الفردوس المفقود": هل الحرية نعمة أم نقمة؟"
كيف تحدد الحرية مواقفنا ومسؤولياتنا
من أهم الدروس التي تتعلمونها أيها السادة في العلاقات هي احترام النفس قبل اي شيء، تصل مرحلة الى ان تقرر ان لا تجادل أحدًا، لأن الجاهل لن يفهم، والعنيد لن يقتنع والمتحيّز لن يسمع، و الانتهازي سيستغلّ كل ما تقوله لصالحه. وسيكون النقاش في مرحلة دفاع مستمرعن وجهة نظر قد تكون خاطئة في كثير من الأحيان. ولكن الحياة الهادئة جميلة جداً وابسط من ذلك، دعوا من يتكلّم يتكلّم ومن يصدّق يصدّق، لا تحاولوا أن تفرضوا مبادئكُم على غيركم، تعلموا السكوت، الجميع يعرف الصح والخطأ وإن لم يكن يعرفه فهذه حتماً مشكلته فلا تُتعبوا انفسكم. حتى وان لم يكن يعرفوا الصح والخطأ فهذه ضريبة صفات مثل العناد و الغرور والتحيز وحتى الجهل وهو على رأسهم بالطبع لأن الجهل يجلب معه كل الصفات المذمومة. قد تتسائلون ايها السادة كيف يكون الانسان يتبنى وجهة نظر خاطئة و هو لا يدري وكيف يكون جاهل وهو لايدري. ايها السادة هنالك فرضية ادبية تقول أن الوجود يسبق الماهية. لكي تفهم ما معنى هذا، لابد لي ان اسألكم سؤال في غاية الأهمية على الأقل بالنسبة لعقلي المتواضع، الا وهو هل يكون الإنسان حرٌّ في أفعاله ؟
الوجود الإنساني يتجلى في اختيارنا لماهيّتنا، وهذا الاختيار يعبر عن تحديدنا للشخصية التي نرغب في أن نصبح عليها. ومن هنا ينبثق القول: “الماهيّة لاحقة للوجود”، إذ لا يمكننا اتخاذ أي اختيار إلا بعد أن نكون موجودين أولاً. وعندما يؤكد الوجوديون أن الوجود يسبق الماهية، فإنهم يشيرون إلى أن الإنسان لا يولد بطبيعة أو ماهية محددة سلفًا، بل يأتي إلى العالم ناقص الصورة، ناقص الجوهر ليصوغ ذاته لاحقًا من خلال أفعاله وخياراته. فالإنسان، في إطار التجربة، هو الكائن الوحيد الذي يقوم وجوده على الحرية. أما باقي الكائنات، فتخضع لجبرية صارمة تتحكم في أفعالها وتوجهها ضمن إطار محدد مسبقًا أو وفق نظام حتمي. تم ربط هذا المصطلح بالعديد من المفاهيم، على رأسها مفهوم “سقوط الإنسان” او ما يعرف ب Fall of Man, ويعد هذا المفهوم واحد من أكثر الموضوعات تأثيرًا في التراث الديني والفلسفي، حيث يجسد اللحظة التي فقد فيها الإنسان حالته الأصلية من الطهارة والبساطة ودخل في حالة من الخطيئة والاغتراب عن الإله. هذه القصة ليست مجرد رواية عن بدايات البشرية، بل هي تأمل عميق في طبيعة الحرية البشرية وعلاقتها بالمسؤولية، والخير، والشر. على سبيل المثال لا الحصر، في الدين الإسلامي، ترتبط قصة السقوط بقصة آدم وحواء. فالله خلق آدم وعلَّمه الأسماء كلها، ثم أمر الملائكة بالسجود له، إلا إبليس الذي عصى. حين أغوى إبليس آدم وحواء، أكلا من الشجرة المحرمة، لكن الله غفر لهما بعد توبتهما، ومع ذلك أمرهما بالنزول إلى الأرض التي هي بمثابة عقاب لتحمل تبعات قرارهما. وفي الدين المسيحي خاصة في سفر التكوين من الكتاب المقدس، يُغوى آدم وحواء من قِبل الحية ليأكلا من شجرة معرفة الخير والشر، بالرغم من النهي الإلهي. هذا الفعل، الذي يمثل أول عصيان بشري، أدى إلى طردهما من الجنة وجعل البشرية تعيش تحت وطأة الخطيئة والألم. ما يجعل فكرة السقوط مثيرة للاهتمام فلسفيًا هو ارتباطها العميق بفكرة الحرية. على هذا النحو، سقوط الإنسان لم يكن مجرد حادث عرضي، بل نتيجة استخدام حرية الإرادة. في الرواية الدينية، آدم وحواء اختارا عن وعي تجاوز الحد الذي وُضع لهما، ما يرمز إلى قدرة الإنسان على اتخاذ قراراته بحرية، حتى لو كانت خاطئة. الحرية هي واحدة من أعظم الهبات التي منحها الله للإنسان، ولكنها تأتي بثمن: المسؤولية. عندما اختار آدم وحواء الأكل من الشجرة، كانا يعبران عن استقلاليتهما وقدرتهما على الاختيار. ومع ذلك، هذا الاختيار أدى إلى عواقب وخيمة. في هذا السياق، يمكن فهم السقوط كتحذير من إساءة استخدام الحرية، ولكنه أيضًا إشارة إلى أن الحرية لا معنى لها بدون إمكانية الخطأ. ولهذا فإن الحرية تعلمك معنى ان يكون قرارك صحيحا او خاطئاً، وفي اغلب الأحيان تعرف نتيجة قرارك بعد فوات الأوان، ولكن الشيد الإيجابي هنا انه سيكون بمثابة درس لك ان اردت بالطبع.
فكرة سقوط الإنسان بحد ذاتها ألهمت العديد من الأدباء والمفكرين للتأمل في طبيعة الحرية والإنسان. هاك مثلا “جون ميلتون”، في ملحمته الشعرية "الفردوس المفقود"، يعيد صياغة القصة ليُبرز الصراع الداخلي بين الطموح البشري والخضوع للإله. ميلتون في قصيدته يصور الشيطان كشخصية تُمثل التمرد المطلق، او بمعنى اصح الصفات التي لم تكن في الإنسان الكامل وهو آدم قبل ان يأكل من الشجرة. في الفلسفة الحديثة، تأمل “سارتر” و “هايدغر” في فكرة الحرية كجوهر للوجود الإنساني. بالنسبة “لسارتر”، الحرية هي عبء، حيث يُجبر الإنسان على اتخاذ قراراته في عالم خالٍ من المعنى المسبق. هذا يتقاطع مع قصة السقوط، حيث يجد الإنسان نفسه في مواجهة مسؤولية خياراته. لذلك ان كنتم ايها السادة تقرأون في فلسفة التصوف وهي بالمناسبة ليست فقط اسلامية، بل يوجد صوفية مسيحية بحتة! فستجد ان الغاية الاسمى للمتصوفة ان يسترجعو صفة الكمال، حتى ولو على سبيل المحاولة جاهداً.
بيد ان البعض يعترض على هذا الرأي بالقول إن وجود الإنسان ذاته لا ينفصل عن عوامل عدة تؤثر فيه، مثل الوراثة والبيئة الأشخاص المحيطون والمناخ الذي ينشأ فيها، بالإضافة إلى التربية التي يتلقاها. فالإنسان ليس كائناً مستقلاً تماماً عن النظام الكوني الشامل، بل يخضع لآليات طبيعية تجعل اختياراته متأثرة بطبيعة الأشياء التي يختارها. بمعنى آخر، حرية الإنسان ليست مطلقة بالكامل، بل تقيدها ظروف موضوعية تحيط به. غير أن أنصار الوجودية يردون على هذا الاعتراض بتوضيح موقفهم، حيث يؤكدون أنهم لا ينكرون تأثر الإنسان بعالمه الخارجي. فهم يُقرّون بأن الوجود الإنساني ليس وجوداً عاماً أو مطلقاً، بل هو وجود محدد بطبيعته الزمنية والتاريخية. فالإنسان موجود داخل سياق زماني ومكاني له ظروفه الخاصة ومواقفه المتفردة. هذا الوجود ليس منفصلاً عن العالم، بل هو وجود متجه إليه ومتفاعل معه. فهو كيان يتشكل من مجموعة معقدة من الروابط والعلاقات مع العالم الخارجي، بما يشمله من كائنات وأشياء.
ومع ذلك، لا يمكننا إنكار أن الإنسان يمتلك قدراً من الحرية يميّزه عن باقي الموجودات. فكل ما عداه لا يعدو كونه مجرد “معطيات محضة” يجدها أمامه في العالم، لكنه، بحريته، يملك القدرة على أن يضفي عليها المعنى الذي يراه مناسباً. على سبيل المثال، أن أكون جميلاً أو قبيحاً، شرقياً أو غربياً، من أسرة فقيرة أو غنية، كل هذه مجرد حقائق واقعية لا أستطيع تغييرها أو إنكارها. فهي وقائع ثابتة في وجودي لا سبيل إلى محوها أو تجاوزها. لكنّ الأمر الذي يميزني كإنسان هو قدرتي على اتخاذ موقف تجاه هذه الوقائع. يمكنني أن أختار أن أكون فخوراً بها، أعتز بجمالي أو أصولي أو بوضعي الاجتماعي مهما كان، كما يمكنني أن أشعر بالخجل منها أو أن أختار إنكارها. فحرية الإنسان ليست في تغيير تلك الحقائق المادية التي وُلد بها أو الظروف التي وُضع فيها، بل في كيفية تعامله معها وفي الموقف الذي يتبناه تجاهها. هذا يعني أنني، رغم كوني غير مسؤول عن وجود هذه الظروف أو الوقائع، أتحمل المسؤولية كاملة عن الطريقة التي أستجيب بها لها. فأنا أحيل هذه المعطيات إلى ذاتي وأُدرجها ضمن تجربتي الشخصية، وأتخذها على عاتقي، بما يترتب على ذلك من مسؤوليات ونتائج. بذلك يصبح الإنسان كائناً حراً بالمعنى الأعمق للكلمة، حيث يحدد وجوده من خلال مواقفه، وليس فقط من خلال الحقائق التي تحيط به.
على الصعيد الشخصي وبناء على ترشيح احد الأصدقاء، فقد قرأت رواية رسائل من تحت الأرض بقلم فيدور دوستويفسكي والذي يشبه تماما ما نسرده في هذا المقال، بطل الرواية يعيش في حالة رفض دائم للعالم من حوله، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن هذا الرفض لا يجلب له سوى الألم. إنه حرٌّ بمعنى أنه لا يخضع لأي قوانين خارجية، لكنه يستخدم هذه الحرية بطريقة تبدو وكأنها عقاب لنفسه. في أحد المواقف، يعترف أنه يتصرف بطريقة معاكسة لمصلحته فقط ليؤكد حريته، وليُظهر أنه غير محكوم بأي منطق خارجي. لكنه في الوقت ذاته يشعر بالعبثية والفراغ الناتجين عن هذه الحرية المطلقة. هذا التناقض يكشف أن الحرية ليست حالة من النشوة أو التحرر التام، بل هي عبء يتطلب مواجهة مستمرة مع الذات.
لذلك عندما تواجه أشخاصًا عنيدين أو جهلة، تشعر في لحظة ما بأن الجدل معهم لا طائل منه. قد تختار الصمت، ليس ضعفًا أو انسحابًا، بل لأنك تدرك أن الدخول في صراعات مع هؤلاء لن يغير شيئًا. لكن هذا الصمت هو أيضًا خيار حر، خيار يعبّر عن وعيك بما هو جدير بوقتك وجهدك. هنا تظهر الحرية في أبسط صورها: أن تختار ما تناقش وما تتجاهل، أن تحدد حدودك وتقبل بوجود الآخرين كما هم.لكن حتى هذا الخيار البسيط ليس خاليًا من المسؤولية. عندما تختار الصمت، فإنك تتحمل تبعات قرارك. قد يراك الآخرون ضعيفًا أو مستسلمًا، لكنك تعلم في داخلك أن ما فعلته كان قرارًا نابعًا من إدراكك لقيمة السلام الداخلي. وتذكر دائماً ان من اختار الصمت، فقد سبق له ان قال كل شيء. هذا هو جوهر الحرية: ليست في إثبات الذات أمام الآخرين، بل في الانسجام مع الذات والقدرة على اتخاذ قرارات تتماشى مع قناعاتك، مهما كانت معقدة. الحرية ليست حالة نهائية نصل إليها، بل هي عملية مستمرة من الاختيار والتفاعل مع العالم. إنها القدرة على منح المعنى لحياتنا، حتى في أكثر اللحظات عبثية. ما يجعل الحرية مميزة هو أنها تتطلب شجاعة؛ شجاعة أن نقبل أن كل اختيار نتخذه له ثمن. “رجل تحت الأرض” في رواية دوستويفسكي يعاني لعدة اسباب منها لأنه يريد أن يعيش بحرية مطلقة دون أن يتحمل مسؤولية تبعات أفعاله. لكنه، في النهاية، يدرك أن الحرية التي يبحث عنها ليست ممكنة دون مواجهة هذا العبء. لذلك، إذا كان الإنسان غير قادر على تغيير بعض الحقائق التي تحيط به، فإنه يمتلك الحرية الكاملة لتحديد موقفه منها. هذا الموقف هو ما يجعل الإنسان مختلفًا عن باقي الكائنات. فهو لا يختار فقط كيف يعيش، بل يختار أيضًا كيف يفكر وكيف يشعر. الحرية ليست امتيازًا يُعطى دون مقابل؛ إنها اختبار دائم للوعي والمسؤولية. إنها ما يجعلنا بشرًا، وما يجعل الحياة بكل تناقضاتها تجربة تستحق العيش.






