عودة الروح الى الجسد
سر الإنقطاع تكشفه العودة
لتعلم يا عزيزي أن الشوقَ إليك قد بلغَ مني مبلغاً، وأن وحشةَ الغيابِ كانت تنهشُ في قلبي، بقدرِ ما كانت المسافاتُ تتسعُ بيننا. وإني لأقفُ اليومَ ممتناً، بل خجلاً، أمامَ فيضِ وفائك؛ فقد كنتَ الصوتَ الذي لا يخفت، تتفقدني مراراً وتكراراً، تطرقُ أبوابَ صمتي برسائلك، وتبحثُ عن أثري في زوايا التعليقات، وفي بريدِ الغياب، وفي كلِّ ممرٍ كنا نلتقي فيه.
لو كان في وسعي أن أقدّمَ لك ما هو أبلغُ من الشكرِ لفعلت، ولو ملكتُ لغةً تفوقُ الامتنانَ لسكبتها بين يديك، ولكن حيلةَ المُحبِّ قاصرة، وليس لي إلا الكلماتُ أمدُّها جسراً إليك. ولعلّي اليوم، وفاءً لهذا الودادِ الصادق، أدينُ لكَ باعترافٍ وتفسير؛ أدينُ لك بكشفِ أستارِ هذا الانقطاعِ الطويل، هذا الجفاءِ الذي لم تعهدهُ مني، وما عهدتهُ أنا من نفسي قط.
لم يكن ابتعادي عنك ترفاً أمارسه في أوقات الفراغ، ولا زهداً في وصالك وحاشا لقلبي ذلك بل كان غياباً اضطرارياً فُرض عليّ، وارتضيته لأسبابٍ تداخل فيها الخاص بالعام. أولها، كان درساً لي في “تأديب النفس”؛ فقد أردتُ لهذا الصمت أن يكون رياضةً روحيةً، أكبحُ بها جماحَ الأنا، وأعيدُ ضبطَ بوصلةِ النوايا، حتى إذا عدتُ للكتابة، عدتُ متجرداً من حظوظ النفس، مخلصاً للمعنى لا للمبنى، وللحقيقة بدلاً من للتصفيق.
ولا أُخفيكَ سراً يا عزيزي، ولستُ ممن يواربُ أبوابَ الحقيقةِ ولو كانت موجعة، لقد تسلّلَ إلى نفسي شيءٌ من الغرور حينَ ذاعَ حرفي، وأخذتني نشوةُ الانتشارِ، فظننتُ واهماً أنني ملكتُ ناصيةَ الكلم. هو اعترافٌ قد يستثقلهُ البعض، وقد يزدريهِ آخرون، لكنني آليتُ ألا أعودَ إلا وقد نفضتُ عني غبارَ هذا الزيف.
قد يصفُ البعضُ هذه المكاشفةَ بـ ‘الشجاعة’، أما أنا فلا أسميها إلا ‘وفاءً’؛ وفاءً للفطرةِ الأولى، وللروحِ التي لا يليقُ بها أن تترهّلَ بأورامِ الأنا. لقد كان ابتعادي معركةً صامتةً، أردتُ فيها أن أُثبتَ لنفسي قدرتي على التخلي عن كل ما يُعظمُ الذات، وأن أجتثَّ نبتةَ الغرورِ الخبيثةَ من جذورها؛ موقناً أن الكِبْرَ هو الخطيئةُ العتيقةُ، وأولُ ثقبٍ أسودَ يبتلعُ نورَ القلبِ ويفسده.
اعتبرتُ مساحةَ الغيابِ تلك مغتسلاً بارداً، أطهرُ بهِ روحي من شوائبِ الغرور وصدأِ الإعجاب، لعلَّ عودتي اليومَ تكونُ عودةً بيضاءَ نقية، لا تشوبها شائبةُ تصنّع، ولا تكدّرها رغبةٌ في علو. أنا اليومَ لا أكتبُ ليُشارَ إليّ بالبنان، بل عدتُ أكتبُ لسببٍ وجوديٍ واحد: أكتبُ فقط لأتنفس.
وثانيها، كان رحلةً لـ “إثبات الذات”؛ اختباراً قاسياً أردتُ به أن أتيقن، هل أنا كاتبٌ لأنني أتنفسُ الحروف؟ أم أنها مجرد عادةٍ استبدت بي؟ كنتُ بحاجةٍ لأن أثبت لنفسي قدرتي على الصمودِ في عراءِ الواقع بعيداً عن دثارِ الكلمات، وأن قيمتي تكمن في جوهري الإنساني قبل أن تكون في نصوصي.
أما ثالث سبب، فكانت ضغوطات الحياة التي لا ترحم؛ تلك الأمواج المتلاطمة من المسؤوليات والواجبات التي ألقت بأثقالها على كاهلي، وسرقت مني صفاءَ الذهنِ الذي تقتاتُ عليه الفكرة، فوجدتُ نفسي في معركةٍ يوميةٍ مع الوقت والظرف، لم يكن فيها للقلمِ موطئ قدم، حتى أذنَ اللهُ بانقشاعِ الغمة، وهدوءِ العاصفة مجدداً.
ثم داهمتني، يا عزيزي، غمةُ “اللاجدوى”. تساءلتُ في لحظاتِ ضعفٍ: هل يغيرُ الحرفُ شيئاً؟ هل لا يزالُ لصوتي صدىً في هذا العالمِ المتخمةِ آذانُه بالضجيج؟ خفتُ أن أكررَ نفسي، وخشيتُ أن آتيكَ بكلماتٍ باهتةٍ لا روحَ فيها، فآثرتُ الصمتَ رغماً عني لعلَّ في الصمتِ إعادةَ تشكيلٍ للذات، وترميماً لما تصدعَ من شغف.
لكنَّ سؤالكَ الدائمَ كان المفتاح، وكان الخيطَ الرفيعَ الذي منعني من السقوطِ الكاملِ في بئرِ العزلة. فإليك أعود، بقلبٍ أثقلتهُ التجارب، وبقلمٍ يتوقُ لعناقِ الورقِ من جديد
فشكراً لأنك انتظرت، وشكراً لأنك تفهمت، وشكراً ملءَ السماءِ والأرض لسؤالكَ عني مراراً وتكراراً في التعليقات وفي مواقع التواصل المختلفة وفي الرسائل وحتى في ملاحظات مستقلة بحد ذاتها، قد كان صوتك قنديلي في عتمة هذا النفق، شكراً من القلب.
رغم وجاهةِ هذه المبررات، ورغم منطقيتها الصارمة، اكتشفتُ أن الروحَ بدأت تختنق. أدركتُ أن الكتابةَ ليست ترفاً نلجأ إليه حين يفيضُ الوقت، بل هي الرئةُ التي نتنفسُ بها وسطَ هذا الزحام. إنَّ الانشغالَ بالحياةِ عن تدوينها هو أشبهُ بمن يركضُ في ماراثون دون أن يعرفَ خطَّ النهاية؛ جهدٌ مبذول، ومعنىً مفقود.
لذا، أعودُ اليوم.
أعودُ ليس لأنني ملكتُ زمامَ الوقت، ولا لأنني وجدتُ إجاباتٍ نهائيةً لأسئلةِ الوجود، بل أعودُ لأنني أدركتُ أن في الصمتِ موتاً بطيئاً لا يليقُ بقلبٍ لا يزالُ ينبض. أعودُ لأكتبَ مبرراتي، وهواجسي، وحتى خوفي، لأنني أيقنتُ أخيراً أن الكتابةَ هي محاولتنا الوحيدة لهزيمةِ النسيان، وترويضِ وحشةِ هذا العالم. ها أنا ذا أنفضُ غبارَ الغياب، وأشرعُ نوافذَ الذاكرة، ميمماً وجهي شطرَ الكلمة، فبها نحيا، وبها نقاوم، وبها نعود.
ولأنَّ الشكرَ لا يكتملُ إلا بالعمل، والعودةَ لا تزدانُ إلا بالعطاء، يسرني أن نشرعُ سوياً في تدشينِ سلسلةٍ جديدة في الأيامِ القليلةِ القادمة بمشيئةِ الله، سلسلة لطالما تاقت إليها ذائقتكم، وألحت في طلبها رسائلكم. لقد آنَ لهذه الأفكار أن تخرجَ من أدراجِ التأجيلِ لتعانقَ النور، ولتكونَ هي ‘عربون الوفاء’ الذي أقدمه بين يدي هذه العودة، فترقبوها بقلوبٍ مشرعة، كما أترقبُ لقاءكم بها بكلِ شغف.





عودة مباركة إن شاء الله
لقد فتحت لي بابا في نفسي وهو هل أنا أعمل خالصا لوجه الله أم أعمل وأنشر من أجل حظوظ نفسي فأشكرك على فتحك لي هذا الباب
وأتمنى أن تكتب لنا ما هي الأمور التي ساعدتك ولوقليلا في التخلص من حظ النفس
وجزاك الله خير الجزاء أخي أشرف
عوداً حميداً دكتور اشرف، اشتقت لك كثيراً والله خصوصاً مع انتهاء محاضرات الترم الاول فلم ارك في المحاضرة ولا في كتاباتك. وكعادتك استاذي ابدعت من جديد وفي انتظار كل ما تكتبه يداك. سلمت