رسالة إلى مخاوفك
هل يمكن للإنسان أن يظل نقيًابعد كل هذا؟
لا أحدَ يولدُ بقلبٍ مُنعَزِلٍ، ولا نَفْسٍ خائفةٍ، بل إنَّ الإنسانَ يواجه أولَ حياتِه بخُطى واسعةٍ، وقلبٍ كبيرٍ، ويدٍ حنونةٍ. يمدُّ يديه نحو العالم بثقة، يُقبِل على الحياة بنظرة نقيّة، لا يحمل في داخله شكًّا أو خوفًا، بل يظنّ أن العالم كما هو عليه، كما تراه عيناه الصغيرتان، مساحةٌ للدهشة، وملاذٌ للمحبة. لكن شيئًا فشيئًا، يكتشف أن الواقع ليس كما تخيّله، وأن الطريق الذي سار فيه لم يكن ممهدًا كما ظنّ. يقابل في رحلته الأولى من يُعلِّمُه أنَّ خُطاه إليه كانتْ سُدى، فيبدأ بالتراجع خطوة بعد خطوة، لا يخطو إلا بعد تفكير، ولا يتقدم إلا بعد تردد. ثم يواجه من يبغضه بلا سبب، فيضيقُ قلبُه إلا على القليل، ويحذر من مدِّ يده كما كان يفعل في البداية. يتعلم، رغمًا عنه، أن العالم ليس كما خُيّل إليه، بل هو مكان تُزرع فيه الريبة قبل الأمل، ويُغرس فيه الخوف قبل المحبة. ثم يلتقي بمَن يحتالُ عليه ليقطعَ يديه، فلا يعود يُصافح أحدًا إلا بحساب، ولا يمنح إلا بعد حذر. يتعلم أن الناس ليسوا جميعًا كما كان يظنّ، وأنَّ النقاء الذي نشأ عليه قد يُصبح عيبًا في عيون البعض، وأنَّ الطيبة التي فطر عليها قد تُفسَّر على أنها سذاجة أو ضعف. وهكذا، دون أن يدري، يتحول شيئًا فشيئًا إلى نسخة مختلفة عن نفسه الأولى، عن ذلك الطفل الذي كان يركض نحو الحياة بكل ما فيه من حبّ وثقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن فعلًا محكومون بهذه الدائرة المغلقة من الخوف؟ أم أن بإمكاننا، رغم كل شيء، أن نعود إلى ذواتنا الأولى، أن نحتفظ بجزءٍ من تلك الفطرة النقية، رغم وعينا بأن العالم ليس كما تصورناه في البداية؟
الحياة مليئةٌ بالأذى، لكن الأذى لا يأتي إلا من الناس، ولا يداوى إلا بهم. وبين مَن يجرح ومَن يداوي، بين من يخذلك ومن يرفعك، يتأرجح الإنسان، يبحث عن توازنه، يحاول ألّا يفقد نفسه بالكامل، وألّا يتحول إلى نسخة أخرى ممن أذوه. فمن يدرك هذه الحقيقة، ينجو، ولو بجزءٍ منه. غير أن النجاة ليست دائمًا بالعودة إلى نقطة البداية، فنحن لا نعود كما كنا، بل نحمل آثار الطريق معنا، وتلك الآثار ليست دائمًا ندوبًا، بل قد تكون دروسًا تمنحنا وعيًا مختلفًا دون أن تسرق منا ما هو أصيل. يمكننا أن نتعلم الحذر دون أن نفقد الثقة، وأن نرى الخداع دون أن نشك في كل شيء، وأن نكون طيبين دون أن نكون عُرضة للاستغلال. الأمر أشبه بما يولد عليه الإنسان بفطرته، نقيًّا كبياض الثوب الجديد، ثم تأتي الأيام فتترك عليه آثارها، تارةً بلطخات صغيرة، وتارةً أخرى ببقع يصعب محوها. لكن يبقى السؤال: هل يمكن للإنسان أن يحافظ على هذا النقاء طوال حياته؟ والأهم من ذلك، هل سيكون ذلك على حساب نفسه؟ هل سيتعين عليه أن يضحي بالكثير ليبقى كما كان، أم أن التغيير أمر لا مفر منه؟
في الواقع عزيزي القارئ، الحفاظ على النقاء الفطري طوال العمر أمر شبه مستحيل، لأن الإنسان كائن متأثر ومتفاعل مع بيئته، ولا يمكنه العيش في معزل عن التجارب التي تشكّله.أما كإجابة على السؤال الأهم: هل يكون التمسك بالنقاء على حساب النفس؟ في كثير من الأحيان، نعم. فالبقاء نقيًا في عالمٍ يختبر صلابتك باستمرار قد يعني التضحية بالكثير—بالسذاجة التي كانت تمنحك الثقة المطلقة، بالاندفاع العفوي الذي لم يكن يخشى الخذلان، وربما ببعض الإيمان بالناس بعد تكرار الخيبات. لكن الحل ليس في أن نختار بين النقاء المطلق أو القسوة المطلقة، بل في إيجاد التوازن. أن نحافظ على الخير فينا دون أن نكون فريسة، أن نبقى قادرين على الحب دون أن نسمح للأذى بأن يجعلنا متبلّدين. فالنقاء ليس في عدم التغيّر، بل في أن نحافظ على ما هو أصيل فينا، حتى لو أُعيد تشكيله بفعل الزمن.
كبداية لي ولك، اول أمر لابد ان تدركه هو ان لكل موقف نواجهه في حياتنا حكمة، هناك مواقف تمرّ بها فتكون كاشفة لكل شيء، تعلمك من هم أهلك الحقيقيون، ومن كانوا يتظاهرون بالقرب منك وهم في الحقيقة بعيدون. مواقف تفرق بين من هم سندٌ لك في شدتك، وبين من هم مجرد أوراق تتطاير مع أول ريح عاتية. هناك مواقف تختبر بها القلوب، فتعرف من منحك مكانًا ثابتًا في قلبه، ومن لم تكن بالنسبة إليه سوى كلمات عابرة لا أثر لها. لحظة واحدة، ظرف واحد، قد يجعلك ترى حقيقة كل من حولك بوضوح لم تعهده من قبل. وحين تنهض من عثرتك، لا تصدّق الكلام، فالكلمات يسهل نطقها، لكنها قد تخلو من الصدق. صدّق الأفعال، تلك التي لمستها بروحك، ورأتها عيناك، وأحس بها قلبك. فالأفعال وقت الشدة هي المرآة الحقيقية للمشاعر، وهي التي تُظهر من كان معك بحق، ومن كان مجرد ظلّ عابر في حياتك. مع كل موقف تمرّ به، تجد نفسك تعيد ترتيب قائمة أولوياتك من جديد. تُدرك من يستحق مكانه في حياتك، ومن كان وجوده مجرّد ظلّ لا أثر له. لكن السؤال الأهم: ماذا لو خذلك الجميع؟ ماذا لو جاءت المواقف متتالية، كل واحدة منها تثبت لك أن هذا ليس جديرًا بثقتك، وذاك لا ينبغي أن يكون ضمن دائرتك، حتى تجد نفسك في النهاية وحيدًا؟ حينها، لا تعتبر وحدتك خسارة، بل انظر إليها كمساحة نقية خالية من العلاقات الزائفة. فالفراغ الذي تتركه بعض العلاقات أفضل من الامتلاء بما يُثقلك. هناك لحظات في الحياة يكون فيها غياب البعض مكسبًا، والوحدة المؤقتة فرصة لإعادة بناء ذاتك بعيدًا عن الضجيج والخذلان. لا بأس أن تجد نفسك بلا أحد، طالما أنك لم تفقد نفسك في الطريق. الاستغناء هو فن العيش دون تعلّقٍ يؤلم، ودون انتظارٍ يستهلك الروح. قال أحد الشعراء: “أرجوهم على أحسن حال وأنا على أحسن حال وهم في غنى عني وأنا في غنى عنهم." وسأل جلال الدين الرومي أستاذه شمس الدين التبريزي: كيف تُرد نار النفس؟ فأجابه: بالاستغناء. ثم قال: استغنِ يا ولدي، فمن ترك ملكَ. لكي تمضي في الحياة بسلاسة، عليك أن تتعلم الاستغناء، أن تنسحب حين يتطلب الأمر، وأن تتقبل الحقيقة دون صراعٍ أو مرارة. لا تلُم أحدًا، فالحياة سلسلة من المحطات، والناس عابرون، ليس كلهم باقون حتى النهاية. ليست كل العلاقات تُحافظ على حالها، لذلك، حتى إن شعرت بالغضب أو الخذلان، تذكّر أن التوازن يكمن في القدرة على الاستغناء.وإياك أن تظن أنك وحيدٌ تمامًا في هذه الدنيا، فلا أحد يعيش في عزلة مطلقة. حتى أسوأ الناس يجدون من يرافقهم، فكيف بمن يحمل الخير في قلبه؟ تأكد أن من كان صادقًا ونقيًا لا يضيع أبدًا، فالعطر يظل عالقًا في اليد التي منحت الورود، والخير لا يذهب سدى، بل يعود إليك ولو بعد حين، في صورة أشخاص يشبهونك، يشبهون نقائك تماماً. ابتعد عن الناس القاسية قلوبهم، وضع تحت كلمة "قاسية" مئة خط. ابتعد عن أولئك الذين لا يعرفون قيمة العزيز ولا الغالي.
ابتعد عن الذين يرون أن خطأهم صغير، أو يظنون أن أنفسهم لا يخطئون، (دعّ أذاهم)، ابتعد عن الذين تسامحهم مرة ومرتين، ثم يعيدون نفس الخطأ، معتقدين أنهم أذكى منك، وأنك لا تفهم، وأن مشاعرك لا قيمة لها. ابتعد عن أولئك الذين لم تجدهم في شدتك، ولم يمدوا يدهم لك عندما كنت في أمس الحاجة. ابتعد فقط، لا تنظر إلى الوراء، صدقني، في البعد هناك سكينة وهدوء لروحك. من يخسرك لا يمكنه أن يعوّضك، لذل”ك دوماًاعتزل ما يؤذيك". في نهاية الطريق ستخاطب نفسك قائلاً وأخيرًا… وصلت. أو هكذا خُيّل إليّ. كم من الطرق سلكتُ، وكم من الأبواب طرقتُ، وكم من الأمل خذلني، حتى أدركت أن الوصول ليس محطة، بل شعور يتلبّس القلب للحظة، ثم يرحل. كنت أركض وراء شيء لا أراه، ألهث خلف ظلٍّ يبتعد كلما اقتربتُ منه، وحين مددتُ يدي لأمسك بالحقيقة، وجدتُني أمسك بالفراغ. وأخيرًا… فهمت. كل تلك الهزائم لم تكن إلا معارك كان عليّ أن أخوضها كي أعرف من أكون. كل تلك الأحزان لم تكن إلا دروبًا قادتني إلى داخلي، حيث يسكن الصمت الذي كنت أهرب منه. وكل تلك الأبواب التي أُغلقت في وجهي لم تكن رفضًا، بل كانت تدفعني نحو الطريق الذي كُتب لي منذ البدء. وأخيرًا… سامحت. سامحتُ العالم على قسوته، والأيام على جفافها، والوجوه التي اختفت دون وداع. سامحتُ الماضي لأنه كان يجب أن يكون كما كان، وسامحتُ قلبي على كل تلك المرات التي صدّق فيها الوهم وظنّه حقيقة. وأخيرًا… أدركت. أن السعادة ليست شيئًا نبلغه، بل لحظات تتساقط علينا كندى الفجر، خفيفة، خاطفة، ثم تذوب. وأن الأجوبة ليست سوى أسئلة أخرى متنكرة. وأن أجمل الأشياء تلك التي تأتي حين نكفّ عن انتظارها. وأخيرًا… أدركت أنني لا أريد الوصول، بل أريد أن أعيش الطريق. أخيرًا… عزيزي القارئ، لا تقيد نفسك بوهم الوصول، فكل خطوة على الطريق تكتب لك قصة جديدة، وكل لحظة تحمل في طياتها درسًا قد تحتاجه في يومٍ ما.






