الحرب الصامتة على الفطرة: استراتيجيات نتفليكس وأخواتها
عبودية الحرية
ما انفكَّ السؤالُ يراودني عن الكيفيةِ التي غَدَتْ بها منصاتُ البثِّ الرقمي فاعلًا محوريًّا في صياغةِ وجدانِ الإنسانِ المعاصر؛ بل وإنْ صحَّ القول، في إعادةِ نحتِ عقلهِ وتشكيلِ روحهِ من جديد. لقد استحالتْ هذهِ المنابرُ إلى إمبراطورياتٍ جبارةٍ تمسكُ بزمامِ السرد، وتتحكمُ في طوفانِ الرؤى من أولها لآخرها، فتتسللُ إلى أعمقِ طبقاتِ العقل حتى تقتلعَ الثوابتَ من جذورها وتُعيدَ تعريفَ الإنسانِ نفسِه.
فإذا بهذا النحتِ الدؤوبِ، وهذا الغرسِ الماكِر، يُؤتي أُكُلَهُ المُرَّ؛ فلا عجبَ بعد ذلك أن نرى من يمزِّقُ هويتهُ بيديهِ، فينتسبُ تارةً إلى عالمِ البهائمِ مُعَرِّفًا نفسَهُ كائنًا غيرَ ناطق يرى نفسه قطة، وآخر يرى نفسه كلباً أعزكم الله، وتارةً يمحو عن نفسهِ كينونةَ الذكرِ والأنثى التي قامَ عليها الكون، وصولًا إلى أن يتبنَّى صراحةً ما يناقضُ الفطرةَ ويُجافي الجِبِلَّةَ الإنسانيةَ في أبسطِ صورها. وقد تكون نتيجةٌ حتميةٌ حينَ تُترَكُ معاولُ الهدمِ الفكريِّ لتعملَ في عقولِ الأجيالِ دونَ حسيبٍ أو رقيب.
وبالفعل ياعزيزي فقد انتقلنا من عصرِ التلقي السلبي، حيثُ كانتِ الشاشةُ مرآةً تعكسُ قصصًا محدودة، إلى محيطٍ لانهائيٍّ من المحتوى المُصمَّمِ بدقةٍ ليغمرَ حواسَّنا ويحتلَّ أوقاتَ فراغِنا ويُعيدَ توجيهَ بوصلتِنا الأخلاقية. تعملُ هذهِ المنصاتُ بخوارزمياتٍ ذكيةٍ لا تكتفي بتقديمِ ما نُحبُّه، بل تُقدِّمُ لنا ما "يجبُ" أن نُحبَّه، وما “ينبغي” أن نعتادَهُ. وكأنها بالضبط عمليةُ تطبيعٍ هادئةٍ، بطيئة بل وجارفة، تُذيبُ بمرورِ الوقتِ صلابةَ المبادئِ الراسخةِ كما يُذيبُ الماءُ الصخر، وتجعلُ الشاذَّ مألوفًا، والمألوجَ غريبًا مُستهجنًا.
لجيلي الثمانينيات والتسعينيات، ذاكرةٌ مشتركةٌ لا تزالُ محفورةً في وجداننا؛ ذاكرةٌ عن عصر كانت فيه الشاشةُ نافذةً واحدةً يجتمعُ حولَها شملُ الأسرةِ كلَّ مساء. كانت الأعمالُ الفنيةُ آنذاك، أو ما كان يُسمحُ له بالعبورِ إلى بيوتنا عبر أثير التلفاز، تتحركُ في فلكٍ من القيمِ المشتركةِ، ومحكومةً بسياجٍ غيرِ مرئيٍّ من الحياءِ والوقار. من ترجمة العبقري أنيس عبيد الى حذف اللقطات المغايرة والدخيلة على ثقافتنا، لم تكن بالضرورةِ ان جميع الأعمال الفنية فاضلة، ولكنها على الاقل كانت أرضًا آمنة، نستطيعُ أن نطأها برفقةِ الأهلِ دونَ أن نخشى أن تُخدشَ براءتُنا أو يُهانَ حياؤنا على حين غِرّة.
كنا نتقنُ لغةَ الإشارةِ الصامتة؛ فمع أولِ تمهيدٍ لمشهدٍ سريع لا يستقيمُ مع جلالِ المجلس، كانت الأجفانُ تُطبَقُ طواعيةً، أو كانت يدُ الأهل تمتدُّ لتُغيِّرَ وجهةَ المحطةِ لدقيقةٍ واحدة، ثم لا تلبثُ أن تعودَ المياهُ إلى مجاريها وتكتملَ المشاهدة. كان ذلك ميثاقًا ضمنيًا، وتربيةً بالقدوةِ على أنَّ للعينِ حرمتَها وللقلبِ نقاءَه.
أمّا اليوم، فقد تبدَّل المشهدُ وتبدَّلت معه الروح. أصبح الأمرُ أشبه مايكون بإنقلابٌ ثقافيٌ هادر، تقودُهُ منصاتٌ تسعى بدأبٍ إلى تفكيكِ كلِّ ما ورثناه. ولعلَّ المتأملَ في استراتيجياتها يرى بوضوحٍ أهدافًا مرسومةً بعناية، يمكن تلخيصُها في منهجيةٍ دقيقةٍ ذاتِ مراحل:
أولًا: تفكيكُ حصنِ الأسرةِ، فهي النواةُ الأولى للمجتمعِ وخطُّ دفاعِهِ الأخير. كانت الأسرةُ دائماً ما تجتمعُ حولَ مائدةِ الطعامِ وشاشةِ التلفاز، فكانت تلك اللحظاتُ تُوثِّقُ المودةِ وتصنعُ الذكريات. أما اليوم، فقد سلَّمت كلَّ فردٍ شاشتَهُ الخاصة، ففرَّقت الجمعَ، وحوَّلت أفرادَ البيتِ الواحدِ إلى جُزرٍ إلكترونيةٍ منعزلة، لكلٍّ منهم عالمهُ الخاصُّ الذي لا يطَّلعُ عليه الآخر، وبذلك يُصبحُ الطريقُ ممهدًا لزرعِ أيِّ فكرةٍ في تربةِ العزلةِ تلك، فأنت ياعزيزي قد لا تتذكر آخر مرة شاهدت فيلماً مع والديك لأن غالبيتها مكتظة بالمشاهد الخادشة للحياء.
ثانيًا: هدمُ الفطرةِ وإعادةُ تعريفِ الهوية، فبعدَ أن يُعزَلَ الفردُ عن سياقِهِ الأسري، تبدأُ المرحلةُ الأخطر: إعادةُ صياغةِ مفاهيمهِ عن ذاتِه. وهنا يأتي الطرحُ الممنهجُ للسردياتِ المنافحةِ للفطرةِ، وتزيينُ الشذوذِ وتقديمهِ كشجاعةٍ وحق وأنه أمر طبيعي، والترويجُ لأوهامِ العبورِ بينَ الأجناسِ، حتى يغدو مفهومُ الذكرِ والأنثى نفسُهُ قيدًا باليًا يجبُ التحررُ منه.
ثالثًا: إغراقُ الروحِ في وحلِ الابتذال، عبرَ نشرِ الإباحيةِ وتطبيعِ العري وهدمِ أسوارِ الحياءِ المتبقية. والسلاحُ الأمضى في هذه المعركةِ هو ما أشرتَ إليهِ تمامًا: إلْفُ العينِ الذي يقتلُ النُّفرةَ في القلب. فالعرضُ المستمرُّ لكلِّ ما هو فاحشٌ ومُنكر، يُسلِب الحواسَّ ويدرِّبُ النفسَ على القبولِ به، حتى يصبحَ المنكرُ مألوفًا، والمألوفُ منكرًا، ويسقطُ مفهومُ الحرامِ والحلالِ من الحساب، بل وتسقط معه مفاهيم الفطرة الأساسية.
وأخيرًا، وبعدَ تفكيكِ الأسرةِ، وتشويهِ الهويةِ، وإغراقِ الروح، تأتي الغايةُ الكبرى: نزعُ الإيمانِ من القلب. فبعد أن يُجرَّدَ الإنسانُ من كلِّ حصونِهِ، ويُترَكَ وحيدًا بلا هويةٍ أو قِيمٍ راسخة، يُصبحُ فريسةً سهلةً لبَذْرِ بذورِ الشكِّ في المقدسات، وزعزعةِ الإيمانِ بالخالق، وتقديمِ الكونِ له كفوضى عبثيةٍ لا غايةَ من ورائها إلا اللذةُ العابرة. إنها دعوةٌ صريحةٌ للإلحادِ عبرَ إفراغِ الإنسانِ من إنسانيتهِ أولًا، لأن الإنسان ان خالف فطرته في جنسه فسيخالفه في دينه لاحقاً.
وأقولها لكَ يا عزيزي، وقد سبرتُ أغوارَ الفلسفاتِ الأدبية، وتقلبتُ بين مذاهبِ الفكرِ التي تُعلي من شأنِ العدم؛ فخضتُ في بحارِ الوجوديةِ حتى ارتطمتُ بشيطآنِ العبث، ونظرت الى بنيانَ اللادينية وما شابهها من رؤى تسعى حثيثًا لتُريكَ أن الكون هو فوضى لا غايةَ لها، ووجودَ الإنسانِ صرخةً في فراغٍ لا صدى لها. كل هذا من صميم ما تخصصت به، ولا مفر لي منه الا أن اتعمق فيه، ولكن، عجيبٌ هو أمرُ الحقيقةِ حينَ تبحثُ عنها بصدق! فكلما توغلتُ في دروبهم الموحشةِ تلك، وكلما تأملتُ هياكلهم الفكريةَ الشاهقة، لم أجد في نهايةِ المطافِ إلا طريقًا أوضحَ يقودني إلى الله، ولم يزدني ذلك السفرُ إلا يقينًا فوق يقين.
لقد أبصرتُ في كلِّ مذهبٍ منها ثغرةً عميقةً، وموطنَ ضعفٍ أصيلٍ غفلَ عنه أقطابُه أو تغافلوا؛ وهو ذلك الأساسُ الذي شادوا عليهِ كلَّ شيء: أساسُ “انعدامِ الإيمان”. إنكَ حينَ تنزعُ الإيمانَ بالخالقِ من المعادلة، فإنكَ تنزعُ معهُ المعنى والغايةَ والبوصلة. تُصبحُ كلُّ الحججِ متينةَ الظاهرِ ولكنها جوفاءُ الباطن، كقصورٍ من جليدٍ تبدو مهيبةً، ولكنها لا تلبثُ أن تذوبَ تحت شمسِ أولِ سؤالٍ وجوديٍ حقيقي: “ثم ماذا؟”.
لربما يحاولوا أن يقنعوك بعالم بلا إله، فترى فيهِ هشاشةَ الإنسانِ وقنوطَه. ويصورا لك بطولةَ الفردِ في مواجهةِ عبثيةِ الكون، فترى فيها غُرورًا يُخفي يأسًا دفينًا. وهكذا، وبدلاً من أن يقنعوني بعدميةِ الوجود، كانوا كمن يُريكَ الظلامَ ليُثبتَ لكَ قيمةَ النور، ويصفُ لكَ مرارةَ العطشِ ليُقنعكَ بعذوبةِ الماء. فكانت رحلتي في فلسفاتهم أبلغَ دليلٍ على أنَّ الروحَ لا تستقيمُ إلا بخالقها، وأنَّ العقلَ لا يطمئنُّ إلا حينَ يعودُ إلى مصدره الأول.
قد تسأل ياعزيزي، ما الخطر من منصة“نتفلكس” وغيرها من من شابهها؟واسمح لي أن أجيبك بإن الخطرَ الأكبرَ لا يكمنُ في قصةٍ بعينِها أو مشهدٍ بذاتِه، بل في الأثرِ التراكميِّ لهذا الطوفانِ السرديِّ. فكما تتشكلُ الصخورُ بفعلِ التقطيرِ المستمر، كذلك يتشكلُ وعيُنا وذوقُنا وقِيَمُنا بفعلِ هذا السيلِ المتدفقِ من الرؤى والأفكار. إنها عمليةُ هدمٍ وبناءٍ متزامنة؛ هدمٌ للمفاهيمِ التقليديةِ عن الأسرةِ، والدينِ، والهويةِ، والفطرةِ، وبناءٌ لهياكلَ فكريةٍ بديلةٍ تُعلي من شأنِ الفردانيةِ المطلقةِ، والسيولةِ الأخلاقيةِ، وتجعلُ من الهوى معيارًا، ومن الرغبةِ إلهًا يُعبَد.
وهكذا، وبدونِ ضجيجِ المدافعِ أو صليلِ السيوف، نجدُ أنفسَنا في وسط معركةٍ من نوعٍ آخر؛ معركةٍ على تعريفِ “الإنسان الجديد”. فهل هو الكائنُ الذي كرَّمهُ اللهُ بالفطرةِ السويّةِ والعقلِ الراجح، أم هو مشروعٌ قابلٌ للتعديلِ والتفكيكِ وإعادةِ التركيبِ حسبَ أهواءِ كَتَبَةِ السيناريو وأسيادِ رأسِ المالِ الثقافي؟ إنها بالفعل محاولةٌ جبارةٌ لتجريدِ الإنسانِ من أصالتهِ وربطِهِ بسياقٍ ثقافيٍّ مُصطَنعٍ، فيغدو كائنًا بلا جذورٍ، خفيفًا، هشًّا، ومستهلِكًا نهمًا لا يرتوي.
لابد لنا أولًا أن نبدأ بتعريف “الفطرةِ الإنسانية”، وهي الجوهرةِ المكنونةِ في أعماقِ كلِّ مخلوق، هي السرُّ الإلهيُّ المودَعُ فينا، والبصمةُ الربانيةُ التي طُبعت على صفحةِ الروحِ الأولى قبل أن تُدنِّسها أهواءُ البشر في الأرض. هي ذلك الميثاقُ الأزليُّ الذي أُخِذَ على بني آدمَ. حتى وإنْ تشعَّبتْ دروبُ البشر، وتعدَّدتِ الأصنامُ والمعبوداتُ، واختلفتِ الأسماءُ والطقوس، فإنَّ هذا الحنينَ الفطريَّ في جوهرِهِ يبحثُ عن مصدرٍ واحد. فالروحُ في حقيقتها لا تسكنُ إلا إلى إلهٍ واحد، لأنَّ الفطرةَ تعلمُ يقينًا أنَّ لهذا الكونِ المُحكَمِ ربًّا واحدًا، وأنَّ لهذا الوجودِ العظيمِ قيُّومًا واحدًا؛ هو اللهُ، الأحدُ الصمد، الذي لا شريكَ لهُ في ملكه، وهو الفردُ الذي لا ندَّ لهُ في قدرته وعظمته. وكلُّ ما عداهُ من آلهةٍ مزعومة، ما هي إلا ظلالٌ واهيةٌ تُنشئها النفسُ حينَ تضلُّ الطريقَ عن أصلها الأول.
الفطرة هي ايضاً البوصلة الداخلية التي توجه الإنسان نحو الخير والجمال والحق، وتؤسس لمفاهيم الأسرة القائمة على المودة والرحمة بين ذكر وأنثى، وتحترم المراحل الطبيعية لنمو الإنسان، وتُعلي من قيم الجماعة والتراحم. هذه المبادئ الراسخة، التي كانت يومًا ما من المسلّمات، باتت اليوم في قلب عاصفة من التشكيك والتفكيك، تقودها، بحسب المنتقدين، أعمال درامية وسينمائية تُبث عبر هذه المنصة.
فلماذا إذن كلُّ هذه الدعواتِ الصاخبةِ إلى الإلحاد مثلاً؟ دعنا يا عزيزي، كما أشرتَ في إحدى المقالات السابقة، أن نترفَّعُ عن نظرياتِ المؤامرةِ الساذجة، التي غالبًا ما تُلقى في وجهِ كلِّ تحليلٍ عميقٍ بغيةَ الاستخفافِ بهِ وتسفيهِه. ولنحتكمْ بدلًا من ذلك إلى منطقِ الواقعِ وقراءةِ المشهدِ بعينٍ مجرَّدة. إنَّكَ إنْ حكمتَ عقلكَ، فسترى أنَّ العالمَ اليومَ، على الرغمِ من تعدُّدِ أعلامهِ وتنوُّعِ ألسنتهِ، بل وتنوع حجم إقتصاده وقوته، يخضعُ لسلطانِ قوةٍ واحدةٍ تكادُ تكونُ مطلقة، قوةٍ لا تحتاجُ إلى جيوشٍ مرئيةٍ لفرضِ هيمنتِها، بل تنسجُ خيوطَها في كلِّ ناحيةٍ من نواحي الحياة.
هذهِ القوةُ هي إمبراطوريةُ “النمطِ الواحد”؛ نمطِ الاستهلاكِ والمادةِ الذي يسعى حثيثًا إلى صهرِ البشريةِ في بوتقةٍ واحدة. منظومةٌ عالميةٌ تهدفُ إلى خلقِ “الإنسانِ النموذجيِّ” الذي يمكنُ التنبؤُ بسلوكهِ والتحكمُ في رغباتهِ وتوجيهُ قراراته. وهذا الإنسانُ النموذجيُّ يجبُ أن يكونَ قبلَ كلِّ شيءٍ “مُستهلِكًا”، لا عبدًا لله. لأن عبودية الله تجعل من الإنسان بحد ذاته حراً لا مقيد له الا الله. وهنا يكمنُ جوهرُ الإجابة، إنَّ الإيمانَ باللهِ هو الحصنُ الأول و الأخيرُ الذي يمنعُ الإنسانَ من الذوبانِ الكاملِ في هذه المنظومة. لماذا؟
أولًا، لأنَّ الإيمانَ يمنحُ الإنسانَ معنى وقيمةً داخلية. المؤمنُ يجدُ غايتَهُ في عبادةِ خالقهِ وعمارةِ الأرض، ويستمدُّ شعورَهُ بالرضا من مصدرٍ متعالٍ. وهذا الشعورُ بالامتلاءِ الروحيِّ هو أكبرُ عدوٍّ للنزعةِ الاستهلاكية، التي تتغذى على الفراغِ الداخليِّ للإنسان. فالنظامُ العالميُّ يريدُكَ فارغًا، قلقًا، باحثًا عن السعادةِ في سلعةٍ جديدة، قد تكون وظيفة، قد يكون منزلاً، قد يكون مبلغاً من المال، أو صيحةٍ رائجة، أو لذةٍ سريعة. والإلحادُ هو الأداةُ المثلى لخلقِ هذا الفراغ؛ فهو ينزعُ عنكَ الحصون ليترككَ فريسةً سهلةً للسوق.
ثانيًا، لأنَّ الدينَ يضعُ منظومةَ أخلاقٍ ثابتة. مهما كان الدين، الدينَ يقيمُ في النفسِ والمجتمعِ صرحًا أخلاقيًا راسخًا، ويضعُ ثوابتَ لا تميلُ مع الأهواء، وحدودًا لا تتلاعبُ بها المصالح. هناك حلالٌ وحرام، وفضيلةٌ ورذيلة؛ منظومةٌ قيميةٌ واضحةٌ تحفظُ على الإنسانِ إنسانيتَه. وإنَّ هذا الإحساسَ الفطريَّ بوجودِ ناموسٍ أعلى ليس وليدَ الدياناتِ السماويةِ فحسب، بل هو أمر قديمٌ عرفته الروحِ البشريةِ منذ الأزل. تأمَّلْ معي إن شئتَ، في وجدانِ الأممِ الغابرة، كالإغريقِ مثلًا، رغم غرقهم في بحار الأساطير؛ لقد كانوا في عمقِ فطرتهم يشعرونَ بأنَّ هذا الكون ليس فوضى عبثية، بل تحكمُهُ قوى عُليا لا مرئية. لم يروا في البحرِ مجردَ ماءٍ مالح، بل رأوا فيهِ غضبَ “بوسايدون” وسكينتَه. ولم يسمعوا في الرعدِ صوتًا أصم، بل سمعوا فيهِ وعيدَ “زيوس” وسطوتَه. لقد ألبسوا كلَّ مظهرٍ من مظاهرِ الطبيعةِ وقوى الوجودِ رداءَ الألوهية، فجعلوا للشمسِ إلهًا، وللحربِ إلهًا، وللحبِ إلهة. وما كانَ ذلك، في جوهرهِ، إلا اعترافًا فطريًا بأنَّ هنالكَ نظامًا وقانونًا وقوةً أعظمَ من الإنسان، وأنَّ هناك حدودًا لا يمكنُ لهُ أن يتجاوزها دونَ أن يثيرَ حفيظةَ تلك القوى الكبرى. كانت تلك صورتهم البدائية والمشوهة عن “الحرامِ” و”العقاب”، إذ ان لكل إلهاً وآلهةً قيم وأخلاق تتابعت على مدار الزمن بالأساطير.
ثم جاء الإسلامُ ليُهذِّبَ هذه الفطرةَ ويُصفِّيها من شوائبِ الشركِ والخرافة؛ فالإسلامُ لم يبتدعِ الحاجةَ إلى منظومةٍ أخلاقية، بل جاء ليُلبي أعمقَ نداءٍ في الفطرةِ الإنسانيةِ ويضعَها في نصابها الصحيح. وهذهِ الحدودُ الأخلاقيةُ تُعيقُ بشكلٍ مباشرٍ رغبةَ السوقِ الجامحةِ في تحويلِ كلِّ شيءٍ إلى سلعة: الجسد، العلاقات، الأسرة، بل وحتى القيم. لكي يزدهرَ هذا النظام، يجبُ أن تسودَ السيولةُ الأخلاقية، وأن يُصبحَ كلُّ شيءٍ قابلًا للتداولِ والبيعِ والشراء. والإلحادُ، بنزعهِ للمُشرِّعِ الأعلى، يفتحُ البابَ على مصراعيهِ لهذهِ السيولة، فتصبحُ “الحريةُ” وبالأخص “ الحرية الشخصية” منها هي حريةُ الاستهلاكِ بلا قيود، وتصبحُ الرغبةُ هي الإلهَ الأوحد.
تذكر ياعزيزي أننا قد قلنا من قبل في مقالنا عن الحجاب، أن أوروبا كانت يومًا ما دارًا مسيحيةً خالصة، تتنفسُ كنائسُها مع صلواتِ أهلها على اختلافِ طوائفهم، وتجري تعاليمُ الإنجيلِ في شرايينِ قوانينها وأعرافها. وكذلك كانت أمريكا حتى مطلعِ القرنِ العشرينَ تَنسجُ هويتها بخيوطٍ من الإيمانِ المسيحيّ، حتى أنكَ لا تزالُ ترى إلى اليومِ على عملتِها الدولاريةِ تلك العبارةَ المحفورةَ “بالربِّ نثق” (In God We Trust)، كشاهدٍ أثريٍّ باقٍ على زمنٍ كان فيه الإيمانُ هو العُملةَ الحقيقيةَ للروح.
ولكنَّ كلَّ ذلك الصرحِ الإيمانيِّ العظيم، وكلَّ تلك الجذورِ العميقة، لم تصمد طويلًا أمام زلزالِ الثورةِ الصناعيةِ التي لم تكن مجردَ ثورةِ آلاتٍ وفحمٍ وبخار، بل كانت انقلابًا وجوديًا غيَّر وجهَ الأرضِ وأعادَ صياغةَ روحِ الإنسان. جاءت الثورةُ الصناعيةُ تحملُ في قلبها ديانةً جديدة، ديانةَ “المادةِ والمنفعة”، وبدأت تقويضَ العالمِ القديمِ بهدوءٍ وثبات عن طريق تحطيم قدسيةَ الزمنِ والمكان. فبعد أن كان إيقاعُ الحياةِ مرتبطًا بشروقِ الشمسِ وغروبها، وبمواسمِ الحصادِ والصلاة، أصبحَ محكومًا بصفارةِ المصنعِ ودقاتِ ساعةِ العمل. وبعد أن كان الإنسانُ مرتبطًا بأرضهِ وقريتهِ وكنيسته، اقتُلِعَ من جذورهِ ليُلقى بهِ في غياهبِ المدنِ الصناعيةِ المزدحمة، حيثُ لا يعرفُ أحدٌ أحدًا، حيث تسكن اكثر من عشرين سنة في الحي ولا تعرف جيرانك حق المعرفة، وحيثُ ذابت الروابطُ الإنسانيةُ في وسط الصراعِ على لقمةِ العيش.
ومن ثم تم تنصيب إلهًا جديدًا هو “رأسُ المال” او ما عُرف لاحقاً بالرأسمالية، وقدَّمت وعدًا جديدًا هو “التقدمُ المادي”. فبدلًا من أن تكونَ السعادةُ في ملكوتِ السماء، أصبحَ من الممكنِ تحقيقها على الأرضِ عبرَ تكديسِ الثروةِ واستهلاكِ السلع. لقد حوَّلت الإنسانَ من كائنٍ يبحثُ عن الخلاصِ الروحي، إلى كائنٍ يلهثُ وراءَ الإشباعِ المادي فيظل يلهث اكثر من سبعين عاماً بين عمل هنا وهناك لكي يؤمن عيش ابنائه من بعده، وبذلك انحسرَ ظلُّ الكنيسةِ ليحلَّ محلهُ ظلُّ البنكِ والمصنعِ والسوق وينسى الإنسان نفسه وغايته في المنتصف.
وأخيرًا، لقد رسَّخت منطقَ العقلِ الأداتيِّ والمجرد، الذي لا يؤمنُ إلا بما هو قابلٌ للقياسِ والتجربة. وبالطبع بالنسبة لعالمٍ تُقاسُ فيهِ القيمةُ بالإنتاجيةِ والربح، من الطبيعي جداً أن يصبح الحديثُ عن الغيبِ والروحِ والمعجزاتِ ضربًا من الخرافةِ التي تُعيقُ مسيرةَ التقدم. لقد أصبحَ العلمُ التجريبيُّ هو الكاهنَ الأعظمَ لهذا العصر، وأصبحت الحقيقةُ محصورةً فيما تراهُ العينُ وتلمسُهُ اليد.
وهكذا، لم تمت المسيحيةُ او الدين عموماً في أوروبا وأمريكا بحدِّ السيف، بل اختنقت بالتدريج بدخانِ المصانع، وذابت في صخبِ الآلات، وتآكلت قيمُها تحت وطأةِ منطقٍ لا يرى في الوجودِ إلا مادةً خامًا للاستغلالِ والربح. وأما تلك العبارةُ الباقيةُ على الدولار، فقد تحولت من إعلانِ يقينٍ إلى مجردِ شعارٍ أجوف، وذكرى باهتةٍ لعالمٍ كانَ، ثم لم يَعُد.
ولعلكَ الآن تتساءل في سريرةِ نفسِكَ يا عزيزي وما شأنُ “نتفليكس” بكلِّ هذا السردِ التاريخيِّ الطويل؟ وما علاقةُ سقوطِ الكنيسةِ الأوروبيةِ وزلزالِ الثورةِ الصناعيةِ بمنصةٍ ترفيهيةٍ في جهازي الصغير؟
والجوابُ يكمنُ في المنهجِ الذي اعتدنا عليهِ أنا وأنت سويًا؛ وهو أننا لا نُبصرُ الحكايةَ من فصلها الأخير، بل نعودُ إلى أصلها الأول لنفهمَ جذورَها. فنحنُ نسبرُ أغوارَ الماضي لنعرفَ كيفَ بدأتِ القصة، ونتتبعُ مسارَها لنرى كيفَ تطورت، وعندها فقط، نستطيعُ أن نُبصرَ بوضوحٍ إلى أين نحنُ ذاهبون. لذلك، إنَّ فهمَ مقدماتِ الأحداثِ هو الذي يمنحُنا القدرةَ على استشرافِ خواتيمها، والبقاءِ سابقين بخطوةٍ دائمًا. فلكلِّ شيءٍ في هذا الوجودِ تطورٌ تدريجيٌّ منطقي، ومن يقرأُ الصفحةَ الأولى جيدًا، يستطيعُ غالبًا أن يتنبأ بما تحملهُ الصفحةُ الأخيرة.
إن “نتفليكس” وأخواتها هي الثمرةُ الطبيعيةُ والوريثُ الشرعيُّ لذلك التحولِ الجذريِّ الذي بدأ قبل قرون. هي الذراعُ الثقافيُّ الناعمُ لتلك الثورةِ الصناعيةِ التي أفرغتِ الإنسانَ من روحهِ الإيمانية، وحوَّلتهُ إلى كائنٍ استهلاكيٍّ قَلِق. لقد ورثتْ هذه المنصاتُ المهمةَ من حيثُ انتهتِ المصانعُ والبنوك؛ مهمةَ إكمالِ صياغةِ “الإنسانِ الجديد” الذي لا ولاءَ لهُ إلا لرغباته، ولا بوصلةَ لهُ إلا ما يُعرضُ عليه.
فكما احتاجَ الإنسانُ القديمُ إلى الكنيسةِ لترسمَ لهُ طريقَ الخلاص، يحتاجُ الإنسانُ المعاصرُ الفارغُ إلى “نتفليكس” لترسمَ لهُ طريقَ اللذة، وتُملي عليهِ قيمهُ، وتُحددُ لهُ هويته. وإنْ أمعنتَ النظرَ معي الآن، ستدركُ أنَّ المعركةَ قد انتقلت إلى أخطرِ ميادينها وأكثرها حساسية، إنَّ الاستهدافَ الآن يطرقُ أبوابَ الطفولةِ البريئة. لقد أدركَ مهندسو الوعي الجديد أنَّ حصونَ الكبارِ قد تكونُ منيعةً نسبيًا، لأن الجيل السابق (التسعينات وما قبلها) وأنَّ تغييرَ قناعاتٍ تجذَّرت لعقودٍ أمرٌ شاق؛ فقرروا أن يتجاوزوا الحصونَ والجدرانَ ويذهبوا مباشرةً إلى مَنبِتِ البذرة، إلى الأرضِ البِكرِ التي لم تُحرَثْ بعد.
لقد جعلوا من الرسومِ المتحركةِ، ذلك العالمَ الساحرَ الذي كان يومًا ملاذًا للخيالِ النقي، حصانَ طروادةَ المُزيَّنَ بالألوانِ البراقةِ والألحانِ الجذابة. وفي أحشاءِ هذا الحصان، يُدسُّون السمَّ في العسلِ ويُمرِّرون رسائلَهم بعنايةٍ فائقة. تبدأُ الحكايةُ بإيحاءاتٍ جنسيةٍ مبطنةٍ تُلقى هنا وهناك لتكسرَ حاجزَ الحياءِ الفطريِّ لدى الطفل، ثم تتطورُ لتُصبحَ تصريحاتٍ مباشرةً ووقحة، تُقدِّمُ الشذوذَ الجنسيَّ كخيارٍ طبيعيٍّ ومُبهج، وتُصوِّرُ التحولَ الجنسيَّ كرحلةٍ بطوليةٍ لاكتشافِ الذات. إنهم يزرعون بذورَ الحيرةِ والقلقِ في أخصبِ تُربةٍ وأكثرها نقاءً، ليضمنوا أن ينبتَ جيلٌ كاملٌ تكونُ هذه الانحرافاتُ جزءًا أصيلًا من تصورهِ عن “الطبيعي” و”المقبول”.
وقد يطرقُ بابَ عقلكَ الآن ثلاثة اسئلة منطقية، بل هم من صميمِ الجدلِ الدائرِ في زماننا هذا. أولهما: هل يُولدُ الإنسانُ حقًا بميلٍ جنسيٍّ تجاهَ بني جنسهِ؟ وبعبارةٍ أخرى، هل هو أمرٌ جينيٌّ مغروسٌ في كيانهِ، فيكونُ مسيَّرًا إليهِ لا سلطانَ لهُ عليه؟ وثانيهما: إنْ لم يكن كذلك، فما الغايةُ الكبرى وما الفائدةُ المرجوَّةُ من هذا الترويجِ العالميِّ المحمومِ له؟ وثالثهما: الم نحسبها حرية شخصية؟
أما عن السؤالِ الأول، ودعوى أنَّ هذا الميلَ أمرٌ فطريٌّ وجينيٌّ لا خيارَ فيهِ للإنسان، فإنَّ سجلَّ العلمِ البشريِّ، على اتساعِهِ ودقتِهِ، لم يستطعْ إلى لحظتنا هذهِ أن يشيرَ إلى شفرةٍ جينيةٍ واحدةٍ يمكنُ تحميلها وِزرَ هذا الانحرافِ عن جادّةِ الطبيعة. بل إنَّ كلَّ ما لدينا هو صدى لتأثيراتٍ خارجية، ونقوشٌ تُحفَرُ على صفحةِ النفسِ بفعلِ الاكتسابِ الخارجي. وهذا الاكتسابُ هو عمليةُ غزوٍ ثقافيٍّ ونفسيٍّ ممنهجٍ تبدأُ فصولها منذ نعومةِ الأظفار. إنها تبدأُ بالقصفِ المستمرِّ عبرَ الشاشاتِ التي تُقدِّمُ هذا السلوكَ كأمرٍ طبيعيٍّ وجذّاب، وتتغذى على تجاربَ شخصيةٍ مضطربةٍ أو بيئةٍ أسريةٍ مفككة، وتترسَّخُ حينَ تجدُ نفسًا فارغةً من اليقينِ تبحثُ عن هويةٍ تلتصقُ بها مهما كانت شاذة.
لذا، إنه ليسَ شيئًا يُولدُ بهِ الإنسان، بل هو رداءٌ يُلبَسُهُ إياه المجتمعُ الحديثُ إلباسًا، ويُقنعهُ الإعلامُ بأنهُ جلدهُ الحقيقي. هي حالةٌ تُكتَسبُ عبرَ “التطبيعِ” وليس “التكوين”، وعبرَ “البرمجةِ” بدلاً من “الخِلْقة”، وحينَ تُنزَعُ كلُّ هذه المؤثراتِ الخارجية، لا يبقى في العمقِ إلا صوتُ الفطرةِ الأصيلةِ التي تحدثنا عنها، صوتٌ خافتٌ ربما، ولكنه لا يموتُ أبدًا.
لنحتكمْ إلى منطقِ الفطرةِ والغايةِ من الخلق. لنسأل: هل الطائرُ الذي يُولدُ بجناحٍ كسيرٍ تنتفي عنهُ فطرةُ التحليق؟ أم أنَّ فطرتهُ باقيةٌ لكنَّ عارضًا أصابهُ فمنعهُ من كمالِ فطرته؟ إنَّ وجودَ الخللِ لا يُلغي أصالةَ التصميم، ووجودَ العارضِ لا ينسفُ جوهرَ الغاية. إنَّ الفطرةَ السويةَ، والبصمةَ الإلهيةَ التي تحدثنا عنها، قائمةٌ على مبدأ الزوجيةِ والتكاملِ بين الذكرِ والأنثى؛ فهذا هو التصميمُ الذي تقومُ عليهِ عمارةُ الأرضِ وامتدادُ الحياةِ وتكوينُ السكنِ والمودة. وأيُّ ميلٍ يخالفُ هذا التصميمَ الأصيل، حتى وإنْ وُجِد، لا يمكنُ أن يكونَ هو “الفطرةَ” الجديدة، بل هو حالٌ يستدعي العلاجَ والتقويم، وليس احتضانًا يُحوِّلُ الاستثناءَ إلى قاعدة، والمرضَ إلى هويةٍ يُحتفى بها. إنَّ الخلطَ بينَ وجودِ “الميلِ” وبينَ كونهِ “طبيعيًا” أو “فطريًا” هو قلبٌ للمفاهيمِ وتزييفٌ للحقيقة.
وهنا نصلُ إلى إجابةِ السؤالِ الثاني، وهو الأخطر: ما الفائدةُ من هذا الترويج؟
إنَّ الفائدةَ ليست سعادةَ الفردِ كما يزعمون، بل هي مصلحةُ تلك المنظومةِ العالميةِ التي تسعى لتفكيكِ الإنسانِ وإعادةِ تركيبه. والفوائدُ لها استراتيجيةٌ وواضحة. فالأسرةُ القائمةُ على رجلٍ وامرأةٍ هي الوحدةُ الاجتماعيةُ الوحيدةُ التي لا تخضعُ لمنطقِ السوق. إنها تنتجُ البشرَ، وتغرسُ القيم، وتُمرِّرُ التراث، وتصنعُ روابطَ أسمى من روابطِ البيعِ والشراء. ولكي تخضعَ البشريةُ بالكاملِ لسلطانِ السوق، لا بدَّ من تفكيكِ هذه القلعة. والترويجُ لعلاقاتٍ لا تُنتجُ حياةً بطبيعتها، ولِهوياتٍ جنسيةٍ تضربُ فكرةَ الزوجيةِ في الصميم، هو أسرعُ وأنجعُ وسيلةٍ لتحويلِ المجتمعِ من أُسَرٍ متماسكةٍ إلى أفرادٍ ذرّيينَ منعزلين، يسهلُ السيطرةُ عليهم واستهدافهم. وهنا، يا عزيزي، تُسعفنا حكمةُ الحروبِ، لمن تأمَّلَ في صحائفها، بدرسٍ بليغ.
لقد علَّمتنا التجاربُ أنَّ القوةَ العسكريةَ الغاشمةَ تجدُ صعوبةً ماحقةً في مواجهةِ عدوٍّ لا مركزَ له. فإنَّ العدوَّ إذا تفرَّقَ في الشعابِ والدروب، وتحوَّلَ إلى جماعاتٍ صغيرةٍ متحركةٍ كالأشباح، أرهقَ أعتى الجيوشِ وأعيا أمهرَ القادة. ولذلك، فإنَّ الاستراتيجيةَ المثلى لأيِّ قوةٍ مهيمنةٍ لا تكمنُ في مطاردةِ هذهِ المجموعاتِ المشتتة، بل في السعي الحثيثِ لجمعها وحصرها في ميدانٍ واحدٍ مكشوف. إنها تُفضِّلُ دائمًا أن تواجهَ جيشًا جرَّارًا في سهلٍ فسيح، حيثُ يمكنُ بضربةٍ قاصمةٍ واحدةٍ أن تحسمَ المعركةَ وتُنهي الحكاية.
وهذا المبدأُ العسكريُّ نفسهُ يُطبَّقُ اليومَ بحذافيرهِ في ميدانِ الاجتماع. فالأسرةُ هي ذلك الجيشُ المتراصُّ، والحصنُ المنيعُ الذي تحمي قلاعُهُ بعضها بعضًا. وما دامت قائمة، فإنَّ اختراقَ المجتمعِ وتغييرَ هويتهِ أشبهُ بحربِ عصاباتٍ طويلةٍ ومُرهِقة. لذا، كان لا بدَّ من تفكيكِ هذا الجيشِ أولًا. لا بدَّ من استدراجِ أفرادهِ للخروجِ من حصونهم، وإقناعِ كلِّ جنديٍّ بأنهُ ليسَ بحاجةٍ إلى كتيبته، وتحويلهم إلى أفرادٍ مشتتين، كلٌّ منهم معزولٌ في خندقهِ الرقمي. وحينها فقط، حينَ يصبحُ المجتمعُ حشدًا من الأفرادِ بدلاً من أن يكون نسيجًا من الأُسَر، يصبحُ صيدًا سهلًا، وهدفًا واضحًا ومكشوفًا، لا يتطلبُّ إسقاطُهُ أكثرَ من طلقةٍ واحدةٍ موجهةٍ من إعلامٍ أو فكرة.
وهنا نصلُ إلى إحدى أغربِ ثمارِ هذه المنظومةِ وأكثرها مرارة: كيفَ أمسى الأبُ والأمُّ في عقرِ دارهما أسيرينِ لرضا طفلهما؟ وكيفَ غدا الطفلُ الصغيرُ الذي كانَ رمزَ البراءةِ والطهر، قاضيًا وسجّانًا على من أنجباه وربّياه؟ لقد تدخلت الدول لتُعلنَ نفسها “الوليَّ الأعلى” على الطفل، وأقنعتهُ بأنَّ ولاءَهُ الأولَ يجبُ أن يكونَ “لحقوقهِ” التي تمنحها لهُ هي، لا لوالديهِ اللذينِ يمنحانهِ الحياة. وبذلك، سلبتِ الآباءَ سلطتهم التربويةَ الطبيعية، ووضعت في يدِ الطفلِ سيفَ القانونِ ليُشهرهُ في وجههم عند أولِ بادرةِ تأديبٍ أو توجيهٍ لا يروقُ لمزاجهِ الصغير.
إنه الفصلُ الأخيرُ من مسرحيةِ تفكيكِ الأسرة. فبعدَ أن أفسدوا العلاقةَ بين الزوجِ والزوجة، ها هم الآن يضربونَ العلاقةَ الأقدسَ بين الآباءِ والأبناء. الهدفُ هو تحويلُ البيتِ من مملكةِ مودةٍ وسكنٍ إلى ساحةِ محكمةٍ صغيرة، يُحاكَمُ فيها الآباءُ على عاطفتهم، وتُوزَنُ فيها التربيةُ بميزانِ القانونِ البارد. لقد نجحوا في تحويلِ الابنِ من وريثٍ للقيمِ وحافظٍ للعهد، إلى حارسٍ على هدمها، ومُخبرٍ صغيرٍ يضمنُ ألا تقومَ للأسرةِ قائمةٌ مرةً أخرى.
ومن ثم يأتي خلقُ الأسواقٍ الجديدة. إنَّ تحويلَ هذا الشذوذِ إلى “هوية”، يفتحُ البابَ أمامَ صناعاتٍ ضخمةٍ تقدَّرُ بالمليارات: من أدويةِ الهرموناتِ وجراحاتِ التحويل، إلى الأزياءِ والمنتجاتِ والأفلامِ الموجهةِ لهذه الفئة. ناهيك عن الترويج لليهودية الذي سيحصل الفترة القادمة مع شرائهم لتطبيق “تيك توك”، لقد حوَّلوا ابتلاءَ الفردِ إلى هويةٍ استهلاكيةٍ تدرُّ أرباحًا طائلة. ناهيكَ عن ذلك الطوفانِ الجارفِ من الإباحيةِ بكلِّ صورها وأشكالها؛ تلك الإمبراطوريةُ الخفيةُ التي تُعدُّ اليومَ من أضخمِ الصناعاتِ وأكثرها درًّا للأرباحِ على الإطلاق. وهنا تكمنُ إحدى أعظمِ المفارقاتِ وأكثرها دلالة وهي أن كيفَ لصناعةٍ بهذا الحجمِ والثراء، أن تُقدِّمَ أثمنَ بضاعتِها وأشدَّها فتكًا للفردِ بشكلٍ مجانيٍّ تمامًا، ومتاحٍ بضغطةِ زر؟
إياكَ يا عزيزي أن تُقنعَ نفسَكَ بأنها صدفةٌ، أو أنَّ ما يحدثُ هو مجردُ سخاءٍ من أصحابِ هذهِ المواقع! إنَّ الحقيقةَ أعمقُ وأخطر. إنهم لا يبيعونَكَ مقطعًا بالمصادفة، بل يشترونَ بثمنهِ روحَكَ قطعةً قطعة. إنَّ هذا “المجان” هو الطُّعمُ الذي يُعلَّقُ في الصِّنارة، وهو الثمنُ المدفوعُ مقدمًا لشراءِ شيءٍ أثمنَ بكثيرٍ من دولاراتِهم:
الهدفُ هو نزعُ القداسةِ عن أعمقِ أسرارِ الوجودِ الإنساني. فالإباحيةُ هي الأداةُ المثلى لتحويلِ الجسدِ البشريِّ من هيكلٍ كرَّمهُ اللهُ ونفخَ فيهِ من روحه، إلى مجردِ سلعةٍ رخيصةٍ للاستهلاكِ البصري. وهي السلاحُ الأمضى لقتلِ الحياءِ وسحقِ العلاقةِ الزوجيةِ المقدسة، وذلك عبرَ تجريدِها من كلِّ معاني السكنِ والمودةِ والرحمة، واختزالها في فعلٍ بهيميٍّ مُبتذَل.
سلاحُ “الإدمانِ” كأداةٍ للسيطرة. فما يُقدَّمُ مجانًا ليسَ إلا الجرعةَ الأولى من سمٍّ زعاف. إنهم يدركونَ أنَّ النفسَ البشريةَ إذا أُغرِقت في بحرِ الشهواتِ التي لا تنتهي، فإنها ستظلُّ تلهثُ أبدًا وراءَ المزيد، فتُصبحَ أسيرةً ضعيفةً، منهكةَ الروح، لا تقوى على مقاومةٍ أو تفكيرٍ أو بناء. إنه أفيونُ العصرِ الرقمي، يُقدَّمُ للشعوبِ طواعيةً لتظلَّ غارقةً في غفلتِها، بينما تُمرَّرُ من حولها أعظمُ المخططات. فلا، ليست صدفةً أبدًا. إنه استثمارٌ مدروسٌ في هدمِ الإنسانِ من داخله. إنهم يمنحونَكَ اللذةَ الزائفةَ مجانًا، ليأخذوا في المقابلِ إرادتَكَ، ووقتَكَ، ونقاءَ قلبِكَ، وقدرتَكَ على بناءِ أسرةٍ سوية. وأيُّ ثمنٍ بعدَ هذا يُعدُّ باهظًا؟
ثالثًا وأخيرًا: تدميرُ مرجعيةِ “الحقيقةِ الثابتة”. حينَ يتمُّ زعزعةُ أكثرِ الحقائقِ البيولوجيةِ ثباتًا ورسوخًا “حقيقةُ الذكرِ والأنثى” فإنَّ كلَّ الحقائقِ الأخرى تصبحُ سائلةً وقابلةً للتشكيل. لأنه بالمنطق، في عالمٍ لا يعودُ فيهِ للجسدِ حقيقةٌ موضوعية، كيفَ يمكنُ أن يكونَ للأخلاقِ أو للدينِ حقيقةٌ ثابتة؟ إنَّ الهدفَ هو الوصولُ إلى إنسانٍ يؤمنُ بأنهُ لا توجدُ حقيقةٌ مطلقة، وعندها يصبحُ مستعدًا لتقبُّلِ أيِّ “حقيقةٍ” تُمليها عليهِ القوةُ المهيمنة.
إذاً، ألم يبدأُ كلُّ هذا وينطلقُ دائمًا من عباءةِ “الحريةِ الشخصية”؟
الجوابُ يا عزيزي، هو أنَّ “الحريةَ الشخصية”، بمفهومها الحديث، هي حصانُ طروادةَ الفكريُّ الأعظمُ في عصرنا. إنها الكلمةُ السحريةُ التي تفتحُ كلَّ الأبوابِ الموصدة، والمفتاحُ الذي يُشرِّعُ كلَّ الأفعال الشاذة. لقد اختاروا هذا الشعارَ بعنايةٍ فائقةٍ لأنهُ يبدو في ظاهرهِ حقًا مطلقًا لا يجرؤُ عاقلٌ على معارضته؛ فمن ذا الذي يكرهُ الحرية؟
لكنَّ المكرَ كلَّه يكمنُ في تفريغِ الكلمةِ من معناها النبيل، وإعادةِ حشوها بمعنى جديدٍ يخدمُ غايتهم. فالحريةُ الحقيقيةُ في كلِّ الشرائعِ والفلسفاتِ الراقيةِ كانت تعني دومًا “التحررَ من”؛ التحررَ من عبوديةِ الهوى، من طغيانِ الغرائز، ومن جهلِ النفس. أما هم فقد حوَّلوها إلى “حريةِ أنْ”؛ حريةِ أن تفعلَ ما تشتهي، وأن تكونَ ما تريد، وأن تتبعَ شهوتَكَ إلى أقصى مدى، دونَ وازعٍ من دينٍ أو عرفٍ أو فطرة.
وبهذا التعريفِ المسموم، أصبحت “الحريةُ الشخصيةُ” هي المعولَ الذي بهِ تُهدَمُ كلُّ الحصون:
فالأسرةُ تصبحُ سجنًا يقيدُ “حريتك”.
والدينُ يصبحُ قيودًا تكبتُ “حريتك”.
والحياءُ يصبحُ قمعًا يقتلُ “حريتك”.
بل وحتى هويتُكَ البيولوجيةُ كذكرٍ أو أنثى تصبحُ قالبًا يجبُ أن تتحررَ منهُ باسمِ “حريتك”.
والحقيقةُ المطلقةُ نفسُها تُصبحُ ديكتاتوريةً فكرية، يجبُ هدمُها لتتحررَ في عالمٍ تكونُ فيهِ كلُّ الآراءِ متساوية، وكلُّ الأهواءِ مشروعة.
والزواجُ يُصوَّرُ لكَ كعقدٍ أبديٍّ رتيب، يقتلُ لهفةَ الشغف، ويُطفئُ وهجَ المغامرة، ويُغرقكَ في بحرٍ من المسؤولياتِ التي تسرقُ منك “حريةَ” أن تكونَ لنفسكَ فقط.
والعملُ الدؤوبُ وبناءُ مسيرةٍ مهنيةٍ ثابتة، يُقدَّمُ لكَ كطاحونةٍ يوميةٍ تسحقُ أجملَ سنواتِ عمرك، وتستعبدُ وقتكَ الثمين مقابلَ دراهم معدودة، وتحرمكَ من “حريةِ” أن تعيشَ بلا قيودِ رئيسٍ أو مواعيدَ صارمة. بل ويُخيل لك ان الزواج اهم من الأسرة.
والمسؤوليةُ تجاهَ من حولكَ تُصبحُ حِملًا يمنعكَ من التحليقِ عاليًا في سماءِ رغباتِكَ الأنانية.
نعم، إنها السيفُ ذو الحدين؛ يمنحونَكَ بهِ حريةً وهميةً لاتباعِ كلِّ نزوة تخدمهم، وفي المقابلِ يسرقونَ منكَ حريتَكَ الحقيقيةَ في أن تكونَ إنسانًا سويًا، مستقرًا، ذا غايةٍ ومعنى. إنها ليست دعوةً للتحرر، بل هي أذكى دعوةٍ وُجِدَت على الإطلاقِ لعبوديةٍ من نوعٍ جديد: عبوديةِ الذاتِ والهوى، وهي العبوديةُ الوحيدةُ التي يزينها لكَ الشيطانُ حتى تظنَّها تاجًا فوقَ رأسك.
إنَّ مفهومَ “الحريةِ الشخصيةِ” قد يكتسي ثوبَ الاحترامِ والوقارِ حينَ يمارسُهُ المرءُ في خلوةِ داره، ويُسدِلُ عليهِ أستارَ الخصوصية تماماً، فلا تطَّلعُ على فعلِهِ عينٌ ولا يسمعُ بهِ مخلوق. فتلكَ هي مملكتهُ التي هو سلطانها، وتلكَ هي حدودُ حريتهِ الحقيقية في منزله فقط، او اي مكان يبكون فيه مستتراً عن أعين الخلق.
أما حينَ يخرجُ الفعلُ من عتمةِ الجدرانِ إلى نورِ الطريق، فإنهُ يخلعُ عنهُ رداءَ “الشخصيةِ” فورًا، ويلبسُ رداءَ “المسؤوليةِ” الاجتماعيةِ الثقيل. فما عادَ الفعلُ حبيسَ ذاتِ صاحبه، بل أصبحَ مشهدًا عامًا، ورسالةً تُبَثُّ في الأثير، وسهمًا يُطلَقُ في فضاءِ المجتمع. لقد رآكَ العديد، وتلقَّفَ فعلَكَ ألفُ عقلٍ وعقل.
وهنا يا عزيزي، نستحضرُ تلك القاعدةَ التي بنينا عليها حديثنا في مقالات سابقة: العقلُ ميزانٌ دقيق، كفَّتاهُ المدخلاتُ والمخرجات. فكلُّ ما تراهُ الأعينُ وتسمعهُ الآذانُ هي تلك البذورُ التي تُزرَعُ في تُربةِ الوعي، ولا بدَّ لها يومًا أن تنبت، إما زهرًا طيبًا أو شوكًا مؤذيًا. إنَّ فعلَكَ الذي تظنهُ “شخصيًا” في الشارع، هو “مُدخَلٌ” إجباريٌّ فرضتَهُ على عقولِ من حولك، وسيتحولُ لا محالةَ عندَ بعضهم إلى “مُخرَجٍ” سلوكيٍّ أو فكريٍّ في يومٍ ما.
لذلك، فإنَّ القاعدةَ الذهبيةَ “أنتَ حرٌّ ما لم تضر” يجبُ أن تُفهَمَ بمعناها الأوسع. وهل هناك ضررٌ أعظمُ من أن تُلقي في روحِ طفلٍ نظرةً تُلوِّثُ براءته، أو أن تزرعَ في عقلِ شابٍّ فكرةً تُزلزلُ يقينَه، أو أن تُطَبِّعَ في عينِ المجتمعِ منظرًا يناقضُ الفطرةَ التي جُبِلَ عليها؟ إنَّ المُدخَلَ إذا كان مناقضًا للفطرة، فقد وقعَ الضررُ حتمًا، وتجاوزتَ حدودَ حريتِكَ لتعتديَ على حقِّ الآخرينَ في بيئةٍ نظيفةٍ روحيًا وأخلاقيًا.
وهنا يا عزيزي، يبرزُ السؤالُ الساخرُ الذي يكشفُ زيفَ دعاواهم ويفضحُ تناقضَ منطقهم، إذا كنتَ أنتَ قد نصَّبتَ نفسَكَ حرًا في أن تبذرَ بذورَ الشوكِ في طريقِ العامَّةِ باسمِ “حريتكَ الشخصية”، أفلا أكونُ أنا حرًا أيضًا في أن أقتلعَ هذا الشوكَ وأُلقي بهِ بعيدًا، بإسمِ “حريتي في حمايةِ فطرتي” وسلامةِ مجتمعي؟
أم أنَّ “الحريةَ الشخصيةَ” مكيالٌ أعوج، يُكالُ بهِ لكَ وحدكَ، فتُمنَحُ حريةَ الفعلِ والهدم، بينما يُفرَضُ عليَّ واجبُ الصمتِ والقبول؟ هذه ليست لحريةٍ متبادلة، بل هي فرضٌ لديكتاتوريةِ الرغبة، حيثُ يُمنَحُ مَن يهدمُ كلَّ الحصانات، ويُقيَّدُ مَن يحاولُ أن يرمِّمَ الجدران. يريدونَكَ أن تتقبَّلَ “فعلهم” باعتبارهِ حرية، ولكنَّ “ردةَ فعلكَ” الرافضةَ لهُ يعتبرونها تطرفًا وتعديًا و جريمة. إنَّ فعلكَ، في منطقهم، هو “المُخرَجُ” الطبيعيُّ لمدخلاتهم، فإن كانَ مدخلهم بذرةَ فساد، فلا يتوقعنَّ أن يكونَ مخرجكَ إلا ردعًا لذلك الفساد.
وفي حقيقةِ الأمر، لو جرَّدنا مفهومَ “الحرية” من كلِّ زينتهِ البراقة، وبحثنا عن جوهرهِ الأصيل، لوجدنا أنه لا توجدُ حريةٌ حقيقيةٌ سوى حريةِ الروحِ في انسجامها مع فطرتها الإنسانيةِ الربانية. وما عدا ذلك، فليست إلا أغلالًا يختارُها المرءُ بنفسه، ويظنُّها تحررًا. إحسبها كما شئت، وتأمَّل في كلِّ دروبِ الاختيار، فإنْ شذَّ أحدهم عن جادَّةِ فطرته، مقتفيًا أثرَ موضةٍ أو فكرةٍ أو شخص، فقد سلَّمَ زمامَ عقلهِ لغيره، وأصبحَ صدىً لصوتهم، وظلًا لشخصهم. وما طاعةُ الصدى لمصدرهِ، وطاعةُ الظلِّ لسيدهِ، إلا عبوديةٌ وإنْ سمَّوها “مواكبةً للعصر”.
وإنْ أطاعَ هواهُ، وجعلَ من شهوتهِ إلهًا يُعبَد، ومن رغبتهِ مُشرِّعًا يُحتَكمُ إليه، فقد استبدلَ عبوديةَ الرحمنِ بعبوديةِ شيطانِ النفس. لقد تمرَّدَ على فطرتهِ ليُصبحَ عبدًا لنزوته، وهي أحطُّ أنواعِ العبوديةِ وأشدُّها إذلالًا، وإنْ سمَّوها “إشباعًا للذات”. فالحريةُ الحقيقيةُ إذن، ليست في أن تختارَ سيِّدكَ الذي تستعبِدُ لهُ نفسَك، بل هي في ألا يكونَ لكَ سيِّدٌ إلا خالقُ الفطرةِ نفسِها. إنها العودةُ إلى الأصل، إلى نقطةِ الصفرِ النقية، حيثُ لا تخضعُ إلا للحقِّ الذي جُبِلتَ على معرفته. فتلكَ ليست عبودية، بل هي التحررُ الأعلى، والانسجامُ المطلقُ مع الكون.
ختامًا يا عزيزي، وبعدَ هذا التطوافِ الطويلِ في دروبِ الفكرِ وتقلباتِ الزمن، لا أقولُ لكَ اعتزلِ العالمَ وأغلقْ على نفسكَ الأبواب، ولكنَّ جُلَّ ما أرجوهُ لك، وهو خلاصةُ نصيحتي، أن تكونَ فارسًا يقظًا في ميدانِ الوعي؛ أن تظلَّ واعيًا أبدًا بما يُرادُ لك، وبما خُلِقتَ عليه.
تذكَّرْ دائمًا أنَّ غايةَ ما يريدونَهُ ليسَ أن تُصبحَ مثلهم بالضرورة، بل يكفيهم منك، في المرحلةِ الأولى، أن يصبحَ الفعلُ الشنيعُ في عينيكَ “عاديًا”. وكلمةُ “عادي” هذه، هي السمُّ البطيءُ الذي يسري في عروقِ المجتمعِ عبرَ السنين، وهي قطراتُ الماءِ التي تحفرُ الصخرَ على مهل. فلا تستسلمْ لهذا الإلْفِ القاتل، ولا تجعلِ الأمرَ عاديًا أبدًا. قاومْ بقلبكَ وعقلك، ولْيبقَ المنكرُ في وجدانكَ منكرًا.
فلا، ليسَ الشذوذُ حالةً طبيعية، بل هو نكسةٌ في الفطرةِ وخروجٌ عن سننِ الكون، حرَّمتهُ السماءُ ومجَّتهُ طبائعُ الأسوياء. وليستِ الإباحيةُ فنًا أو تحررًا، بل هي امتهانٌ لكرامةِ الجسدِ وتدنيسٌ لقدسيةِ الروح. وليسَ الإلحادُ شجاعةً فكرية، بل هو أعمقُ صورِ الجهلِ والغرور. فإنْ كنتَ ترى أنَّ هذا الكون البديع، وأنا وأنتَ فيه، قد خُلقنا عبثًا بلا غاية، فأيُّ جهلٍ بعدَ هذا يُرتجى شفاؤه؟ لا تحدثني عن انفجارٍ كونيٍّ أو صدفةٍ عمياء، فكلُّ نبضٍ في عرقكَ وكلُّ نجمٍ في فلكهِ ينطقُ بوجودِ خالقه. وإننا جميعًا سائرونَ إلى يومٍ تُكشَفُ فيهِ الحُجُب، وسنجدُ ما وعدَنا ربنا حقًا بإذنه، وحينها ستُبصِرُ كم كانَ جدالكَ عبثًا، وكم كنتَ عن الحقيقةِ غافلًا.
إلى أن يأتيَ ذلك اليوم، لا تألفِ المنظر. مارسْ أنتَ أيضًا حريتَكَ الحقيقية. إنْ أتتكَ لقطةٌ خادشةٌ للحياء، فغيِّرها بلمحِ البصر، أو احذفِ العملَ من أساسه. ستجد اعمالاً تحتوي على لقطات قليلة نسبياً، إن كانت حريتُهم تبيحُ لهم أن يصنعوا السمَّ ويذيعوه، فإنَّ حريتكَ تمنحكَ كلَّ الحقِّ في أن ترفضَ تذوقه، وأن تُحصِّنَ بيتَكَ وروحَكَ منه.
والأمانةُ العظمى فوقَ كلِّ ذلك: إن كانَ في كنفكَ إخوةٌ صغارٌ أو أبناء، فاعلمْ أنكَ حارسُ فطرتهم، وأنكَ مسؤولٌ عن كلِّ بذرةٍ تُزرعُ في أرضِ قلوبهم الطاهرة. لا تدعهم يعتادونَ المنظرَ فيألفونه، ثم يهونُ عليهم فيفعلونه، فتفسدُ أرواحهم. وتذكَّرْ أنَّ أولَ فسادِ المرءِ يقعُ على أهلِ بيته، كنارٍ تبدأُ بأكلِ أطرافِ الدارِ قبلَ أن تلتهمها كلها. فانتبه، وكُنْ أنتَ الحصنَ المنيع.
يمكنك متابعتنا ايضاً على قناتنا على اليوتيوب من هنا
















راح أرجع وَأقرأها أَكثر من مَرة هَذه المَقالة حتى تحفر داخل عَقلي وَما أنساها.
ابدعت مجدداً ياااشرف، مقالة اكثر من ان تكون كنز، عدة مواضيع تم ذكرها كل موضوع اهم من الثاني من الشذوذ الى نتفلكس الى الحرية الشخصية الى الاباحية غير دروس التاريخ والحروب. نحن امام مقالة متكاملة من كل النواحي ماشاءالله اهنئك على هذا الطرح وارفع لك القبعة واتمنى ان يقرأ هذه المقالة الجميع وخاصة Gen Z فهم المستهدفين اكثر من كل هذا. اسأل الله ان يديم قلمك ارجو ان تتحفنا دائماً بأن تستمر في كتابة المقالات الرائعة والملهمة والمؤثرة