمته، ولو متأخرًا، هو أن الركض لا يمنع السقوط، وأن النجاة ليست في أن تكون مثالياً، بل في أن تجرؤ على أن تكون حقيقيًا، مهما بدا ذلك ناقصًا.
أنا أتحدث عنك، يا عزيزي يا من ظنّ أن الحزنَ يُعفي من المسؤولية، وأن الوجعَ مبررٌ للتقاعس، وأن الانكسار يمنحك الحق في الهروب. لكني اعلم، يا صديقي، أن أحزانك تلك رغم عمقها لا تبرر قسوتك، ولا تنزع عنك واجبك، ولا تُسقِط ما وُكِّلت به. الحزنُ ليس بطاقة عبور إلى أرض الأعذار، بل ابتلاءٌ يكشف معدنَك الحقيقي: هل تنهض رغم التَصدُّع؟ هل تؤدي ما عليك رغم حزنك ؟ هل تقف في مكانك، بينما الألم يتخذ له مكانًا في داخلك دون أن يُزحزحك؟ أنتَ مسؤول، لا لأنك بخير، بل لأنك إنسان حُمّل الأمانة. والصبرُ، يا صديقي، ليس تبلدًا، ولا تسليمًا للعجز، بل أن تمضي رغم كل شيء، أن تفي بوعدك وإن كان قلبك مثقوبًا، أن تبكي ليلًا، وتنهض صباحًا لتنجز، أن تغيب حينًا لتلملم شتاتك، لكن لا تنسى طريق العودة. اياك عزيزي ان تنسى نفسك البريئة، البرائة فيك كنز لا تجعل احداً يقتله ودعني اقل له عنك يامن قتلت البراءةَ عَامـدًا شُلتْ يَداكَ و فِي الجَحيـمِ سَتُحـرَقُ!
لا أحد سيتكفّل بدفع فواتيرك الشعورية، ولا أحد سيؤجّل لك الحياة حتى تتعافى، فالزمن لا يملك زرّ إيقاف مؤقت، والعالم لا يرحم، بل يبتسم لك ابتسامةً مموّهة وهو يختبر صبرك، ويقيس مدى قدرتك على الوقوف دون سند. والأمانة التي تتهرب منها اليوم، قد تكون الجسر الوحيد الذي يعبر بك نحو ذاتك التي تحلم أن تكون. والحقوق الثقيلة التي تشعر أنها تسحقك، هي ذاتها التي تُنبت في داخلك كرامةً لا تُشترى، فازرعها اليوم، أو اشرب غدًا من كأس الندم، الذي لا يُروى. أنت مُتعب عزيزي، أعرف ذلك… أرهقتك الحياة، أو لعلّك أرهقت نفسك بمحاولتك أن تفهمها، أن تنتصر فيها، أن تثبت ولو لنفسك أنك تستحق البقاء. اعرف انك تملك روحًا مثقلة، موشومة بالندوب، لا لأنك انهزمت، بل لأنك خضت معارك كثيرة، خرجت منها حيًّا، لكن بثمنٍ باهظ. هذه الندوب ليست عيوبًا، بل شواهد… كل واحدة منها تحكي عن معركة دافعت فيها عن نفسك بصمت، عن لحظة كنت فيها وحدك تمامًا، ولم تخذل نفسك رغم الألم. دع من حولك يظنون أنك غريب، صامت، غارق في أفكارك… دعهم لا يرون الحرب التي تدور في رأسك، دعهم لا يفهمون أن ما يُبعدك عنهم ليس كبرياءً، بل صراع داخلي لا يُطاق. انا وأنت نعرف جيدًا أن هذه الحرب التي تخوضها اليوم، قد تكون الأخيرة، ربما ستُهزم، ربما ستنزف من جديد، لكن الأكيد: أنك لن ترفع الراية البيضاء. وحتى إن سقطت ذات يوم، حتى إن لمسوا جثتك الروحية، الفارغة، المُنهكة، فليعلموا أنك قاتلت حتى اللحظة الأخيرة، أنك خسرت لأنك أفرغت كل ما فيك من طاقة، لا لأنك كنت جبانًا. نعم، قد يهزمك التعب، قد يأكلك اليأس أحيانًا، لكن لم يعرفك الجُبن طريقًا، ولم تنحنِ إلا لتنهض من جديد.
دعني اوضح لك عزيزي القارئ واخبرك انك يا عزيزي لست وحدك في شعورك بالخذلان… لكن ربما كان أعظم خيبة تقع فيها هي أن تظن أن الحياة يجب أن تكون سهلة، أو عادلة، أو محسوبة كما رسمتها في خيالك. اخشى انك صدقت ما قاله لك الكثير ونحن صغاراً ان الشقاء كله في مرحلة الثانوية وسترتاح بعدها، او ان الشقاء كله في المرحلة الجامعية وسترتاح بعدها، يا لها من مفارقه عجيبة ويا لهم من كاذبين طيبين، اعلم عزيزي ان الحياة لم تُخلق لتمنحك الأمان، ولا لتضمن لك السعادة. لا يوجد قانون كوني يلزمها بأن تنصفك، ولا وعد مكتوب بأن تكون المكافأة دائمًا بحجم النية. العالم لا يعتذر، ولا ينتظر أن تفهمه حتى يُرحمك، بل يمضي بقسوته، كأنه يختبر قدرتك على أن تبقى واقفًا. وأنت، إن فهمت هذه الحقيقة، لن تُفاجأ حين تأتيك الخسارات، ولن تنكسر كلما خذلك أحد، أو فشلت محاولة، لأنك تدرك أن الحياة ليست ساحة راحة، بل ميدان ابتلاء، سلسلة من التحديات التي لا تنتهي إلا حين تنتهي أنت. ترى لماذا تحسب ان هناك دعوة مضمونها” وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ” ؟ العاقل، مثلك حين تصحو، لا يطالب الحياة بالعدل في عالمٍ لم يُبنَ على العدل، بل يبحث عن البصيرة، عن الحكمة التي تجعله أكثر مرونة، أكثر فهمًا للخذلان، أكثر صمتًا أمام الظلم، لا لأنه ضعيف، بل لأنه يعرف أن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على التكيّف، على أن يظل إنسانًا رغم كل ما يسحبه العالم نحو القسوة. فلا تنتظر من الحياة أن تكون عادلة، كن أنت العدل في فوضاها، كن المعنى في وسط عبثها، واصنع لنفسك ضوءًا… ولو من قلب العتمة.
دعني ياعزيزي القارئ، و دع ناس يقولوا عنك “فعُودِك صُلْبٌ لا يَلِينُ لِغَامِزٍ .. وَقَلْبِيك سَيْفٌ لا يُفَلُّ لَهُ حَدُّ.
لا يسعني ان اقول لك يا عزيزي القارئ الا ما قاله سيدنا علي بن ابي طالب رضي الله عنه وارضاه أمَّا بعد، فإنَّكَ لست بسابقٍ أجلك، ولا مرزوقٍ ماليس لك؛ واعلم بأنَّ الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، وأنَّ الدنيا دار دُول، فما كان منها لكَ أتاكَ على ضعفِك، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوتك.





