هل جميع الرجال قوامون على النساء حقاً؟
فيما يتعلق بالحديث عن القوامة، هناك فهم خاطئ شائع بين كثير من الرجال والنساء، وهو أن حقيقة "الرجال قوّامون على النساء" تعني الأفضلية أو التفوق بشكل مطلق. هذا المفهوم بعيد عن الحقيقة. فالقوامة ليست حقاً مقدساً لجميع الرجال، بل هي مسؤولية وتكليف في المقام الأول، وتصبح شرفاً فقط عندما يتحمل الرجل تلك المسؤولية بجدارة ويقوم بها على أكمل وجه. على سبيل المثال، اذا قلت لك ان احدهم قد عُين بمنصب الرئيس التنفيذي لشركة ما وان راتبه الشهري يُقدر ب خمسون الف دولار، ما الذي سيخطر على بالك اول شيء؟ الأغلبية سيفكرون بالمقابل المادي فقط، وان هذا تشريف لما فيه من القيمة المادية العالية، في حين ان الذي يجب علينا التفكير به القيمة الفعلية لهذا المنصب، بمعنى اخر ان مسؤوليات هذا المنصب حتماً ستكون كبيرة للغاية وهذا يعني في المقام الاول انه ليس تشريف بقدر ماهو تكليف.
إذن، القوامة ليست صفة تُمنح لجميع الرجال بشكل تلقائي، بل هي صفة يكتسبها الرجل ويستحقها بعد أن يتحمل الأعباء المرتبطة بها. فالرجل الذي يستحق القوامة هو من يثبت أنه قادر على أن يكون مسؤولا عن أهله وحياتهم، وأنه يتحمل تضحيات كبيرة من أجل رفاههم وسعادتهم. القوامة تعني أن تتحمل أعباء الحياة على أكمل وجه، دون أن تتوقع أن يُمنح لك الاحترام أو التقدير لمجرد كونك "رجلاً". احترام القوامة وتقديرها يأتي بعد أداء هذه المسؤوليات الثقيلة والقدرة على مواجهتها بكل عزيمة.
العديد من الرجال يظنون أن عبارة "الرجال قوّامون على النساء" تعني أنهم يملكون سلطة غير مشروطة على النساء، ولكن هذا الظن في غاية الخطأ. فهم يجهلون أن القوامة لا تأتي إلا بعد جهد حقيقي من الرجل لإثبات استحقاقه لها. الرجل القوي الذي يُطلق عليه "قوّام" هو الرجل الذي يتحمل مسؤولية رعاية أهله، ورعاية مشاعرهم، وصحتهم، وتلبية احتياجاتهم. ليس القوامة أن يتعالى الرجل على أفراد عائلته أو أن يمارس الهيمنة عليهم، بل القوامة هي أن يفضل احتياجاتهم على حاجاته الخاصة، وأن يسعى بكل ما في وسعه لتوفير حياة كريمة لهم. القوامة هي أن تعمل على تأمين الحياة الأفضل لأفراد أسرتك حتى ولو كان ذلك على حساب راحتك الخاصة، وأن تبذل جهدك لتحقيق رفاههم المادي والمعنوي. الرجال الحقيقيون فقط هم الذين يتحملون تلك الأعباء الثقيلة، مثل توفير الطعام والملبس والمأوى، ورعاية الأطفال، وتوجيههم، والعمل الجاد لتلبية احتياجاتهم. القوامة تتطلب تضحيات حقيقية، فالرجل الذي يضحي براحتة من أجل سعادة أسرته، الذي يعمل بجد ويشعر بالمسؤولية تجاههم، هو من يحقق القوامة. في المقابل، نجد أن بعض الرجال يتفاخرون بلقب القوامة دون أن يتحملوا مسؤولياتها. هؤلاء يطالبون بالتقدير والاحترام من أفراد أسرتهم دون أن يقدموا لهم أي تضحيات تذكر. بل في بعض الأحيان، يطالبون بأن يتم تكريس تقديس زائف لرجولتهم، مما يؤدي إلى نشر فكرة مغلوطة حول القوامة.
إذن فكثير ن الرجال بهذا المفهوم ليسوا قوامون فعلياً، نجد أن بعض الرجال يتفاخرون بلقب القوامة دون أن يتحملوا مسؤولياتها. هؤلاء يطالبون بالتقدير والاحترام من أفراد أسرتهم دون أن يقدموا لهم أي تضحيات تذكر. بل في بعض الأحيان، يطالبون بأن يتم تكريس تقديس زائف لرجولتهم، فقط لكونهم ذكوراً ليس من الضروري ان يكونوا رجالاً، القوامة ليست مجرد لقب يُعطى للرجل دون اجتهاد أو عمل حقيقي. هي منصب يتم تحقيقه من خلال الأفعال والإنجازات اليومية التي يقوم بها الرجل في حياته مع أسرته. يجب أن نفهم أن الانتقال من مرحلة الطفولة إلى الرجولة ليس كافياً ليكون الإنسان رجلاً حقيقياً. يجب أن يتبعه تحول آخر، من "رجل" إلى "رجل حقيقي"، لأن ليس جميع الرجال يرتقون إلى هذا المستوى.
يعتقد العديد من الرجال ايضاً أنهم يتمتعون بالذكاء والقدرة على التفكير السليم لمجرد أنهم رجال، ويظنون أنهم أفضل من النساء بسبب جنسهم فقط. ولكن الحقيقة أن مروءة الرجل لا تُقاس بجنسه أو معتقداته الموروثة، بل تُقاس بأخلاقه، وبمدى تحمّله لمسؤولياته تجاه والديه وطاعته لهما، وكذلك قدرته على إعالة أسرته والقيام بواجباته تجاهها. تُقاس قوة عقل الرجل بقدرته على مواجهة الحقائق التي قد تتعارض مع قناعاته الشخصية، وتقبلها برحابة صدر. وفقًا للمعايير الحقيقية للرجولة، سيكتشف الكثير من الرجال أنهم بعيدون عن هذه المعايير. أما بالنسبة للوالدين، فقد أوصى بهما الله خيرًا في الكثير من الآيات القرآنية، وكل رجل يدعي الرجولة ويخرج عن طاعتهما أو يستخف ببرهما، فإن ادعاءه هذا يكون باطلاً وحجته ضعيفة. إن الرجل الذي يدفع والديه ليشعرا بالخجل من سوء تصرفاته وسلوكه، والذي يرى أحدهما أو كليهما يمشي مطأطأ الرأس خجلاً من تصرفات ابنه، فإن رجولته تكون موضع شك. أما بالنسبة للأهل، وهم الوالدين، الزوجة، الأبناء، والإخوة والأخوات، فيتضح مع من يتحمل الرجل مسؤوليته، خاصة إذا كانوا بحاجة إليه. الكثير من الرجال اليوم يتجاهلون هذه المسؤولية، ويكتفون بالاهتمام بأنفسهم: شراء ملابس جديدة، أحذية جديدة، هواتف جديدة، بينما يتجاهلون احتياجات عائلاتهم. الرجل القوام الحقيقي هو الذي تكون أولويته في الحياة هي أسرته، حتى قبل نفسه. فإذا كانت الأولوية له هي متعته الشخصية على حساب حاجات أسرته، فهو لا يملك من الرجولة شيئًا.
كل هذا الكلام يوجهنا إلى حقيقة واحدة، وهي أن الرجولة ليست لقبًا يُمنح للجميع، وأن القوامة لا تتوافر لأي رجل لمجرد كونه رجلاً أو لمجرد ادعائه ذلك. الرجولة لا تُعترف إلا بالمواقف الصادقة والأفعال الحقيقية. يمكنك أن تكذب، ويمكنك أن تدعي أنك رجل، ويمكنك أن تقتنع أنك تتبع طقوس الرجولة بالتظاهر بالملابس والحديث الجوفاء، لكنك لن تكون رجلًا حقيقيًا إذا فشلت في اجتياز امتحانات الرجولة التي تتطلب منك التضحية، والتحمل، والتفاني في سبيل من تحب.





