ْإجعَل مِن نفسِكَ إقتِبَاسًا يُقتَبَس
سلسلة كيف تَكتُب: تمهيد لعالم الكتابة (الجزء الثاني)
الكثير منا يكتب، لكن القليل منا يملك صوتًا يُسمع، وربما يرجع السبب لأن الكتابة في أساسها هي بناء جسر خفي بين الكاتب والقارئ، حيث يمرر الكاتب من خلاله شيئًا من روحه ووعيه. و هنا يتادخل ما نُسميه بالصوت الشخصي والأسلوب. لذلك، فإن تطوير الصوت الشخصي يعني أن تكتب بما يشبه بصمتك الفريدة، بما لا يمكن تقليده بسهولة. ليس شرطًا أن يكون أسلوبك شعريًا أو فلسفيًا، فقد يكون بسيطًا ساخرًا أو حميميًا مباشرًا. الأكثر أهمية هو ان يكون ما تكتبه صادقًا، يعكس خبرتك ورؤيتك، بدلاً من أن يكون مجرد نسخة أو إنعكاس لما يقوله الآخرون.
ولأن الكتيب الأول قد نال إعجابك ياعزيزي، فقد أعددت لك كتيباً جديداً يمكنك مطالعته في آخر المقالة.
هذه المرة، نحن بصدد سؤالان محددان سنبني عليهما هذا المقال بالكامل:
السؤال الأول: كيف تكتشف صوت الكاتب لديك؟
وهذا يقودنا بالضرورة إلى السؤال الأهم: هل لديك من الأساس رأي شخصي، حتى يكون لك صوتٌ مميز في الكتابة؟
السؤال الثاني: ما الفرق بين التقليد والابتكار في الكتابة؟
كيف تكتشف صوت الكاتب لديك؟
إذاً، تبدأ الرحلة من معرفة رأيك الشخصي أولاً وقبل كل شيء. ولتحقيق ذلك، سنفترض، مؤقتًا، أننا لا نعرف رأيك مطلقًا. ومن هنا تبدو الخطوة الأولى حتمية: أن نتعلّم كيف نكتشف رأينا الخاص، ثم يتشكّل الرأي، ومنه يتكوّن الصوت الذي يميز الكاتب عن غيره.
أولاً: ما هو صوت الكاتب؟
أرى أن صوت الكاتب هو حصيلة وعيه بذاته وبالعالم من حوله، وقوة رأيه، وقدرته على صياغة تجربته ورؤيته للواقع بلغة تحمل طابعه الخاص والفريد. ومن هنا، لا بد أن نبدأ بمرحلة اكتشاف الرأي الشخصي، كأننا نمسح اللوح من كل ما طُبع عليه، لنكتشف ما تبقى من نقوشنا نحن، لا ما ورثناه أو رددناه عن الآخرين.
بمعنى آخر، صوت الكاتب ينبع من أعمق نقطة في داخلك. إنه يتشكل منذ ولادتك، ثم يتراكم عبر كل ظرف وتجربة مررت بها: مكان نشأتك، أسرتك، تعليمك، خلفيتك الاجتماعية، شخصيتك، قيمك، اهتماماتك، وحتى تقلبات مزاجك. صوتك يتجلى في مفرداتك، إيقاع جملك، أسلوبك في الوصف، ميلك إلى المباشرة أو الالتفاف، ميلك إلى الجدية أو السخرية. إنه مزيج معقد من كل ما يجعلك "أنت".
لكن هذا لا يعني أن كل قصصك يجب أن تبدو متشابهة. يمكنك الدخول إلى "غرف" مختلفة من "قصر" صوتك الداخلي في كل قصة، كما يفعل ستيفن كينغ الذي يتنقل ببراعة بين الرعب والخيال العلمي والواقعية وحتى الكتابة غير الروائية.
ما هو الرأي الشخصي؟
الرأي الشخصي هو قناعتك الخاصة المبنية على تفكيرك الداخلي وتحليل تجربتك ومعرفتك، وليس مجرد تكرار لما يقوله الآخرون أو ما يفرضه المجتمع أو الإعلام عليك كنوع من أنواع المدخلات إلى وعيك. فهو ما تؤمن به حقًا ويعبّر عن وجهة نظرك الفردية تجاه فكرة أو موقف أو قضيةٍ ما.
ستلاحظ يا عزيزي أن صوت الكاتب والرأي الشخصي قد يبدوان متشابهان إلى حد ما، لكنه ليس تشابهاً بل هو تكامل. فالعلاقة بينهما علاقة عضوية لا غنى عنها إذ لا يمكنك تكوين صوت الكاتب الفريد إذا لم تمتلك رأيًا شخصيًا في كل ما تكتبه أو تفكر فيه.
فالخطوة الأولى، إذًا، هي الغوص في أعماق أفكارك ومعتقداتك، والتمييز بين ما هو نابع منك حقًا، وما هو مجرد صدى لما يفرضه الآخرون أو المجتمع عليك. من هنا يبدأ صوتك في الكتابة بالظهور تدريجيًا، حتى يتحول إلى توقيع شخصي لا يمكن تقليده.
كيف تكتشف رأيك الخاص؟
التحليل الفكري والنقدي
في كل مجموعة من الأصدقاء، أو حتى داخل العائلة، ستجد غالبًا نموذجين مختلفين:
الأول هو من يشاهد الفيلم ثم يعبر عن رأيه فورًا بعد المشاهدة، مستخدمًا كل الوسائل الممكنة للتعبير عن آرائه، من تحليل للأحداث والشخصيات، إلى تقييم كل لقطة وحتى الحبكة نفسها.أما النموذج الثاني فهو من يكتفي بالاستماع إلى آراء الآخرين، دون أن يشارك برأيه الشخصي، مكتفيًا بمراقبة النقاش أو أخذ المعلومة دون المشاركة الفعلية.
الفرق بين هذين النموذجين. يكمن في طريقة التعامل مع الأفكار والمشاعر الناتجة عن التجربة. فالأول يتعلم كيف يحلل ويعبر ويصوغ رأيًا متكاملًا، بينما الثاني غالبًا يفتقد فرصة التدريب على تكوين الرأي والتفكير النقدي. الأفلام في جوهرها تعكس التجربة الإنسانية، لا سيما الدرامية والمأساوية منها. لذلك، فإن تحليلها هو بمثابة وسيلة قوية لتطوير الوعي الذاتي. عند محاولة تفسير الأحداث، وفهم دوافع الشخصيات، وتحليل الحبكة والأسلوب، يبدأ الشخص في التعرف على مشاعره وردود فعله تجاه ما يراه، مما يمنحه فرصة نادرة لمعرفة صوته الداخلي وصياغة رأيه الشخصي بشكل أصيل.
مثال بسيط من فيلم مصري درامي بعنوان "البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو":
لماذا طوال الفيلم يرتدي البطل البِذلة مكتوب عليها كلمة "Security" بأحرف ناقصة؟ ولماذا يختار المخرج في مرات عديدة، خصوصًا في المشاهد التي يُسلب فيها الأمان من البطل، أن يسلط الضوء على هذه البِذلة؟
هنا يأتي دورك كمشاهد ذكي ومحلل لتفكيك دافع المخرج لهذا الاختيار، ودور المؤلف والكاتب الذي اختار هذه البِذلة وترك الحروف ناقصة. من وجهة نظري، كلمة "Security" التي تُترجم إلى "الأمان" مكتوبة ناقصة تشير إلى أن الأمان في الفيلم زائف. الأمان موجود شكليًا فقط، لأنه قائم على التنازل عن الحقوق والامتثال لشروط مجحفة، لكن حتى الالتزام بهذه القواعد لا يحمي البطل من الأذى أو التهديد. فالبطل "حسن" يتعرض للتهديدات ويكاد يُطرد من بيته، المكان الذي من المفترض أن يكون مأواه الآمن.
نظرًا لعدم وجود دعم خارجي، يواجه حسن رفضًا سلبيًا من المحيطين به، وهو رفض غير فاعل يتيح لمن يمارس الظلم أن يتمادى في أفعاله، حتى يقرر حسن أخيرًا مواجهة الظلم والمقاومة، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. يحاول الجميع إقناع حسن بتسليم نفسه مقابل أمانه الشخصي، لكنه يرفض، إلا أن رفضه يبقى سلبيًا بعض الشيء. تنتقل الأحداث من مكان قبيح إلى آخر، ومن شكل من أشكال البلطجة إلى آخر، حتى نصل إلى "المأوى" الذي يبدو فيه قليل من الأمان، لكنه في الحقيقة أكثر الأماكن خطورة من سابقه بطريقة ما.
في هذه اللحظة، يقرر حسن أن يقطع ما تبقى من كلمة "Security" على سترته، ليحوّلها من أمان زائف إلى "شبح الأمان"، رمزًا لأمان حقيقي قائم على مواجهة الخطر والتحكم في مصيره، بدلاً من أن يكون قائم على الامتثال والخضوع.
مع كل تمرين في تحليل النصوص، أو مشاهدة الأفلام، أو قراءة الكتب، حاول أن تلتقط ما يثيرك وما يزعجك، ما تتفق معه وما تختلف معه، ثم استعمل هذه الملاحظات لتشكيل آرائك وصوتك الخاص. وهكذا، يصبح صوتك الشخصي أساسًا متينًا يُغذي صوت الكاتب بداخلك، ويمنح كتاباتك أصالة وعمقًا.
ولكي نتمكن من تطوير قدرتنا على تكوين الآراء، يمكننا اتباع خطوات بسيطة: أولًا، التعرف على مشاعرنا تجاه ما نشاهده أو نقرأه؛ ثانيًا، طرح أسئلة تساعدنا على فهم التجربة ودائماً إسأل نفسك لماذا صمم المخرج على عرض هذه اللقطة العابرة التي تبدو انها فارغة؟؛ ثالثًا، إربط التجربة بأشياء مألوفة من حياتنا أو تجارب سابقة. بهذه الطريقة، نصبح أكثر قدرة على المشاركة في النقاشات، وفهم أنفسنا وأفكارنا بشكل أفضل.
القراءة الواسعة
النقطة الأولى والأكثر أهمية في تكوين آرائك الخاصة هي أن القراءة الواسعة أمر حيوي مع ضرورة التفكير النقدي فيما تقرأه والبحث عن الثغرات في الحجج المطروحة. بمعنى آخر، إن كنت تقرأ كل يوم مائة صفحة وليس لك رأي فيها ولا تحليل نقدي، فأنت في دور المتفرج فقط، والقراءة لن تعود عليك بالنفع الكامل وهذا ما لا نريده ابداً.
على سبيل المثال لا الحصر، إذا قرأتَ بحثاً أكاديميًا واحدًا فقط حول قضية معينة، فلن تمتلك سوى وجهة نظر واحدة، وستنتهي بترديد هذه الرؤية كما لو كانت المنهج الوحيد الممكن في النقاش. لكن في الحقيقة، هي في الغالب مجرد واحدة من بين عدة آراء، وقد لا تكون حتى الأكثر إقناعًا.
كم عدد الأشخاص الآخرين الذين يتفقون مع هذا الرأي؟ هل هذا الكاتب وحده من يعتقد ذلك؟ حتى في الحالات التي يكون فيها هناك رأي واحد يحظى بقبول واسع، ستجد آخرين يسعون لمعارضته بآراء قد تكون مقنعة على نحو مفاجئ. ومهما كان الرأي واسع القبول، يبقى من المفيد قراءة ما يقوله "الأغلبية"، لأن ذلك على الأقل يقدّم منظورًا جديدًا وقد يكشف عن نقاط ضعف في الحجة السائدة. فالعالم الأدبي بطبيعته يسعى إلى تحدي الآراء المستقرة، وهذه هي الذهنية التي تحتاج أن تبدأ بتطويرها، لا أقول لك ان تتحدى السائد، بل اقول لك أن تتفحصه جيداً لتعرف ما له وما عليه حتى إن كان في قرارة نفسك.
فهم دوافع الكُتّاب
المفتاح للتفكير المنطقي فيما تقرأه ولصياغة رأيك الخاص في النهاية هو أن تتذكر أن الكتابة نادرًا ما تكون حيادية. فالناس يكتبون بدوافع وأجندات خاصة بهم، تشكّلت بفعل نشأتهم وتجاربهم، وهي بدورها تؤثر في النص وتوجّهه لإقناع القارئ بأن رأي الكاتب هو الصواب.
إذا قرأتَ النص بمعزل عن أي حجج مضادة، فمن السهل أن تنخدع لتظن أنه الرأي الوحيد الممكن بشأن قضية ما. لكن الأمر ليس كذلك بالطبع، ولهذا من المهم أن تقرأ على نطاق واسع. إن أي نوع من الكتابة سواء أكان مقالاً، بحثًا أكاديميًا، كتاباً، أو مصدرًا أصليًا، يجب دائمًا أن يُقيّم في سياق الكاتب نفسه.
اسأل نفسك: ما الدافع الذي حثّ الكاتب على كتابة هذا النص؟ قد تكون هناك أجندة، سواء كانت واضحة أم لا. هل تأثرت كتابته بآرائه السياسية او التاريخية مثلًا؟ ما خلفيته وما الذي دفعه إلى تبنّي هذا الرأي بالذات؟ لذلك، كلما قرأت نصًا، اسأل نفسك: لماذا يريد هذا الكاتب أن أجعلني أعتقد ذلك؟ وما جوهر هذه الحجة في الحقيقة؟
ما تحب وما تكره
الأمر الثاني هو أنه يجب أن تعرف ما تحبه وما لا تحبه في مجمل جوانب الحياة. بعد ذلك، عندما تقرأ أي شيء، حتى لو كانت مجرد مقالة بسيطة، اسأل نفسك: ماذا أجد في هذا المحتوى يُثير اهتمامي؟ وما الذي يثير رفضي أو يبعدني عنه؟ وبهذه الطريقة، تبدأ في تدريب نفسك على التمييز بين ما يتوافق مع ذوقك وأفكارك، وما لا يتوافق، وهو أساس لاكتشاف صوتك الشخصي وتطوير رأيك المستقل.
على سبيل المثال:
لنتحدث عن موضوع القراءة ياعزيزي، يمكن أن تقول بطريقة تقليدية: "القراءة مهمة لأنها توسع المدارك وتزيد من معرفة الإنسان." هذه جملة صحيحة، لكنها بلا روح، كأنها لوحة أرقام على باب مكتب رسمي أو إرشادات مدرسية.
أما حين تقول: "بالنسبة لي، الكتب ليست مجرد أوراق محشوة بالكلمات؛ إنها جواز السفر الوحيد الذي لا تنتهي صلاحيته. أفتح صفحة فأجد نافذة، وأطوي فصلًا فأجد نفسي أفكر بطريقة لم تخطر ببالي من قبل. لهذا أقرأ: لأوسع عالمي" هنا تحضر النبرة الخاصة، يظهر الأسلوب الذي يجعل القارئ يشعر أنك تكلمه أنت وحدك.
لذلك ياعزيزي ،فالأسلوب هو رداء الفكرة؛ قد تلبسه رسميًا متينًا في مقال أكاديمي، أو خفيفًا أنيقًا في مقالة أدبية، أو ساخرًا لاذعًا في عمود صحفي. لكن الصوت الشخصي هو ما يجعلك مختلفًا عن غيرك حتى لو ارتديت نفس الرداء. لذلك، حين تطور صوتك، لا تبحث عن تقليد الكبار، بل ابحث عما يجعلك أنت. فالكتابة بلا صوت شخصي، وإن كثرت فيها المعلومات، تظل أشبه بخطاب ميكانيكي. أما الكتابة التي تحمل صوتك فهي التي تترك أثرًا طويلًا بعد أن يُطوى النص.
نصيحة خارج إطار النص، لكنها تعكس رأيي الشخصي وصوتي كذلك: عندما تختار مَن تتابع، سواء هنا في منصات المقالات أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، احرص أن يكون اختيارك قائمًا على الفائدة التي يمكن أن تضيفها لك متابعتهم. لا تتابع لمجرد أن الجميع يفعل، بل انتقِ بعناية مَن يوسّع أفقك ويمنحك زوايا نظر جديدة. ما أنصحك بتجنبه هو متابعة من حصر نفسه في موضوع واحد، يكرره بلا توقف؛ فمثلًا، كاتب لا يتناول إلا قضية النسوية، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا، لن يمنحك سوى جدال متكرر يستهلك وقتك وطاقتك بلا ثمرة حقيقية. لكن، على النقيض، إذا وجدت شخصًا يكتب في موضوعات متعددة: عن الأدب، والفكر، والمجتمع، والتجربة الإنسانية بأبعادها المختلفة، فهذا هو النوع الذي يجدر بك أن تتابعه؛ لأنه يمنحك مادة ثرية ومتنوعة تغذي عقلك وصوتك في آن واحد. ففي النهاية، ما تتابعه يوميًا هو غذاء لعقلك، تمامًا كما تختار طعامك لجسدك. اختر بعناية، لأن صوتك الذي تحاول تطويره سيتأثر بما تسمعه وتقرأه باستمرار.
كيف تكتشف صوتك ككاتب؟
كل كاتب يبدأ بتقليد، وهذه ليست تهمة بل مرحلة طبيعية جداً. تقرأ كاتبًا يعجبك فتجد نفسك تكتب بطريقة تشبهه. لكن مع الوقت، يقلّ الصدى ويعلو صوتك الخاص. إذًا ياعزيزي، البداية ليست في الهروب من التقليد بل في الوعي به. وكل ما ذكرناه سابقاً في إكتشاف رأيك الشخصي سيبني تلقائياً صوت الكاتب لديك إلا انك ايضاً بحاجة للتالي:
اكتب كثيرًا.
الكتابة، يا عزيزي، أشبه ما تكون بعملية تنظيف يومية للعقل. كلما مارستها أكثر، صارت أفكارك أكثر صفاءً وعقلك الكتابي أكثر مرونة. لا تتردد في اللعب بالكلمات كيفما تشاء، جرب أن تكتب قصيدة، أو قصة قصيرة، أو حتى مجرد خطوط أولية لرواية لم تولد بعد. لا تضع حدودًا لخيالك، بل انطلق إلى أشكال غريبة، قصص تُروى بالعكس، أو نصوص مكتوبة بزمن المستقبل، أو حتى مقاطع تبدو بلا بداية أو نهاية واضحة.
التجريب هنا هو وسيلتك لاكتشاف صوتك الخاص. فمع كل محاولة، ومع كل تجربة، ستبدأ بالتعرف على نقاط قوتك، وما يثير شغفك فعلًا في الكتابة. وأقول لك من تجربتي الشخصية أنني كنت أكره أدب الخيال العلمي كرهًا شديدًا، بل ولم أكن أطيق حتى مشاهدة أفلامه، إلى أن دفعتني الصدفة لقراءة كتابين في هذا المجال، وإذا بي من حيث لا أدري أنغمس في هذا العالم الغريب. شيئًا فشيئًا، وجدت نفسي أدوّن ملاحظات وأفكارًا عن الخيال العلمي في دفاتري. لم أعد القارئ الذي يهرب من هذا اللون الأدبي، بل أصبحت الكاتب الذي يجرّب أن يحاكيه ويبحث فيه.
الكتابة المتكررة والتجريب الحر يفتحان لك أبوابًا لم تكن تظن أنك ستطرقها يومًا، ويقودانك إلى صوتك الخاص، الذي لا يشبه إلا نفسك. الأهم أن تتذكر: لا تحاول "صنع" صوتك، فهو موجود فيك أصلًا. ما عليك إلا أن تكشفه وتحرره. إنه يشبه نافورة الشباب الأسطورية—الفرق أنها بالفعل في داخلك. كل ما عليك أن تفعله هو أن تكتشفها.
ماذا لو أخبرتك أن هناك طرقًا لاكتشاف صوتك ككاتب بعد أن تحدد رأيك الشخصي؟
اقرأ كُتاباً مختلفين وحلل ما الذي يجعل أصواتهم مميزة.
جرّب تمارين الكتابة الحرة دون توقف للتفكير أو المراجعة.
أعد كتابة مشهد بأسلوب كاتبك المفضل.
جرب أوصافًا جديدة وغير تقليدية.
اكتب رسائل لنفسك: لصغيرك، لنسختك المستقبلية، أو حتى لشخص مجهول.
السؤال الثاني: ما الفرق بين التقليد والابتكار في الكتابة؟
النصيحة الذهبية: قَلِّد ثم ابتكر.
قد يبدو الأمر غير بديهي، لكن كلما قلّدنا الآخرين أكثر، اكتشفنا أسلوبنا الفريد بشكل أسرع. كثير من الإلهام يأتي من الإعجاب بأعمال الآخرين وربما حتى تحليلها واستخلاص أسلوبها. لكن بعض الناس يظنون أن الإلهام يجب أن ينبثق فجأة من العدم، ويخشون أن تلوث أفكارهم بما سبق أن تم.
فكّر للحظة في الطريقة التي تعلمت بها معظم ما تعرفه. أحيانًا تتعلم عن طريق القراءة ربما من كتاب دراسي في مادة التاريخ مثلاً. أحيانًا تتعلم بالممارسة، مثل ركوب الدراجة. وأحيانًا تراقب شخصًا آخر وتقلد حركاته، كما حدث عندما تعلمت كتابة الأبجدية. غالبًا ما نتعلم عن طريق تقليد الآخرين أو محاكاتهم. لاحظ كيف قد تجد نفسك تتصرف مثل أحد الوالدين أو شخص قريب منك في جوهر الأمر، أنت تقلد ذلك السلوك. قد يكون رد فعلك الأول سلبيًا: «لا أريد تقليد أي شخص!» وأعتقد أن معظم الناس يفهمون هذا الشعور. نحن نريد أن نكون أصليين.
ومع ذلك، إذا استطعنا الاعتراف بمدى ما يمكننا تعلمه من كتابات الآخرين، فيمكننا دمج خبرتهم ومواهبهم في كتاباتنا. بمعنى آخر، أنت لا تحتاج إلى اختراع العجلة من جديد بل تحتاج ان تقلد كتابة شخص آخر وتكيفها مع أسلوبك، وبالتالي تُعزز أسلوبك الخاص ليصبح أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع مختلف مهام الكتابة.
يقول وليم زينسر في كتابه On Writing Well:
«لا تتردد أبدًا في تقليد كاتب آخر. التقليد جزء من العملية الإبداعية لأي شخص يتعلم فنًا أو حرفة. باخ وبيكاسو لم يولدا كاملين، بل احتاجا إلى نماذج. وهذا صحيح بشكل خاص في الكتابة. ابحث عن أفضل الكتاب في المجالات التي تهمك واقرأ أعمالهم بصوت عالٍ. دع صوتهم وذوقهم يدخلان أذنك—موقفهم تجاه اللغة. لا تقلق من أنك بفعل التقليد ستفقد صوتك وهويتك. قريبًا ستتخلص من هذه القشور وتصبح ما يجب أن تكون.»
خطة العمل: سننظر في بعض النصوص ونرى ما يحدث فيها لنتمكن من تكييفها في كتاباتنا. لن نقوم بالنسخ الحرفي أو مجرد البحث عن مرادف، بل سنتعلم من الأسلوب لتحسين أسلوبنا الخاص. أحيانًا قد نستخدم بعض الكلمات أو العبارات نفسها، وهذا طبيعي. من خلال ذلك، سنفهم كيف تصنع الكلمات الجمل، وكيف تصنع الجمل الفقرات، وكيف تصنع الفقرات النصوص. مع نمو فهمنا لتفاعل اللغة عبر النظر في المزيد من الأمثلة، سيصبح أسلوبنا أوسع وأكثر مرونة. تذكر ياعزيزي، الكتابة عملية مستمرة، وسنحتاج للاستمرار في تحسين أسلوبنا من خلال قراءة الآخرين وفهم كيفية صياغة الكلمات لديهم، ثم دمج تلك الخبرة في أسلوبنا.
سننظر في نوعين من التقليد: الهيكلي والسياقي.
التقليد الهيكلي: محاكاة بنية الجمل الفعلية للكاتب، لفهم كيفية ترتيب الكلمات لتوليد المعنى وكيف يمكن تشكيل الجمل لنقل معانٍ محددة. هذا يزيد من تنوع الجمل التي يمكننا استخدامها.
التقليد السياقي: يتعلق بأسلوب النص نفسه. بالنظر إلى ماذا، وأين، ولماذا يختار الكاتب فعل شيء ما، نفهم تأثيره على القارئ وسبب هذا الاختيار.
لماذا نناقش النوعين معًا؟ ببساطة لأن كليهما يضيف إلى صندوق أدواتنا الكتابية. هدفنا هو التعلم من الآخرين لتعزيز كتابتنا الخاصة وبناء الثقة في قدرتنا على التعامل مع مختلف مهام الكتابة.
التقليد الهيكلي
في التقليد الهيكلي، يقوم الكاتب بإنشاء جملة مثل: “ حتى إقفالي لباب غرفتي يعني أنني لست في أمانٍ تام.” من الواضح، إذا لم تكن الكاتب ونسخت هذه الجملة حرفيًا فلن تصبح جملتك أنت. ستكون جملة المؤلف الأصلي، فواقعها أو ولادتها جاء عن ذلك الشخص فقط.
ومع ذلك، من خلال تقليد الهيكل والانطباع العام للجملة، نتعلم أن نقلد جزءًا من فائدتها الأصلية؛ وهذه الفائدة تنتقل إلى التقليد الهيكلي، مثل: “الرحّالة أرشدني بعيدًا عن حافة الجرف والموت المحقق.” على الرغم من أنني أنشأت الجملتين، إلا أنهما غير متطابقتين. نعم، لديهما بعض البنى المشتركة، ولكن الجملة الثانية، حتى مع محاولتي مساواتهما، ليست نفسها. إذن، التقليد في أنقى صوره هو خلق جديد مستند إلى نموذج قديم.
لتوضيح هيكل الجُمل التقليدية، لنأخذ بعض الأمثلة ياعزيزي. يمكنك أيضًا اختيار جمل من كُتابك المفضلين وتقليدها للتدريب أكثر:
الكتابة بصوت حقيقي لديها القدرة على جذب انتباهك وفهمك—الكلمات تغوص عميقًا. "من كتاب بيتر إلبو: الكتابة بالقوة: تقنيات لإتقان عملية الكتابة."
الأفلام التي تضم ممثلين عظام تملك القدرة على جعلنا نصدق ونشارك، الدراما تصبح حقيقية "المخرج يوسف شاهين".
حدقت في المتحدث بدهشة صامتة. "ادغار الان بو"
ابتسمت لصديقتي بقبول صامت.
في الخريف، أشعلت أشجار البلوط والقيقب والبتولا لوحة من الألوان تلمع وتتلألأ على خلفية من الصنوبر.
على المسرح، خلقت أوتار الكمان والآلات الخشبية والطبول انسجامًا من الأصوات ملأ وارتفع في القاعة ووصل إلى أعماق أذني.
عند النظر لهذه الجمل، نلاحظ على الأرجح بعض الأنماط. الأنماط مفيدة جدًا وقد تم استخدامها لمساعدة العديد من الناس. وتأتي القوالب السابقة كالتالي: يبدأ غالبًا بالاعتراف برأي أو موقف معين، ثم يعرض موقف الكاتب أو تحليله.
مثال: بينما أفهم الدافع لـ____، وجهة نظري الشخصية هي ____.
التقسيم الواضح للفكرة: غالبًا يحتوي على جزأين مرتبطين: السبب/الرأي الآخر، ثم رأي الكاتب/التحليل.
أمثلة لقوالب أخرى جاهزة:
بينما أفهم الدافع لـ___________، وجهة نظري الشخصية هي _________.
على الرغم من أن س لا تقول ذلك مباشرة، إلا أنها تفترض على ما يبدو أن _________.
يدعي س أن __________. • جوهر حجة س هو أن __________.
بالتركيز على __________، يتغاضى س عن المشكلة الأعمق المتمثلة في _________
هذه القوالب جاهزة، ومع مزيد من الخبرة في الكتابة يمكنك تعديلها بما يخدم أسلوبك وصوتك. على سبيل المثال، إذا قلدت آخر قالب وأضفت لمستي الخاصة، قد أكتب: “مناقشة هذا الكتاب لحجة س تركز على القضية الأكبر المتمثلة في ________.” ليست نسخة طبق الأصل، لكنها توجهنا في نفس الاتجاه تقريبًا. الفكرة هي أن الجمل الأخرى تعطيك أساسًا للبناء عليه.
التقليد السياقي
الآن ننتقل إلى النوع الآخر من التقليد. يركز التقليد السياقي على المعنى والتفسيرات المتعددة لذلك المعنى. يمكن كتابة معنى الجملة بعدة طرق مختلفة. كما سنرى في المثال التالي، كل نسخة من الجملة يمكن أن تولد فهمًا جديدًا وتقودنا إلى اتجاهات جديدة.
على سبيل المثال، ديسيديريوس إيراسموس، معلم في القرن السادس عشر، الذي قدم لطلابه جملة بسيطة: “رسالتك أسعدتني كثيرًا.” بسيطة، أليس كذلك؟ كم عدد الطرق التي يمكن أن تعيد كتابة هذه الجملة؟ خمس؟ عشر؟ ثلاثون؟
إيراسموس أنتج 195 جملة! ومن أمثلة ذلك:
رسالتك أفرحت قلبي.
بعد أن وصلت رسالتك إلي، فاضت روحي بالفرح.
شعرت ببهجة عظيمة من صفحاتك.
كل شيء آخر مقزز تمامًا مقارنة برسالتك.
عند رؤية رسالتك، زال العبوس عن وجهي.
كم أسعدتني قراءة رسالتك!
السعادة التي أحدثتها رسالتك أعظم مما أستطيع وصفه.
لم أرَ شيئًا أسعدني أكثر من رسالتك.
مثل البرسيم للنحلة، وأوراق الصفصاف للماعز، والعسل للدب، كذلك رسالتك بالنسبة لي.
رسالتك تفوح بالفرح وحده.
كل مثال هنا ياعزيزي هو نسخة متغيرة من الجملة الأصلية؛ ما نقلده هنا هو السياق. وبالتأكيد قد تكون بعض هذه النسخ غير واضحة أو صعبة القراءة، لكننا نفهم أن لكل واحدة سياقًا مختلفًا قليلًا. من خلال هذه الممارسة، نقوي قدراتنا على صياغة الجمل.
كل هذا ياعزيزي في مغزاه كما نصحنا سابقاً قَلِّد ثم ابتكر.
في دراسة عدة مؤلفين أو نماذج، نتعلم من نقاط قوتهم وضعفهم. لذلك، التقليد ليس مجرد نسخ نص، بل تحليل النص وفهم سبب عمله بهذه الطريقة. الأهم، نتعلم كيف يدمج الآخرون الكلمات والجمل والفقرات ويتعاملون مع مشاكل الكتابة. ثم نمارس وننقل هذا الفهم إلى نصوصنا الخاصة. يمكننا أخذ أساليب مختلفة جذريًا لتطوير أسلوبنا الخاص. وتذكر أن عملية التعلم عبر التقليد تتطلب وقتًا وتفانيًا، ومع الممارسة المستمرة تصبح أسهل. مثال إيراسموس الذي ذكرناه سابقاً يوضح كتابة مئة طريقة مختلفة للتعبير عن فرحة برسالة، مع كل محاولة، نمتد أكثر خارج حدود الجملة الأصلية، وهنا يحدث التعلم التقلدي وننمو ككتاب. قلد بدايةً وابتكر نهايةً ياعزيزي.
يمكنك تحميل كُتيب التمارين من هنا مباشرة
يمكنك كذلك متابعة قناتنا على اليوتيوب، فقد تبقّى لنا فقط مقطع واحد لنختتم به سلسلة "كيف نصبح مثقفين".












نطالب بمقال الخوف من الفشل،او اليقين بالدعاء والاستجابه
طرقك دائمًا مميزة يا أشرف، ممتنة لبذخ العطاء الرائع منك. بالمناسبة، فرحت جدًا لما لاحظت انني أنا كمان انتبهت لنفس الفكرة في الفيلم وقعدت أحللها مع نفسي، من أول لقطة جات عليها و فيه حروف ناقصة كنت متأكدة أنها مرتبطة بنقص الأمان عند حسن. حبيت المقال جدًا تسلم ايدك