:عزيزي المراهق
كن فريدا في زمن يتسابق فيه الناس على التشابه
إن حكاية العُمر تُطوى في فصول، وأن لكل مرحلةٍ أثقالها وأحلامها، ومتطلباتها التي لا تُشبه ما قبلها وما بعدها. وما حروفي التي أسطرها لك اليوم ياعزيزي إلا رسالةٌ عابرةٌ للزمن، آتيةٌ من المستقبل اليك انت في ماضيَّ أنا، أبعثها إليك إن كنت تعيش في ربيع صباك وفورة مراهقتك، أو كنت من أبناء ذلك الجيل الذي تفتّحت عيناه على دنيا تتلاطم فيها أمواج الصراعات؛ جيلٌ أبصر النور في أعقاب غزو العراق، وفي ظل تلك الأزمات العاصفة التي زلزلت العلاقة بين شرق الأرض ومغربها.
أكتب إليك لأخبرك أن هذا العالم المليء بالضجيج والتخبطات، والذي ورثتموه مثقلاً بالجراح والنزاعات، لن ينتظر منكم الاستسلام، بل يترقب منكم النهوض. لقد كبرتم في حقبةٍ تتسارع فيها الأحداث وتتداخل فيها المفاهيم، حيث أصبحت الشاشات نافذتكم على عالمٍ لا يهدأ، مليء بالتناقضات والتحديات التي قد تزرع في القلوب شيئاً من التيه أو اليأس.
أرجو ياعزيزي أن تُنزل كلماتي اليوم من نفسك منزلة الجد والحزم، وأن تعيرها بصر بصيرتك قبل عينيك. وإياك أن تحسبها محض خطاب حماسي او تحفيزي، من تلك التي توقد في الصدر شعلة سريعة الزوال، ما تلبث أن تخبو وتذروها رياح النسيان في صبيحة الغد. بل إني لأستنهض همتك لتتأمل ما أخطه لك، وتستخلص منه العبر، وتحلل مضامينه بعين الناقد المتفحص لتشيد على أساسها صرحاً من الأفكار.
فليس القصد أن تُطوى هذه السطور كصحيفة تُقرأ وتُهجر، بل غايتي أن تكون لك شرارة أولى، ومنطلقاً تؤسس عليه ولا تقف عند حدوده، لتمضي به في دروب الفكر إلى آفاق أرحب. فالفكرة يا عزيزي، تختنق إن لم تجد عقلاً حصيفاً يرويها بماء التأمل والتطبيق، والمعرفة لا تكتمل إلا بالبناء عليها. فاجعل من حروفي هذه لبنة أولى في وعيك، فما أنا إلا ممهد للطريق، أما المسير وبلوغ الغاية فهو رهن بيقظتك، ومناط بعزيمتك أنت.
إعلم ياعزيزي، أن ما تبصره اليوم من خطوبٍ وأزمات، قد استحالت في عيون الكثيرين أمراً مألوفاً، حتى لم تعد تُحسب في عِداد المشكلات من الأساس. إننا نعيش حقبةً تتشظى فيها الهويات، وتختلط فيها المعتقدات، وتتلاطم أمواج المبادئ في لجة التيه حتى يعمى على المرء أثرها ولا يُعرف لها مستقر.
سترى بأم عينيك أقواماً يحملون لواء دينٍ، بينما تنطق أفعالهم بشرائع غيرهم. وستشهد من يتدثر برداء الحكمة، وتحت ردائه حماقةٌ وجهل. ستلتقي بمن يمد لك يد الصداقة، وما هو في حقيقته إلا سرابٌ ومخادع، وبمن يسقيك معسول الكلام موهماً إياك بالحب، وما غايته إلا إرواء ظمأ شهواته وإشباع نهم رغباته.
سترمق الجموع وقد عكفوا على شاشات أجهزتهم سُكارى وما هم بسكارى، أسرى لعوالم وهمية، بينما تتبخر الأيام من بين أيديهم، ويتسرب العمر كما يتسرب الرمل من بين الأصابع. سترى من يقرع طبول الحرية الشخصية عالياً، وهو في جوهره عبدٌ أسير، تكبله قيودٌ خفية تسوقه أهواء شتى من مشارق الأرض ومغاربها. ستُعرض أمام ناظريك مسرحياتٌ متقنة الحبك، يعج مسرحها بالمنافقين والمتلونين، وتتوارى فيها ملامح الحق خلف حجب الزيف.
احفظ في مقتبل عمرك هذا يا عزيزي وصايا أصوغها لك بمداد القلب عساها تكون لخطوك نبراساً.
الوصية الأولى: لسانك العربي
إياك ثم إياك أن تشتط بك السبل فتتقن لسان العجم مستنزفاً بذلك روح لغتك الأم. فاللغة العربية ليست محض حروفٍ وكلمات تُنطق، بل هي وعاء التنزيل الحكيم، وتاج اللغات بياناً، وأعلاها قدراً وأعمقها أثراً. ومهما أغدق عليك أبواك من سبل التعليم، ومهما ولجت من صروحٍ علمية تتباهى بتعدد ألسنتها وعلو شأنها، فلا تجعلنّ ذلك سبيلاً للتفريط في عربيتك؛ ففي ثناياها تجذَّر أصلك، وبين مفرداتها رُسمت ملامح هويتك.
ولا يغرنّك ظنٌّ واهم بأن إقحام بضع كلماتٍ أعجمية في ثنايا حديثك هو منتهى الثقافة ودليل الرقي. فاعلم أنه لا ثقافة ترتكز على فراغ، ولا وعي يُبنى بلا انتماء. فإن تنكرت للسان قومك فقد انقطع حبل انتمائك لأرضك وجذورك، وإن فقدت كليهما، فلا تحدثني حينها عن رجاحة عقلٍ أو سعة إدراك؛ فقد سُلب منك الجوهر وما هو أعظم وأبقى. انهل من بحور اللغات الأخرى ما اتسع لك الجهد، واجعلها مفاتيح للمعرفة، لكن إياك أن ترفعها مقاماً يعلو فوق لغتك، أو أن تتشدق بها لتلتحف برداء مثقفٍ زائفٍ تذروه رياح الأصالة.
اسأل نفسك اليوم، في لحظة صدق وتجرد هل رأيت يوماً في الغرب من يحشر في ثنايا حديثه كلمات عربية ليتباهى بها، أو ليدعي بلوغ مراتب الثقافة والتحضر؟ وهل حقاً أن ذلك المجتمع بأكمله يتربع على عرش الوعي والمعرفة؟ وإن كان الغرب قد بلغ حقاً منتهى الرقي والكمال كما يُخيل لبعضنا، فكيف تفسر غفلته العجيبة عن أبسط بديهيات الطهارة، وتجاهله لأسس النظافة في أدق تفاصيل حياته الشخصية؟ قف وتأمل مسار التاريخ؛ كيف انقلبت الموازين حتى بتنا ننتظر منه الغذاء والدواء؟ لماذا تناسينا أنك أنت من شق له دروب العلم الأولى، وأنت من مهد له سبل المعرفة التي ارتقى على درجاتها، ليبرع اليوم في تصدير ما تنتجه مصانعه إليك؟ يا عزيزي، إن الغرب ليس هو المالك الأوحد لمفاتيح الثقافة، كما أنك لست، ولم تكن يوماً، خاوياً من الإرث والحضارة. انفض عنك غبار الدونِيَّة، وأدرك جوهرتك الأصيلة؛ فالتاريخ بأسره يشهد أن كل شيء في هذه الأرض قد بدأ من مشرقك وبك حتماً سيكون المنتهى.
وإن حباك الله يا عزيزي، بنعمة الأبوة أو كساكِ بحلة الأمومة، فلا يزهو بك الفخر ولا يطرب سمعك حين يلوك طفلك ألسنة الأعاجم، وكأنما حاز بها مجد الزمان. بل اجعل ذروة فخرك وغاية مجدك أن يحيط علما بألسن شتى ومناهل عدة، لكن قلبه ولسانه يظلان متجذرين في هويته، معتزا ببيانه العربي، شامخا بأصالته. لا تجعل لغة الغريب هي المألوف في عقر دارك، فتسقيه بغير قصد رحيق ثقافة لا تشبهنا، وتنسج له في بيته عالما منفصلا عن أمته، ليشب بعد حين غريبا عن جذوره، محملا بأفكار لا تمت إليك بصلة، ثم تقف غدا في ساحة التعجب والحسرة تعض أصابع الندم، متسائلا: من أين تسلل هذا الاغتراب؟ فالشجرة التي تُسقى بماء غريب، وتمتد جذورها في غير أرضها، لن تطرح لك أبدا من طيب ثمرك.
الوصية الثانية: خدش الحياء
سترى في أروقة مدرستك، وبين أقرانك، أموراً شتى قد يُخيّل إليك، في غمرة الصبا وفورة الشباب، أنها مباحة لعمرك ومستساغة لجيلك، وما هي في حقيقتها السافرة إلا فخاخٌ مزركشة، وشِباكٌ مموهة، نُصبت بإحكام لتسلبك نقاء سريرتك، وتحرف بوصلة فطرتك السليمة عن جادة الصواب. واعلم، يقين العلم، أن كل زلةٍ تقنع بها نفسك اليوم، مصوراً إياها على أنها هفوة عابرة أو طيش مؤقت ستقلع عنه غداً، ما هي إلا مكيدةٌ من مكائد النفس وخديعةٌ من خدع الهوى. فكلما تماديت في الخطأ متدثراً بعذر “الاستثناء المؤقت”، زدت في وحله غرقاً. فما ذاك “المؤقت” إلا وهمٌ نُسج ليمهد لك درب الزلل؛ إنه ليس مؤقتاً كما تتوهم، بل هو شرارة البداية، والمنعطف الأول في طريقٍ شائكٍ ينحدر بك نحو هاوية الاعتياد وتبلد الإحساس.
نعم، سترى أقرانك يتهافتون على مقاطع مصورة تخدش الحياء وتدنس الفطرة، فاعلم أنها ليست سوى تجارة بائرة، وصناعة دنيئة تُجنى من ورائها الأموال على حساب نقائك أنت. مهما تزيّن لك المشهد وبدا مغرياً، فما هو إلا تمثيلٌ زائف، وآلةٌ ضخمة تدور تروسها لتحقيق مآرب خبيثة؛ أولها سلب مالك ووقتك، وثانيها وهو الأدهى دسّ سمومٍ فكرية تنخر في عظام المجتمعات وتدمر بنيانها وثالثها انحدار عقلك وصحتك البدنية. وأعيذك أن تقع في شراكها؛ فإنك إن ألفتها اليوم واعتادت عليها عيناك، فستظل أسير طيفها لسنواتٍ طوال، تكبلك أصفادها حيثما حللت. هذا هو السر الدفين الذي قد يضنّ به الكثيرون عليك، ولكني لك اليوم من الناصحين المشفقين إياك والوقوع في هذا الفخ المظلم، فندوبه على صفحات عقلك غائرة، وضرره على صفاء روحك أشد وأقسى.
وإن سألتني عن أضرارها على العقل، فاعلم يا عزيزي أن هذه المشاهد تفعل في الدماغ ما يفعله السوس في الخشب المتين؛ فإنها تسلب العقل قدرته على التركيز والتأمل. ستجد أن ذهنك الذي كان صافيا كمرآة مصقولة، قد غدا مشتتا تتزاحم فيه الأخيلة المريضة، وتعجز عن استجماع أفكارك في أبسط أمور حياتك. إنها تطفئ نور البصيرة، وتورث القلب بلادة، والعقل تبلدا، فلا تعود ترى الأشياء على حقيقتها، بل من خلال تلك العدسة المشوهة التي فرضوها عليك.
وما أشد ضررها حين تعبث بموازين الفطرة، فتفسد عليك نظرتك الصالحة للحياة وللناس. إنها تجرد العلاقات الإنسانية من سموها ومودتها، وتحيلها في عينيك إلى مجرد غرائز حيوانية مجردة من كل معنى نبيل. وحين يمتلئ خيالك بتلك الصور الزائفة، ستفقد القدرة على تذوق الجمال الحقيقي في واقعك، وتزهد في الحياة المعاشة لأن عقلك قد أُسر في قفص من الأوهام التي لا وجود لها إلا في تلك الشاشات الباردة.
فاصن عقلك يا عزيزي عن هذا المستنقع، واربأ بنفسك أن تكون سلعة في سوقهم الرخيصة. اجعل من إرادتك حصناً منيعا، واملأ وقتك بما يسمو بروحك ويصقل فكرك، فإن العقل إذا اعتاد النقاء، استقذر كل ما دونه، وإن الروح إذا حلقت في سماء المعالي، لم ترض يوما بالانحدار إلى القيعان.
الوصية الثالثة: لفائف التبغ
وسترى في مسيرك أقواما يتداولون لفائف التبغ، وما شابهها من الآفات المهلكة، متوهمين في غفلتهم أنها مفاتيح الرجولة ومصانع المهابة. ونعم، يا عزيزتي، سترين أنت أيضا من الفتيات من تتداولها متدثرة برداء التحرر ومفتاح الاستقلالية. ولكن، لنسأل العقل لحظة: إن كانت الحرية حقا تكمن في لفافة تبغ، فكيف لها أن تستنزف مالك، وتصادر إرادتك، ويعجز المرء عن الفكاك من أسرها؟ إن كل إدمان في حقيقته ليس إلا استعبادا مقنعا، وكل استعباد مرير إنما يبدأ بكلمة ساذجة “عادي”. كيف للمرء أن يدعي السيادة على نفسه وهو أسير لعادة تتحكم في أنفاسه ومزاجه، تأمره فيطيع، وتدعوه فيلبي النداء ولو على حساب عافيته وحر ماله؟ إن الرجولة الحقة هي قوة الإرادة، وصلابة الموقف، والقدرة على كبح جماح النفس متى ما دعتها شياطين الهوى إلى التهلكة. والحرية الأصيلة ليست في محاكاة الأفعال المنفلتة، ولا في الانسياق خلف قشور الزيف، بل في وعي العقل، وسمو الروح، وامتلاك زمام النفس حتى لا تستعبدها شهوة ولا تقيدها عادة.
لا تنخدعوا بتلك الصور الزائفة التي تروجها شاشات الوهم، حيث يُرسم المدخن في أبهى حلة، وتُصور المدخنة كرمز للتمرد والجاذبية. فما يطويه الواقع خلف هذا الدخان المتصاعد هو رئات تلهث، وأجساد تذبل، وإرادات تُسلب، ومال يؤخذ من جيبك. إن السلاسل التي لا تُرى بالعين هي أشد وطأة من تلك التي تقيد الأيدي.
وحين يشتد عودك ياعزيزي وتكبر، ستدرك الحقيقة الجلية وهي أن ساحات الحياة تعج بالذكور، ولكن الرجال فيها عُملة نادرة. ستشهد جموعاً غفيرة من الذكور الذين يحيون على هامش الحياة، لا يفقهون من أمرهم شيئاً، ولا يحملون هماً ولا يسعون لمقصد، ليس لهم من صفات الرجال سوى أصوات خشنة يختبئون خلفها، وما هم من الرجولة في شيء. فلم، ولن، تُصقل رجولتك بمظاهر جوفاء، بل إنما تُصاغ في قلب مبادئك الراسخة. لن يقيم صلب رجولتك إلا رجاحة عقلك، وسمو أخلاقك، وتلك الحدود الصارمة التي تضربها حول نفسك لتصونها من العبث. فالرجل لديه ذكاء وفطنة، يقظةٌ تحرس أبواب قلبه وعقله كحارسٍ لا ينام. إنه كالملاكم المتمرس في حلبة الحياة؛ يعرف متى يُقدم بجرأة، ومتى يرفع درع الحماية ليذود عن مبادئه بقوة وبأس. يدرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في إطلاق العنان للغرائز، بل في ترويضها وكبح جماحها. فالرجل الحق هو من يسيّج حياته بأسوارٍ منيعة من القيم ليحمي جوهره من طوفان التفاهة المحيط به، ويمضي في دروبه بخطىً واثقة، يحمل بين ضلوعه روحاً حرة، وعقلاً مستنيراً، وعزيمةً لا تلين.
الوصية الرابعة: لايوجد حرية مطلقة، ولا توجد حرية شخصية
المثلية الجنسية ليست حرية، الإلحاد ليس حرية، التحول الجنسي ليس حرية
احذر أن تلتبس عليك المفاهيم في زمن اختلت فيه الموازين وزُخرف فيه الباطل، فالمثلية الجنسية ليست حرية، بل هي انتكاس للفطرة السوية، وانسلاخ عن نواميس الطبيعة التي استقامت بها الحياة، انت جزء لا يتجزأ من مشروع تجاري كبير يدعو لانقراض البشرية وظهور النخبة فقط، ولا يَذهَبَنَّ بك الظن إلى أن ما أبثه إليك محض «نظرية مؤامرة»، من تلك التي تُساق ذريعةً لتسفيه العقول، أو سيفاً مُسلطاً لتبديد ما يعقبها من حديث. بل هي محاولة جادة لقراءة المشهد بعين البصيرة، متجاوزين قشور الأمور إلى لُبابها.
إنك لو أمعنت النظر، لوجدت أن الفطر السليمة بل والأنظمة على تباين مقاصدها تنفر بطبعها من الشذوذ وأهله، مهما تسربلوا بأثواب المظلومية أو تذرعوا بشعارات الحقوق. إن أولى خطوات استباحة الباطل وتوطينه في العقول، تكمن في منحه اسما براقا يسلبه قبحه، ثم تُنسج حوله هالة من المشروعية والامتيازات المستحدثة. وحينها، يتحول هذا الانحراف عن جادة الصواب إلى ما يشبه الكيان المنظم، يشرع أبوابه ويغري العابرين بالانضواء تحت لوائه. إن الخطر الأكبر لا يتجلى في وجود الرذيلة ذاتها، بل يكمن في مساعي “تطبيع” هذا الشر، حيث تُمحى الحدود الفاصلة بين السوي والمعوج، ويصبح الخلل الأخلاقي هو القاعدة التي يُحتكم إليها. وما أن يستمرئ المجتمع هذا الانزلاق، حتى تتبدل مفاهيمه تدريجيا؛ فيُسوق للتهاوي على أنه حرية، ويُزين التمرد على السجايا القويمة كأنه ارتقاء.
وأما عن الإلحاد، فالإلحاد في جوهره تجريد للذات من بوصلتها، حيث يُوهم الإنسان نفسه بارتقاء العقل وانعتاقه، بينما هو يغوص مختارا في متاهات العدم. فحين يقطع المرء أوصاله مع جذور المعنى الأسمى، تغدو الحياة مسرحا عبثيا، وتتحول الأسئلة الوجودية الكبرى إلى أغلال من الشك تدمي البصيرة قبل البصر. إن طمأنينة الإيمان لم تكن يوما قيدا يحد من آفاق الفكر، بل هي المرفأ الآمن والأساس المتين الذي يتيح للعقل أن يبحر في نواميس الكون المتشابكة دون أن تبتلعه أمواج الضياع. ففي نور اليقين، تجد الروح سكينتها، ويتصالح الإنسان مع ضعفه، مستمدا ثباته من حقيقة كبرى تضيء عتمة الدرب وتمنح لوجوده غاية وقيمة.
ولقد كان من دأب بعض من تلبس برداء الثقافة، أنه إذا ألم بشيء يسير من المعرفة، ظن أنه قد حاز مجامع العلم، فانتفخ غرورا وأقصى الدين عن مملكته العقلية. ولم يقف عند حد هذا التيه، بل سعى لتعميم هذا الفراغ، داعيا غيره لانسلاخ يشبه العمى، وكأنه يفر بجهله من نعيم اليقين إلى شقاء العدم. إن الوجود الإنساني أسمى من أن يختزل في دائرة مفرغة؛ يولد فيها المرء ثم يفنى دون غاية ترفعه أو منهج متين يسدده. فالحياة لا تستقيم على هذا العبث، والناظر بعين البصيرة، متى ما تعمق في بحور العلم الحقيقي، وجد أن كل ذرة في هذا الكون تنطق بلسان الحال، وتدعوه للتفكر في عظمة الخالق وإبداع صنعه الذي لا تخطئه عين العقل. لذا، فإن الإلحاد لم يكن يوما تحررا وانعتاقا، بل هو استعباد صامت لسطوة الهوى، وارتهان لصور نمطية شائهة نسجها الخيال المادي وروجتها الشاشات، لا ينساق وراء بريقها الزائف إلا من هانت عليه نفسه، أو جانبه التوفيق ففقد بوصلة النجاة. وما أحوجنا في زحام هذه المتاهات إلى أن نسأل الله السلامة والثبات، موقنين أن ميزان التفاضل الأوحد بين الخلائق لا يقوم على ادعاء المعرفة والتعالم، بل على التقوى التي تزكي القلوب وتنير البصائر.
الوصية الخامسة: الوقت
إياك أن تبدد أنفس ما تملك في سراب اللحظات المشتتة، وتلك المقاطع المرئية القصيرة التي تتخطف الانتباه وتورث العقل خمولا وبلادة، فيما بات يُعرف اليوم بـ “التعفن الدماغي”. إنها شراك خفية تُنصب لسرقة أيامك وتخدير وعيك، مسلوبة المعنى، تتلاحق لتذوب معها في دوامة من الترفيه الأجوف الذي يسلبك قدرتك على التفكير العميق والتأمل الرصين. تأمل حال العالم من حولك، تجده نسخا باهتة ومكررة، تتشابه في سطحيتها وتتطابق في غفلتها. الجموع تنساق خلف ذات الملهيات، والكل مستنسخ من بعضه في أفكاره واهتماماته ومسارات يومه. وفي خضم هذا الزحام المتشابه، لن تجد بين الألف من البشر إلا شخصاً واحدا تأبى نفسه الانقياد، فبرز وتميز عن هذا الغثاء. وما كان تميز هذا الفرد وليد صدفة أو ضربا من الحظ، بل هو ثمرة انضباطه الصارم وحزمه القاطع في إدارة وقته. لقد أدرك أن الدقائق هي لبنات المجد، فبنى بها صرح عقله وروحه، بينما كان الآخرون ينثرون أعمارهم في مهب الريح. فاجعل من نفسك ذلك الاستثناء، واضرب بسهمك في معالي الأمور. كن فريدا في زمن عز فيه الفريدون، فإن المرء لا يُخلد إلا بما أفنى فيه عمره، ولا يرتقي إلا بمدى حراسته لوقته، فمن ملك وقته.. ملك زمام أمره.





شكرا جزيلا على هذه الرساله ، ليشهد الله انك أيقظتني من غفله عجيبه ،مقاله رائعه تحمل رسائل واسعه ، جزاك الله خير الجزاء :)
وكأنك ايقظتني من أمرٍ عُجاب، أسأل الله أن يجزيك خير الجزاء. 🤍