فن الأُنس بالله، ثم الأُنس بالنفس
هل تشعر بالوحدة ؟
هل تناهى إلى مسمعك يوماً ذلك الوصف العفوي، حين يقال عن إنسان أرهقته الأيام إن “عناية الله تربت على كتفه”؟ أو أن الخالق “يمسح بلطفه على قلبه”؟
وان صح سؤالي فهل شعرت يوماً بهذا ؟
قد تتكالب الخطوب وتتوالى المحن، فتأتي مجتمعة كأمواجٍ عاتية؛ تارةً تعصف بمن حولنا فتذروهم رياح الفقد، وتارةً تسلبنا ما جمعناه من حطام الدنيا، وربما تصفعنا الأيام بخذلانٍ من القريب وقسوةٍ من الغريب. كل هذا في شريعة الحياة أمرٌ مألوف، وسنةٌ من سنن الوجود المتقلبة. فالمؤمن يقرأ في توالي المصائب رسائلَ عتبٍ إلهي مغلفةً بالرحمة. وقد تتسائل ياعزيزي كيف؟ فحين ينفضُّ الناس من حولك، إنما هي إشارة خفية تخبرك بأنك ركنت إلى سوى الله، فجردك من الأسباب ليردك إليه رداً جميلاً، ويذكرك بأن من ابتغى السند في البشر فقد أسند ظهره إلى جدارٍ متداعٍ. وحين يتسرب المال من بين يديك، فهي ومضة توقظك من غفلة الغرور؛ لتعلم أنك حين ظننت أن كدك وذكاءك هما صانعا ثروتك، نسيت أن الفضل كله للمنعم، فأخذ منك العطية ليذكرك بمعطيها.
وحين تبتغي رضا الخلق وتلهث خلف سراب استحسانهم متناسياً رضا الخالق، يُبعدهم عنك ليذيقك مرارة الخذلان؛ كي تدرك أنك أسأت توجيه بوصلة قلبك. وحين تبوح بمكنون صدرك وتستودع أسرارك عند بشرٍ مثلك، طامعاً في حكمتهم ومواساتهم، تخيب المساعي لتتعلم الدرس الأكبر وهو أن الشكوى لغير الله تيه، وأن بث الحزن للخالق هو الحكمة البالغة والبلسم الشافي. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للمواساة الربانية؛ فما هذه الابتلاءات الموجعة في ظاهرها، إلا “تربيتةٌ حانية” من يد الرحمة على كتف الروح التائهة. الأمر اشبه مايكون بانتشالٌ يوقظنا من الغفلة قبل أن نغرق في وحل الدنيا. فالله حين يحب عبداً يغار على قلبه أن يسكن لغيره، فيكسر له كل الأوهام التي شيدها، ليُبقي له الحقيقة الأنقى: أن الله وحده هو الملاذ، والمأوى، والمبتغى، وأن الحرمان منه عين العطاء، ومنعه هو محض اللطف. وإزاء تلك التقلبات، يتبين للبيب أن أسمى ما قد يبلغه المرء في مسيرته هو “تهذيب النفس”. وهو ميدانٌ فسيح يضم بين دفتيه فنوناً شتى، لعل أرقاها وأجلّها: “فن الأُنس بالله، ثم الأُنس بالنفس”.
كثيرٌ من الناس ينظرون إلى العزلة وكأنها سياط عقابٍ تُجلد بها أرواحهم، غافلين عن كونها قد تكون من أعظم المنح الإلهية إن نحن أحسنا فكّ شفرتها وتشرّبنا معانيها. إن الخلوة بالذات ليست معضلةً في حد ذاتها، بل تكمن المعضلة الحقيقية في عجز الإنسان عن مجالسة نفسه دون الهروب منها. في تلك اللحظة الفارغة، يغدو المرء متشبثاً بوجود أي عابرٍ في محيطه، لا حباً فيه ولا أنساً برفقته، بل فزعاً من مواجهة أعماقه الموحشة وهروباً من ضجيجه الداخلي.
ولا شك أن الإنسان، بفطرته السوية، كائنٌ يألف ويُؤلف، وقد حثنا ديننا الحنيف على التراحم، وصلة الأرحام، وبسط أجنحة المودة للناس. بيد أنه، وفي الوقت ذاته، ربّى أفئدتنا على ميزانٍ دقيق: أن يكون معقد رجاء القلب ومتعلقه الأوحد هو “الله”، وليس البشر. فلا حضور الناس هو ما ينسج خيوط سلامك، ولا غيابهم هو ما يسلبك طمأنينتك. ومن هنا، ينشأ ذلك لبس غالب في أذهان العوام حول مفهوم “الوحدة”. فالكثيرون يظنونها رديفاً للفشل، أو دليلاً على انفضاض المحبين من حولهم، أو انتقاصاً من قدرهم بين الأقران. بينما تتجلى الحقيقة الناصعة في ذلك الفرق الشاسع بين أن تكون “مختلياً” تصقل روحك، وبين أن تكون “وحيداً” تنهشك مشاعر الغربة. فالأولى خلوةٌ تملأ القلب بنور اليقين، والثانية وحشةٌ تتركه فريسةً للفراغ؛ ومن وجد الأُنس بالله في خلوته، لم يعرف للوحشة طريقاً وإن غاب عنه أهل الأرض قاطبة.
فقد يُحاط المرء بجموع غفيرة من البشر، وتضج من حوله الأصوات، ومع ذلك تنهش روحه غُربةٌ قاسية، وتعتصره وحشةٌ لا تُطاق. وفي المقابل، قد يجلس وحيداً في ركن قصي، لكن قلبه يرفرف بطمأنينة لا مثيل لها، ونفسه مستأنسة بمعية الله، متنعمة بصحبة ذاتها.
إعلم ياعزيزي إن الآفة الكبرى في زماننا تكمن في الخوف المستتر من لحظات الوحدة؛ فترى الكثيرين يفرون من أي هدوءٍ يحيط بهم. فما إن يختلي أحدهم بنفسه، حتى يسارع لاحتضان هاتفه، أو ينغمس في ضجيج العالم الافتراضي، أو يزحم يومه بشتى الملهيات، ليتهرب من الجلوس وجهاً لوجه مع ذاته. وبمرور الأيام، تتكلس بصيرة الإنسان، ويفقد قدرته على الإنصات لصوت أعماقه، أو فك طلاسم مشاعره، أو مراجعة صحائف حياته؛ فيظن أنه يفر من وحشة الوحدة، بينما هو في الحقيقة يهرب من نفسه.
أما الحقيقة الأكثر إيلاماً في هذه المعادلة، فتكمن في أن من عجز عن إيناس نفسه، يغدو فريسةً لتعلقٍ مرضيّ بالآخرين. فيلقي بنفسه في غياهب علاقاتٍ هشة، هرباً من شبح الفراغ الداخلي، ويتشبث بأي عابرٍ خوفاً من العزلة. بل قد يرتضي لنفسه فتات المشاعر وأذى التنازلات، ويقبل بما لا يرضيه، لأنه ببساطة لا يقوى على تحمل فكرة الفقد أو مواجهة مرآة نفسه.
من أجل ذلك كله، يبرز لنا ما يمكن أن نسميه “حلاوة الخلوة”. وحتى لا يختلط عليك الأمر ياعزيزي فهذا الطرح لا يدعونا إلى اعتزال البشر أو مقت الروابط الإنسانية، بل يُعلمنا كيف نكون رفقاء صالحين لأرواحنا. يعلمنا كيف نكتفي بأنفسنا عبر خالقنا، كي تكون علاقتنا بالآخرين خياراً صحياً نابعاً من فيضٍ وامتلاء، بدلاً من ان تكون طوق نجاةٍ نتشبث به غرقاً، ولا ملاذاً نلجأ إليه هرباً من فراغٍ نعجز عن رتقه.
في علم النفس، يبرز مصطلح يُعرف بـ “رهاب البقاء وحيداً” وهو في صُلبه لا يقتصر على مجرد الفزع من غياب الوجوه وانفضاض السامر، بل هو رعبٌ أعمق من مكاشفة الذات والوقوف وجهاً لوجه أمام مرآتها. وتُشير الكثير من الدراسات النفسية إلى أن المرء الذي نشأ على ربط قيمته الذاتية باستحسان الآخرين واهتمامهم، أو اتخذ من وجودهم حوله مصدر أمانه الأوحد، يكبر حاملاً وهماً متجذراً مفاده أن العزلة تعني بالضرورة النبذ أو انعدام القيمة. لذا، ما إن ينفضّ الجمع وتتوارى الوجوه، حتى تداهمه جيوش القلق، وتجتاحه مشاعر الخواء وتضاؤل الذات.
في تلك اللحظة، يهب مسرعاً للبحث عن أية علاقة يلوذ بها، أو ينغمس في أي صخب يشتت به انتباهه هرباً من هذا الشعور الخانق. وهذا التفسير الدقيق هو ما يُميط اللثام عن السر وراء بقاء الكثيرين في أسر علاقاتٍ مؤذية تستنزفهم، أو خشيتهم من إسدال الستار على مسرحية علاقةٍ ماتت منذ زمن، أو شعورهم بالاختناق لمجرد جلوسهم مع أنفسهم لساعة واحدة تتجرد من الملهيات.
أما الإنسان الناضج في ميزان الصحة النفسية، فيدرك بيقين أن العلاقات الطيبة تضفي على الحياة بهجةً ورونقاً، لكنها أبداً لا تصنع قيمته ولا تحدد كيانه. ويؤمن بأن أصدق العلاقات وأمتنها هي تلك التي تنشأ بين روحين، أتقن كل منهما فن العيش بسلام مع ذاته، قبل أن يشرع في مشاركتها مع غيره.
يظن الكثيرون أنهم يخشون الوحدة في حد ذاتها، بيد أن الحقيقة الغائبة تكمن في خشيتهم من “المعنى” الذي أضفوه عليها. فما إن يختلي أحدهم بنفسه، حتى يبدأ العقل بنسج تأويلات بائسة يهمس بها في أذنه: “أأنا منبوذ؟”، “لا أحد يكترث لأمري”، أو “ثمة خلل يقبع في أعماقي”. والحق أن الخلوة لم تكن يوماً مرادفاً للرفض، أو الهجران، أو انتقاص القدر، بل وقد يصل الأمر الى ان يقل في فرارة نفسه”لو وافتني المنية الأن لم يأبه لأمري أحد” وهنا يتجلى دور “تهذيب النفس”، بأن تقف وتسائل ذاتك بصدقٍ وتجرد: “هل أنا خائف من الوحدة حقاً؟ أم من ذلك المعنى المشوه الذي ألبستها إياه؟” إذ إن أولى خطوات التعافي تبدأ بفض الاشتباك بين الحقيقة المجردة، وبين التفسير الوهمي الذي طفح به عقلك.
من أكثر المفاهيم التي يعتريها اللبس في أذهان العوام، ظنهم أن العزلة تُقاس بندرة الحاضرين، وأن كثرة الوجوه من حولهم هي صكوك الأمان والنجاة من الوحشة. لكن الواقع يبرهن على حقيقة أخرى؛ فكم من امرئ غارق في زحام الأهل والخلان وتنهشه وحدةٌ قاسية، وكم من معتزل يقضي شطر يومه منفرداً وروحه ترفرف بطمأنينة لا تُضاهى. وذلك لأن “الوحشة” حالة شعورية تستوطن القلب، وليست إحصاءً للجموع. والأُنس الحقيقي لا ينبثق من كثرة البشر حولك، بل ينبع من نبع السلام الداخلي الذي يعقده المرء مع خالقه، ثم مع ذاته. وهنا يعود “تهذيب النفس” ليطرح سؤاله الجوهري للمرة الثانية: “هل أنا بحاجة حقاً إلى مزيد من البشر في محيطي؟ أم أنني أفتقر إلى علاقة أكثر سكينةً وصدقاً مع نفسي وربي؟” فمن سلك طريق الهروب من ذاته، لن ينجو أبداً من شراك وحدته، ولو اختبأ في قلب حشود الأرض قاطبة.
إعلم ياعزيز بإن أسمى مراتب الأُنس وأبقاها هو “الأُنس بالله”؛ فالبشر تتقاذفهم أمواج الطبع، يقتربون حيناً وينأون أحياناً، يودّون ثم يتبدلون، أما الخالق جلّ في علاه، فلا يترك عبداً أوى إليه أبداً. وحين ينعقد حبل قلبك بالسماء، ستتقن فن الاستمتاع بصحبة ذاتك، وستحب الخلائق دونما تعلقٍ مرضي، وتخوض غمار العلاقات متحرراً من فزع الفقدان. مصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. فالأُنس الحق ليس زحاماً يحيط بك، بل هو قلبٌ يَعمر بنور الله. وكلما امتلأت حناياك بهذا النور، استحالت الوحدة من وحشةٍ إلى خلوة، وانقلب الخوف إلى سكينة، وغدوت تنظر إلى الناس على أنهم “نعمةٌ” تزيدك بهجة، وليس “ضرورةٌ” لا تحيا إلا بها.
تيقن يا عزيزي أن أزمتك لم تكن يوماً في جلوسك منفرداً، ولا في قلة العابرين في محطات حياتك. إنما تنبت جذور المعضلة حين تتوهم أن قيمتك تُستمد من أعين الناس، وأن طمأنينتك مرهونةٌ بقربهم، وأن الحياة دونهم محض مستحيل. فالمرء الذي يفر من مواجهة ذاته، سيبقى أسير الهروب مدى عمره، ولو توارى خلف آلاف الوجوه. أما من تشرّب قلبه الأُنس بالله، ثم أحسن صحبة نفسه، فسيكتشف بيقين أن الوحدة ليست عدواً يُخشى بأسه، بل هي سانحةٌ ذهبية ليُنصت إلى نبض قلبه، ويرمّم ما تصدع في أعماقه.
إن “تهذيب النفس” لا يدعوك إلى الزهد في البشر، ولا يطالبك بالاعتزال في صومعة؛ بل يهديك لتشيد بداخل روحك حصناً حصيناً ومصدراً ثابتاً للأمان، كي لا تتسول السكينة في عيون كل طارق. وحين تغدو رفيقاً صالحاً لروحك، سيصفو ودك للناس بلا تعلق، وتشتاق إليهم بلا فزع، وتُسرّ بقربهم دون أن تنهار أركانك إن هم غابوا. وتذكر دائماً وعد السماء المريح: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾. فمن استشعر هذه المعية الإلهية، سقطت من قلبه رهبة العزلة إلى الأبد؛ لأن قلبه، ببساطة، لم يعد وحيداً.






لم أستطع مقاومة العنوان من بين كومة رسائل البريد التسويقية.
قرأت المقال فور استيقاظي من النوم ونصف عيني مفتوحة!
من تحديات عصرنا الحالي هو خوف الإنسان من الخلوة مع ذاته و حتى حينما يعتقد أنه في خلوة مع ذاته فهو يعيش نوع فاخر من الترفيه و الهروب من مشاعره وحياته.
الاستثمار الحقيقي يكمن في علاقتنا مع الله و يليه معرفة الإنسان بذاته و تقبلها و العيش معها فالرحلة مهما كانت مؤنسة مع الناس والأحبة إلا أنها فردية .
من أجمل ما قرأت كلماتك أعطت لقلبي أجوبة لأسئلة كنت أظنها وجدت لتطرح لا لأن تجاب شكرا لك💗🦋