اللهُ يَا أَعْذَبَ الأَلْفَاظِ فِي لُغَتِي
مُذكرة وتذكرة
لطالما طارد الإنسان سراب الامتلاك، حتى إذا جمع بين يديه ما قدر عليه، لم يرَ نفسه إلا أفقر مما كان. وكلما استجاب لنداء شهواته، تكاثرت عليه الرغبات جوعاً لا يُشبع، وإلحاحاً لا يهدأ، وتلوناً لا يستقر. فإن طاوع شهوة المال، ازداد طمعاً وحِرصاً مع كل درهم يُحصِّله، وإن استجاب لشهوة النساء، وجد لذّته عطشاً متجدداً، يدفعه إلى التبديل والتلوين حتى يفقد جوهر إنسانيته. كمن يمد فمه ليشرب من ماء مالح فيزداد مع كل جرعة ظمأً على ظمأ
وحينها يدرك المرء ولو بعد حينٍ، خديعة أن الشهوات لا تمنحه حريةً كما يظن، بل تكبّله في أغلالٍ خفيّة، وتجرّه إلى سجن الضرورات وضيق الطين، وتلقي به من وهم التحليق إلى قاع السقوط. يخدعه بريق الرغبة حين تتزيّن بالكلمات العاطرة والأوهام الموشّاة، حتى إذا انطفأ السُّكر، لم يبقَ أمامه إلا خواء الروح
وما يحسبه المرء حريةً ليس إلا قيداً مستتراً، يُثبت له كل يوم أنه ضرب وشكل من أشكال العبودية، وانقياد أعمى لذلك الحيوان الكامن تحت جلده. وما أسرع ما يهبط بهذا الانقياد إلى دركٍ من الآلية المادية، حيث تُصبح الروح سجينة الضرورات، حبيسة الطين وثقله، غارقة في ظلمته وغِلظته
يسقط المرء في كل مرة وهو يتوهم أنه يُحلّق ويرفرف، ينهار وهو يظن نفسه يصعد، ويخبو نوره وهو يظن أن شعاعه يزداد. ربما هي مأساة الغرور الذي يتخفى في ثوب الحرية تارةً، وتارةً أخرى يتم خلط السقوط بالطيران، والقيد بالانطلاق، والوهم بالحقيقة
في كل مرة يُخدع المرء بوساوس شيطانه؛ إذ يكسو له الرغبات أثواباً من الشعر، ويُطرّزها بخيالات زائفة، ويغلفها بعطورٍ خادعة، ثم يزفها إليه في موكب من الكلمات الباذخة وبخور العواطف المموّهة. غير أنّ لحظة الوعي لا تلبث أن تداهمه، فإذا كل ذلك البريق دخان، وإذا الموكب سراب، وإذا قلبه بين يديه فارغ لا يحمل إلا الخواء
وحينها يبدأ السؤال يلحّ على قلبه: أما آن للروح أن تتحرر من هذا الدوران العقيم؟ أما آن للإنسان أن يطلب ما لا يفنى بدل أن يلهث خلف ما يتبدد؟ فالرغبات، مهما تجمّلت، لا تلد إلا الظمأ، أما السكينة فلا تُمنح إلا لمن وجد وجهته عند خالقه، وعلِم أن الطريق إليه وحده هو المخرج من دائرة الوهم إلى فضاء الحقيقة
إلهي، لم تعد الدنيا غايتنا، ولا أنفسنا الطامعة بما فيها مقصدنا، ولا العلوم التي تُسخِّر لنا شهوات الدنيا هي سعينا، ولا الكلمات التي نحتال بها على الدنيا بضاعتنا ولا رأسمالنا. إنما مرادنا أنت، ومعتمدنا إليك، ووجهتنا رضاك
إلهي، ما وجدنا لقلوبنا طمأنينة في زخارفها، ولا لسعينا قراراً في طلبها، ولا لأرواحنا حياة في لهوها وبهرجها. فأنت الذي تطمئن بذكرك النفوس، وأنت الذي به تنشرح الصدور، وإليك تنتهي كل الحاجات.
إلهي، إن نحن خسرنا الدنيا فقد خسرنا وهماً زائلاً، وإن نحن فقدناك فقد خسرنا أنفسنا، وخسرنا الحق كله. فخذ بأيدينا عن كل حجاب يحول بيننا وبينك، واجعل حبك أغلى عندنا من كل محبوب، وذكرك أسمى من كل ذكر، وقربك حياة قلوبنا وغاية أرواحنا
وإنما أنت وحدك يا إلهي مرادي، وإليك وحدك مقصدي ومطلبي. فاستعن بك على نفسي التي تضعف عن طاعتك، ونجّني بحولك من التعلق بسواك، وأخرجني بنورك من رقِّ عبودية ما دونك مهما كان شكله وبريقه، فإن كل قصد لغيرك وهْم، وكل طلب لسواك خسارة، وكل اعتماد على غيرك ضياع
إلهي، إن الأرض كلها لك وحدك، وما فيها من خيرات فهي من جودك وعطاياك، والخلق جميعًا خلقك، في ضيافة كرمك الذي أوجدهم من العدم. لا يملك واحد منا شيئًا على الحقيقة، ولا يستطيع أحد أن يدّعي ملكًا دائمًا، فالملك لك وحدك يا مالك الملك. الذين تشبثوا بقيراط من أرض، أو توهّموا الخلود في ما بأيديهم، سيتركونه صاغرين ويرحلون عنها رغم أنوفهم، فلا مالك هنا ولا هناك إلا أنت وحدك
إلهي، كل من يعمُر هذه الأرض ليس إلا ضيفًا في حضرتك، ضيافة تزول مهما طالت، ونفَس يُسجَّل ثم ينقطع. جئت بنا إلى الدنيا عراة من كل حول وقوة، لا نحمل إلا ضعفنا، ونعود إليك كما ابتدأنا، عراة لا نصحب إلا ما خطّته جوارحنا من عمل، وما أضمرته قلوبنا من نوايا
إلهي، الدنيا دار عبور لا مقام، وجسر قصير نقطع به أشواط الامتحان إلى دار البقاء. هي مَأدبة محدودة، ومَمرّ لا مَقرّ، وابتلاء تُوزن فيه النفوس. من ركن إلى زخارفها خُدع، ومن أقام فيها كأنها وطن أثقلته قيودها، ومن عرف حقيقتها استخفّ بزخرفها وسلكها سبيلًا إليك، فصار فيها سيدًا حرًا، قلبه معلق برضاك
إلهي يا أعذب لفظ تجري به لساني، ويا أجلَّ معنى تحتمله روحي، ما ذكرتك إلا واطمأن القلب، وما نطقت باسمك إلا فاض السرور وغمرني الهناء
إلهي، يا أُنسي، يا بستان قلبي، ويا بهجة عمري ودنياي، ما وجد قلبي زينة أعظم من ذِكرك، ولا راحة ألذَّ من حضرة اسمك. كلما سبحت بإسمك اهتزّت روحي، وكلما أبصرته مكتوبًا أو منقوشًا على صفحاتي، ازددت شوقًا إليك وولهًا بك. إلهي، أرتحل في أعماق اسمك العظيم، فأجد فيه سعة الكون وضيق نفسي معًا، وأرتوي من إيحاء حروفك نورًا يشدني إليك شدًّا. أنت الذي تستمدّ نفسي منك برّها وطمأنينتها، ومن فيضك يأخذ قلبي راحته، وفي رحابك أجد أمني وسعادتي
إلهي، ما ألذّ المناجاة إذا كانت لك، وما أعذب الكلمات إن صارت مدارج قرب منك ومسعى إليك. فاجعل اسمك حياتي، وذكرك ملاذي، وقربك أنسي، فلا أنحني إلا لجلالك، ولا أطمئن إلا بحديثك، ولا أرى في كل ما حولي إلا إشارات تدل عليك
إلهي، في ذكرك تنحلُّ أسئلتي وتشرق إجابات قلبي، ومن معاني رضاك وحبك أستقي صفاء روحي.
يا الله، في حضرتك بياني، وبسمتي، وفرحي، ومشاعري كلّها، فأنت بشرى الماضي، وأمل الحاضر، ورجاء المستقبل. إلهي، أنت روحي وطمُوحي، راحتي وسكناي، لا ألتمس أنسًا ولا سكينة إلا من فيض قربك. فإذا ضاقت الدنيا وأغلقت الأبواب، فإليك ألجأ، وفيك وحدك تتفتّح كل الكروب وتنجلي الغموم
يا الله، إن الأرواح تهتز لهيبة ذكرك، وتسمو بفرح خفيّ وهي تصعد في مراقي القرب منك.
يا الله، يا الله، كم لك من أثر باقٍ في مهجتي، لا يحيط به وزن ولا يصفه لسان، فأي بيان يقدر أن يكشف عمق عطائك في قلبي؟ إلهي، اجعل نفسي لا تأنس إلا بك، ولا تسكن إلا لديك، ولا تحيا إلا بحبك، فبك البداية وبك النهاية، وإليك المصير










كالعادة بارع في اي نوع من المقالات تبارك الله استمر فأنت من اخرج الكثير من الكُتاب هنا بفضل الله ثم مقالاتك والهامك لهم
عذرا لقد نقلته منك صدقة لوالديك وإياي.