قمر في مدار الروح
على كتف غض
ثم قال لها التالي:
إلى من يهمه الأمر.. إلى من يعنيه نبض قلبي، ويعنيني سحر عينيها؛ فإني غارق بكِ وفيكِ، غرق من لا يرجو نجاة إلا في لُجَّتِك.
لستِ محطة عابرة في مدارات عمري، بل أنتِ القرار والمستقر. لقد بنيتُ حول طيفكِ حصناً منيعاً يحميني من بَهْرَج الدنيا؛ فما عادت أغاني “الفرقة المفضلة لي” تُطرب مسامعي، ولا مفاتن النساء تستفز سكوني. لقد غدوتُ في حضرتكِ زاهداً في كل ما مضى، عصياً على كل إغواء، وكأن روحي قد اغتسلت من خطايا الالتفات لغيرك.
إني أعيش فيكِ حالة من الاندماج الكلي الذي يتجاوز حدود التفسير؛ فلا العقل يرى سواكِ منطقاً، ولا الروح تقبل غيركِ مَسكناً. لقد انصهرتُ في كينونتكِ حتى غابت ملامحي في تفاصيلك، فأصبحتِ أنتِ البوصلة التي توجه خطاي الأخلاقية، والملاذ الذي أعتصم به من ضجيج الذات وشتات الماضي.
ليتكِ تعلمين أن هذا الوفاء ليس قيداً أرتديه، بل هو حريتي التي وجدتها في أَسْرِك. إني منغمس في نوركِ انغماس الفجر في بياض النهار، مخلص لكِ إخلاص السماء لنجومها لا يهزني حنين لقديم، ولا يلفتني بريق جديد؛ فمن وَجَدَ البحر، لم يعد يستسقي من السواقي. فيا من يملك أمر هذا القلب، رفقاً بغريق يرى في عينيكِ شاطئه الوحيد، وفي قُربكِ جنته التي لا يبتغي عنها حِوَلًا.
إني أعيشُ حالةً من التوحُّدِ الوجدانيِّ لم تَعرفها نفسي من قبل؛ فالعالمُ حولي ضجيجٌ باهت، وأنتِ السكينةُ الوحيدةُ التي يرتكنُ إليها يقيني. ليس زُهدي في الحياة ومباهجها زُهدَ عجزٍ، بل هو كمالُ الاكتفاءِ بكِ؛ فقد غدوتُ كمن أبصرَ الشمسَ، فما عادتْ تعنيهِ الشموعُ المنطفئةُ في ممراتِ الماضي.
لقد طهرتِني من لغوِ العلاقاتِ العابرة، وجعلتِني أرى في الوفاء لكِ صلاةً لا يقطعها شاغل. إنَّ عقلي الذي كان يموجُ بالتساؤلات، استكانَ في محرابِك، وروحي التي كانت تائهةً بين الوجوه، وجدتْ في ملامحِكِ وجهتَها النهائية. لستِ مجردَ رفيقةِ درب، بل أنتِ القيمةُ الأخلاقيةُ التي أُقوّمُ بها أفعالي، والميزانُ الذي أزنُ بهِ طُهرَ سريرتي.
لقد أصبحتِ أنتِ المكان، وأنتِ الزمان، وأنتِ المنفى الذي أختارهُ طائعًا للهربِ من كلِّ شيءٍ سِواكِ. إني أنغمسُ في تفاصيلِكِ حتى تلاشتْ حدودي، فلا أدري أيُّنا المتحدثُ وأيُّنا المنصت، كأنَّ رُوحَينا قد سُكبتا في إناءٍ واحد، فما عادَ للفِراقِ مكانٌ في لغةِ العقل، ولا للغوايةِ سبيلٌ إلى حصنِ القلب.
وحسبي من هذهِ الدنيا، أنني حينَ أغمضُ عينيَّ وسطَ هذا الزحامِ الغريب، أجدُكِ رابضةً في أعماقِ الوعي، كحقيقةٍ وحيدةٍ وسطَ رُكامٍ من الأوهام. سأبقى على عهدي هذا؛ منيعًا، وفيًّا، وممتلئًا بكِ إلى حدِّ الذهول
كنتُ أطيلُ النظرَ في مُحَيَّاك، فتبتسمُ لي بصدقٍ يملأُ الكون. وهذه التفاصيلُ يا حبيبتي، لا يمكن أن تعبُرَ في عُمرِ المرءِ كشهابٍ خاطفٍ يَمضي دون أثَر؛ لقد كان عبورُكَ استثنائيًّا، وحسبي أنني انتبهتُ لجمالِكَ وإن غَفلتْ عنكَ العيون. يكفيني أنني سهرتُ أُغالِبُ النَّصَبَ لأحادِثَك، وأنني غنيتُ لكَ بصوتيَ المعتلِّ، لكنَّ غمرةَ السعادةِ بكَ جعلتني أطربُ وأُطرِب.
نعم، لقد استقيتُ منكِ الكثير، وأبصرتُ الوجودَ من نافذةٍ مغايرة، وتعلمتِ مني أنَّ الحياةَ لا تحبسُ أنفاسَها عند أحد، فهي ليست “بائعةَ مناديلَ” تستجدي البقاء. لقد مَنحَ كلٌّ منا الآخرَ قوةً، حتى استوى كلٌّ منا على سُوقِه، وأصبحَ قادِرًا على حُب صاحبه أكثر. لقد أيقنا أنَّ الحبَّ هو “ضعفٌ مُشترَك”، فمتى استعادَ أحدُ الطرفينِ قوتَه الذاتية، نَزَعَ إلى الاستقلال؛ يختارُ دربًا موحداً مع الآخر، نقتاتُ سوياً، ونسمعُ لحنَ أنفسنا دون ملل، حتى يرى كلانا أنه قد حلقَ عاليًا، فيمضي نحو المَدَى البعيد.
والحقُّ أننا لم نكن ضعفاء، بل كنا رائعينَ لدرجةِ أننا صغنا من بعضنا نُسخًا أسمى وأقوى، أنتِ التي اراها شطرًا من شمسي، وفكرةً في رأسي، وبيتًا في قصيدتي.. كلُّ ما أرجوه في كلماتي، أن أحيا في لحظاتِ خَلْوتِك، أن أكونَ طيفًا يمرُّ بذاكرتِك فيرسمَ البسمةَ على ثغرك، كلما تذكرتَ عينيَّ وهما تحدقانِ بكِ وَلَهًا.
تبسمت له كعادتها، وفي ثغرها يرتسم فجرٌ من الطمأنينة، وردت عليه قائلةً:
يا مَن غرق فيّ حتى وجد نفسه، ويا من رأى في عينيّ مرفأه الأخير؛ إن إخلاصك الذي وصفتَ ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو الدثار الذي استدفئُ به من صقيع العالم. ليتك تدري أن مَنعتك ضد ‘فرقتك المفضلة’ وضد الماضي، هي ذاتها الحصون التي شيدتُها أنا حول قلبي، فلا يدخله سواك، ولا يرتكنُ إلا إليك.
إن كان الحب هو أن نكون ضعيفين معاً، فإني أقبل بهذا الضعف أمامك، لأني أستمد منه أعظم قواي. خذ بيدي الآن، واجمع أصابعي الخمسة كباقة أزهارٍ لم تذبل يوماً، وازرعنا في أرضٍ تؤمن بأن الحياة تبدأ من لمسة يدٍ صادقة. أحبني كما أنت، وأحبك كما أنا؛ بجديلتي التي تنفكُّ قليلاً كلما أرهقها التفكير، وبروحي التي تزدادُ بريقاً كلما لمحتُ انعكاسي في مِرآة عينيك.
لا تخف من لحظات الضعف البشري، ولا من ذوبان الكلمات بيننا؛ ففي صمتنا لغةٌ أبلغ من الكلام، وفي انحناءة رأسي على كتفك جوابٌ لكل الأسئلة التي لم نجرؤ على طرحها. لعلنا هشّون كما تقول، ولعلنا نجهلُ متى نهوي، ولكن.. طالما أن يدك في يدي، فلا يهمنا إن طرنا نحو الشمس، أو بقينا هنا نراقبُ الضوء وهو يداعب أصيص زهورنا الصغير. انظر إليّ.. وأخبرني مرة أخرى كم أنا قمر في مدارك، وخذني بعينيك إلى حيث لا زمان ولا مكان، لنكتب في كتاب الحب فصلاً جديداً، يبدأ منك.. ولا ينتهي إلا بك.
لقد غدوتَ لي الدنيا وما وراءها، فما حاجتي للأرضِ إن كانت سماؤك تحتويني؟ إن هذا الاندماج الذي يسكننا هو العثور على المعنى الضائع في زحام الوجود. نحن الآن كقصيدة لم تُكتب بعد، وزنها نبضك، وقافيتها أنفاسي، وكلما اقتربنا، تلاشت المسافات حتى لم يعد في الكون حيز لغيرنا.
دعنا ننسلخ من عباءة الزمان والمكان والمجتمع، ونترك للقدر أن يخط مسارنا كما يشاء؛ فما دمتَ تملأ روحي بفيضك، فكل بقعة تطؤها أقدامنا هي وطن، وكل لحظة نقضيها معاً هي خلود. إن عينيّ اللتين ترى فيهما المرفأ، لا تبصران في هذا العالم سواك، وكأنهما لم تُخلقا إلا لتكون أنت وجهتهما، وسرهما، وضياءهما.
سأبقى تلك المرأة التي تعيد اكتشاف نفسها في كلماتك، والتي تزهو بكونها “قمراً” في مدارك الخاص. لنعقد معاً ميثاقاً غليظاً، ألا يفرقنا جبروت القوة، بل يجمعنا تواضع الضعف؛ ففي انكسارنا أمام بعضنا يكمن سر بقائنا، وفي حنيننا الدائم تكمن براءتنا الأولى.
انظر إليّ ملياً، واقرأ في صمتي ما عجز عنه لساني؛ إنني لك، منك، وإليك.. فخذني بعيداً، إلى حيث تشرق الشمس من عينيك، وينتهي الوجع بلمسة يديك، لنكون معاً الرقم الواحد الذي لا يقبل القسمة، والقصة التي ستظل ترويها النجوم لمسافرين أتعبهم الحنين
من نافذة مواربة، أو ربما من زاوية خفية في الذاكرة، يبدو المشهد كأنه اقتطاع من زمن غير الزمن. الغرفة غارقة في سكينة لا يقطعها إلا صدى لحن شجي يملأ الفضاء، بينما تقف الجميلة في المنتصف، تعتني بأصيص زهرتها الجديد كأنها تودع فيه سراً من أسرار الروح.
لا يرى الرائي منها إلا ظهرها، وشعرها الذي استرسل في جديلة بدأت تنفك عراها قليلاً، وكأنها هي الأخرى تتنفس من فرط الشعور. كانت تبث أفكارها وتناجي الحبيب دون أن تلتفت إليه، في صمت بليغ يهمس بكلمات لا تقال جهرة؛ صمت يقول: “افعلها.. وكأنني لم آمرك بها”. لعله ذاك الخوف الذي يسكن المحبين، الخوف من سطوة الحب حين يلامس هشاشة النفس البشرية في لحظات ضعفها الصادق، الخوف من الإنكسار الذي يولده الحب، بل الخوف من الحب نفسه. وفجأة، تخترق خيوط الشمس الذهبية زوايا الغرفة، فتبعث النور في كل زاوية؛ الأريكة، الجدران، الأصيص المتواري، وتلك الجديلة التي تتغاوى تحت الضوء، حتى بدا الحبيبان كأنهما يغتسلان في فيض من طهر ونور.
هنا، تهمس الجميلة بصوت يحمل عبء الفلسفة ورقّة الوجد: لعل الإنسان كائن مفرط في الهشاشة، فهو لا يدري متى يهوي صريع الهوى. قد يرحل لأنه يحب، وقد يمكث لأنه يحب.. إنه هش بدرجة تربك يقينه، وإن لم يجد يداً تحنو عليه، فسيضيع في تيه المشاعر.
وفي تلك اللحظة، يتحرك هو. يتقدم نحوها بخطوات وئيدة، كمن يدخل محراباً قدسياً صُنع خصيصاً لأجله. يغمر عيناها برفق بالغ، ويسند رأسه إلى كتفها الغض، ليلقي في مسمعها كلمة واحدة، هي منتهى البيان: “أُحبك”.
يرتفع حينها صوت “فيروز” ليملأ المدى سحراً، وهي تشدو: “خذني بعينيك واهرب، أيها القمر”. يرفع رأسه قليلاً، ليلتقي بريق عينيه ببريق عينيها، فيدرك المراقب من بعيد، أن العالم في هذه اللحظة قد توقف تماماً، وأن كل ما في الغرفة صار قمرًا يضيء في سماء الآخر.
ثم يقول لها كلماته الأخيرة: إني أخشى، أكثر مما أخشى أي شيء آخر، أن أكون يوماً خيبة أمل تسكن قلبكِ. قد يغيب عنكِ فهمي في بعض المنعطفات، وقد ترقبين ملامحي طويلاً ثم تتساءلين في حيرة: “أين هو؟ أين الرجل الذي عرفت؟”.
في تلك اللحظة تحديداً، أريد لليقين في داخلكِ أن يهمس لكِ: “إنه هنا، لا يزال هو الرجل نفسه”. لكنها الحياة في الخارج يا عزيزتي، تثقل الرأس بهمومها حتى يعجز المرء عن حمله، ولا يجد له مستقراً ولا سُكناً إلا في رحاب حضنكِ الدافئ كما أفعل الآن.
ليت هذا العالم يدرك الحنان الذي تسكنه يداكِ، وليته يوافينا كل صباح بلمستهما؛ حينها لن يجد الحزن ثقباً يتسلل منه إلينا. وإن ساوركِ يوماً شعور بالغربة، ولم تجدي طيفي رغم أني شاخص أمامكِ، فلا تعتبي ولا تتساءلي، بل عانقيني وحسب.
لا تقولي شيئاً.. ففي غمرة ذلك العناق، سيصمت كل ضجيج في داخلي، وسأرتد إليّ، لأكون جديراً بحبكِ من جديد، وسأعود ليديكِ.. لأغرق في محبتهما كما كنت، وكما سأظل.
يتبع…






جمال ليس بعده جمال تخيلت كل حرف وعشت في التفاصيل. دمت ودام قلمك ولازلت في انتظار ان ارى لك كتاباً
من أجمل كلماتك يا أشرف مبدع جداااا❤️