"ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا"
رحلة النضج بين خيبات تُهذّب، وصمتٍ يُنضج، وبصيرةٍ تُضيئك
كلما ارتقى الإنسان في أدبه، واتسعت مداركه بالعلم، وازدادت معرفته بزمانه وحقيقة الحياة ومقاصدها، تضاعف استغناؤه عمّا لا يليق به، أو لا يخدم غايته. تصبح نظرته أكثر عمقًا وانتقائيته أشد وضوحًا، فيُحسن اختيار من يحيطون به، ويضيّق الدائرة حتى لا يبقى فيها إلا من يضيف إلى روحه لا من يستهلكها. يخفّف من بعض الأحلام التي لم تعد تشبهه، ويعيد ترتيب أولوياته وفق نضجه الجديد. يعرف متى يعطي ومن يستحق، وكم من نفسه ووقته يهب، فلا يبدد طاقاته عبثًا، بل يوجّهها نحو ما هو أنفع، وأقرب إلى سلامه الداخلي وتحقيق ذاته. ومع هذا التحوّل الداخلي، تنمو لديه حساسية جديدة في استثمار طاقته، فلا يبذل من نفسه إلا بقدر ما يعود عليه بالنفع الحقيقي، النفعيّ هنا ليس ماديًا بالضرورة، بل ما يغذّي روحه، ويسهم في اكتماله. يعرف متى يعطي، ولمن يعطي، وأين يتوقف بلا ندم. وحين يبلغ هذا المستوى من النضج، لا تعود خساراته تُربكه كما كانت، بل يغدو أكثر تصالحًا مع فكرة التخلّي. لذلك لا تجده يخوض في نقاش مع من لا يُحسن أدب الحوار، ولا يُفرّق بين الادعاء والدليل، لأنه يعلم أنه قد ينزلق من طريق بيان الحق إلى فخ الجدال العقيم. فالجدال مع من يهوى الانتصار لا الحقيقة، لا يُثمر معرفة ولا يُورث إلا تعب القلب. وقد عبّر الإمام مالك عن هذا بدقة حين قال: "المراء في العلم يفسد القلوب ويورث الضغائن." فإنك إن انشغلت بكثرة الردود والردود المضادة، ستجد نفسك تخسر هدوءك، وربما نقاء نيتك، لأجل من لا يريد أن يفهم، بل فقط أن يُغلب. لهذا، اجعل همّك في النقاش في إقامة الحجة، لا في الفوز بالنقاش. فالحق لا يحتاج صخبًا ولا استعراضًا، بل يحتاج إلى عقل هادئ، ونفس تعرف متى تتكلم، ومتى تكتفي بالصمت الذي ينطق بالحكمة. وفي النهاية، النقاش الذي لا يُبنى على الاحترام المتبادل والمعرفة الحقيقية، لا يُثمر شيئًا سوى العداوة، بينما النقاش مع أهل الفهم، حتى لو اختلفتم، فهو طريق للتقارب والنمو. وهنا يتكامل هذا المعنى مع ما سبق من أن النضج لا يعني فقط ما نكتسبه، بل ما نكفّ عنه ونتجاوزه. فكما ينتقي الإنسان من يحيط نفسه بهم، عليه أيضًا أن ينتقي المعارك التي يخوضها، والحوارات التي تستحق صوته. لأن طاقة الإنسان أثمن من أن تُستهلك في جدال لا يُراد به الوصول، بل الغلبة، ولا يُنشد فيه الفهم، بل الجدل لأجل الجدل.
والحقيقةُ أنَّ الإنسان الناضج يجلسُ كلّ ليلةٍ مع نفسه يعاتِبها، يطبِّبُها مرّةً، ويجلدُها مرّات! يفتشُ في زواياها عن نوايا خفية، ويسألها: أكنتِ مخلصة؟ أم كان في القلب شيءٌ من نفاق ورياء؟ يُقلب مواقفه بصمتٍ، كمن يُقلب صفحات كتابٍ كتبه بيده، ويخجل من بعض السطور. يُراجع صمته: أكان حكمةً؟ أم خوفًا ام لكثرة ما حاول شرحه ولم ينتهي؟ ويُراجع كلامه: أكان نصحًا؟ أم رغبةً في الانتصار؟ فهو يعلم أن أخطر المعارك ليست التي يخوضها مع الآخرين، بل تلك التي تدور في داخله، بين ما يريد أن يكون، وما اعتاد أن يكون. يعرف أن إصلاح النفس ليس خطبةً ولا قرارًا لحظيًّا، بل هو شدٌّ وجذب، ومحاسبة لا تهدأ، وأن الطريق إلى الصفاء ليس معبّدًا بالعزلة فقط، بل بالصدق مع الذات حين تخذل، وحين تخطئ، وحين تتجمّل بما ليس فيها. وهكذا، في كل ليلة، يجلسُ مع نفسه لا بصفته القاضي فقط، بل التلميذ أيضًا، لأن أعظم الناس نضجًا هم أولئك الذين ما عادوا يحتفون بانتصاراتهم الصغيرة، بقدر ما يُرهقهم سؤال:هل كنت صادقًا اليوم؟ أم مرَّ اليوم على حساب جزءٍ من ضميري؟
اعلم عزيزي القارئ ان النضج لا يأتي الا من الحكمة وهو عكس الجهل. نعم ليس عكس الجهل العلم، بل الحكمة ، لأان كونك عالماً ليس بالضرورة ان تكون حكيماً. ولهذا اكاد اجزم ان احد مهام الدين والفن والفلسفة توجيه نظر الإنسان إلى التساؤلات والألغاز والأسرار. وقد يؤدي هذا أحياناً إلى معرفة ما، ولكن في أغلب الأحيان يؤدي إلى وعي بجهلنا، أو إلى تحويل جهلنا الذي لا نشعر به إلى جهل نعرف أنه جهل. إنها تُوقظ الحسّ بالسؤال، وتُزعزع وهم اليقين، وتدفع العقل إلى التفكير فيما يتجاوز المألوف والمباشر. وقد يقوده هذا الطريق أحيانًا إلى بصيص من المعرفة، لكنه في الغالب يُفضي إلى وعي جديد بالجهل، أو كما يقول الحكماء: لا إلى الجهل المطمئن، بل إلى جهل نعرف أنه جهل، ونتأمل تبعاته. وهذا الوعي بالجهل هو ما يصنع الفارق بين الجاهل والحكيم. قد يقف كلاهما، الجاهل والحكيم، أمام نفس المسألة وبنفس القدر من المعرفة المحدودة، لكن الجاهل – على عكس الحكيم – يتعامل مع جهله كما لو كان علمًا، ويبني على هذا الوهم رؤى ومواقف وأحكامًا. هو ببساطة لا يرى المشكلة، لا يشعر بالدهشة، وهذا العمى الذهني لا يقتصر على مجالات النظر والتأمل، بل قد يخلّف آثارًا خطيرة في الحياة العملية؛ إذ إن الجاهلين – بحكم ثقتهم المطلقة بأنفسهم – يتحركون بحزمٍ وجرأة، بينما يتصرف الحكيم بشكّ، وبتردّد محمود، كما رأينا في شخصية هاملت، الذي لم يكن ضعيفًا، بل كان مدفوعًا بعمق التساؤل وكثرة التأمل. المشكلة أن هذه الحيرة الحكيمة تبدو في العالم العملي وكأنها ضعف، بينما تُكافأ الثقة المفرطة حتى لو كانت قائمة على وهم. ولهذا يتمتع "فريق الجهال" بميزة ظاهرية تجعل صوتهم أعلى، وخطواتهم أسرع، وإن كانت في غير طريق. إذن، عندما نتحدث عن النضج الحقيقي، نتحدث عن القدرة على تحديد الجهل كما يحدده الحكيم، ومن ثم السعي لفهم ما وراء الظاهر. لأن الحكيم لا يرفض الجهل، بل يعترف به ويعمل على تجاوزه. ولهذا، فإن التمعن في الجهل لا يكون عبئًا على الحكيم، بل هو جزء من طريقه نحو الفهم، بينما الجاهل يُغلق الباب بسرعة بمجرد أن يظن أنه وجد جوابًا، فتكون تلك سرعة الانتصار على الذات، بينما الحكيم يأخذ وقتًا أطول ليُمعن النظر، ويتأمل المعجزات الخفية التي لا يراها الجاهل. وتكمن اغلب المشاكل لكون الإنسان جاهلاً ان لايدرك مدى عدم كماله، يميل الإنسان في الغالب إلى أن يرى نفسه في موضع أخلاقي آمن، ابن حلال كما يُقال، ما دام لم يقترف من الخطايا إلا ما يراه بسيطًا ومألوفًا. يطمئن إلى صورته عن نفسه باعتباره أقرب إلى الخير، ويتجاهل كم من الشر قد يكمُن فيه دون أن يدري. ولكن الحياة لا تترك هذا التصور على حاله. تدور الأيام وتأتي الامتحانات، ليس من الناس، بل من الذات، فتضع المرء وجهًا لوجه أمام حقيقته، حتى يتهاوى ذلك البناء النفسي المريح الذي أقنع به نفسه طويلًا. ولعل تراجيديا الإنسان الكبرى ليست في الموت أو الفقد، بل في فقدان براءته بالتدريج، من صفاء الطفولة، إلى تهور الشباب، إلى أثقال الكهولة، ثم إلى محاولات التوبة في الشيخوخة. كلما زاد وعي الإنسان بكمّ التلوث الأخلاقي الكامن فيه، قلّ إعجابه بذاته، وقلت رغبته في أن يكون مركزًا لهذا العالم. لا يعود يفرح بالمديح، لأنه يعلم أن الصورة المنعكسة عنه ليست الصورة الحقيقية، ويضيق بمديح الآخرين لغيره، لأنه يعلم أنهم – في الأغلب – ليسوا أكثر نقاء منه. ولهذا أحب أولئك الذين لا يحبون أنفسهم كثيرًا، الذين يعترفون بضعفهم وظلمهم الداخلي، ولا يبالغون في تصدير صورة زائفة عن النقاء. أما الذين يرتاحون إلى أنفسهم أكثر من اللازم، فيثيرون لديّ نفورًا غريزيًا؛ فإما أنهم غير خائفين من عتمة نفوسهم، أو أنهم لا يدركون أصلًا أن هذه العتمة موجودة.
في النهاية، اعلم عزيزي انها والله لنعمة ألا ينشغل عقلك إلا بما يهمه، يعمل عليه، يحاول فيه، ويلمس نتائجه المرجوة منه. ألا يتحرك مع كل شاردة وواردة، فلا ينتبه إلا لما فيه صلاحه دون أن ينظر للناس حوله أو يستقصي أثرهم. ألا تفتح قلبك إلا لمن يحبه، فيمنحه وقتًا، ويشمله برعاية، ويتألم لخسارته. أن يتجاهل هذا القلب من يبغضونه ومن يؤلمونه، وألا يسمح للهزائم أن تحوّله إلى إنسان سيئ يتمنى الهزيمة لغيره. إنها لنعمة حقيقية أن تدرك أن نفسك أولًا، وأنك إن نجوت بها سليمة، تحيطها قلة من الأحبة وكثير من الحب، فقد نجوت فعلًا.
وهكذا، حين يتسع وعي الإنسان بكل ما سبق، تتغير رؤيته للحياة، لا بوصفها ساحة للانتصار او الفوز في الجدال، بل كرحلة عابرة لا تنظر فيها الا لعتمتك وتحاول تطهيرها. يتضاءل فيه ضجيج الخارج أمام اهم صوت الا وهو صوت الضمير، ويتعلّم كيف يميّز بين الصخب الذي يستهلكه، والصمت الذي يبنيه. لا يعود يقيس نجاحه بعدد من حوله، بل بنوعية من تبقى إلى جواره بنوعية الأناس الحقيقين ليس الزائفين، وبقدر ما بقي في قلبه من صفاء بعد كل خيبة. تتغير أحلامه لا لأنها سقطت، بل لأنها تطوّرت، ونضجت، وتخلّت عن الزينة الفارغة. ومع كل خيبة، لا ينكسر، بل يرقى. ومع كل وجع، لا يتحول إلى مرارة، بل إلى بصيرة. لأن الإنسان كلما زادت رؤيته لعتمته الداخلية، أصبح أكثر رحمة، وأقل ميلًا إلى إصدار الأحكام، واكثر ميلاً لكونه إنسان يعرف حجمه! النضج ليس أن تكون على صواب دائمًا، بل أن تعرف متى أخطأت، ومتى تسامح، ومتى تعتذر. النضج أن تدرك أن نفسك مشروع مستمر من الإصلاح، لا ورقة اعتماد ثابتة. أن تتصالح مع ضعفك، دون أن تستسلم له، وأن ترى في كل خيبة درسًا لا لعنة، وفي كل انكسار بوابة لفهم أعمق. النضج هو أن تدرك أن صفاء القلب لا يُهدى، بل يُنتزع انتزاعًا من بين شوائب الدنيا، بالحفر العميق في الذات، والمراجعة المتكررة، والانكسار أمام الله لا أمام الناس. وفي هذا كلّه، تظل النعمة الأعظم هي أن تعرف نفسك، وتضعها في موضعها الصحيح: لا فوق الناس ولا تحتهم، بل إلى جوارهم، تمشي على الأرض بتواضع العارف، لا بعجرفة المدعي. أن تدرك أن النجاة ليست في الانتصار على الآخرين، بل في انتصارك على نفسك القديمة، التي طالما ساومتك على ما هو أدنى. فإن نجوت بنفسك من شوائب القلب، وسوء الظن، وحب الاستعلاء، فقد ربحتَ ما لا يقدَّر بثمن. وذاك هو النضج... أن تخسر ما كان يثقلك، لتربح خفة الروح. أن تفهم أن السكون ليس فراغًا، بل صوت الحكمة حين لا يعلو عليه شيء.




