وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
النجاح الذي يعقبه فلاح
قالوا إن الساعات المتأخرة من الليل كفيلة بأن تفضح علاقة الإنسان بذاته. فهناك من أبقته كلمة عابرة القاها أحدهم مستيقظًا حتى الفجر، تتكرر في ذهنه بصوت لا يهدأ، كأنها شظية اصابت قلبه وعقله معاً. وهناك من غمرته فرحة غامرة، تسري في جسده من اخمص قدميه الى اعلى رأسه لا يريد لها أن تنتهي. ومنهم من يعيد ترتيب فوضى أفكاره، فكرة تلد أخرى، ثم تسحبه إلى متاهات لا نهاية لها. يتنقل من ذكرى إلى خيبة، من حلم مؤجل إلى سؤال بلا إجابة. الليل لا يمنحه حلولًا، لكنه يمنحه الصدق، الصدق في الشعور، وهو من حق كل إنسان تماماً كالأكل والشرب. الليل لا يُجامل، ولا يسمح بالتشتيت. هو مرآة صافية لمن يريد او بمعنى اصح يجرؤ على النظر. ولهذا كثيرون يهربون من الليل، يُشغلون أنفسهم حتى الإنهاك، يطفئون الأنوار سريعًا، كأنهم يخشون ذلك اللقاء الصامت مع أنفسهم، هذا ما أسميه "الهروب الكبير" وهو مايعني الهروب من الذات نحو نسخة أقل وعيًا، أقل حضورًا، نحو أدنى نفس ممكن، لكن المفارقة أن ما نحاول تجنّبه لا يختفي. الفكرة التي نتجاهلها اليوم، لن تموت، بل ستتجذّرفي ادمغتنا، حتى يحين وقتها وتُعيدنا إليها رغمًا عنا. نحن لا نملك أن نطرد ما لم نواجهه، ولا أن ننسى ما لم نفهمه. وكل ما نُقصيه من تفكيرنا يعود لاحقًا، أقوى، أوضح، وربما مؤلمًا أكثر. اتذكر كتاب قرأته ذات مرة وكان عنوانه The Body Keeps the Score، صدرت عنه ترجمة تحت عنوان الجسد لا ينسى، وهو ما يعبر بوضوح كيف ان كل فكرة تتلاشها في دماغك إما انك ستطبقها في مرة رغماً عنك وإما انها ستعذبك عقلياً.
ما أود قوله لك اليوم ياعزيزي، اني أعلم جيداً معنى ان تفكر كثيراً قبل ان تنام، بل وأعلم حتى فيم تفكر، يا عزيزي. لأنني أعرف جيدًا ما تفعله الكلمة في الروح، ما تتركه من ندبة أو ما تمنحه من شفاء، أصبحت أكتب وأتحدث بوعي العارف، الحذر، المتأمل في وقع الحروف قبل أن ينطق بها. أدرك أن الكلمة قد تهدم ما لا تبصره العين، وقد تُشعل حربًا داخل قلبٍ لم يظهر عليه سوى الصمت. جملة واحدة، عابرة على لسان قائلها، قد تزرع في صدر أحدهم شتاءً لا يزول، وأخرى، بسيطة في ظاهرها، قد تُزهر ربيعًا في نفسٍ أنهكها الجفاف دون أن يدري قائلها كم كانت عميقة الأثر. لم أعد أستهين بأي شيء، لا بنبرة مرتفعة تُقال في لحظة انفعال، ولا بكلمة تمر دون اهتمام. فقد تعلّمت أن القلوب هشة، وأن الذاكرة حارسة لا تنام، وأن الروح وإن سامحت لا تُشفى بسهولة من طعنة اللسان. بعض الكلمات تبقى فينا، تُعيد صداها مع كل موقف مشابه، وتعيد إلينا ألمًا حسبناه مضى. لذلك أحاول، بكل ما فيّ من لطف، أن أكون سلامًا للذين يعبرون طريقي. أن أترك فيهم أثرًا يُشبه الدعاء لا الندم، أن أكون يدًا تمتد لترمم، لا لتكسر، أن أضمّد الجراح إن استطعت، أو على الأقل، ألّا أكون سببًا في اتساعها. أن أمرّ على الأرواح بخفّة، وأترك خلفي طمأنينة، لا ندبة. لأن ما نقوله لا يضيع، بل يعود، بصور مختلفة، إلينا أو لغيرنا، لذلك لا أريد أن أكون إلا سببًا في نورٍ صغير، في قلبٍ يحتاجه.
أعلم يا عزيزي ان المستقبل يبدو لك أحياناً كغرفة انتظار واسعة في محطة قطار مزدحمة. مقاعدها كثيرة، وأنت تجلس في أحدها بصمت، تراقب الناس من خلف الزجاج وهم يركضون نحو وجهاتهم بلا أن يلتفتوا نحوك. الكل في عجلته، الكل يعرف إلى أين هو ذاهب، من سيقابل، وماذا عليه أن يفعل. أما أنت، فبلا خريطة ولا موعد، فقط تنتظر… وتتسائل: ماذا بالضبط أنتظر؟ وتجيب على نفسك قائلاً: ربما أنتظر أن يختارني شيء ما، أن تقع في طريقي فرصة، أو أن تلوّح لي يد من بعيد تدعوني للركوب. كأنني أؤمن سرًا بأن الحياة ستتخذ خطوة تجاهي إن انتظرت طويلاً بما فيه الكفاية.
إعلم يا عزيزي أن الجميع، دون استثناء، يمرون في مرحلة ما من حياتهم يشعرون فيها بأنهم بلا وجهة، كأنهم عالقون في منتصف طريق لا يفضي إلى شيء. يشعرون بالضياع، ليس لديهم اجابة على اكبر سؤال الا وهو ماذا بعد؟ ماذا بعد الشهادات، ماذا بعد المناصب ماذا بعد المال ماذا بعد الأسرة الخ، واعلم اانك تطمح لكل هذا، ولكن ما اريده منك هو ان تفرق بين الطموح واليأس. واقصد باليأس هنا الظلام، الظلام الذي يحدثه هذا التفكير بدلا من النور الذي يرشدك، الظلام لا يظهر في حياتك إلا بالقدر الذي تسمح له به. هو لا يملك قوة بذاته، بل يستمد وجوده من انتباهك، من وعْيك الذي تصوّب نحوه، ومن الخوف الذي تمنحه إياه دون أن تدري. كلما حللته، وقاومته، وأعطيته وقتًا من تفكيرك، ازداد تجذرًا، وكأنه يقتات على مراقبتك له. توقف عن منحه كل هذا الحضور، اسحب منه انتباهك شيئًا فشيئًا، تجاهله كما يُتجاهل ضيف ثقيل لا يستحق المقعد الأمامي في حياتك. عندها فقط، ستراه يتلاشى، لا لأنك هزمته، بل لأنك ببساطة توقفت عن تغذيته.
والحقيقة ياعزيزي أنك، في معظم الأحيان، لا تقارن نفسك بالآخرين بعدل أو إنصاف، بل تقارن موسم بذرك بموسم حصادهم. تنظر إلى نجاحاتهم، إلى ما حققوه بعد سنوات من التجربة والمحاولة والانكسار، وتقيس بها بدايتك الهشة التي ما زالت تضع أولى خطواتها. وهذا يشبه تمامًا أن تقارن فصلك الأول في الحياة بفصلهم العاشر، حيث تجاوزوا ما لم تبدأ أنت في استيعابه بعد. وهنا، يا عزيزي، يكمن الخلل: أنك دائمًا تستعجل، تتسرع في صعود السلالم، تريد أن تبدأ من النهاية لا من البداية. تريد النتائج دون أن تمر بالرحلة، تريد القمة دون الصعود، تريد أن تُحاط بالتصفيق قبل أن تبذل الجهد الحقيقي الذي يستحقه. لكن الحياة لا تُعطي بتلك الطريقة، ولا تعترف بمن يتخطى المراحل، بل تُكرم من يصبر على خطواته، حتى وإن كانت بطيئة أو متعثرة. قال احد الشعراء لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكلُه لن تبلغَ المجد حتى تلعَق الصَّبِرا.
إعلم، يا عزيزي، أن الأهم في هذه الحياة ليس أن تبلغ كل ما ترجو، بل أن تسعى بصدقٍ نحو غاياتك. فالسعي وحده هو ما تملك، وهو ما يُصقل قلبك ويُهذب روحك ويجعل منك إنسانًا أفضل. والغاية التي ترتقي بك، التي تجعلك أكثر وعيًا، أنبلُ وأشرف من كل غايةٍ سطحيةٍ تُنهيك دون أن تبنيك. نعم، أنت مسؤول عن السعي لا عن النتيجة. فالنتائج بيد الله وحده، يقسمها كيف يشاء، ووفق حكمته التي لا تُدرَك. أما سعيك، فهو مسؤوليتك، لكنه أيضًا ليس قائمًا على قوتك وحدها، بل هو بقدرة الله وفضله. فما من خطوة تخطوها إلا وتحتاج فيها إلى عونٍ خفيّ، إلى توفيقٍ لا يُرى، وإلى نورٍ يُضيء لك إختياراتك. ولهذا، أوصيك ياعزيزي أن تلازم الدعاء، وانتبه لنفسك جيداً عندما تدعو فالدعاء ليس عجز بل قوة كامنة، وحتى الدعاء لا يصل اليه الا من وفقه الله لذلك. اوصيك ياعزيزي بأن تردد دائمًا الدعاء الذي لطالما أحببته منذ الصغر الا وهو "اللهم ارزقني نجاحًا يعقبه فلاحًا." فكم من نجاحٍ لا يُثمر، وكم من وصولٍ لا يعقبه استقرار، وكم من غايةٍ لا تُنبت فينا شيئًا سوى الخواء. لكن حين يجتمع النجاح مع الفلاح، فإنك تبلغ غاية فيها خير الدنيا ونور الآخرة. ولعل الفلاح هو ما يُبقيك بعد الوصول متزنًا، ثابتًا، ممتنًا. هو أن تنجح في شيء، ثم تنجح في ألا يفسدك ذلك الشيء. أن تصل، ثم تبقى إنسانًا يملك قلبه، لا أن يملك ما حوله ويخسر روحه في الطريق. فامضِ يا عزيزي، واسعَ بضميرٍ نقي، واملأ قلبك بالدعاء، ولا تيأس إن تأخرت النتائج، فالزرع لا ينبت في اليوم ذاته الذي نغرسه فيه، لكنه ينبت، طالما أن الأرض صالحة، والنية صادقة، واليقين بالله لا يتزعزع.
ولِتعلمنّ ياعزيزي أن كل غايةٍ مقرونةٌ بسعيك، وكل نصيبٍ مرتبطٌ بجُهدك. فليس ثمةَ رزقٌ محضٌ يُهدى للمرءِ دونما سبب، وإن جاءك الرزقُ يومًا دون طلبٍ أو سعي، فذاك فضلٌ عابر، لا قاعدة يُبنى عليها، ولا قانونٌ يُعوَّل عليه. فليس عليك سوى أن تعزم وتسعى، لا تلتفت لكثرة العوائق، ولا تقف طويلًا أمام بابٍ مغلق. أما النوال أو الوصول، فهما رهينان بأمرٍ لا تملكه، وهو التوفيق. والتوفيق، على خلاف ما يتوهم البعض، لا يعني أن تُفرش لك الطرقات بالورود، ولا أن تُحقَّق أمانيك من غير تعبٍ ومشقة، بل هو أن تُلهم الصبر حين يطول الطريق او يكون شاقاً، وأن تُرزق البصيرة في مواضع الحيرة، وأن تجد في قلبك طمأنينةً تقيك شرّ العجلة أو الجزع. ومن التوفيق أيضًا، أن ترى الحكمة في موضعٍ لم يُخلَق ليُسعِدك، بل ليُعلّمك. أن تُدرك المغزى في لحظةٍ عابرة قبل أن تُصاب أنت بما يُصيب غيرك. أن تعتبر بمُبتلى فتعود إلى رشدك، وأن ترى في عِبَرِ الآخرين ما يغنيك عن التجريب المؤلم. أن تهتدي إلى صوابك من أول الحكاية، لا بعد أن تفقد كل شيء. التوفيق ليس الا ضوءًا ينير لك دربك دائمًا، بل وهو ما يدفعك للاستمرار حتى حين لا يبدو في الأفق ما يُطمئنك، قد تكون جميع الأسباب من حولك معدومة ولكن لديك الأمل الذي لا يهب الا لمن وُفق وهو تلك القوة التي تُقيمك من عثرتك لا لتعود كما كنت، بل أقوى وأحكم. هو أن تُدرك أن كل خطوةٍ صحيحةٍ، ولو بدت لك صغيرة، إنما تُقرّبك من وجهتك أكثر مما تفعل وثبةٌ كبرى في غير اتجاه. فاسعَ ولا تنتظر اكتمال الصورة. جدّ السير، وإن بدا الطريق طويلًا. فإن صدق النية، ودوام الجهد، وتوكلك الصافي، هي المفاتيح التي قد لا تفتح لك كل الأبواب، لكنها تفتح لك الباب الذي هو لك وحدك، لا لغيرك.
وحين تسعى ياعزيزي، ويمنّ الله عليك بشيءٍ من الحكمة، تبدأ في رؤية الناس من زاويةٍ مختلفة، الا وهي زاوية التصالح مع النفس وهي من اسمى المراتب، تنظر إليهم لا بعين الحسد ولا المقارنة ولا الغيرة، بل بعين اليقين والتسليم. ترى من حُفّت حياته بالنعم الظاهرة مثل منصبٌ مرموق، مالٌ وفير، أسرةٌ مستقرة، فتدرك أن الله قد وسّع له في رزقه لغاية هو يعلمها، وأنه سبحانه يفضل بعض عباده على بعضٍ في العطاء، لحكمةٍ لا نحيط بها، ولتقديرٍ دقيقٍ لا تبلغه عقولنا. ستدرك حينها أن لكل عبدٍ نصيبه المرسوم، لا يجاوزه ولا يُخطئه، وأن ما أوتيه غيرك لم يكن ليفوتك، وما فاتك لم يكن لك أصلًا. تدرك أن الرزق ليس حكرًا على المال، ولا حصرًا في المناصب، بل قد يكون الرزق في سكينةٍ لا تُشترى، في راحة بال، في صحبةٍ طيبة، أو في قلبٍ يعرف كيف يشكر، واعلم ياعزيزي ان لكل شخص شيئا لا يملكه غيره، فالغني يملك اشياء لا يملكها الفقير، وحتى الفقير يملك اشياء لا يملكها الغني، الحكمة تريك أن العدالة الإلهية لا تقاس بالميزان البشري، وأن العطاء الإلهي ليس دليل محبة، كما أن المنع لا يعني بالضرورة غضبًا. بل لعل المنع أحيانًا هو عين اللطف، ولعل الضيق بابٌ إلى اتساعٍ لم تكن لتراه لولا ضيقك.
ختامًا يا عزيزي، إعلم أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين الوهم والأمل، خيطًا لا يُرى بالعين، بل يُحَسّ بالقلب الواعي والعقل المتزن. الأمل قوة بحد ذاتها تُبقيك حيًّا و تُلهمك الصبر، وتدفعك للسعي برغم الإحباطات والانكسارات، أما الوهم، فهو سرابٌ يستهلكك، يَعِدك بما ليس لك، يمهد لك الطريق ان تنظر الى ما في يد غيرك، ويقودك في دروبٍ معتمةٍ باسم الرجاء، حتى إذا بلغت النهاية، وجدت نفسك تائهًا من جديد، فاقدًا للبوصلة والوجهة. الأمل مبنيٌّ على فهم الواقع، على وعيك بحدودك وبقدرة الله، على إدراكك أن الفرج قد يتأخر لكنه ممكن، أن ما ترجوه قد يأتي إذا سعيت له، أما الوهم، فمولودُ العجلة والغرور. أن تُغلق عينيك عن الواقع، وتُقنع نفسك بما تحب، لا بما هو حق. أن تبني طموحاتك على أمنياتٍ خاوية من الجهد، وتعيش في أحلامٍ لا تُقاوم بها صعوبة، ولا تواجه بها حياة. فتمسّك بالأمل، لا لتتعلق بما لا يأتي، بل لتقوى على الانتظار، على الاجتهاد، وعلى الرضا بما يُقسم لك. وكن على وعيٍ دائم بأن التوازن بين الإيمان والسعي، بين الدعاء والعمل، هو طريق العاقل الذي يرجو ولا يغتر، ويصبر ولا ييأس. دائمًا وأبدًا، آمن أن النصيب لا يُزاحم، ولا يُنتزع بالركض، ولا يحتاج منك أكثر من قلبٍ ساكن بالإيمان، مطمئن بالثقة، ساكن في يقينه. فما كُتب لك سيأتيك، لا تُخطئه خُطاك، ولا تُبطئه الأيام، ولا تُغيره رغبات الآخرين. لن يسبقك إليه أحد، ولن يختطفه من بين يديك قدرٌ أو شخص، لأنه ببساطة كُتب باسمك قبل أن تُخلق، وسيجدك حين يحين وقته، كما يجد الماء نهره، والضوء نافذته. سيصل إليك في اللحظة التي تُشفى فيها من التعلق، التي تكفّ فيها عن السعي المضطرب، وتشرع في السعي الواثق. سيأتيك لا حين تلهث خلفه، بل حين تمضي في طريقك دون أن تلتفت، حين تُحسن الظن بالله أكثر من ظنك بنفسك، وتترك للأقدار مساحتها كي تتحقق. فلا تُقارن رزقك برزق غيرك، ولا تُقحم قلبك في سباقات لم تُخلَق لها، فكل روحٍ لها مسار، وكل قلبٍ له نَصيب، وما قد خُصّ بك لا يُشارَك، وما لم يكن لك، لن تملكه مهما أحكمت القبض عليه. امضِ بطمأنينة، جِدْ في السعي، لكن لا تُعلّق قلبك إلّا بالله. فكل ما تأخّر عنك ربما كان يُهذّبك لتستحقه، وكل ما غاب عنك ربما كان شرًّا خفيًّا نجاك الله منه. وما ظننته مستحيلًا في لحظة يأس، قد يُصبح بين يديك ذات يوم ما، دون مقدّمات، فقط لأنك انتظرت دون أن تفقد إيمانك، وصبرت دون أن تُطفئ نور الرجاء والأمل فيك.





"فكل روحٍ لها مسار، وكل قلبٍ له نَصيب" 🩷
☀️🤍